الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني في الصداق الفاسد
قوله: الضرب الثاني ما يخل بمقصود النكاح كشرط أن يطلقها، أو لا يطأها وقد سبق الكلام في الصورتين في فصل التحليل. انتهى.
وما ذكره من سبق ذكر ترك الوطء هناك تابعه عليه في"الروضة"، لكن الذى سبق هناك مما يتعلق بالوطء ليس اشتراط تركه مطلقًا، بل الذى سبق إنما هو إذا شرط أن لا يطأها نهارًا أو لا يطأها إلا مرة واحدة فاعلمه، وإن كان الحكم واحد.
قوله في أصل "الروضة": فصل: نقل المزني في "المختصر" أنه لو نكحها بألف على أن [لأبيها](1) ألفًا فسد الصداق، وأنه لو نكحها بألف على أن يعطى أباها ألفًا كان الصداق جائزًا، وللأصحاب طرق: المذهب منها فساد الصداق في الصورتين ووجوب مهر المثل.
والثاني: تقرير النصين، والثالث: طرد قولين فيهما. انتهى.
واعلم أن الرافعى رحمه الله قد صور المسألة الثانية [بما إذا عطف الألف الثانية](2) المذكوره فيها على الألف الأولى، فقال: لو نكحها على ألف، وعلى أن يعطى أباها ألفًا وعلل الصحة بقوله: وأما في الصورة الثانية فالمشروط الإعطاء معطوفًا على الألف الأولى فيشعر بأن الصداق ألفان، والزوج نائب عنها في [رفع أحد الألفين إلى الأب، أو الأب نائب عنها في](3) القبض هذا لفظ الرافعي ثم ذكر بعد ذلك أيضًا -أعنى الرافعي- أن إثبات الواو هو الموجود في [أكثر](4) نسخ "المختصر"
(1) في جـ: لابنها.
(2)
سقط من أ.
(3)
سقط من جـ.
(4)
في جـ: أظهر.
وبأنه أكثر إشعارًا في الفرق فحذف النووي حرف العطف فلزم منه تغيير المسألة.
قوله: وإذا جمع بين نسوة في عقد واحد وذكر للكل صداقًا واحدًا صح النكاح، وفي الصداق قولان، وهذا قد يتصور عند إيجاد الولي بأن يكون للرجل بنات ابن مختلفات الآباء أو يكون له عتيقات، وقد يتصور مع التعدد بأن وكل أولياء النسوة رجلًا فزوجهن في عقد واحد وأصح القولين الفساد لأن تعدد العاقد يوجب تعدد العقد، والصداق مجهول في كل عقد فيفسد، ثم قال: ونص الشافعى أنه لو اشترى عبيدًا كل واحد لمالك صفقة واحدة إما من الملاك أو من وكيل لهم بطل البيع. انتهى كلامه.
وهو كالصريح في امتناع وقوع النكاح من الأولياء بالمباشرة وإمكان البيع من المالكين فتأمله وهو غير مستقيم، بل إن تصور في البيع تصور في النكاح بذلك الطريق بعينه وإلا فلا، والصواب إمكانه بما ذكروه.
قوله في المسألة: فإذا قلنا بصحة الصداق وزع المسمى على مهور أمثالهن، وفيه وجه أو قول ضعيف أنه يوزع على عدد رؤوسهن، لأنه ذكر المهر في مقابلهن. انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله وإنما تردد بين القولين والوجهين لأن الإمام نقل عن "تعليقة القاضي الحسين" أن الخلاف قولان، وتبعه الغزالي في "البسيط"، وخالف في "الوسيط" فجعله وجهين.
قوله: أيضًا في المسألة وإن قلنا بفساد الصداق ففى ما يجب لهن قولان كالقولين في ما إذا قال: أصدقتك هذا العبد فخرج حرًا أو مستحقًا، أصحهما لكل واحدة منهن مهر مثلها لجهالة المذكور.
والثاني: يوزع المسمى على مهور أمثالهن ويكون الحاصل لكل واحدة كالحاصل لها إذا قلنا بصحة المسمى. انتهى كلامه.
