الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرغم من الحاجة الماسة إليها، عسى اللَّه أن ييسر له علماء ربانيين، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
*
ابن القيم ومقاصد الشريعة:
يجرُّنا ما سبق إلى بيان عناية ابن القيم بـ (مقاصد الشريعة)، وتجلَّى ذلك بالجملة في الأمور التالية (1):
= وفلسفته" وهو مطبوع أيضًا، ومما جاء في ديباجته (ص 9 - 10): "هذا، ولقد كنتُ متشوّقًا إلى رؤية سفر من الأسفار، يبيّن لنا تلك الحكم والأسرار، وكم مكتبة سألت أصحابها، وكتب خانة طرقت بابها، وكم قلبتُ صحائف الكتب الدينية الموضوعة في الأحكام الشرعية، فما وجدت كتابًا فيها وافيًا بموضوع حكمة التشريع، وكل ما وقفت عليه واهتديت إليه نبذًا منفرقة أيدي سبأ في آلاف من الكتب تذكر لعلاقتها بمسألة شرعية في العبادات والمعاملات، وحينئذٍ وجدت في صدري حرجًا، وسألت اللَّه أن يجعل لي من أمري مخرجًا، وبينما أنا كذلك، وإذا بصديق لي ظاهر الذيل والعرض والنفس زار داري، وازدان بطلعته وجه نهاري، ولما أخذ كلّ منّا مجلسه أخذنا بأطراف الحديث، -والحديث شجون- وطرقنا أبواب العلم -والعلم فنون- إلى أن انتهى الحديث بأن تمنينا وجود كتاب خاص في موضع حكمة التشريع، ثم إن صديقي هذا حبّب إليّ وعرض عليَّ أن أقوم بهذه الوظيفة فأحجمت لقصور الهمة عن إدراك هذه المهمة، فقال لي ناصحًا: اكتب على قدر ما يستطيع القلم والعقل، وإن لم يصبها وابل فطل. وأن لك من اللَّه أجر المحسنين وثواب العاملين، وعندئذٍ قلت رب هب لي من أمري رشدًا، وأرسل لي من عنايتك مددًا،، وشرعت أجمع من الشوارد ما صعب فهمه لصعوبة العبارة وغمض مغزاه لغموض الإشارة، وبعد جهد طويل في سلوك هذا السبيل وضعت كتابي هذا وسميته "حكمة التشريع وفلسفته" وبيّنت فيه تلك الحكم البالغة زيادة على رأس الفضيلة، وأنا الضعيف العاجز الذي لا حول لي ولا قوة إلا بتوفيق من العزيز الحكيم،. . . "،
* ولي اللَّه الدهلوي في كتابه "حجة اللَّه البالغة"، وهو مطبوع.
* محمد رشيد رضا في أبحاثه، ولا سيما في "المنار":"التفسير" و"المجلة".
وهنالك كتب بينت محاسن الإسلام بالمقارنة مع الأديان الأُخرى، وهي بعيدة عن موضوعنا هذا، فلا داعي لسردها، وقد وقفت على غير واحد منها.
(1)
منقولة من كتاب "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية"(ص 92 - 93)، وقال بعد أن ذكر الأمور الثمانية الآتية:"وسيتجلى ذلك في ثنايا الرسالة، لأنني حرصتُ على أن أوائم وأزاوج بينه (أي: ابن القيم) وبين ابن تيمية في هذه الرسالة، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا". وقال (ص 508) بعد كلام: "ولن أقارن بينه (أي: ابن تيمية) وبين ابن القيم، فاستفادة ابن القيم منه أضحت أشد وضوحًا من الشمس في رابعة النهار". وقال (ص 515): "ومن المعلوم كم هي الصلة بين ابن القيم وابن تيمية" وانظر ما زبرناه تحت عنوان (بين المصنف وشيخه ابن تيمية)(ص 145). =
أولًا: اهتمامه بالتعليل وأساليبه في الكتاب والسنة، ومناقشة منكريه والتشنيع عليهم (1).
ثانيًا: الاعتناء بإبراز أسرار الشريعة وحكمها (2).
ثالثًا: معالجته لسد الذرائع والحيل (3).
رابعًا: دفاعه عن تعارض الشريعة وعدم القول بوجود ما خالف القياس (4).
خامسًا: الاهتمام بمقاصد المكلفين (5).
سادسًا: حقق القول في مدى تمحض المصلحة والمفسدة في الوجود.
