المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول في أسباب الولاية - المهمات في شرح الروضة والرافعي - جـ ٧

[الإسنوي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب النكاح

- ‌ خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم في النكاح وغيره

- ‌ الأركان

- ‌الفصل الأول في أسباب الولاية

- ‌الفصل الرابع في تولي طرفي العقد

- ‌الفصل الخامس في التوكيل

- ‌الفصل السادس في ما يجب على الولي

- ‌الفصل السابع في الكفاءة

- ‌الفصل الثامن في تزاحم الأولياء

- ‌ الموانع

- ‌الجنس الأول: المحرمية

- ‌الجنس الثاني: ما لا يوجب حرمة مؤبدة

- ‌الجنس الثالث: من الموانع الرق

- ‌الجنس الرابع: من الموانع الكفر

- ‌ موجبات الخيار

- ‌السبب الأول: العيب

- ‌السبب الثاني: الغرور

- ‌السبب الثالث: [العتق]

- ‌السبب الرابع: العنة

- ‌ فصول متفرقة

- ‌الفصل الأول فيما يحل للزوج

- ‌الفصل الثاني في وطء الأب جارية الابن

- ‌الفصل الرابع في تزويج الإماء

- ‌الفصل الخامس في تزويج العبد

- ‌الفصل السادس في النزاع

- ‌كتاب الصداق

- ‌الباب الأول في الصداق الصحيح

- ‌الباب الثاني في الصداق الفاسد

- ‌الباب الثالث في المفوضة

- ‌الباب الرابع في التشطير

- ‌الفصل الأول: في محله وحكمه

- ‌الفصل الثاني في التغيرات قبل الطلاق

- ‌الفصل الثالث في التصرفات المانعة من الرجوع

- ‌الفصل الرابع في هبة الصداق من الزوج

- ‌الفصل الخامس في المتعة

- ‌الباب الخامس في النزاع

- ‌باب الوليمة والنثر

- ‌كتاب القسم والنشوز

- ‌[كتاب الخلع

- ‌الباب الأول في حقيقة الخلع]

- ‌الباب الثاني في أركان الخلع

- ‌الباب الثالث في موجب الألفاظ

- ‌الباب الرابع في سؤال الطلاق

- ‌الباب الخامس في النزاع

- ‌كتاب الطلاق

- ‌الباب الأول في "السنة والبدعة

- ‌الركن الأول: المطلق

- ‌الركن الثاني: اللفظ وما يقوم مقامه

- ‌الركن الثالث: القصد إلى الطلاق

- ‌الركن الرابع: المحل

- ‌الركن الخامس: الولاية على المحل

- ‌الباب الثالث في تعدد الطلاق

- ‌الباب الرابع في الاستثناء

- ‌الباب الخامس في الشك في الطلاق

- ‌الشرط الثاني من الكتاب في التعليقات

- ‌الفصل الأول في التعليق بالأوقات

- ‌الفصل الثاني في التعليق بالتطليق

- ‌الفصل الثالث في التعليق بالولادة والحمل

- ‌[الفصل الرابع في التعليق بالحيض]

- ‌الفصل الخامس في التعليق بالمشيئة

- ‌الفصل السادس في مسائل الدور

- ‌فصل: في مسائل منثورة ذكرها أبو العباس الروياني

- ‌فصل: قد بقى من كلام الرافعي ألفاظ لم يتقدم ضبطها

- ‌كتاب الرجعة

- ‌الفصل الثاني: في أحكام الرجعة

- ‌كتاب الإيلاء

- ‌الباب الأول: في أركانه

- ‌الباب الثاني: في أحكامه

- ‌كتاب الظهار

- ‌الباب الأول: في أركانه

- ‌الباب الثاني: في حكم الظهار

- ‌كتاب الكفارات

- ‌ العتق

- ‌ الصيام

- ‌ الإطعام

- ‌[كتاب اللعان

- ‌الباب الثاني: في قذف الأزواج

- ‌الباب الثالث: في ثمرة اللعان

الفصل: ‌الفصل الأول في أسباب الولاية

‌الفصل الأول في أسباب الولاية

قوله: فلو كان بين الأب وبينها عداوة ظاهرة قال ابن كج: ليس له إخبارها وكذا نقله عن ابن المرزبان قال: ويحتمل جوازه. انتهي.

ذكر في "الروضة" مثله وحاصل كلامهما أنه ليس في المسألة ما يخالف مقالة هذين الاحتمالين، لكن حاصل كلام الماوردي الجزم بخلافهما، فإن قال: فإن كان الولى عدوًا للزوج أو للزوجة فهو على ولايته.

ثم قال: فإن قيل فإذا كان عدوًا لها وضعها في غير كفء قبل رشده، وما يخافه من لحوق العار يمنع من هذا التوهم هذه عبارته، وذكر الروياني في "البحر" مثله أيضًا وهو صريح في فرضه في الولى المخير، وإلا لم يصح السؤال ولا الجواب، ونقل في "الكفاية" في المسألة وجهين عن الحناطي وهو غلط نشأ عن تحريف وإنما هو الجيلى شارح "التنبيه" وقد نبهت عليه في كتابي المسمى "بالهداية".

قوله: وإن حصلت الثيابة بالسقطة أو الأصبع أو حدة الطمث أو طول التعنيس فظاهر المذهب أنها كالأبكار. انتهى.