وهذا القول الثاني وهو القول المذكور في آخر كلامه تفريعًا على قول فساد الصداق قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غلط عجيب وقع للغزالي في "الوسيط" و"الوجيز" فقلدهما الرافعي ذاهلًا عن ذلك لأن هذا القول هو قول الصحة بعينه والتفريع على الفساد، وقد ذكره الإمام على الصواب وكذلك الغزالي في "البسيط" عند تلخيصه لكلام إمامه، فإنه قال -أعني الغزالي- التفريع إن قضينا بصحة الصداق فالتوزيع على مهور أمثالهن، وإن فرعنا على فساد الصداق فالرجوع لكل واحدة إلى مهر مثلها وهذا ظاهر على القول بأن المهر يضمن قبل القبض يضمن ضمان العقود، وأما على القول بأنه يضمن ضمان اليد، فإنا نقدر الحر عبدًا، والخمر عصيرًا إذا جعلا صداقين ويرجع إلى قيمتهما، وهذا المجهول أى الذى في مسألتنا وهى جمع النسوة في المهر يمكن تقويمه بالتوزيع، وليس هذا المجهول لا يتوصل إلى تقويمه فعلى هذا القول أى ضمان اليد كان يتجه [القول](1) بصحة الصداق، وتخصيص القولين بالقول الآخر وهو ضمان العقد، لكن قطع الأصحاب بطرد القولين مطلقًا، فليكن هذا إشكالًا لا تصحيحًا لضمان العقد، انتهى كلام "البسيط" وهو صحيح متجه، فإن الإشارة في قوله وهذا ظاهر على القول بأن المهر يضمن إلى آخره عائد إلى ما ذكره، وهو التفريع على القولين، فلما اختصره في "الوسيط" توهم أنه عائد إلى القول الثاني لكونه أقرب وصرح به غير ناظر إلى آخر كلامه وهو من قوله فعلى هذا القول إلى آخره ظانًا أنه زيادة -إيضاح- فوقع الخلل ثم ذكر مثله أيضًا في "الوجيز" فإنه قال: وإن قضينا بالفساد رجعت كل واحدة إلى مهر المثل: على قول، وإلى قيمة ما يقتضيه التوزيع على قول لأن هذا مجهول يمكن معرفته بخلاف ما لو أصدقها مجهولًا لا يمكن معرفته فإنه يتعين مهر المثل. هذا لفظ "الوجيز"، وعبارة "الوسيط" نحوه أيضًا فتبعه الرافعي حالة شرحه، ثم النووي عند اختصاره
(1) في جـ: القطع.
فوقعا في غلط صريح، فلله الحمد والمنة على الإلهام لها والوقوف على أسبابها.
قوله: فإذا أذن لعبده في أن ينكح امرأة ويجعل نفسه صداقًا لا يصح الصداق لأنه لو صح لملكت زوجها وينفسخ النكاح ويرتفع الصداق ولا يصح النكاح أيضًا لأنه اقترن به ما يضاده فكان كشرط الطلاق، ثم قال: ومن الأئمة من قال على سبيل الاحتمال يجوز أن يقال يصح النكاح ويفسد الصداق. انتهى كلامه.
وهذا الاحتمال الذى نقله عن بعض الأئمة ذكره الإمام والغزالي قالا: ولكن لا صائر إليه من الأصحاب، وهذا الاحتمال قد جزم به صاحب "الشامل" ذكره في آخر باب الشغار، وقد نبه في "الروضة" على ذلك، ونقله أيضًا صاحب "التتمة" عن بعض أصحابنا العراقيين.
قوله: فلو قبل لابنه نكاح امرأة وأصدقها أمة لم يصح النكاح لأن ما يجعله صداقًا يدخل في ملك الابن أولًا ثم ينتقل إلى المرأة، ولو دخلت في ملكه عتقت عليه وامتنع انتقالها إلى المرأة صداقًا فيصح النكاح ويفسد الصداق، وإذا فسد الصداق جاء الخلاف في أن الواجب مهر المثل أو قيمتها، هذا ما ذكروه في هذه الصورة، لكن ذكرنا خلافًا في ما إذا أصدق الأب عن الصغير من مال نفسه ثم بلغ الابن وطلق قبل الدخول أن نصف المهر يرجع إلى الابن أو الأب؟ فمن قال يرجع إلى الأب فقد تنازع في قولنا لا يدخل الصداق في ملكها حتى يدخل في ملك الابن. انتهى.
