الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحدُهُما: غير مأمور وغير صاغر كأنهم قالوا: غَيْرَ أَنْ تُسَمَّعَ مأموراً بذلك.
والآخر: على جهة الدعاءِ، أي: لَا سَمِعْتَ كما تَقُولُ: امض غَيْرَ مُصِيبٍ، ونحو ذلك، فكانَتِ اليهودُ إذا خاطبت النبيّ صلى الله عليه وسلم ب غَيْرَ مُسْمَعٍ، أَرادَتْ في الباطِنِ الدعاءَ علَيْه، وأَرَتْ ظاهراً أنها تريدُ تعظيمَهُ، قال ابنُ عبَّاس وغيره نحوه «1» ، وكذلكَ كَانُوا يُرِيدُونَ منه في أَنْفُسِهِمْ معنَى الرُّعُونَة، وحكى مَكِّيٌّ معنى رِعَايَةِ الماشِيَةِ، ويُظْهِرُونَ منه مَعْنَى المُرَاعَاةِ، فهذا معنى لَيِّ اللسانِ، وقال الحسنُ ومُجَاهد: غَيْرَ مُسْمَعٍ، أي: غير مقبول منك «2» ، ولَيًّا: أصله «لويا» ، وطَعْناً فِي الدِّينِ: أيْ: توهيناً له وإظهاراً للإستخفافِ به.
قال ع: وهذا اللَّيُّ باللسانِ إلى خلافِ مَا في القَلْبِ موجُودٌ حتَّى الآن فِي بَنِي إسرائيل، ويُحْفِظُ منه في عَصْرنا أمثلة إلَاّ أنه لا يَلِيقُ ذِكْرُهَا بهذا الكتَابِ.
وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ
…
الآية: المعنى: ولو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، وأَقْوَمَ: معناه: أعدل وأصوب، وقَلِيلًا: نعْتٌ إما لإِيمانٍ، وإما لِنَفَرٍ، أوْ قَوْمٍ، والمعنى مختلف.
[سورة النساء (4) : الآيات 47 الى 50]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
…
الآية: هذا خطابٌ لليهودِ والنصارى، ولِما مَعَكُمْ: مِنْ شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لما معهم من مُبَدَّلٍ، ومُغَيَّرٍ، والطامس: الداثر المغيَّر الأعلامِ، قالتْ طائفة: طَمْسُ الوجوهِ هنا هو خُلُوُّ الحَوَاسِّ منها، وزوالُ الخِلْقَةِ، وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: طَمْسُ الوجُوه: أن تزال العينان
(1) أخرجه الطبري (4/ 121) برقم (9703) ، وذكره ابن عطية (2/ 62) ، وابن كثير (1/ 507) ، والسيوطي (2/ 300) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عباس. [.....]
(2)
ذكره الطبري (4/ 122) برقم (9704، 9705) عن مجاهد، وبرقم (9706) عن الحسن، وابن عطية (2/ 62) ، وابن كثير (1/ 507) ، والسيوطي (2/ 300) عن مجاهد وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.
خاصَّة منها، وتُرَدّ العينان في القفا، فيكون ذلك رَدًّا على الأدْبَارِ، ويَمْشِي القهقرى «1» ، وقال مالكٌ رحمه الله : كان أول إسلام كَعْبِ الأَحْبَارِ أنَّه مَرَّ برَجُلٍ من الليل، وهو يقرأ هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا
…
الآية، فوضَعَ كَفَّيْهِ على وَجْهه، وَرَجَعَ القهقرى إلى بيته، فأسْلَمَ مكَانَهُ، وقال:«واللَّهِ، لَقَدْ خِفْتُ أَلَاّ أَبْلُغَ بَيْتِي، حتى يُطْمَسَ وجهي» «2» ، وأصْحَابُ السَّبْتِ: هم الذين اعتدوا في السَّبْت في الصَّيْد حَسْبَمَا تقدَّم، قال قتادةُ وغيره: وأمر الله في هذه الآية واحدُ الأمور دالٌّ على جِنْسها لا واحدُ الأوامر، فهي عبارةٌ عن المخْلُوقَاتِ كالعَذَابِ، واللَّعْنَة هنا، أو ما اقتضاه كُلُّ موضِعٍ ممَّا يختصُّ به «3» .
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
…
الآية: هذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ ببَيَانِ ما تَعَارَضَ مِنْ آيات الوعْدِ والوعيدِ، وتلخيصُ الكلامِ فيها أنْ يُقَالَ: النَّاسُ أربعةُ أصْنَافٍ: كَافِرٌ مات على كُفْره، فهذا مُخَلَّد في النَّار بإجمَاع، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قطُّ، وماتَ على ذلك، فهذا في الجنة مَحْتُومٌ علَيْه حَسَبَ الخَبَرِ من اللَّه تعالى، بإجماع، وتَائِبٌ مَاتَ على توبتِهِ، فهو عنْدَ أَهْلِ السُّنَّة وجمهورِ فُقَهَاء الأُمَّة لَاحِقٌ بالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلَاّ أنَّ قانُونَ المتكلِّمين أنَّه في المَشيئَةِ، ومُذْنِبٌ مَاتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فهذا هو موضعُ الخلَافِ، فقالَت المُرْجِئَةُ: هو في الجنَّة بإيمانه، ولا تَضُرُّه سيئاته، وجعلوا آيات الوعيدِ كلَّها في الكُفَّار، وآياتِ الوَعْد عامَّةً في المؤْمنين تَقِيِّهِمْ وعَاصِيهِمْ، وقالتِ المعتزِلةُ: إذا كان صاحبَ كبيرةٍ، فهو في النَّار، ولا بُدَّ، وقالتِ الخوارجُ «4» : إذا كان صاحِبَ كَبيرة، أو صغيرةٍ، فهو في النَّار مخلَّد، ولا إيمان له لأنهم يَرَوْنَ كل الذنُوبِ كبائرَ، وجعلوا آيات الوَعْدِ كلَّها في المؤمِنِ الذي لم يَعْصِ قَطُّ، والمؤمِنِ التائِبِ، وقال أهْلُ السُّنَّة: هو في المشيئة، وهذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ، وهي النصُّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وذلك
(1) أخرجه الطبري (4/ 124) برقم (9718) ، وذكره ابن عطية (2/ 63) ، والسيوطي (2/ 301) ، وعزاه لابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس.