أما الثيابة فقد عدل عنها في "الروضة" وعبر بالثيوبة وكلاهما ليس من كلام العرب كما ذكره المطرزى في كتاب "المعرب"، وأما الطمث بالثاء المثلثة فهو الحيض: يقال طمثت المرأة بفتح الميم فطمثت بضمها وطمثت بالكسر أيضًا في [لغة قاله](1) الجوهري، وأما التعنيس فبعين وسين مهملتين بينهما نون يقال: عنست المرأة بالتخفيف وبالتشديد مع فتح العين وضمها فهي عانس ومعنسة إذا بقيت زمانًا بعد أن بلغت حد التزويج لا تتزوج، وأكثر ما يستعمل في النساء روي عن الشعبي والنخعي. العذرة

(1) سقط من أ، ب.

ص: 45

يذهبها التعنيس والحيضة.

قوله: وإذا عضل من يلي أمرها بقرابة أو إعتاق واحدًا كان أو جماعة مستورين زوجها السلطان. انتهي كلامه.

وصورة تزويج السلطان بالعضل إذا لم يتكرر، كذا ذكره في آخر الكلام على الفاسق فقال والعضل ليس من الكبائر، وإنما يفسق به إذا عضل مرات أقلها في ما حكى بعضهم ثلاث، وحينئذ فالولاية للأبعد هذا كلامه، والتفسيق بالثلاث مخالف لما ذكره الرافعي في كتاب الشهادات كما ستعرفه إن شاء الله تعالى مبسوطًا في موضعه فراجعه.

وهل المراد بالثلاث هنا هو الأنكحة أو بالنسبة إلى عرض الحاكم، وإن كان في نكاح واحد؟ فيه نظر.

قوله: ولفظ البالغة في قول الغزالي ولو التمست البكر البالغ التزويج هل هو للتقييد؟ ذكر بعضهم أن الصغيرة أيضًا إذا إلتمست وجبت الإجابة إذا كانت في أوان إمكان الشهوة، فعلى هذا ليس هو للتقييد. انتهى كلامه.

وهذه المقالة ضعيفة كما قال في "الروضة" من زياداته.

قوله: من "زوائده" قال الصيمري: فإن قاربت البلوغ وأراد تزويجها استحب أن يرسل إليها ثقات ينظرن ما في نفسها، ولو ادعت البكارة أو الثيوبة فقطع الصيمري وصاحب "الحاوي" بأن القول قولها ولا يكشف حالها لأنها أعلم، قال صاحب "الحاوي": ولا تسأل عن الوطء، ولا يشترط أن يكون لها زوج.

قال الشاشي: وفي هذا نظر لأنها ربما ذهبت بكارتها بأصبعها فله أن يسألها، فإن اتهمها حلفها، والله أعلم.

ص: 46

هذا كلام "الروضة"، لكن الرجوع إليها في دعواها الثيابة محله إذا كان قبل العقد، كذا صرح به الماوردي فقال عقب كلامه المتقدم ما نصه. فلو زوجها الأب بغير إذن لاعتقاده أنها بكر فادعت بعد عقده أنها ثيب لم يقبل قولها في إبطال النكاح بعد وقوعه على ظاهر الصحة، لأن الأصل فيها البكارة.

فإن أقامت أربع نسوة بأنهن شاهدنها قبل النكاح ثيبًا لم يبطل العقد أيضًا لجواز أن تكون عذرتها زالت بطفرة أو أصبع أو حلقة، هذا كلام الماوردي، وذكر الروياني في "البحر" مثله أيضًا وهو ظاهر، وخالف القاضي حسين في فتاويه، وقال: إذا شهدن بعد العقد أنها ثيب حكم بانفساخ النكاح، قال: فلو ادعى الزوج حدوث الثيابة بعد العقد فله تحليفها على أنها كانت ثيبًا.

قوله: الثاني: إذا قال أيجوز أن أزوجك؟ فقالت: لما لا يجوز، أو قال أتأذنين فقالت لم لا آذن؟ ، حكم بعضهم أنه ليس بإذن ولك أن تقول هذا اللفظ مشعر برضاها فهو أولى من سكوتها. انتهى.

زاد في "الروضة" على هذا فقال: المختار أنه إذن. انتهى.

واعلم أن هذا القائل لم يفرض هذه المسألة في البكر حتى يقول الرافعي ما قال، بل يجوز أن يكون كلامه مفروضًا في الثيب، بل هو الظاهر، والبحث الذي ذكره الرافعي على هذا غير مستقيم.

نعم يتجه أن يكون مدرك المانع إتيانه بالمضارع ولهذا لو قال: أتبيعني؟ فقال: بعتك لم يصح، وما ذكروه في هذه المسألة قياسه أن يأتي في الوكالة ونحوها مثله.

قوله: الثالث: لو قالت: وكلتك بتزويجي فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به إذنًا لأن توكيل المرأة في النكاح باطل لكن الفرع غير مسطور،

ص: 47

ويجوز أن يعتد به إذنًا لما ذكرنا في باب الوكالة أنها وإن فسدت فالأصح أنه ينفذ التصرف بحكم الإذن، انتهى كلامه.