وما ادعاه من أن المنقول للأصحاب هو البطلان، وأنه قد ينازع فيه منازع مستندًا إلى الأصل الذي ذكره، تابعه عليه وليس كما قالاه فقد صرح القاضي الحسين في "فتاويه" بأن في صحة الصداق والحالة هذه وجهين، وبناهما على المسألة التي حاول الرافعي البناء عليها، وذلك في الحقيقة دال على علو قدره رحمه الله.
قوله: وإذ قبل النكاح لابنه الصغير أو المجنون بمهر المثل أو دونه أو بعين مال من أمواله هي قدر مهر المثل أو دونه صح، وإن قبله بأكثر من مهر المثل فالصداق فاسد، ثم قال: وإذا فسد وجب مهر المثل، وفى ما إذا أصدقها عينًا وجه أنه يصح التسمية في قدر مهر المثل. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من تصحيح بطلان الكل دون الزائد قد رجح قبل ذلك في باب المولى عليه في الكلام على السفيه عكسه وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه، غير أنه تكلم هنا في ما إذا كان المحجور عليه صغيرًا أو مجنونًا وفرضها في ذلك الموضع في السفيه، ولا أثر لهذا قطعًا وقد سوى بينهما صاحب "التنبيه" في أوائل هذا الباب، وحكم ببطلان الزائد فقط وأقره النووى فلم ينبه عليه في تصحيحه ووقع الموضعات في "الشرح الصغير" و"الروضة" كما وقعا في "الكبير"، وأما "المحرر" فكلامه هنا ككلام "الشرحين"، وكلامه في السفيه محتمل فإنه حكم بوجوب مهر المثل، ولم يصرح هل هو من المسمى أو من غيره؟ وتبعه عليه في "المنهاج"، واعلم أنا إذا أبطلنا الزائد فقط فينبغى أن يجرى في الباقى قولا تفريق الصفقة ولم يخرجوه عليه.
الأمر الثاني: أنه قد تقدم في باب المولى عليه في الكلام على السفيه أن الولي إذا أطلق الإذن صح، ويتزوج امرأة بمهر مثلها، لكن لو نكح شريفة يستغرق مهر مثلها ماله ففي صحة النكاح وجهان اختيار الإمام، وبه قطع الغزالي أنه لا يصح بل يتقيد بموافقة المصلحة واختاره صاحب "الحاوي الصغير" وقياس ما ذكره هناك في السفيه أن يأتى مثله في الصغير والمجنون.
قوله: ولو أصدق عن أبيه من مال نفسه أكثر من مهر المثل فقد أورد
الإمام فيه احتمالين أحدهما أنه يفسد المسمى وهو كما لو أصدق من مال الابن وذلك لأن ما يجعله صداقًا يدخل في ملك الابن وإذا دخل في ملكه لم يمكن التبرع به.
والثاني: أنه يصح وتستحق المرأة المسمى لأن المجعول صداقًا لم يكن ملكًا للابن حتى يفوت عليه، وإنما يحصل في ضمن تبرع الأب فلو لم يصح لفات على الإبن، ولزم مهر المثل في ماله، وهذا ما أورده صاحب الكتاب وصاحب "التهذيب"، وفي "التتمة" و"أمالي" أبي الفرج ترجيح الاحتمال الأول، وأيد ذلك بأن الصبى لو لزمته كفارة القتل فأعتق الولى عنه عبدًا لنفسه لم يجز لأنه يتضمن دخوله في ملكه وإعتاقه عنه وإعتاق عبد الطفل لا يجوز ويؤيده أيضًا ما إذا قبل له نكاح امرأة وجعل [أمه](1) صداقها على ما قدمنا. انتهى كلامه.
