الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"ووجه البسط والتكرار المقتضي لها -أي لمسألة الطلاق الثَّلاث بلفظ واحد- من أوضح الأشياء وأبينها، ويكفي عذرًا له في ذلك أنه حبس لأجلها وامتحن وأوذي في ذلك: لأن الفتوى بجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد إنما يقع طلقة واحدة، أمر مستنكر لدى الأجلة من العلماء فضلًا عن طلاب العلم، وعامة الخلق. إذ هم يكادون أن يطبقوا على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد: يقع ثلاثًا لا واحدة فلا تنقيص إذًا ولا ملامة إذا رأينا ابن القيم يكرر الحديث عن هذا المبحث ويزيده في البسط والبيان ليظهر ما يعتقده دينًا، وشرعًا، مؤيدًا له بشتى وجوه الأدلة من الكتاب والسنة، والمعنى، واللغة"(1).
على أنّه إذا رأى أن لا فائدة من إعادة القول استغنى عن ذلك واكتفى بقوله: "تقدم بيان حكمة ذلك ومصلحته بما فيه كفاية"(2) و"ما أغنى عن إعادته"(3).
رابعًا: الاستطراد
(4):
هذه الخصيصة عرف بها الإمام ابن القيّم رحمه الله، واشتهرت في أبحاثه، فكان إذا بحث مسألة استرسل في الكلام واستطرد فيها حتّى يخرج عن موضوعه الأصلي إلى موضوع آخر قد يكون أنفع للنّاس من المسألة المبحوثة فيها أصلًا، وهذا ممّا يدلّ على غزارة فكره وعلى جوده بعلمه، وقد أرشد المفتي إلى هذا فقال:"يجوز للمفتي أن يجيب السّائل بأكثر ممّا سأله عنه، وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده، ومن عاب ذلك فلقلّة علمه وضيق عطنه، وضعف نصحه، وقد ترجم البُخَارِي لذلك في "صحيحه" فقال: (باب من أجاب السّائل بأكثر ممّا سأل عنه)، ثم ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما يلبس المحرم؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا يلبسُ القُمُصَ، ولا العَمَائِمَ، ولا السَّرَاوِيلَاتِ، ولا الخِفَافَ، إلَّا أن لا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبِسِ الخُفَّيْنِ، ولْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ" (5)، فسئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عمَّا يلبس المحرم فأجاب عمّا لا يلبس، وتضمّن ذلك الجواب عمّا يلبس، فإنّ ما لا
(1)"ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره"(ص 77 - 78).
(2)
"إعلام الموقعين"(2/ 327).
(3)
"إعلام الموقعين"(2/ 396)، وما مضى من "القواعد الفقهية المستخرجة"(ص 112 - 113).
(4)
ما تحته من "القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين"(ص 109 - 111).
(5)
انظر تخريجه في التعليق على (1/ 364).
يلبس محصورٌ، وما يلبسه غير محصور، فذكر لهم النّوعين، وبيّن لهم حكم لبس الخفّ عند عدم النّعل، وقد سألوه عن الوضوء بماء البحر، فقال لهم:"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِل مَيْتَتُهُ (1) "(2).
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره في مبحث الفوائد المتعلّقة بالإفتاء، حيث نقل عن الإمام أحمد رحمه الله خصالًا يجب تحقيقها في المفتي، وهي خمس خصال، منها: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، ثمّ استطرد في الكلام عن السّكينة، وقال:
"ولشدّة الحاجة إلى السَّكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك بحسب علومنا القاصرة، وأذهاننا الجامدة، وعباراتنا الناقصة، ولكن نحن أبناء الزّمان، والنّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكلّ زمان دولة ورجال"(3).
وفي شرحه لكتاب عمر رضي الله عنه في القضاء (4) استطرد في ضرب الأمثال في القرآن وقال: "لا تستطل هذا الفصل المعترض في المفتي والشّاهد والحاكم، فكلّ مسلم أشدُّ ضرورة إليه من الطّعام والشّراب، والنّفس، وباللَّه التوفيق".
وفي فصول من فتاويه صلى الله عليه وسلم في أبواب متفرِّقة، استطرد في الكلام إلى الكبائر وأنواعها في فصلين، ثم قال بعدها:"فصل: مستطرد من فتاويه صلى الله عليه وسلم، فارجع إليها"(5).
ومن ذلك في فصل من فتاوى النّبي صلى الله عليه وسلم، استطرد في الكلام إلى العمل بالسّياسة، ثم قال بعدها:"فلنرجع إلى فتاوى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"(6).
(1) انظر: تخريجه في "التعليق" على (5/ 45).
ومن اللطيف: تعليق ابن القيم على هذا الحديث في "مدارج السالكين"(2/ 294)، وهذا نص كلامه:"فمن جود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر لها نظائرها ومتعلّقها ومأخذها، بحيث يشفيه ويكفيه، وقد سأل الصحابة رضوان اللَّه عليهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المتوضئ بماء البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، فأجابهم عن سؤالهم، وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان أحوج إليه مما سألوه عنه".
قال أبو عبيدة: و (جُوْدُ) ابن القيم في كتابه هذا تمثل بـ (استطراداته) فيه، وقد بلغ القمة على نحو لا يُبارى ولا يُجارى، ولعلك -بحق- لا تجده بالكثرة والجودة -التي فيه- في أي كتاب آخر، واللَّه الهادي للخيرات، والموفّق للصالحات.
(2)
"إعلام الموقعين"(5/ 45).
(3)
"إعلام الموقعين"(5/ 106 - 114).
(4)
انظر: تخريجه في "التعليق" على (1/ 163).
(5)
"إعلام الموقعين"(5/ 569، 584).
(6)
"إعلام الموقعين"(5/ 522).