وما ادعاه من كون المسألة غير مسطورة عجيب، فإنها مسطورة في هذا الموضع من كتابين هو كثير النقل عنهما خصوصًا في أبواب النكاح وأحدهما: قد نقلها عن نص الشافعي فأحد الكتابين "فتاوى البغوي"، فقال: إذا جاء رجل إلى القاضي، وقال: إن فلانة قد أذنت لك في تزويجها مني، واعتمد القاضي على قوله جاز له تزويجها منه، فإن اتهمه لم يجز، ولو قال وكلتك فلا يصح منها التوكيل، هذه عبارته، وهو جازم بالبطلان على وفق ما يقتضيه كلام الرافعي.

وثانيهما: "البيان" للعمراني، فقال: يجوز للمرأة أن تأذن لوليها غير المخبر بلفظ الإذن ويجوز بلفظ الوكالة نص عليه الشافعي رضي الله عنه لأن المعنى فيهما واحد هذا لفظه، وقد وقف في "الروضة" على كلام "البيان" خاصة فذكره ثم قال: إن هذا هو الصواب نقلًا ودليلًا، قلت والأمر كذلك، وما علل به المانع من أن توكيلها في النكاح باطل كلام عجيب لأنه إن أراد بذلك توكيلها لأجنبي فالبطلان لانتفاء الولى بخلاف مسألتنا، وإن أراد توكيلها لوليها، حيث اشترط إذنها فهو محل النزاع.

نعم المفهوم عرفًا من التوكيل هو الإذن فيما يجوز له تعاطيه، والتعاطي منتف فيكون ذلك من قاعدة بطلان الخصوص والأصح فيها بقاء العموم، وهو الإذن، لا جرم كان الجواز في مسألتنا أرجح.

قوله في "الروضة": فرع في "فتاوي البغوي": أن التي يعتبر إذنها في تزويجها إذا قالت لوليها وهي في نكاح أو عدة: أذنت لك في تزويجي إذا فارقني زوجي أو انقضت عدتي فينبغي أن يصح الإذن كما لو قال الولي

ص: 48

للوكيل زوج بنتي إذا فارقها زوجها أو انقضت عدتها، وفي هذا التوكيل وجه ضعيف أنه باطل، وقد سبق في الوكالة. انتهى كلامه.

وهذه المسألة -أعني قول الولى للوكيل ذلك- في حالة قيام المانع هي مذكورة في ثلاثة مواضع من الرافعي و"الروضة":

أحدها: ما ذكرناه ومحله في الرافعي قبيل الصداق بقليل، ولكن نقله في "الروضة" إلى هذا الموضع.

والثاني: بعدها بأوراق في الكلام على الإحرام.

والثالث: في أوائل الوكالة وتناقض فيه كلامهما جميعًا لكن ما وقع للنووي فإنه أصرح [وأشبع](1) وقد بسطت الكلام على المسألة في الوكالة فراجعه.

قوله: وحكى الإمام خلافًا في أن السلطان والحالة هذه أي حالة العضل يزوج بالولاية أم بالنيابة عن الولى وأجرى هذا الخلاف في جميع صور تزويج السلطان مع قيام الولى الخاص وأهليته. انتهى كلامه.

ذكر ابن الرفعة في "الكفاية" كذلك فوائد فقال: وقد تظهر ثمرته عند العضل في أن المرأة لو كانت ببلد فأذنت لحاكم بلد الولي في تزويجها، فهل يجوز له ذلك؟ ، إن قلنا تزوجها بالولاية فلا كما لو لم يكن لها ولي خاص، وإن قلنا بالنيابة فلا شك أن سببها إنما هو وفاء ما عليه من حق كما لو كان عليه دين فامتنع من وفائه أو غاب، ووفاء الحقوق المتوجهة على الغائب أو الممتنع من أدائها لا يختص بحاكم بلد صاحب الحق فأشبه أن يكون التزويج هنا كذلك، وتظهر ثمرته عند الغيبة في أن الولاية هل تنتقل إلى الأبعد أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما الرافعي.

فإن قلنا: إذا لم يكن لها إلا ولي.

الحاكم يزوج عند غيبته بطريق الولاية، فإذا غاب وكان لها ولى أبعد منه انتقلت إليه لأن ولاية الحاكم تكون بعد ولاية القريب، وإن قلنا في ما

(1) في جـ: وأشنع.

ص: 49

إذا لم يكن لها إلا ولى واحد وغاب أن الحاكم يزوج بالنيابة فلا ينتقل [بلا](1) غيبة القريب إلى الأبعد كما لو كان له وكيل، وهاتان الفائدتان ذكرهما في الأصل وكتب في الحاشية بخطه فقال: ويمكن أن تظهر فائدة أخرى في حال الغيبة، وهي ما إذا قامت بينة على أن الولي زوجها في الوقت الذي زوجها فيه الحاكم، فإن قلنا: إنه بطريق النيابة قدم تزويج الولى، وإن جعلناه بطريق الولاية فإما أن يبطلا معًا كما لو زوجها وليان في وقت واحد، وإما أن يقدم تزويج الحاكم لقوة ولايته وعمومها، ويدل عليه إذا زوج الحاكم في حال غيبة الولى [ثم قدم الولى](2)، وقال: كنت زوجتها في الغيبة فإن أصحابنا قالوا بعدم نكاح الحاكم، ثم قال -أعني ابن الرفعة-: ويمكن أن تظهر فائدة أخرى عند العضل، وهو ما إذا لم نشترط الحضور بين يدى القاضي بل اكتفينا بثوبته عنده فزوج القاضي في غيبته، ثم قامت بينة أنه كان قد رجع عن العضل قبل تزويج القاضي، فإن قلنا أنه بالنيابة فيخرج على عزل الوكيل، وإن قلنا بالولاية فيخرج على عزل القاضي هذا كلامه.