عبر في "الروضة" عن قول الرافعي وأيد ذلك بقوله قال المتولي: وتتأيد، وهذه المسألة التي نقلها عن المتولي وهى إعتاق الولي عن الكفارة التي لزمت الصبي قد ذكرها الرافعي في ثلاثة مواضع: أحدها: في هذا الموضع، والثاني: في كفارة الظهار لكنه لم يصرح بالعتق عن الكفارة، بل ذكر ما يؤخذ منه الجواز في الكفارة بطريق الأولى، والثالث: في كفارة القتل وجزم فيها بالجواز كما سأذكره في موضعه، ولم يذكر هنا ما يستدل به من المنع الموهم أنه متفق عليه وبالجملة فهذا النقل عن المتولي غير محقق وذلك لأن المتولي قد جزم في كتاب كفارة القتل بالجواز فقال: إن كان للقاتل مال اشترى الولى مملوكًا فيعتق عنه كما يخرج الزكاة والفطرة من ماله. هذا كلامه هناك، وقال هنا ما نصه: فالمذهب فساد التسمية لأن المسمى يدخل في ملك الصبي أولًا، ثم ينتقل إلى المرأة فيكون كما لو وهب ماله لولده ثم جعله صداقًا لامرأته، وكما لو أعتق الأب عنه
(1) سقط من أ، ب.
عبدًا لنفسه لأن العبد يدخل في ملك الطفل أولًا، ثم يعتق ولا يجوز للولى عتق عبد الطفل، ويخالف فيما لو أعتق الوارث عن كفارة الميت عبدًا لأن الميت لا ملك له في الحال ولا له حالة منتظرة يكون فيها أهلًا للملك والعتق، وأما الصبي فمن أهل الملك في الحال ويصير من أهل العتق في تأتي الحال هذا كلامه، وليس بصريح فإن إعتاق الولي إنما هو عن الكفارة، بل ولا قرينة ظاهرة ولا خفية تدل عليه وإنما مراد المتولي عتق التبرع ولهذا قرنه بصورة الهبة، وإنما ذكر الكفارة عن الميت لأن الولي له (ولاية) تمليك الطفل سواء تعلق به سبب وجوب أم لا بخلاف الوارث ولو كان في كلام المتولي ما يوهم ذلك لوجب تأويله لأمرين أحدهما: للجمع بين كلامه وعدم وقوعه في التناقض، والثاني: ليوافق منقول المذهب، ثم راجعت كلام السرخسى في "الأمالي" فلم أره ذكر الاستشهاد بالكلية فينبغى قراءة قول الرافعى وأيد على البناء للمفعول.
قوله: إذا اتفقوا على مهر في السر وأعلنوا بأكثر من ذلك فعن الشافعى أنه قال في موضع: أن المهر مهر السر، وفي موضع آخر: أن المهر مهر العلانية وفيها طريقان: أصحهما تنزيل النصين على حالين فحيث قال المهر مهر السر أراد ما إذا عقد سرًا ثم عقد جهرًا، وحيث قال: إنه مهر العلانية أراد ما إذا اتفقوا على ألف ثم عقدوا في العلانية بألفين، والطريق الثاني: قولان واختلفوا فقيل محلهما ما إذا اصطلحوا على التعبير عن الألف بالألفين، وقيل يجريان مهما اتفقوا على ألف وجرى العقد بألفين، وإن لم يتعرضوا لتغير اللغة، إذا علمت هذا كله فقد قال بعده: ثم ما المعنى بما أطلقناه من الطريقين من الاتفاق في السر أهو مجرد التراضي والتواعد، أم المراد ما إذا جرى العقد في السر بألف، ثم عقدوا بألفين في العلانية؟ ، منهم من يشعر كلامه بالأول وقضية لفظ "التهذيب" وغيره إثبات القولين، وإن جرى العقد. انتهى كلامه.
وما ذكره من جريان الخلاف في ما إذا تقدم عقد السر تابعه عليه في "الروضة" وهو لا يتصور لأنه إذا سبق فقد انعقد بألف بمقتضى التسمية، والثاني فاسد جزمًا فلا تصح التسمية التى فيه بطريق الأولى.
نعم يمكن جريان الخلاف إذا سبق عقد العلانية، فهل ينظر إلى ما سمى في العقد السابق فيلزم الألفان أم إلى ما شرطناه فيلزم المسمى في عقد السر وهو الألف؟ فيه الخلاف.
