الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: حكم التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ
اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَائِلِ العقلية، وهي المتعلقة بوجود الباري وَصِفَاتِهِ، هَلْ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا أَمْ لَا؟
فَحَكَى الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ" عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَمْ يَحْكِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ في "المختصر" إلا عن العنبري.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز.
وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي "شَرْحِ التَّرْتِيبِ"1 عَنْ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الطَّوَائِفِ.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي التَّوْحِيدِ.
وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ جَمِيعِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الشَّامِلِ"2: لَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ إِلَّا الْحَنَابِلَةُ.
وَقَالَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: لَا يُخَالِفُ فِيهِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ.
وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عز وجل، وَأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا الْأَخْذُ بِقَوْلِ مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَلَا يَدْرِي أَهْوَ صَوَابٌ أَمْ خَطَأٌ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: فَلَوِ اعْتَقَدَ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالدَّلِيلِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ، وَإِنْ فُسِّقَ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ، وَبِهِ قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ، وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَخْرُجَ فيها عن جملة المقلدين. انتهى.
فيا لله الْعَجَبَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الَّتِي تَقْشَعِرُّ لَهَا الْجُلُودُ، وَتَرْجُفُ عِنْدَ سَمَاعِهَا الْأَفْئِدَةُ، فَإِنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى جُمْهُورِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، وَتَكْلِيفٌ لَهُمْ بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ وَلَا يُطِيقُونَهُ، وَقَدْ كَفَى الصَّحَابَةَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ، وَلَا قَارَبُوهَا الْإِيمَانُ الْجُمَلِيُّ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَلَا أَخْرَجَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِتَقْصِيرِهِمْ عَنِ الْبُلُوغِ إِلَى العلم بذلك أدلته.
1 وهو للإمام أبي إسحاق الإسفراييني شرح فيه كتاب الترتيب ولم أجد أحدا نسب كتاب الترتيب إلى مؤلفه انظر كشف الظنون 2/ 1403.
2 وهو في أصول الدين لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني، أبي المعالي ا. هـ كشف الظنون 2/ 1024.
وَمَا حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَإِنْ فُسِّقَ، فَلَا يَصِحُّ التَّفْسِيقُ عَنْهُمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، بَلْ مَذْهَبُ سَابِقِهِمْ وَلَاحِقِهِمُ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِيمَانِ الْجُمَلِيِّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ خَيْرُ الْقُرُونِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، بَلْ حَرَّمَ كَثِيرٌ منهم النظر إلى ذلك، وجعله في الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ، وَلَمْ يَخْفَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِهِمْ، حَتَّى عَلَى أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ1: ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ طَلَبَ الدَّلِيلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ غير واجب، وإنما الغرض هو الرجوع إلى قَوْلُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَرَوْنَ الشُّرُوعَ فِي مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ كُفْرًا، وَأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ وَالنَّظَرَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ طَرِيقٌ إِلَى حُصُولِ الْعِلْمِ، حَتَّى يَصِيرَ بِحَيْثُ لَا يَتَرَدَّدُ، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ هَذَا الِاعْتِقَادُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ قَاطِعَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُؤْمِنًا، وَزَالَ عَنْهُ كُلْفَةُ طَلَبِ الْأَدِلَّةِ، وَمَنْ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالِاعْتِقَادِ الصَّافِي، مِنَ الشُّبْهَةِ وَالشُّكُوكِ، فَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأَكْمَلِ أَنْوَاعِ النِّعَمِ وَأَجَلِّهَا، حِينَ لَمْ يَكِله إِلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، لَا سِيَّمَا الْعَوَامُّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَجِدُهُ فِي صِيَانَةِ اعْتِقَادِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ يُشَاهِدُ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ. انْتَهَى.
وَمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي أَحْوَالِ الْعَوَامِّ "وَجَدَ هَذَا"* صَحِيحًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ نَجِدُ الْإِيمَانَ فِي صَدْرِهِ كَالْجِبَالِ الرَّوَاسِيِّ، وَنَجِدُ بَعْضَ الْمُتَعَلِّقِينَ بِعِلْمِ الْكَلَامِ، الْمُشْتَغِلِينَ بِهِ، الْخَائِضِينَ فِي مَعْقُولَاتِهِ الَّتِي يَتَخَبَّطُ فِيهَا أَهْلُهَا لَا يَزَالُ يَنْقُصُ إِيمَانُهُ، وَتَنْتَقِضُ مِنْهُ عُرْوَةٌ عُرْوَةٌ، فَإِنْ أَدْرَكَتْهُ الْأَلْطَافُ الرَّبَّانِيَّةُ نَجَا، وَإِلَّا هَلَكَ، وَلِهَذَا تَمَنَّى كَثِيرٌ مِنَ الْخَائِضِينَ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ، الْمُتَبَحِّرِينَ فِي أَنْوَاعِهَا، فِي آخِرِ أَمْرِهِ، أَنْ يَكُونَ عَلَى دِينِ الْعَجَائِزِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمَنْظُومَةِ وَالْمَنْثُورَةِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ إِطْلَاعٌ عَلَى أَخْبَارِ النَّاسِ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْقُشَيْرِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، مِنَ الْمُحَقِّقِينَ صِحَّةَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ أبي الحسن الْأَشْعَرِيِّ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِيجَابُ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ بَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوَابِ، وَمَتَى أَوْجَبْنَا ذَلِكَ فَمَتَى يُوجَدُ مِنَ الْعَوَامِّ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَتَصْدُرُ عَقِيدَتُهُ عَنْهُ، كَيْفَ وَهُمْ لَوْ عَرَضْتَ عَلَيْهِمْ تِلْكَ "الْأَدِلَّةَ** لَمْ يَفْهَمُوهَا، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَامِّيِّ أَنْ يَتَلَقَّنَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَعْتَقِدَهُ، وَيَلْقَى بِهِ رَبَّهُ، مِنَ الْعُلَمَاءِ يَتْبَعُهُمْ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَيْهَا بِقَلْبٍ طَاهِرٍ عَنِ الْأَهْوَاءِ، وَالْأَدْغَالِ2، ثُمَّ
* في "أ": وجدها.
** في "أ": الأحكام.
_________
1 ذكر هذا القول الزركشي في كتابه مفصلا في البحر المحيط 6/ 277-278 فانظره هناك.
2 جمع دَغَل: وهو في الأصل كل موضع يخاف فيه الاغتيال، وأصل الدغل الشجر الملتف الذي يكمن أهل الفساد فيه وفي "اتخذوا دين الله دغلا" أي: يخدعون الناس. ويقال: أدغل في الأمر: إذا أدخل فيه ما يخالفه ويفسده. ا. هـ لسان العرب مادة دغل.