قوله: قال في "التهذيب": ولا يتحقق العضل حتى يمتنع بين يدى الحاكم، وذلك بأن يحضره الخاطب والمرأة والولي، ويأمره القاضي بالتزويج فيقول لا أفعل أو يسكت، وحينئذ فيزوجها القاضي، ثم قال: وكان هذا في ما إذا تيسر إحضاره عند القاضي أما إذا تعذر [بتغرير](3) أو بتوار وجب أن يثبت بالبينة كما في سائر الحقوق وفي تعليق الشيخ أبى حامد ما يدل عليه. انتهى كلامه.

وهذا الذي ذكره بحثًا بعد أن توقف فيه وحمل عليه كلام البغوي قد

(1) في جـ: عند.

(2)

سقط من ب.

(3)

في جـ: بتعذر.

ص: 50

تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غريب، فقد صرح به البغوي نفسه في "فتاويه"، والغريب أن الرافعي نقله عنه في آخر كتاب الإيلاء وجعله أصلًا، وقاس عليه حكمًا آخر، وجزم به أيضًا القاضي الحسين في "فتاويه" قبيل الصداق بنحو ورقة وشيء.

قوله: الثالثة: لا ولاية للابن بالبنوة خلافًا للأئمة الثلاثة، دليلنا أنه لا مشاركة بين الأم والابن في النسب فلا يعتني بدفع العار عن النسب. انتهى.

زاده الإمام إيضاحًا فقال: فانتسابها إلى أبيها وانتساب الابن إلى أبيه. وما ذكره من أنه لا مشاركة بين الأم والابن في النسب، قد خالفه في مواضع، فقال في أوائل كتاب الفرائض: والمناسبون قسمان من يدلي إلى الميت بغير واسطة وهم الأبوان والأولاد، وقال أيضًا في الكلام على الحجب الضرب الثاني: المنتسبون إلى الميت من جهة السفل إلى آخره.

وقال في كتاب الوقف: فإن قال: وقفت على من ينتسب إلى من أولادي وأولاد أولادي خرج أولاد البنات، وقيل يدخلون لحديث الحسن. انتهي.

فجزم بأن الأولاد وأولاد الأولاد يدخلون في النسب سواء كان الواقف رجلًا أو امرأة.

قوله: فرع: لو كان المعتق خنثى مشكلًا فينبغي أن يزوجها أبوه بإذنه فيكون وليًا أو وكيلًا إن كان الخنثى ذكرًا. انتهى.

ذكر مثله في "الروضة" وليس فيه تصريح بنقل في المسألة ولا بان ذلك على جهة الوجوب أو الاستحباب، لكن تعبيره مشعر بأنه مستحب وأنه أبداه تفقهًا، وقد ذكر البغوي المسألة في "فتاويه" فقال: فلو كان الأقرب خنثى مشكلًا زوج الأبعد، وحكم الخنثى كالمفقود، هذه عبارته

ص: 51

وهي شاملة لكل ولي سواء كان بالنسب أو الإعتاق وقياسه أن يكون التزويج في المال الذي ذكره الرافعي لولد المعتق لا لوالده وفيه بعد؛ لأنه لا يستقيم مع ذكورة المعتق ولا مع أنوثته والخنثى لا يخرج عنهما والمتجه إيجاب الطريق التي ذكرها الرافعي في القسمين جميعًا؛ لأنا قد شككنا في ولاية الخنثى وفي ولاية من بعده، والأصل عدم ولاية كل واحد على انفراده فوجب الاحتياط بما ذكره الرافعي وأن يكون كلام البغوي مختصًا بالأقارب.

ص: 52

فصل في موانع الولاء

قوله في أصل "الروضة": ويجوز أن يتوكل الرقيق لغيره في قبول النكاح بإذن سيده قطعًا. انتهى.

ليس كما قال من دعوى القطع فقد ذكر هو من زياداته في الركن الثالث من كتاب الوكالة أن فيه وجهين محكيين في "الشامل" و"البيان" والغريب أن الموضعين جميعًا من زياداته، فإن الرافعي هنا لم يدع القطع بذلك.

قوله: وإذا كان الأقرب صبيًا زوجها الأب، ولا يخفى أن هذا لا يتصور في الأب والجد. انتهى.

وما ذكره من عدم تصوره ليس كذلك بل يتصور كما أوضحته في "طراز المحافل في ألغاز المسائل"، ويتفرع هنا فنذكره أيضًا فنقول. صورته فيما إذا زوج الأب ولده الصغير، ثم أتت زوجته بولد في زمن إمكان بلوغه وهو كمال التاسعة على الصحيح، فإن الولد يلحقه إذا مضى عليه بعد زمن الإمكان ستة أشهر ولحظة تسع الوطء، وإذا حكمنا بثبوت النسب لم يحكم بالبلوغ لأن النسب يثبت بالاحتمال بخلاف البلوغ، كذا جزم به الرافعي في آخر كتاب اللعان، وتبعه عليه في "الروضة"، نعم ذكر ذلك الرافعي في باب الحجر أنه إذا تزوج صغيرة وطلقها بعذر من إمكان بلوغها، ثم أتت بولد قبل مضي أربع سنين من الطلاق، فإن الولد يلحق الزوج ويحكم ببلوغ المرأة قبل الطلاق، وكان قياسه من مسألتنا أن لا يحكم ببلوغها من ذلك لأن البلوغ لا يثبت بالإمكان إلا أن الفارق تحقق المقتضي في المرأة وهو الولادة بخلاف إنزال الصبي.

