الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِيهِ تَلَازُمُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، طَرْدًا وَعَكْسًا، فَيَصْدُقُ كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَسَاسٌ، فَهُوَ مُخْتَلٌّ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ مُخْتَلًّا فَلَيْسَ لَهُ أَسَاسٌ، وَلَا يَصْدُقُ كُلُّ مَا كَانَ لَهُ أَسَاسٌ فَلَيْسَ بِمُخْتَلٍّ، وَكُلُّ مَا كَانَ مُخْتَلًّا فَلَيْسَ لَهُ أَسَاسٌ.
وَمَا قَدَّمْنَا عَنِ الآمدي: أن من أنواع الاستدلال قولهم: وجب السَّبَبُ إِلَخْ، هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ لِأَهْلِ الْأُصُولِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى دَلِيلٍ، فَهُوَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِمْ: وُجِدَ دَلِيلُ الْحُكْمُ، لَا يَكُونُ دَلِيلًا مَا لَمْ يُعَيَّنْ، وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ مَا يَسْتَلْزِمُ الْمَدْلُولَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ دَلِيلٌ، إِذْ لَا مَعْنَى لِلدَّلِيلِ إِلَّا مَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ بِالْمَدْلُولِ.
وَالصَّوَابُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ، لَا دَلِيلٌ، وَلَا مُجَرَّدُ دَعْوَى.
وَاعْلَمْ: أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ التَّلَازُمِ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ السَّابِقَةِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ، مَا عَدَا الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةَ عَلَى نفس العلة.
الْبَحْثُ الثَّانِي: الِاسْتِصْحَابُ
أَيْ: اسْتِصْحَابُ الْحَالِ لِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ، أَوْ عَدَمِيٍّ، عَقْلِيٍّ، أَوْ شَرْعِيٍّ1.
وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُصَاحَبَةِ، وَهُوَ بَقَاءُ ذَلِكَ الْأَمْرِ مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُغَيِّرُهُ، فَيُقَالُ: الْحُكْمُ الْفُلَانِيُّ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى، وَكُلَّمَا كَانَ فِيمَا مَضَى، وَلَمْ يُظَنَّ عَدَمُهُ، فَهُوَ مَظْنُونُ الْبَقَاءِ.
قَالَ الْخُوَارَزْمِيُّ فِي "الْكَافِي": وَهُوَ آخِرُ مَدَارِ الْفَتْوَى، فَإِنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ حَادِثَةٍ، يَطْلُبُ حُكْمَهَا فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ فِي السُّنَّةِ، ثُمَّ فِي الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَيَأْخُذُ حُكْمَهَا مِنِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي زَوَالِهِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي ثُبُوتِهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُ ثُبُوتِهِ، انْتَهَى.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى أَقْوَالٍ2:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَبِهِ قَالَتِ الْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالظَّاهِرِيَّةُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي النَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ، وحكاه ابن الحاجب عن الأكثر.
الثَّانِي:
أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الحنفية، والمتكلمين، كأبي الحسين البصري،
1 انظر ميزان الأصول 2/ 932 والمنخول 372 والبحر المحيط 6/ 17.
2 انظر ميزان الأصول "2/ 934.
قَالُوا: لِأَنَّ الثُّبُوتَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يَفْتَقِرُ إِلَى الدَّلِيلِ، فَكَذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ لَا يَكُونَ، وَهَذَا خَاصٌّ عِنْدَهُمْ بِالشَّرْعِيَّاتِ، بِخِلَافِ الْحِسِّيَّاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَجْرَى الْعَادَةَ فِيهَا بِذَلِكَ، وَلَمْ يُجْرِ الْعَادَةَ بِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، فَلَا تُلْحَقُ بِالْحِسِّيَّاتِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ تَخْصِيصُ النَّفْيِ بِالْأَمْرِ الوجودي.
ومنهم من نقل عن الْخِلَافُ مُطْلَقًا.
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ الْخِلَافِ فِي الْوُجُودِيِّ وَالْعَدَمِيِّ جَمِيعًا، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ؛ إِذْ تَفَارِيعُهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ حُجَّةٌ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمَنْقُولُ فِي كتب أكثر الحنفية أنه لا يصح حُجَّةً عَلَى الْغَيْرِ، وَلَكِنْ يَصْلُحُ لِلرَّفْعِ وَالدَّفْعِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ حُجَّةٌ لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ، وَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِثْبَاتِ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ "وَذَلِكَ كَحَيَاةِ الْمَفْقُودِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كان الظاهر بقاؤها، صَلُحَ حُجَّةً لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ، فَلَا يُوَرَّثُ مَالُهُ، وَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِثْبَاتِ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَرِثُ عَنْ أَقَارِبِهِ"*
الثَّالِثُ:
أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل، فإنه "لم"**كلف إِلَّا مَا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدُورِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ دَلِيلًا سِوَاهُ جَازَ لَهُ التَّمَسُّكُ "بِهِ"***وَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدِينَ إِذَا تَنَاظَرُوا لَمْ يَنْفَعِ الْمُجْتَهِدَ قَوْلُهُ لَمْ أَجِدْ دَلِيلًا عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالِاسْتِصْحَابِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ.
الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يَصْلُحُ حُجَّةً لِلدَّفْعِ لَا لِلرَّفْعِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ إِلْكِيَا: وَيُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا "بِأَنَّ"**** اسْتِصْحَابَ الْحَالِ صَالِحٌ لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، إِحَالَةً عَلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ، لَا لِإِثْبَاتِ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ قَدَّمْنَا1 أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ.
الْخَامِسُ:
أَنَّهُ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِهِ لَا غَيْرَ، نَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ عَنْهُ، لَا أَنَّهُ يَحْتَجُّ بِهِ.
السَّادِسُ:
أَنَّ الْمُسْتَصْحِبَ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ سِوَى نَفْيِ مَا نَفَاهُ، صح ذلك2، وإن كان
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": لا.
*** بين قوسين ساقط من "أ".
**** ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
1 انظر صفحة: 174.
2 مثاله: من استدل على إبطال بيع الغائب ونكاح المحرم والشغار بأن الأصل أن لا عقد فلا يثبت إلا بدلالة.
غرضه إثبات خلاف قول خصمه، من وجهة يُمْكِنُ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ فِي نَفْيِ مَا أَثْبَتَهُ فَلَا يَصِحُّ1. حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ تَنْقِيحِ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُطْلِقُهُ، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُ النِّزَاعِ، فَنَقُولُ: لِلِاسْتِصْحَابِ صُوَرٍ:
إِحْدَاهَا:
اسْتِصْحَابُ مَا دَلَّ الْعَقْلُ أو الشرع عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ، كَالْمِلْكِ عِنْدَ جَرَيَانِ الْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لَهُ، وَشَغْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ جَرَيَانِ إِتْلَافٍ أَوِ الْتِزَامٍ، وَدَوَامِ الْحِلِّ فِي الْمَنْكُوحَةِ بَعْدَ تقرير المنكاح، فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ مُعَارِضٌ.
قَالَ، الثَّانِيَةُ:
اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ الْمَعْلُومِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ التَّكْلِيفِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى تَغَيُّرِهِ، كَنَفْيِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهَذَا حُجَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ "أَيْ"*: مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشرع.
قال، الثَّالِثَةَ:
اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَنْ يَرِدَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ، وَهَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ.
قَالَ، الرَّابِعَةُ:
اسْتِصْحَابُ الدَّلِيلِ، مَعَ احْتِمَالِ الْمُعَارِضِ، إِمَّا تَخْصِيصًا إِنْ كَانَ الدَّلِيلُ ظَاهِرًا، أَوْ نَسْخًا إِنْ كَانَ الدَّلِيلُ نَصًّا، فَهَذَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ "بِالْإِجْمَاعِ"**.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا النَّوْعِ بِالِاسْتِصْحَابِ، فَأَثْبَتَهُ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ، وَمَنَعَهُ الْمُحَقِّقُونَ، مِنْهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْبُرْهَانِ"، وَإِلْكِيَا فِي "تَعْلِيقِهِ"، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي "الْقَوَاطِعِ"؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِيهِ مِنْ نَاحِيَةِ اللَّفْظِ، لَا مِنْ نَاحِيَةِ الِاسْتِصْحَابِ2.
قَالَ، الْخَامِسَةُ:
الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، بِأَنْ يُتَّفَقَ عَلَى حكم في حاله، ثم يتغير صِفَةُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَيَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَيَسْتَدِلُّ مَنْ لم يغير الحكم باستصحاب الحال.
* ما بين القوسين ساقط من "أ".
** في "أ": إجماعا.
_________
1 مثاله: من يقول في مسألة الحرام: إنه يمين توجب الكفارة، لم يستدل على إبطال قول خصومه بأن الأصل أن لا طلاق ولا ظهار ولا لعان فيعارض بالأصل أن لا يمين ولا كفارة فيتعارض الاستصحابان فيسقطان ا. هـ البحر المحيط 6/ 20.
2 ذكر الزركشي في كتابه كلاما وافيا على ذلك فانظره في الصفحة 21 من البحر المحيط م6.