الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والكلامُ في قولِهِ: كَذلِكِ كالكلامِ في أمر زكريَّا، وجاءَتِ العبارةُ في أمر زكريَّا:
«يَفْعَلُ» ، وجاءت هنا:«يَخْلُقُ» من حيث إِنَّ أمر زكريَّا داخلٌ في الإِمكان الذي يتعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وقصَّة مريم لا تتعارَفُ البتَّة، فلفظ الخَلْق أقربُ إِلى الاِختراعِ، وأدَلُّ عليه.
وقوله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً: معناه: إِذا أراد إِيجاده، والأمر واحدُ الأمور، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ به، والضميرُ في «لَهُ» عائدٌ على الأمْر والقول على جهة المخاطبة.
وقوله: كُنْ: خطابٌ للمَقْضِيِّ.
وقوله: فَيَكُونُ بالرفع: خطابٌ للمُخْبَر.
وقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ
…
الآية: الكِتَابُ هنا: هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ قاله جمهور المفسّرين.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 49 الى 51]
وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)
وقوله: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، أي: ويجعله رسولاً، وكانت رسالةُ عيسى- عليه السلام إلى بني إِسرائيل مبيِّناً حُكْمَ التوراة، ونَادِباً إِلى العَمَل بها، ومُحَلِّلاً أشياءَ ممَّا حرم فيها كَالثُّرُوبِ ولُحُومِ الإِبل، وأشياء من الحِيتَانِ والطَّيْر/، ومن أول القول لِمَرْيم إِلى قوله: إِسْرائِيلَ: خطابٌ لمريم، ومن قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ إِلى قوله:
مُسْتَقِيمٌ: يحتملُ أنْ يكون خطاباً لمريم على معنى: يَكُونُ من قوله لِبَنِي إِسرائيل كَيْتَ وَكَيْتَ، ويكون في آخر الكلام محذوفٌ يدُلُّ عليه الظاهرُ، تقديره: فجاء عيسى بني إِسرائيل رسولاً، فقال لهم ما تقدَّم ذكْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكون المحذوفُ مقدَّراً في صَدْرِ الكلامِ بعد قوله: إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، فيكون تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّهُ رسولاً إلى بني إِسرائيل بأنِّي قد جئتكم، ويكون قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ليس بخِطَابٍ لِمَرْيَمَ، والأول أظهر.
وقوله: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ
…
الآية: قرأ نافعٌ: «إِنِّي أَخْلُقُ» بكسر الهمزة، وقرأ باقي السَّبْعة بفَتْحها، فوجه قراءةِ نافعٍ إِمَّا القَطْعُ والاستئناف، وإِما أنه فسَّر الآية بقوله:
إِنِّي، كما فسر المَثَلَ في قوله: كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: 59] ووجْه قراءة الباقين البَدَلُ
من «آية» كأنه قال: وجئْتكم بِأَنِّي أخلْقُ، وأَخْلُقُ: معناه: أقدّر وأهيئ بيَدِي.
ص: كَهَيْئَةِ: الهيئةُ: الشَّكْل والصُّورة، وهو مصدر: هَاءَ الشَّيْءُ يَهِيىءُ هَيْئَةً، وَهَيَّأَ، إِذا ترتَّب واستقر على حالٍ مَّا، وتعدِّيه بالتضْعيف، قال تعالى: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً [الكهف: 16] اهـ.
وقرأ نافعٌ وحْده: «فَيَكُونُ طَائِراً» بالإِفراد أي: يكون طائراً من الطيورِ، وقرأ الباقونَ:«فَيَكُونُ طَيْراً» بالجمع وكذلك في «سورة المائدة» والطير: اسمُ جمعٍ، وليس من أبنيةِ الجُمُوع، وإِنما البنَاءُ في جَمْعِ طائرٍ: أَطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ: طُيُورٌ.
وقوله: فَأَنْفُخُ فِيهِ، ذكَّر الضميرَ لأنه يحتملُ أنْ يعود على الطِّينِ المهيّأ، ويحتملُ أنْ يريد: فأنفُخُ في المذكور، وأنَّثَ الضميرَ في «سورة المائدة» لأنه يحتمل أنْ يعود على الهيئة، أوْ على تأنيثِ لَفْظ الجَمَاعة، وكَوْنُ عيسى يخلُقُ بيده، وينفُخُ بِفِيهِ، إِنما هو ليبيِّن تلبُّسه بالمعجزةِ، وأنها جاءَتْ من قِبَلِهِ، وأمَّا الإِيجاد من العَدَمِ، وخَلْقُ الحياةِ في ذلك الطِّينِ، فمِنَ اللَّهِ تعالى وحده، لا شريك له.
ورُوِيَ في قَصَصٍ هذه الآية، أنَّ عيسى- عليه السلام كانَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خِلْقَةً، وَأَصْعَبُ أنْ يحكى؟ فيَقُولُونَ: الخُفَّاشُ لأَنَّهُ طَائِرٌ لَا رِيشَ لَهُ، فَكَانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِّينِ خَفَافِيشَ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهَا فَتَطِيرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَمُعَايَنَتِهِمْ، فَكَانُوا يَقُولُونَ:«هَذَا سَاحِرٌ» أُبْرِئُ معناه: أزيل المرض، والْأَكْمَهَ: هو الَّذِي يُولَدُ أعمى مضمومَ العَيْنَيْنِ قاله ابن عَبَّاسٍ وقتادة «1» ، قال ع «2» : والأَكْمَهُ في اللغة: هو الأعمى، وقد كان عيسى- عليه السلام يبرىءُ بدعائِهِ، ومَسْحِ يدِهِ على كل عاهة، ولكنَّ الاحتجاج على بني إِسرائيل في معنى النبوَّة لا يقومُ إِلَاّ بالإِبراء من العِلَلِ التي لا يُبْرِىءُ منها طبيبٌ بوجْهٍ، ورُوِيَ في إِحيائه الموتى أنه كان يَضْرِبُ بعَصَاهُ الميِّتَ، أو القَبْرَ، أو الجُمْجُمَةَ فَيَحْيَى الإِنسانُ، ويكلِّمه بإِذن اللَّه، وفي قصص الإِحياء أحاديثُ كثيرةٌ لا يوقَفُ على صحَّتها، وآياتُ عيسى- عليه السلام إِنما تَجْرِي فيما يُعَارِضُ الطِّبَّ لأن علْمَ الطِّبِّ كان شَرَفَ النَّاس في ذلك/ الزّمان،
(1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 275) برقم (7086) ، (7087) عن قتادة، وابن عباس. وذكره ابن عطية (1/ 440) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 57) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق الضحاك عن ابن عباس.
(2)
ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 440) . [.....]