قوله: وفي الجنون المتقطع وجهان: أحدهما: يزوجها الأبعد في يوم

ص: 53

جنونه لبطلان أهليته وزوال ولايته في نفسه وماله وهذا أصح عند القاضي ابن كج، والإمام وهو المذكور في الكتاب.

والثاني: أنه لا يزيل الولاية، لأنه يشبه الإغماء من حيث إنه يطرأ ويزول وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" إلى آخره.

واعلم أن هذا الكلام ظاهره رجحان الأول لأن القائلين به أكثر عددًا، ولهذا صرح النووي بتصحيحه في أصل "الروضة"، لكن -أعني الرافعي- رجح في "الشرح الصغير" الوجه الثاني فقال فيه وجهان أشبههما عدم الانتقال والأول هو مقتضى كلام "المحرر" فإنه أطلق أن الجنون ينقل.

قوله: ونقل الإمام وجهين في ما إذا أفاق المجنون وبقيت آثار خبل يحتمل مثلها ممن لا يعتريه الجنون على حده في الخلق فهل تعود ولايته أم يستدام حكم الجنون إلى أن يصفو من الخلل؟ وجهان. انتهى.

قال في "الروضة" من زياداته: لعل الثاني أصح.

قوله: وأما السفيه المحجور عليه فالمشهور أنه لا يلي، وحكى صاحب "المهذب" مع هذا وجهًا جيدًا أنه يلي لأنه كامل النظر في مصالح النكاح، وإنما حجر عليه لأن لا يضيع ماله، ثم قال: وإذا وجد التبذير المقتضي للحجر ولم يحجر عليه فما ينبغي أن تزول الولاية. انتهى كلامه.

فيه أمور:

أحدها: أن النووي في اختصاره لكلام الرافعي قد عبر بقوله والحجر بالسفه يمنع الولاية على المذهب، وقيل وجهان فاقتضى كلامه أن الرافعي حكى طريقين وصحح طريقة القطع، وليس كذلك، بل حاصل كلامه حكاية وجه ضعيف في النقل قوي في المأخذ، ولهذا اقتصر في "الشرح الصغير" على حكاية وجهين، ولم أقف أيضًا على حكاية طريقين في

ص: 54

كلام غيره.

الأمر الثاني: أن التعليل الذي ذكره الرافعي لولاية السفيه المحجور عليه على وجه يؤخذ منه أن محل الخلاف إذا حجر عليه لأجل تضييع ماله، فإن كان الحجر لكونه لا يعرف الحظ لنفسه لم يلي جزمًا، وبه صرح الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" فتأمله، وقد أسقط النووي من "الروضة" التعليل المذكور.

الأمر الثالث: أن ما ذكره الرافعي بحثًا في غير المحجور عليه من كونه يلي واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه قد صرح به جماعة منهم الماوردي وصاحب "البحر" فحكيا فيه وجهين من غير ترجيح وحكاهما صاحب "الذخائر" لكنه صحح أنه لا يلي أيضًا، وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أوجه صرح بحكايتها في المطلب، ثالثها: التفصيل بين أن يحجر عليه أم لا، وقد حذف في "الروضة" المسألة بالكلية.

قوله: الرابعة: السكر إن حصل بسبب يفسق به وقع الكلام في أن الفاسق هل يلي؟ إن قلنا لا يلي فذاك، فإن قلنا يلي أو حصل بسبب لا يفسق به بأن كان مكرهًا أو غالطًا فإن لم ينفذ تصرف السكران فالسكر كالإغماء، وإن جعلنا تصرفه كتصرف الصاحي فمنهم من صحح تزويجه، ومنهم من منع لاختلال نظره، وبه قال الشيخ أبو محمد، والظاهر من ذلك كله أنه لا يزوج. انتهى.

ذكر مثله في "الشرح الصغير" وهو صريح في أن الخلاف الذي في تصرف السكران يجرى سواء كان متعديًا أو غير متعد وهو غلط، بل الصواب وهو الذي [في تصرف السكران](1) ذكره في كتاب الطلاق أن الخلاف محله إذا كان متعديًا فيه فإن لم يكن فلا أثر له، ولم يتعرض في "الروضة" هنا لهذا الكلام، بل صحح أن السكران لا يلي واقتصر عليه.

(1) سقط من جـ.

ص: 55

قوله: ثم الخلاف في ما إذا بقي له تمييز نظر فأما الطافح الذي سقط تمييزه بالكلية فكلامه لغو. انتهى كلامه.

وما ذكره هاهنا من اختصاص الخلاف [بمن له تمييز قد خالفه في كتاب الطلاق فصحح جريان الخلاف](1) مطلقًا وهو غريب وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه، والطافح بالفاء والحاء المهملة قال الجوهري هو الذي ملأه الشراب.

قوله: الخامس ذكر أبو الحسن العبادي وجهين في أنا هل نثبت الولاية لذوي الحرف الدنية إذا لم نثبتها للفاسق؟ .

قال في "الروضة" من زياداته: المذهب القطع بثبوت ولايتهم قاله البغوي وغيره.