قوله: ولو قالت: زوجني بألف، فزوجها الولي أو وكيله بخمسمائة لم يصح النكاح، وألحق البغوي بهذه الصورة ما إذا زوجها الولي بلا مهر أو مطلقًا، وقيل في صحة النكاح في صوره الولي قولان. انتهى.
ثم ذكر الرافعى صورًا أخرى فاعترض عليه النووي فقال: قلت هذا المذكور جميعه هو طريقة الخراسانيين، وأما العراقيون فقطعوا بصحة النكاح في كل هذه المسائل، ثم نقل عن صاحب "البيان" ما يوافق مقالته أعني [مقالة](1) النووي، إذا علمت ذلك فكلامه أعني النووي يشعر بالصحة في الجميع لأن نقل العراقيين مقدم على نقل الخراسانيين لاسيما والعراقيون قاطعون وغيرهم متردد.
فاجتمع قطع العراقيين وبعض الخرسانيين لكن قد قطع الرافعي في الباب الرابع المعقود لبيان الأولياء بالبطلان في نظير ذلك وتابعه عليه النووي، وقد تقدم ذكر لفظه هناك والوعد بذكر هذا.
قوله: ولو قالت لوكيل الولى زوجنى مطلقًا، ولم تتعرض للمهر فزوجها الوكيل بما دون مهر المثل ففي فساد النكاح طريقان نقلهما الإمام وغيره، أظهرهما عنده وعند صاحب "الكتاب" القطع بالفساد، والثاني أنه على قولين انتهى.
(1) سقط من أ.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" ومقتضاه رجحان الفساد، ولهذا صححه في أصل "الروضة"، لكن صحح الرافعي في ما إذا وكلت المرأة في الخلع وأطلقت فخالع الوكيل بأكثر من مهر المثل أنه يقع ثانيًا بمهر المثل والمسألتان في المعنى على حد واحد، لكن ذكر النووي من زياداته أن البطلان طريقة الخراسانيين قال: وأما العراقيون فقطعوا بالصحة في هذه المسألة وفي غيرها مما ذكره الرافعي في هذا الفصل.
قوله: ولو أنها أذنت للولي في التزويج مطلقًا فزوج بما دون مهر المثل فيفسد النكاح، أو يصح ويجب مهر المثل؟ ، فيه قولان كما سبق، وكذا لو زوجها بلا مهر وفيه طريق آخر أنه يقطع بالفساد كما في الوكيل. انتهى لفظه بحروفه.
وليس فيه تصريح ببيان القولين المشبه بهما ولأجل ذلك اضطرب كلام "المحرر" و"الشرح الصغير" و"الروضة"، فأما "المحرر" فحكى قولين، وصحح البطلان فقال: ولو قالت المرأة زوجنى بكذا فزوجها الولى بأقل منه لم يصح النكاح، ولو أطلقت فنقص عن مهر المثل فيبطل أو يصح ويجب مهر المثل؟ فيه قولان أظهرهما: الأول.
وأما في "الشرح الصغير" فقد سوى هذه المسألة وهى إذنها لوليها بإذنها لوكيلها، وحكى فيهما معًا الطريقين المتقدمين في المسألة السابقة، وهو يقتضي أن الراجح طريقة القطع بالبطلان.
وأما "الروضة" فإنه حكى قولين وصحح الصحة فقال: ولو أذنت للولي في التزويج مطلقًا فزوج بدون مهر المثل أو بلا مهر فهل يبطل النكاح أم يصح بمهر المثل؟ فيه القولان السابقان في السبب الخامس أظهرهما الصحة، وقيل يفسد قطعًا كالوكيل. انتهى.
والقولان السابقان هما في ما إذا زوج بنته المجنونة أو البكر الصغيرة أو
الكبيرة بغير إذنها بأقل من مهر المثل، والأصح منهما في الرافعي و"الروضة" هو الصحة، والذي قاله النووي أقرب إلى اللفظ وأوجه في المعنى، أما الأول فلأنه لم يتقدم في شئ من مسائل هذا السبب جعلها على قولين، وإنما تقدم ذكرهما في حكاية طريقة مرجوحة، وأما الثاني: فلأن إذنها عند الإطلاق جوز له الإقدام على نكاحها بمهر المثل كما جوز له ذلك جنونها وبكارتها، فإذا لم يفسد النكاح في المجنونة والبكر لم يفسد في الأذنة فثبت بهذا كله أن الظاهر الذى أراده الرافعي هو ما تفطن له النووي وكأنه غاب عن الرافعي ذلك حالة تصنيف "المحرر" و"الشرح الصغير" لطول العهد به فذكر ما ذكر وقد استدرك في "المنهاج" على كلام "المحرر" وصححوا الصحة.
