الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِ صلى الله عليه وسلم
فَذَهَبَ "الْأَكْثَرُ"* إِلَى جَوَازِهِ وَوُقُوعِهِ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، مِنْهُمُ الْقَاضِي.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، وَأَبِي هَاشِمٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فصَّل بَيْنَ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ، فَأَجَازَهُ لِمَنْ غَابَ عَنْ حَضْرَتِهِ صلى الله عليه وسلم، كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ1، دُونَ من كان في حضرته الشريفة صلى الله عليه وسلم، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَنَقَلَهُ إِلْكِيَا عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَمَالَ إِلَيْهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: إِنَّهُ الْأَقْوَى عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِهِمْ.
قَالَ ابْنُ فُورَكَ: بِشَرْطِ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إِنْ كَانَ اجْتِهَادُ الصَّحَابِيِّ فِي عَصْرِهِ صلى الله عليه وسلم، فِي الْأَحْكَامِ، كَإِيجَابِ شَيْءٍ، أَوْ تَحْرِيمِهِ، فَلَا يَجُوزُ، كَمَا وَقَعَ مِنْ أَبِي السَّنَابِلِ2 مِنَ الْإِفْتَاءِ بِاجْتِهَادِهِ فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ، كَاجْتِهَادِهِمْ فِيمَا يَجْعَلُونَهُ عَلَمًا لِلدُّعَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ3؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِيجَابُ شَرِيعَةٍ تُلْزِمُ.
وَكَاجْتِهَادِ قَوْمٍ بِحَضْرَتِهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَنْ هُمُ السَّبْعُونَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجنة ووجوههم كالقمر
* في "أ": الأكثرون.
_________
1 تقدم في 1/ 152.
2 هو أبو السنابل بن بعكك، الصحابي، قيل اسمه حبة وقيل حنة وقيل عمرو، قال البخاري: لا أعلم أنه عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أسلم بوم الفتح، وله قصة معروفة تعرف بقصة سبيعة، وهي أنها لما مات زوجها فوضعت حملها وتهيأت للخطاب فأنكر عليها، وقال: حتى تعتدي أربعة أشهر وعشرًا، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعلمها أن قد حللت، وهذا يدل على أن أبا السنابل كان فقيهًا.. ا. هـ الإصابة 4/ 96. أخرج القصة مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل 1485. والنسائي. كتاب الطلاق، باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها 6/ 193. والترمذي، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها تضع 1194. ومالك في الموطأ، كتاب الطلاق، باب عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا 2/ 590. وأحمد في مسننده 6/ 314 ابن حبان في صحيحه 4296. وعبد الرزاق في المصنف 11724. وابن الجارود في المنتقى 762.
3 أخرج البخاري عن ابن عمر أنه قال: "كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها. فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أَوَلَا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بلال، قم فناد بالصلاة" كتاب الآذان، باب بدء الآذان 604. وأخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب بدء الآذان 377. وابن ماجه، كتاب الآذان والسنة فيها، باب بدء الآذان 707. والبيهقي، كتاب الصلاة، باب بدء الآذان 1/ 390.
لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ، وبيَّن لَهُمُ النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ هُمْ1، وَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ فِي اجْتِهَادِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَقَعَ ظَنًّا لَا قَطْعًا، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَجْتَهِدَ إِذَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ، كَمَا وقع منه صلى الله عليه وسلم مِنْ أَمْرِهِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنْ يحكم في بني قريطة2. وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاجْتِهَادُ، إِلَّا أَنْ يَجْتَهِدَ، وَيَعْلَمَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَيُقَرِّرَهُ عَلَيْهِ، كَمَا وَقَعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فِي سَلْبِ الْقَتِيلِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسدٍ مِنْ أُسدِ اللَّهِ فَيُعطيك سَلَبَهُ"3 فقرره النبي صلى الله عليه وسلم "وَكَذَلِكَ امْتِنَاعُ عَلَيٍّ رضي الله عنه مِنْ مَحْوِ اسْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الصَّحِيفَةِ4"*.
وَالْحَقُّ: مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ صلى الله عليه وسلم "فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ لِتَعَيُّنِ السُّؤَالِ
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
1 أخرجه البخاري من حديث عمران بن الحصين، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو 5705. ومسلم، كتاب الإيمان، باب الرقية 220. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب المناقب، باب فضل عكاشة بن محض الأسدي 15665 وفي كتاب أهل الجنة، باب فيمن يدخل الجنة بغير حساب برقم 18692. وأبو يعلى في مسنده مطولا من حديث عمران بن الحصين عن ابن مسعود 5339. وأحمد في مسنده 3806.