قوله: وهل يزوج اليهودي النصرانية؟ يمكن أن يلحق بالإرث فيزوج ويمكن أن يمنع لأن اختلاف الملل منشأ العداوة. انتهى.

وهذه المسألة التي لم يقف الرافعي فيها على نقل وتوقف فيها، وتابعه على ذلك في "الروضة" والمسألة مشهورة في كتب المذهب فقد ذكرها الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" وجزما بالاحتمال الأول وعللاه بأن الكفر كله ملة واحدة فقال -أعني الماوردي- ولاية ولو كانت الكافرة نصرانية ولها أخ مسلم وأخ نصراني وأخ يهودي وأخ مجوسي فلا ولاية عليها للمسلم ويكون النصراني واليهودي والمجوسي في الولاية عليها سواء كما يتشاركون في ميراثها لأن الكفر كله ملة واحدة هذه عبارته، وعبارة الروياني مثله أيضًا ذكر ذلك في أثناء مسألة أولها ولي الكافرة لا يكون إلا كافرًا، وذكرها أيضًا كذلك إمام الحرمين، وكذلك المتولي في "التتمة"، وصرح بتخريجها على أن الكفر كله ملة واحدة أو ملل.

واعلم أن صورة هذه المسألة متوقف على مقدمة ذكرها الرافعي في هذا

(1) سقط من جـ.

ص: 56

الباب، وهو أنه إذا تزوج يهودي بنصرانية أو مجوسية فحصل بينهما ولد فإنه يخير بين دين أبيه ودين أمه، فإن قيل فكيف يكون الأخوة الثلاثة على السواء مع أن الشقيق مقدم على غيره؟ قلنا: تفرض المسألة في ما إذا كان الجميع إخوة لأب فقط.

واعلم أنه يحسن أن يفصل فيقال إن كان التزويج بالأخيار فلا تزوج بناء على أن شرط المخير أن لا يكون عدوًا للمخيرة كما نقله الرافعي عن ابن كج وغيره وإن لم يكن بالإخيار صح.

قوله: فرع في "فتاوى البغوي": أنه يجوز أن يوكل نصرانيًا أو مجوسيًا في قبول نكاح نصرانية ولا يجوز في قبول نكاح مسلمة، ويجوز توكيل النصراني مسلمًا في قبول نكاح مجوسية لأن المسلم لا يجوز له نكاحها بحال بخلاف توكيل المعسر موسرًا في تزويج أمة فإنه جائز لأنه يستبيحها في الجملة. انتهى.

هذه المسألة ذكرها الرافعي في أوائل الصداق فنقلها النووي في "الروضة" إلى هذا الموضع، وقد ذكر ما يخالفها في موضعين آخرين تقدم إيضاحهما في أوائل البيع في الكلام على شراء الكافر المسلم فراجعه.

قوله: قلت: لا يزوج مسلم كافرة إلا السلطان والسيد على الأصح. انتهى.

هذه المسألة ذكرها الرافعي في فصل ولاية السيد فلا حاجة إليها.

قوله من زياداته: ولا يزوج كافر مسلمة إلا أم ولده على وجه قاله الفوراني. انتهى كلامه.

وما ذكره من حصر هذا الوجه في أم الولد ليس بصحيح بل هو مطرد أيضًا في الأمة بناء على أنه يزوج بالملك، وقد نقله هو بعد ذلك عن ابن الحداد في الكلام على السبب الرابع.

ص: 57

قوله: ومن فاته الحج هل له أن ينكح قبل التحلل بعمل عمرة؟ وجهان حكاهما الحناطي. انتهى.

والأصح المنع قاله في "الروضة" من زياداته.

قوله: ولو وكل رجل رجلًا بالتزويج، ثم أحرم أحدهما أو أحرمت المرأة ففي انعزال الوكيل وجهان والظاهر أنه لا ينعزل، ثم قال: وهل التزويج قبل تحلل الموكل؟ ، أثبت صاحب الكتاب يعني الغزالي فيه وجهين حيث قال: وإن كان الأظهر أن الوكيل لا يتعاطى في حالة إحرام الموكل بل بعده، ولم أر للخلاف ذكرًا في ما عثرت عليه من كتب الأصحاب، ولم يتعرض له في "الوسيط"، ولا ذكره الإمام. انتهى كلامه.

تابعه في "الروضة" على الإنكار على الغزالي وليس الأمر فيه كما قالا، بل الذي ذكره الغزالي مذكور في "تعليقة القاضي حسين"، فإنه قال: في باب نكاح المحرم: ظاهر المذهب أنه لا يزوج فأخذه الغزالي منه، وعبر بقريب من عبارته لكن ذكر القاضي أيضًا عند الكلام على الأولياء من التعليق المذكور أنه لا خلاف أنه لا يزوج، وعلى كل حال فلا إيراد على الغزالي لأن هذه الصيغة إن لم تقتض الخلاف فلا إشكال وإن اقتضته فقد سبقه إليه غيره من كبار أئمة المذهب، والرافعي رحمه الله لم يقع له التعليقة المذكورة فلذلك ذكر ما ذكر.

قوله: ولو وكله في حال إحرام الوكيل أو الموكل أو المرأة نظر إن وكله ليعقد في الإحرام لم يصح، وإن قال لتزوج بعد التحلل أو أطلق صح. انتهى.