قوله: ولو قالت للولي أو للوكيل: زوجني بما شاء الخاطب، فقال المأذون للخاطب: زوجتكها بما شئت، فإن لم يعرف ما شاء الخاطب فقد زوجها مجهول فيصح النكاح ويجب مهر المثل، وإن عرف ما شاء فوجهان:
أظهرهما: صحة الصداق لإحاطتها بالمقصود.
والثاني وبه قال القاضي الحسين: لا يصح، ويرجع إلى مهر المثل لخلل اللفظ وإبهامه، ويجوز أن يرجع الخلاف إلى أن العبرة باللفظ أو بالمعنى. انتهى.
وما ذكره من أن الخلاف بين المعنى وغيره محله في ما إذا قال الولي: زوجتكها بما شئت، وهما يعلمانه قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك كما دل عليه كلام "النهاية" في كتاب الصداق قبيل باب تفسير مهر المثل بدون صفحة فقال ما نصه: ولو قالت لوليها زوجنى بما شئت، أو بما شاء الخاطب، فإن جرى العقد على هذه الصفة فقال الولي: زوجت
فلانة منك أيها الخاطب بما شئت، فهذا نكاح معقود بمهر مجهول، ولو وقف الولى على المبلغ الذى شاءه الخاطب ثم أنشأ العقد به فيجب القطع بصحة التسمية، وذكر عن القاضى أن هذا مجهول ويعلق بأن لفظ الإذن على صيغة الجهالة، وهذا وهم عظيم فإنها فوضت إلى الولي أن يعقد بما يقدره الخاطب، وليس من غرضها أن تعاد صيغة لفظها في العقد هذا لفظ الإمام، ثم ذكر أن الولى لو صرح بقوله زوجتكها بما شئت ففي صحة النكاح احتمال لمخالفته موجب إذنها، وإذا علمت جميع ما قاله الإمام وتعليله بفساد الإذن مع ما ذكره في آخر كلامه علمت أن كلام القاضي إما شامل لقول العاقد زوجتك بما شئت، ولتصريحه أيضًا بالمقدار الذي شاءه الخاطب كالألف والألفين فإنه قد علل بفساد الإذن، وإما أن يكون خاصًا بالقسم الثاني وهو حالة التصريح لقرينة ما نقلناه عنه في آخر كلامه فتفطن لذلك، ولا شك أن تعيين الإمام في كلامه السابق بقوله: ثم إنشاء العقد به هل الضمير في قوله به عائد إلى قوله بما شئت، أو عائد على المبلغ الذى شاءه؟ فالذي فهمه الرافعي هو الأول، والتعليل والكلام الأخير لا يساعد أنه عليه.
قوله: ولو جاء رجل وقال أنا وكيل فلان في قبول نكاح فلانة بكذا فصدقه الولي والمرأة وجرى النكاح وضمن الوكيل الصداق، ثم إن فلانًا أنكره وصدقناه باليمين فهل يطالب الوكيل بشيء من الصداق؟ وجهان أحدهما: لا لأن مطالبة الأصيل سقطت والضامن فرعه.
وأصحهما: ويحكى عن نصه في "الإملاء" أنه يطالب بنصف الصداق لأنه ثابت عليهما بزعمه فصار كما لو قال: لزيد على عمرو كذا وأنا ضامن به فأنكر عمرو، ويجوز لزيد مطالبة الضامن. انتهى.
وهذا الأصل المقيس عليه هذا الفرع حكمه حكم الفرع المذكور، والخلاف كالخلاف الذي في الأصل، وقد ذكر الرافعي ذلك في باب الإقرار بالنسب وتبعه عليه أيضًا في "الروضة" فحكى فيه وجهين وعبر بالأصح كما في مسألتنا.