2 هو عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن بني قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد، فجاء على حمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قوموا إلى خيركم أو إلى سيدكم" قال: "إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك" قال: فإني أحكم فيها أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد حكمت فيهم بحكم الله" وقال مرة: "لقد حكمت بحكم الملك ".
أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب إذا نزل العدو على حكم رجل 3043. ومسلم، كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد 1768. وأبو داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في القيام 5215. والنسائي، كتاب الفضائل 118. والبيهقي، كتاب السير، باب ما يفعل بذراري من ظهر عليهم 6/ 57. وابن حبان في صحيحه 7026. وأحمد في مسنده 3/ 22.
3 أخرجه البخاري، من حديث أبي قتادة، كتاب البيع، باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها 2100. ومسلم، كتاب الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل 1751. وأبو داود، كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى القاتل 2717. والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء فيمن قتل قتيلا فله سلبه 1562 مختصرا. وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب المبارزة والسلب 2837. وابن حبان في صحيحه 4805. وأحمد في مسنده 5/ 306. والبيهقي، كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب السلب للقاتل 6/ 306.
4 أخرجه البخاري من حديث البراء مطولا وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "امحه واكتب: محمد بن عبد الله. فقال علي: لا أمحوه.. الحديث " كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان 2698. وأخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية 1783. وأبو داود، كتاب المناسك، باب المحرم يحمل السلاح 1832. وأحمد في مسنده 4/ 289. وابن حبان في صحيحه 4869. وأبو يعلى في مسنده 1703. والبيهقي، كتاب الجزية، باب الهدنة على أن يرد الإمام من جاء بلده مسلما من المشركين 9/ 226-227.
مِنْهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"* فِيمَا نَابَهُ مِنَ الْأَمْرِ، وَبَيْنَ مَنْ كَانَ غَائِبًا عها، فَيَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ.
وَقَدْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ وَاقِعَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، كَمَا وَقَعَ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ صَلَاتِهِ بِأَصْحَابِهِ، وَكَانَ جُنُبًا وَلَمْ يَغْتَسِلْ، بَلْ تَيَمَّمَ وَقَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} 1، فقرره النبي عَلَى ذَلِكَ2.
وَكَمَا وَقَعَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأَمْرِ بِالنِّدَاءِ يَوْمَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ بِأَنَّهُ "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ" فَتَخَوَّفَ نَاسٌ مِنْ فَوْتِ الْوَقْتِ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ فَمَا عَنَّفَ أَحَدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ3.
وَمِنْ أَدَلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ: تَقْرِيرُ مُعَاذٍ عَلَى اجْتِهَادِ رَأْيِهِ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ4، لَهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ، يَنْتَهِضُ مَجْمُوعُهَا لِلْحُجِّيَّةِ، كَمَا أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي مَجْمُوعٍ مُسْتَقِلٍّ5.
وَمِنْهُ بَعْثُهُ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ قَاضِيًا، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بالقضاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ وَثَبِّتْ لِسَانَهُ" 6 أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ: أَنَّ ثَلَاثَةً وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ، فَأَتَوْا عَلِيًّا يَخْتَصِمُونَ فِي الْوَلَدِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَبَلَغَ "ذَلِكَ"** النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال:
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
1 جزء من الآية 29 من سورة النساء.
2 أخرجه البخاري معلقا، كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت. وأخرجه أبو داود، كتاب الطهارة 335. وابن حبان في صحيحه 1315. والبيهقي، كتاب الطهارة، باب التيمم في السفر إذا خاف الموت أو العلة من شدة البرد 1/ 226. والدارقطني في سننه 1/ 179. وأحمد في مسنده 4/ 203.
3 أخرجه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه، كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء 946. ومسلم، كتاب الجهاد والسير باب المبادرة بالغزو 1770.
4 تقدم تخريجه في 1/ 152.
5 واسمه بغيه المستفيد في الرد على من أنكر الاجتهاد من أهل التقليد ا. هـ. هدية العارفين 1/ 365.
6 أخرجه ابن ماجه بنفس اللفظ من حديث علي، كتاب الأحكام، باب ذكر القضاء 2310. والحاكم من حديث ابن عباس بلفظ:"اللهم اهده للقضاء" كتاب الأحكام 4/ 88 وهناك رواية أخرى بلفظ: فإن الله تعالى يثبت لسانك ويهدي قبلك. وأبو داود، كتاب الأقضية، باب كيف القضاء 3582. الترمذي كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي لا يقضي بين المتحاكمين حتى يسمع كلامهما 1331. وأبو يعلى في مسنده 371. والبيهقي، كتاب آداب القاضي 10/ 86، 87. وابن حبان في صحيحه 5065.