وهذه المسألة تقدم الكلام عليها وعلى نظائرها في أوائل كتاب الوكالة فراجعه.

قوله: فرع: عن نص الشافعي أن السلطان لا يزوج التي تدعي غيبة

ص: 58

وليها حتى يشهد شاهدان أنه ليس لها ولي حاضر وأنها خلية عن النكاح والعدة، واختلف الأصحاب فمن قائل إنه واجب احتياطًا، ومن قائل: إنه محبوب، فإن الرجوع في العقود إلى قول أربابها. انتهى.

والأصح هو الاستحباب كذا صححه الروياني وغيره، وتبعهم عليه في "الروضة" وهذا التصحيح الذي ذكروه يقتضي أن التصرف الصادر من الحاكم لكونه حاكمًا لا يستلزم صدوره منه الحكم بصحته حتى إذا عقد نكاحًا مختلفًا فيه أو بيعًا أو غير ذلك، لا يجوز لأحد من الحكام نقضه، كما لو عقده غيره ثم حكم هو به، وإنما قلنا: إن كلامه هذا يقتضي ذلك لأنه لا يجوز له الحكم بالصحة في العقود والأملاك وغيرها بمجرد قول أربابها، بل لابد من البينة أو العلم به كما قرره وهذا الذي اقتضاه كلامه أصل عظيم وقاعدة مهمة فلنذكر ما حضرنا فيها فنقول: اختلفوا في هذه المسألة فجزم الماوردي في "الحاوي" في باب التفليس في الكلام على ما إذا قسم مال المفلس ثم ظهر غريم بأنه حكم، وذكر الرافعي في كتاب الفرائض نحوه فقال في الكلام على ميراث المفقود: الثالث لعلك تقول من الأصحاب من يقول لا يقسم ماله حتى تمضي مدة يعلم موته فيها ولا يتعرض لحكم الحاكم، كما نقلت عن ابن اللبان ومنهم من يعتبر الحكم على ما ذكره في الكتاب، فكيف الحال والذي ينبغي أن يقال في الجواب أن القسمة إن كانت بالقاضي فقسمته تتضمن الحكم بالموت، وإن اقتسموا بأنفسهم فيجوز أن يقدر فيه خلاف، هذا كلام الرافعي، وهو صريح في ما قلناه، ويؤيده أيضًا ما ذكره في كتاب القسمة أن جماعة إذا اعترفوا بالاشتراك الثاني ملك عند الحاكم واتفقوا على القسمة أو اختلفوا فيها أنه لا يقسم بينهم إلا ببينة تشهد بملكهم على الصحيح، وعلل بأمور منها ما قلناه، وذكر الشافعي في "الأم" نحوه فقال في باب ما يرد من القسمة ما نصه: وإن أردتم قسمتي فأتوا بالبينة على أصل حقوقكم فيها، وذلك

ص: 59

أني إن قسمت بلا بينة فجئتم بشهود يشهدون أني قسمت بينكم هذه الدار إلى حاكم غيري كان شبيهًا أن يجعلها حكمًا مني لكم، هذا لفظه بحروفه، وكذلك يؤيده أيضًا ما ذكره القاضي الحسين والماوردي وغيرهم أن المفلس إن تولى بيع أمواله فلا كلام وإن كان البائع هو الحاكم فلا يجوز حتى يشهد عنده بينة بملكه لها قالوا: ولا يكفي فيها يده ولا اعترافه وقياس الرهن كذلك أيضًا، وهذا الذي قالوا قياسه أن يتعدى إلى اليتيم إذا احتاط الحاكم لي الأموال التي بيد مورثه، فإنه يقتضي عدم جواز بيعها إلا ببينة إلا أن يفرق بأنه لا ضرورة إلى مباشرة الحاكم لبيع مال المفلس فإن المفلس قادر على بيعها بخلاف أموال اليتيم، إذا علمت هذا فقد جزم ابن الصباغ في "الشامل" بأنه ليس بحكم، ذكر ذلك في الموضع الذي جزم فيه الماوردي بأنه حكم، وهو في ما إذا قسم مال المفلس، ثم ظهر غريم، وذكر الرافعي في كتاب العدد في أوائل الباب الثالث من عدة الوفاة والمفقود نحوه أيضًا، فقال: وإذا قلنا بالقول القديم وهو أن المرأة تمكث أربع سنين، ثم يحكم الحاكم بوفاة زوجها، وتعتد عدة الوفاة، فالأصح عند كثير من الأئمة أن المدة تفتقر إلى ضرب القاضي، قيل يكفي مضيها من وقت انقطاع الخبر، ثم قال وإذا ضرب القاضي المدة فمضت، فهل يكون حكمًا بوفاته أم لابد من استئناف حكم؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني. انتهى كلامه.

ولما ذكر الماوردي الأقوال في البداءة بالتسليم عند تنازع البائع والمشتري ذكر القول بأن الحاكم [يجبرها على تسليم ذلك إليه، والقول الآخر بأن الحاكم](1) ينصب لهما أمينًا عدلًا ويامر كل واحد منهما بتسليم ما بيده، ثم قال: كان أبو إسحاق المروزي يجعلهما قولًا واحدًا، وامتنع سائر الأصحاب من ذلك، وقالوا: كل واحد منهما مخالف لصاحبه لأن الدفع

(1) سقط من جـ.