(2)
أخرجه الطبري (4/ 127) برقم (9730) ، وذكره البغوي (1/ 439) ، وابن عطية (2/ 63) ، وابن كثير (1/ 508) ، والسيوطي (2/ 301) وعزاه لابن جرير عن عيسى بن المغيرة.
(3)
ذكره ابن عطية (2/ 63- 64) .
(4)
الفرقة الثالثة: الخوارج وهم سبع فرق: المحكمية بضم الميم وكسر الكاف المشدّدة، والنهيشية، والأزارمة، والنجدات، والأصفرية بالفاء. والأباضية، وافترق الأباضية فرقا أربعا: الحفصية، اليزيدية، الحارثية، والقائلون بأنّ إتيان المأمور به طاعة وإن لم يقصد به وجه الله. والسابعة من الخوارج العجاردة وهم عشر فرق: الميمونية الحمزية، الشعيبية، الحازمية، الحليفية، الأطرافية، المعلومية، المجهولية، الصلنية، الشعالية. وتفرق الشعالية فرقا أربعا: الأخنسية، المعبدية، الشيبانية، المكرمية.
ينظر: «نشر الطوالع» (389- 390) .
أنَّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فصْلٌ مجمعٌ عليه، وقوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ فَصْلٌ قاطع للمعتزلة، رادٌّ على قولهم ردًّا لا محيدَ لهم عنه، ولو وقَفْنَا في هذا الموضع مِنَ الكلامِ، لَصَحَّ قولُ «1» المرجئَةِ، فجاء قوله: لِمَنْ يَشاءُ، ردًّا عليهم مبيناً أنَّ غفران مَا دُونَ الشِّرْك إنما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ بخلاف ما زَعَمُوه مِنْ أنه مغفورٌ لكلِّ مؤمنٍ، ولما حتم سبحانه على أنه لا يغفرُ الشِّرك، ذكر قُبْحَ موقعه، وقَدْرِهِ في الذُّنُوبِ، والفِرْيَةُ:
أشدُّ مراتبِ الكَذِبِ قُبْحاً، وهو الإختلاقُ.
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
…
الآية:
لا خِلَافَ بين المتأوِّلين أنَّ المراد بالآية اليهودُ، وإنما اختلفوا في المعنَى الَّذي به زَكَّوْا أنفسهم.
فقال الحسن، وقتادة: ذلك قولُهُمْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18]، وقولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً [البقرة: 111] إلى غير ذلك من غُرُورِهِم «2» .
قال ع «3» : فتقتضي هذه الآيةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لنفسه بلِسَانِهِ، والإعلامَ بأنَّ الزَّاكِيَ المزكى مَنْ حَسُنَتْ أفعاله، وزَكَّاه اللَّه عز وجل، قال ابْنُ عَبَّاس وغيره: الفَتِيلُ:
الخَيْطُ الذي في شَقِّ نواة التَّمْرة «4» ، وذلك راجعٌ إلى الكناية عن تَحْقير الشَّيْء وتصغيرِهِ، وأنَّ اللَّه لا يظلمه، ولَا شَيْءَ دونه في الصِّغَر، فكيف بما فَوْقَهُ.
وقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
…
الآية: يبيِّن أنَّ تزكيتهم
(1) المرجئة: اسم فرقة من كبار الفرق الإسلامية لقبوا به لأنهم يرجئون العمل عن النية، أي: يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، من أرجأه أي: أخره، ومنه أَرْجِهْ وَأَخاهُ [الأعراف: 111] أي: أمهله وأخره أو لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، فهم يعطون الرجاء، وعلى هذا ينبغي أن لا يهمز لفظ المرجئة وفرقهم خمس: اليونسية، والعبيدية، والغسّانية، والثوبانية، والثومنية، كذا في شرح المواقف، وتحقيق كل في موضعه.
ينظر: «كشاف اصطلاحات الفنون» (3/ 3) .
(2)
أخرجه الطبري (4/ 129) برقم (9738- 9739) ، وذكره البغوي (1/ 440) ، وابن عطية (2/ 65) ، وابن كثير (1/ 511) ، والسيوطي (2/ 304) عن الحسن، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن.
(3)
ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 65) .
(4)
أخرجه الطبري (4/ 132) برقم (9757) ، وذكره ابن عطية (2/ 66) ، وابن كثير (1/ 512) ، والسيوطي (2/ 305) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.