الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الإيلاء
وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانه
قوله في "الروضة": الركن الأول: الحالف وشرطه أن يكون زوجًا يتصور جماعه بالغًا عاقلًا.
أهمل أمرين:
أحدهما: كونه مختارًا فلا يصح إيلاء المكره.
والثاني: السكران فإنه غير عاقل ويصح إيلاؤه، وهذا الثاني لا يرد على الرافعي فإنه شرط فيه التكليف والسكران مكلف، وفي هذا الثاني كلام مذكور في أوائل البيع ينبغي مراجعته.
قوله: فمن جب ذكره وآلى فقد ذكر الأصحاب فيه طرقًا أظهرها: قولان، اختار المزني أنه لا يصح وهو أصح على ما ذكره أبو الطيب والروياني والطريق الثاني القطع بالبطلان.
والثالث: القطع بالصحة، انتهى ملخصًا.
وقد اختصر في "الروضة" هذا الكلام بقوله: فمن جب ذكره لا يصح إيلائه على المذهب، هذا لفظه من غير زيادة عليه، فلم يستوف الطرق لأن لفظ المذهب يصدق بطريقين ولم يبيّن أيضًا الأصح منهما أي من الطرق إذ لا اصطلاح له فيه، بل تارة يكون الأصح طريقة الخلاف وتارة طريقة القطع.
قوله: قال في "الشامل" لكن إذا صححنا الإيلاء من الإبقاء فلا تضرب مدة الإيلاء لأن الامتناع بسبب من جهتها كما إذا آلى عن الصغيرة لا تضرب المدة حتى تدرك، انتهى كلامه.
وهو يشعر بأن المدة لا تضرب في الصغيرة إلا بعد بلوغه لأن الإدراك هو البلوغ كما قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة، وليس كذلك بل تضرب المدة إذا كانت في سن يحتمل الجماع أو وصلت إليه، كما صرح به بعد ذلك في أول الباب الثاني فينبغي حمل الإدراك هنا على الوصول إلى هذا السن لا إلى سن البلوغ، والتعليل يرشد إليه أيضًا.
قوله: وإن آلى ثم فاء بالوطء فلا كفارة عليه، وعن أحمد أنه تلزمه كفارة اليمين لأنه قد حلف بالله تعالى وقد قال صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه".
وفي القديم قولان: أحدهما: هذا، والثاني: لا كفارة عليه، انتهى كلامه بحروفه.
والذي قاله في أول كلامه من عدم وجوب الكفارة، وإسناده إياه إلى الجديد سهو فاحش مخالف لما ذكره في آخره، بل الجديد وهو المعروف في المذهب وجوبها، وقد ذكره في "الشرح الصغير" على الصواب فقال: فإذا حلف بالله أو ببعض صفاته انعقد الإيلاء ثم إذا وطئها وقد طولب بالنية أو الطلاق، فالقول الجديد وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: تلزمه كفارة اليمين، لأنه قد حنث في اليمين بالله تعالى، ثم ذكر ما نقلناه عنه في "الكبير" وهو يدل على أن "الكبير" قد سقط منه شيء.
لا جرم أن النووي قد اختصره في "الروضة" على الصواب فقال: المذهب: الجديد، وأحد قولي القديم أنه تلزمه الكفارة.
قوله: ولو قال إن وطئتك فكل عبد يدخل في ملكي فهو لغو، ثم قال وكذا لو قال: فعلي أن أطلقك لأنه لا يلزمه بالوطء شيء، انتهى كلامه.
وما ذكره في المسألة الثانية، وهي التزام المباح طلاقًا كان أو غيره من أنه لايلزمه به شيء تابعه عليه في "الروضة" أيضًا والمسألة قد اختلف فيها كلامه وكذلك كلام النووي أيضًا، وسوف أذكر ذلك في كتاب النذر مبسوطًا إن
شاء الله تعالى فراجعه.
قوله: ولو قال: إن وطئتك فعبدي حر قبله بشهر فإنما يصير مؤليًا إذا مضى شهر من وقت تلفظه لأنه لو وطئها قبل تمام شهر لم يعتق وينحل الإيلاء بذلك الوطء فإذا مضى شهر ولم يطأ ضربت مدة الإيلاء ويطالب في الشهر الخامس هذا ما ذكروه هاهنا ويجيء فيه وجه أنه لو وطيء قبل الشهر عتق كما سبق في نظيره من الطلاق فعلى هذا يصير مؤليًا في الحال، انتهى كلامه.
وما ذكره بحثًا من مجيء وجه في مسألتنا، واقتضى كلامه أنهم لم يذكروه، وتبعه عليه في "الروضة" وليس كذلك فقد حكاه الفوراني في "الإبانة"، وحكى في مسألة الطلاق أنه لابد بعد مضي الشهر من مضي زمن يقع فيه الطلاق فليكن الحكم هاهنا كذلك إذا فرعنا على الصحيح.
