الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المترتب على الحكمة، وهي الجامع بينهما، فتحد الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ.
وَعَلَى الثَّانِي: فإما أن يَكُونُ لَهَا مَظِنَّةٌ، أَيْ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ، تنضبط هي به أولا، فَعَلَى الْأَوَّلِ صَارَ الْقِيَاسُ فِي الْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ، فَاتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ أَيْضًا.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا مِنْ حِكْمَةٍ أَوْ مَظِنَّةٍ، فَيَكُونُ قِيَاسًا خَالِيًا عَنِ الْجَامِعِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ: بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ، وَذَلِكَ كَقِيَاسِ الْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْقِصَاصِ، وَقِيَاسِ اللِّوَاطَةِ عَلَى الزِّنَا فِي كَوْنِهَا سَبَبًا لِلْحَدِّ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا تَغَايَرَ فِيهِ السَّبَبُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، أَيِ: الْوَصْفُ المتضمن للحكمة، وكذا العلة، وهي الحكمة، وههنا السَّبَبُ سَبَبٌ وَاحِدٌ، يَثْبُتُ لَهُمَا، أَيْ: لِمَحِلَّيِ الْحُكْمِ، وَهُمَا الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ. فَفِي الْمُثْقَلِ وَالْمُحَدَّدِ السَّبَبُ هُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، وَالْعِلَّةُ الزَّجْرُ لِحِفْظِ النَّفْسِ، وَالْحُكْمُ الْقِصَاصُ، وَفِي الزِّنَا وَاللِّوَاطَةِ السَّبَبُ إِيلَاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا، مُشْتَهًى طَبْعًا، وَالْعِلَّةُ الزَّجْرُ لِحِفْظِ النَّسَبِ، وَالْحُكْمُ وُجُوبُ الْحَدِّ.
وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَرُدُّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ الْمَانِعِينَ مِنَ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِالْقِصَاصِ فِي الْمُثْقَلِ، ولا بالحد في اللواط، وإنما يرد على مَنْ قَالَ بِمَنْعِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ.
قَالَ الْمُحَقِّقُ السَّعْدُ: وَالْحَقُّ أَنَّ رَفْعَ النِّزَاعِ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَعْنِي: بِكَوْنِهِ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ مُمْكِنٌ فِي كُلِّ صُورَةٍ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ لَا يَقْصِدُونَ إِلَّا ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفَيْنِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْجَامِعِ، وَيَعُودُ إِلَى مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ وَالسَّبَبِ.
القياس في الحدود والكفارات:
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا: هَلْ يَجْرِي الْقِيَاسُ فِي الْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، أَمْ لَا؟ فَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَجَوَّزَهُ غَيْرُهُمْ1.
احْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ الْحُدُودَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَقْدِيرَاتٍ لَا تُعْقَلُ، كَعَدَدِ الْمِائَةِ فِي الزِّنَا، وَالثَمَانِينَ فِي الْقَذْفِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ الْحِكْمَةَ فِي اعْتِبَارِ خُصُوصِ هَذَا الْعَدَدِ، وَالْقِيَاسُ فَرْعُ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى فِي حِكْمَةِ الْأَصْلِ، وَمَا كَانَ يُعْقَلُ مِنْهَا، كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ، لِكَوْنِهَا قَدْ جنت بالسرقة.
1 قال في فواتح الرحموت 2/ 317: قال الحنفية: لا يجري القياس في الحدود خلافا لمن عداهم لاشتمالها على تقديرات لا تعقل بالرأي. ا. هـ وانظر المستصفى 2/ 334.
فَقُطِعَتْ، فَإِنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْقِيَاسِ لِاحْتِمَالِهِ الْخَطَأَ تُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ إِثْبَاتِهِ بِالْقِيَاسِ، وَهَكَذَا اخْتِلَافُ تَقْدِيرَاتِ الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ، كَمَا لَا تُعْقَلُ أَعْدَادُ الرَّكَعَاتِ.
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ مِنْهَا، لَا فِيمَا لَا يُعْقَلُ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِيهِ، كَمَا فِي غَيْرِ الْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَلَا مَدْخَلَ لِخُصُوصِيَّتِهِمَا فِي امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ.
وَأُجِيبَ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ فِي الْقِيَاسِ، لِاحْتِمَالِهِ الْخَطَأَ، بِالنَّقْضِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِالشَّهَادَةِ، فَإِنَّ احْتِمَالَ الْخَطَإِ فِيهِمَا قَائِمٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ الْقَطْعَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِ الْحَدِّ بِهِمَا.
وَالْجَوَابُ: الْجَوَابُ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِإِثْبَاتِ الْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، بِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ يَتَنَاوَلُهُمَا بِعُمُومِهِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ فِيهِمَا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ حَدُّوا فِي الْخَمْرِ بِالْقِيَاسِ، حَتَّى تَشَاوَرُوا فِيهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه:"إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَأَرَى عَلَيْهِ حَدَّ الِافْتِرَاءِ"1.
فَأَقَامَ مَظِنَّةَ الشَّيْءِ مَقَامَهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْقِيَاسُ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا: بِأَنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، لاقتضائه الظَّنِّ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِيهِمَا، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ عَدَمَ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِيمَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، كَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ الْمُخَالِفَ فِي ذَلِكَ شُذُوذٌ.
وَوَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى الْمُعَلَّلِ بِهِ الحكم في الأصل.
واستدل مَنْ أَثْبَتَ الْقِيَاسَ فِيمَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ: بأن الأحكام الشرعية متماثلة؛ لأنه يشتملها حد واحد، وهو حد الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، وَالْمُتَمَاثِلَانِ يَجِبُ اشْتِرَاكُهُمَا فِيمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُوجِبُ التَّمَاثُلَ، وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّوْعِ، فَإِنَّ الْأَنْوَاعَ الْمُتَخَالِفَةَ قَدْ تَنْدَرِجُ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَيَعُمُّهَا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَدُّ ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَمَاثُلُهَا، بَلْ تَشْتَرِكُ فِي الْجِنْسِ، وَيَمْتَازُ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا بِأَمْرٍ يُمَيِّزُهُ، وَحِينَئِذٍ فَمَا كَانَ يَلْحَقُهَا بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرِكِ مِنَ الْجَوَازِ وَالِامْتِنَاعِ يَكُونُ عَامًّا، لَا مَا كَانَ يَلْحَقُهَا باعتبار غيره.
1 أخرجه البيهقي من حديث علي رضي الله عنه، كتاب الأشربة والحد فيها، باب ما جاء في عدد حد الخمر موقوفا على علي رضي الله عنه 8/ 321. ومالك في الموطأ، كتاب الأشربة، باب الحد في الخمر 2، 2/ 842.