ص: 60

والتسليم في أحدهما إلى الحاكم فكان كحكمه، وفي الآخر الحكم منه في نصب الأمين والأمر بالتسليم فاختلفا، هذا كلام الماوردي، وهو يفيد أن تصرفه حكم بخلاف إذنه.

قال ابن الرفعة في حاشية كتبها في أوائل النكاح من "الكفاية": وهذا في العقود إنما يأتي إذا تقدم القبول على الإيجاب أما إذا تقدم الإيجاب من الحاكم فلا يمكن الحكم بصحته، إذ الحكم بها موقوف على وجود العقد فكيف يحكم به قبل صدوره والذي قاله حسن متعين.

واعلم أن ابن الصلاح قد ذكر في فتاويه أن الخلاف في جواز العقد بالمستورين محله إذا كان العاقد غير حاكم.

قال: أما إذا باشره الحاكم فإنه لا ينعقد بهما بلا خلاف، بل لابد من العدالة الباطنة، قلت وحكى في "التتمة" فيه طريقين: أصحهما إجراء الخلاف، ومدرك البطلان هذه القاعدة أن الحكم بالصحة لا يجوز بشاهدين مستورين، لكن ابن الصلاح لم يذكر هذه العلة بل علله بأن الحاكم لا يتيسر عليه الوقوف على العدالة الباطنة بخلاف الآحاد؛ والمراد من العدالة الباطنة هو أن تكون العدالة مستندة إلى التزكية، وصرح بذلك الرافعي في كتاب الصيام في الكلام على قبول الواحد، وليس المراد بالباطنة أن تكون حاصلة في نفس الأمر فإنه لا يمكن الاطلاع عليه، حتى يقال: إنه شرط للحكم بالصحة على وجه.

قال البغوي في "فتاويه": وإذا جاء رسول المرأة إلى القاضي وأخبره بأنها أذنت له في تزويجها وظن صدقه جاز له الاعتماد عليه والتزويج بقوله، وهذا الذي قاله يقتضي أن تصرفه ليس حكمًا بالصحة لأن الحاكم يعتمد قيام البينة أو العلم، لكن في الفتاوى الموصلية للشيخ عز الدين بن عبد السلام عكس ذلك فقال لو أخبر صدوق شخصًا بأن الولي أذن له في

ص: 61

تزويج موليته فلا يجوز له الاعتماد عليه، فإن زوج معتمدًا عليه، ثم بان صدقه لم يصح أيضًا.

فانظر كيف بالغ الشيخ عز الدين ومنع غير الحاكم، لكن في "طبقات الفقهاء" للعبادي في ترجمة أبي القاسم الكعبي قال: وليس هذا الكعبي المعتزلي أنه إذا قال شخص أنا وكيل فلان يتزويج ابنته جاز للغير قبول التزويج، فإن أنكر الولي فهل هو فرقة أو جحود؟ قال نقل فيه جوابان، وذكر الرافعي في آخر باب الوكالة أن شخصًا لو ادعى أنه وكيل في بيع أو نكاح وصدقه من يعامله صح العقد، وهذا يوافق كلام الكعبي لكنه شرط فيه الصدق، ولم يذكر التفريع الذي عليه، وهو إنكار المالك أو الولي.

واعلم أن الرافعي في باب الإقرار بالنسب قد ذكر كلامًا يؤخذ منه قاعدة نافعة متعلقة بما نحن فيه، فإنه ذكر أن الإمام إذا استلحق مجهولًا بمن لا وارث له يثبت نسبه في أصح الوجهين، ثم قال: هذا إذا ذكره الإمام لا على وجه الحكم، أما إذا ذكره على وجه الحكم فإن قلنا يقضي بعلمه ثبت النسب وإلا فلا، وقد طال الكلام على هذه المسألة ولولا زيادة طوله لاستوعبنا ما فيه من الكلام نقلًا ودليلًا لكن كتابنا هذا ليس معقودًا لذلك، بل للتنبيه على ما وقع في الرافعي و"الروضة" مختصرًا.

قوله في أصل "الروضة" في المسألة المذكورة: وعلى الاستحباب فلو ألحت في المطالبة فرأى السلطان التأخير ففيه وجهان. انتهى.

هذا يقتضي أن الخلاف لأصحاب الشافعي وهو غلط وذلك أن الرافعي رحمه الله قال: فيه وجهان رواهما الإمام عن أهل الأصول، ورأيت في "النهاية" في باب اجتماع الولاة وتفريقهم بعد نحو ست ورقات منه في ما إذا سألت المرأة ذلك وألحت ما نصه: وهذا لا ينتهي إليه كلام الفقهاء وهو من محض أحكام الإمامة، وقد اختلف أرباب الأصول فيه فذهب قدوتنا

ص: 62

في الأصول إلى أنها تجاب، وأقصى ما يمكن السلطان منه أن يستمهلها، فإن أبت أجابها، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى أن القاضي لا يجيبها إن رأى ذلك رأيًا، ويقول لا يجب على إجابتك ما لم أحيط، وهذا لا يتضح بهذا القول ولعلنا نجمع كلامًا شافيًا في أحكام الأئمة والولاة إن شاء الله تعالى، انتهى لفظ الإمام، وقد اتضح أن أحد القائلين هو القاضي أبو بكر وهو من المالكية، والظاهر أن الآخر هو الشيخ أبو الحسن الأشعري، وحينئذ فليست المسألة ذات وجهين.

ص: 63