قوله: الثالثة: إذا قال لامرأتيه إن وطئت إحداكما فالأخرى طالق وعين بقلبه واحدة منهما وامتنع بعد المدة من بيانها، قال ابن الحداد وكثيرون: يطلق القاضي إحداهما على الإبهام، وعن القفال أنه مخالفه في ذلك، ثم قال ما نصه: وإذا قيل أي بقول ابن الحداد فلو قال الزوج: راجعت التي وقع عليها الطلاق ففي صحة الرجعة هكذا وجهان سبقا في الرجعة، وبالصحة أجاب ابن الحداد وعلى هذا تضرب المدة مرة أخرى علي الإبهام، ويطلق القاضي على الإبهام مدة أخرى، وهكذا إلى استيفاء الثلاث والأظهر أن الرجعة لا تصح على الإبهام، بل تبين المطلقة أولا، ثم يراجع إن شاء، انتهى كلامه.
والتفريع الذي ذكره على قول ابن الحداد قد تابعه عليه في "الروضة" وهو سهو فإن الكلام مفوض في ما إذا نوى واحدة معينة، ومحل الوجهين على ما ذكره في كتاب الرجعة إنما هو في الطلاق المبهم.
وقد صرح الرافعي هنا بأن طلاق القاضي يصادق المعينة، وإذا وقع
الطلاق على معينة وهو يعلمها إذا الفرض أنه الذي عينها لم يتصور معه القول بعدم صحة رجعتها فثبت أن هذا التفريع إنما محله في ما إذا لم ينو معينة فنقله الرافعي إلى غيره، وقد أتى به في "الوسيط" على الصواب فقال: وإن أبهم ففي صحة الرجعة قبل التعيين وجهان.
قوله: قال الإمام والذي أراه أن الوطء في الدبر كهو في القبل في حصول الحنث استدرك عليه في "الروضة" فقال: قلت: هذا الذي قاله الإمام متفق عليه، صرح به جماعات من أصحابنا، وقد نقله صاحب "الحاوي" و"البيان" عن الأصحاب، والله أعلم.
وما ادعاه النووي رحمه الله من الاتفاق ليس كذلك فقد حكى الغزالي في الفتاوى فيه خلافًا وزاد على ذلك فقال الأولى أن لا يحنث ونقله عنه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: لو قال: لا أجامعك في سنة إلا مرة فمضت السنة ولم يطأ فهل تلزمه كفارة لاقتضاء اللفظ الوطء أم لا لأن المقصود منع الزيادة؟ وجهان حكاهما ابن كج، قال في "الروضة" من زوائده أصحهما: لا كفارة والله أعلم.
وفيه أمران:
أحدهما: أنه قد تقدم في أواخر تعليق الطلاق في نظير هذه المسألة أنه لابد من مراجعة الحالف فإن لم يرد شيئًا فهو الخلاف ولابد من مجيء ذلك أيضًا في مسألتنا فاعلمه.
الأمر الثاني: إن قيل مذهبنا أن الاستثناء من النفي إثبات فكيف ارتضيتم ما صححه النووي هنا؟ فالجواب: أنا لم نخالف القاعدة، بل هو إثبات أيضًا وذلك لأنه في مثالنا وهو المستقبل قد منع نفسه من وطيء غير المرة وأخرج المرة بعضهم بقول الثابت بعد الاستثناء نقيض الملفوظ به قبله فعلى
هذا إذا لم يطأ المرة يحنث لأن الثابت فيهما الوطء إذ هو يقتضى ما قبلها، وبعضهم يقول الثابت يقتض ما دل عليه لفظ وهو الامتناع فعلى هذا إذا انتفى الامتناع من يثبت التخيير فيها، وهذا كله بخلاف ما إذا كان الحلف على ماض أو حاضر، فإنه إذا قال مثلا والله لا وطئت إلا مرة فيحنث إذا لم يكن قد وطئها جزمًا لانتفاء توجيه الوجه الأخير وهو التخيير لعدم إمكانه فلما لم يحتمل الاستثناء إلا وقوعه في الخارج حنث إذا لم يكن كذلك، ولهذا جزم الأصحاب بأنه إذا قال: ليس له علي إلا مائة بأن المائة تلزم ولم يخرجونها على هذا الخلاف فافهم ما ذكرناه، فإنها قاعدة نافعة، نعم ذكر الرافعي في آخر تعليق الطلاق قبيل الفروع المنقولة عن فتاوى القفال، أنه إذا قال إن كنت أملك إلا مائة فأنت طالق، وكان يملك خمسين فقيل يطلق جزمًا، وقيل على وجهين، وقد تقدم الكلام عليه هناك فراجعه.