سابعًا: ساهم في إرساء بعض قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد (6).
ثامنًا: وظف القرائن والأحوال المقالية والحالية في معرفة مقاصد الشارع والمكلف (7).
من خلال هذه المباحث وغيرها (8)، يظهر معنا بوضوح أن ابن القيم رحمه الله اعتنى بالمقاصد ونبه على أهميتها واشتراطها للمجتهد، مقتفيًا في ذلك خُطَا شيخه وأستاذه. فهو ينقل قول ابن تيمية السابق في اعتبار العلم بصحيح القياس وفاسده من أَجَلِّ العلوم وأنه إنما يَعرِفُ ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن والمصالح في المعاش والمعاد، والحكم البالغة (9).
وعقد فصلًا عظيمًا في موسوعته هذه لبيان أن بناء الشريعة على مصالح
= وقال الدكتور عبد العزيز الخياط في كتابه "المدخل إلى الفقه الإسلامي"(ص 226) ضمن كلامه على (نشاط حركة التدوين الفقهي) قال: "الاهتمام بالكتابة في بيان مقاصد الشريعة والتوسع فيها، كما فعل ابن تيمية وابن قيم الجوزية في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين""، ونحوه عند المحمصاني في "فلسفة التشريع في الإسلام"(199).
(1)
"شفاء العليل"(400 - 430)، وانظر ما قدمناه سابقًا.
(2)
"مفتاح دار السعادة"(205 - 300)، وانظر ما قدمناه تحت عنوان:(عنايته بمحاسن الشريعة وحكمها)(ص 186).
(3)
"إعلام الموقعين"(3/ 553).
(4)
"إعلام الموقعين"(2/ 165 - 426).
(5)
"إعلام الموقعين"(3/ 497 - 552).
(6)
"إعلام الموقعين"(3/ 337 - 441)، و"مفتاح دار السعادة"(340 - 351).
(7)
"إعلام الموقعين"(1/ 384 - 391).
(8)
"إعلام الموقعين"(1/ 384 - 391).
(9)
"إعلام الموقعين"(2/ 255 - 256).
العباد في المعاش والمعاد، وقال عنه:"هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، فأوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. . . "(1).
فابن القيم لا يختلف عن شيخه ابن تيمية في نظرته إلى اشتراط وجوب علم مقاصد الشريعة وحكمها وأهدافها، إذ ذاك ضروريٌّ للمجتهد عاصمٌ له من الجهل والغلط، ومن إيقاع المشقة والعنت بالمكلفين، وإذا كانت الشريعة مبنية على المقاصد والمصالح فكيف يصح أن يكون المجتهد الذي تربى في حجرها وارتضع من لبنها غير ملم بأسرارها ومقاصدها (2).
ويستطيع الناظر في كثير من مباحث كتابنا هذا، وكتب ابن القيم الأخرى أن يقرر أن لابن القيم رحمه الله نصيبًا وافرًا في هذا الباب، وأنه قد أولى هذه القضية عناية شديدة، واهتمامًا بالغًا، فقد ذكر -مثلًا- في "شفاء العليل"(ص 3) أن أهم ما يجب معرفته على المكلف النبيل، فضلًا عن الفاضل الجليل، ما ورد في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، فهو من أسنى المقاصد، والإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الدين المبين وختامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان، التي يرجع إليها، ويدور في جميع تصاريفه عليها، فبالقدر والحكمة ظهر خلق اللَّه وشرعه المبين.
كما أنه يصرح دائمًا بأن: أوامر الرب تبارك وتعالى وشرائعه جاءت بما يحقق مصالح العباد في الدارين، وأن أحكم الحاكمين الذي بهرت حكمته العقول أولى بمراعاة مصالح عباده ومفاسدهم في الأوقات والأحوال والأماكن والأشخاص من مراعاة الطبيب للمريض، قال:"وهل وضعت الشرائع إلا على هذا"(3).
ومع ذلك؛ فهو يذكر أن اللَّه بنى أمور عباده على أنْ عَرَّفَهم معاني جلائل خَلْقه وأمره، دون دقائقها وتفاصيلها، فعقول العالمين ومعارفهم وعلومهم وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته (4)،
(1)"إعلام الموقعين"(3/ 337).
(2)
"مقاصد الشريعة عند ابن تيمية"(111 - 112).
(3)
"شفاء العليل"(ص 3).
(4)
"مفتاح دار السعادة"(357).