قوله: في "الروضة" ولو قال والله لا أجامعك إن شئت وأراد تعليق الإيلاء بمشيئتها اشترط في كونه موليًا مشيئتها، وإن أراد تعليق فعل الوطيء بمشيئتها كأنه قال: لا أجامعك إن شئت أن لا أجامعك، فلا يكون موليًا كما لو قال لا أجامعك إلا برضاك، ولو قال لا أجامعك فإنما يصير موليًا إذا شاءت أن يجامعها، ثم قال ما نصه: وإذا أطلق قوله إن شئت حملناه على عدم مشيئة المجامعة لأنه السابق أطلق إلى الفهم، انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله على عدم المشيئة غلط يقتضي الوقوع إذا لم يشأ شيئًا أصلًا وهو غلط وصوابه ما في الرافعي وهو مشيئة العدم على عكس المذكور هنا.
قوله: ولو وصل اليمين فقال: والله لا أجامعك أربعة أشهر فإذا مضت فوالله لا أجامعك أربعة أشهر فليس لمؤل على الأصح لأنها بعد مضي أربعة أشهر لا يمكنها المطالبة بموجب اليمين الأولى لانحلالها ولا بموجب الثانية لأن الأربعة فيها لم تمض.
قال الإمام: وهل يأثم الموالي بين هذه الأيمان، كما ذكرنا في ما إذا زادت اليمين على أربعة أشهر يلحظه لطيفة يحتمل أن لا يأثم لعدم الإيلاء ويحتمل أن يأثم إثم الإيذاء أو الإضرار لا إثم المؤلين، انتهى.
قال في "الروضة": الراجح تأثيمه، والأمر كما قاله، واعلم أنا قد استفدنا من تصوير الرافعي أن صورة المسألة أن يكون قد ذكر اسم الله تعالى في كل مرة، فإن لم يذكر ذلك بأن قال مثلا والله لا وطئتك أربعة أشهر، فإذا مضت فلا وطئتك مثلها فقال في "المطلب": يكون مؤليًا وجهًا واحدًا لا يكاد يختلف فيه لأنها يمين واحدة واشتملت على أكثر من أربعة.
قوله: والقديم وهو محكي عن أبي حنيفة أن لفظ المباضعة صريح لأنه مأخوذ من البضع، وقيل: بل مأخوذ من البضعة وهي القطعة، انتهى.
البضع بضم الباء هو الجماع كما قاله ابن السكيت قال ومنه ملك فلان بضع فلانة، والمباضعة المجامعة قال الجوهري: وحينئذ فيتجه ما قاله أبو حنيفة، وذكر غير الجوهري أن البضع يطلق أيضًا على المهر، وحينئذ فقول الفقهاء ملك بضعها أي وطئها صحيح على الأول، وأما البضعة للقطعة فبفتح الباء وجمعها بحذف التاء كثمرة وثمر، وقيل بالكسر كبذرة وبذر.
قوله: في "الروضة" ولو قال: لا أطأك إلا في الدبر فمؤل، ولو قال لا أطأك إلا في الحيض أو النفاس.
قال السرخسي: لا يكون مؤليًا لأنه لو جامع فيه حصلت الفيئة.
وقال البغوي في الفتاوى: هو مؤلى وكذا لو قال إلا في نهار رمضان أو إلا في المسجد، انتهى.
وما قاله البغوي قد جزم به في "الذخائر" وهو الذي لا يتجه غيره خصوصًا في مسألة النفاس إذا لم تكن المرأة حاملًا، وما ذكره من حصول الفيئة أراد به في الحال وجب ضرب المدة ثانيًا لأن اليمين لم يرتفع فاعلم
ذلك، وقد صرح به الرافعي إلا أن النووي قد أسقطه من "الروضة".
قوله: ولو قال لا جامعتك جماع سوء لأنه لم يمنع من سائر أنواع الجماع، ولو قال: لا أجامعك إلا جماع سوء ووجع، فإن أراد أن لا يجامعها إلا في الموضع المكروه أو فيما دون الفرج فهو مؤل، وإن أراد الجماع الضعيف لم يكن مؤليًا، انتهى كلامه.
وهذه المسائل يقع فيها تغيير في النسخ واشتباه، وأما المسألة الأولى فإنها مصدرة بلام القسم والهمزة وعدم الإيلاء فيها واضح لأنه ليس يخالف على ترك وطء بالكلية، بل على زيادة وطء قد لا يسوغ، ولهذا لم يعلله الرافعي، وأما الثانية فإنها مصدرة بلا النافية، والفعل بعدها ماض اتصل به تاء المتكلم، ويقع في بعض النسخ لأجامعك وهو صحيح ووجه كونه ليس مؤليًا قد ذكره الرافعي، وأما الثالث فإنها بلا وإلا الدالان على الحصر والتفضيل الذي ذكره الرافعي فيها صحيح إلا أنه أهمل قسمًا ثالثًا، وهو ما إذا أطلق ولم يرد شيئًا والمتجه فيه أنه ليس بمؤل لأن الأصل عدم الحلف على القسم الذي يكون فيه.