المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ تغير الفتوى بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: - إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المحقق

- ‌ نسبة الكتاب لمؤلفه:

- ‌(ضبط اسمه)

- ‌ حجمه:

- ‌ موضوعه ومباحثه:

- ‌ توطئة:

- ‌ رد مؤاخذة، وبيان أمر كلّي على عجالة:

- ‌ فصول نافعة وأصول جامعة في القياس:

- ‌ عناية المصنف بكتاب عمر في القضاء:

- ‌ هل كتاب "الأعلام" شرح لكتاب عمر في القضاء

- ‌ مباحث كتاب "الأعلام" لغاية إيراد المصنف كتاب عمر في القضاء:

- ‌ مباحث (الفتوى) في الكتاب:

- ‌ الرأي وأنواعه:

- ‌ أصول الإمام أحمد:

- ‌ كتاب عمر رضي الله عنه في القضاء

- ‌ عودة إلى مباحث (القياس) في الكتاب:

- ‌ إلماحة في رد كون كتابنا شرحًا لكتاب عمر في القضاء فحسب:

- ‌ تحريم الفتوى بغير علم:

- ‌ تفصيل القول في التقليد:

- ‌ وجوب إعمال النصوص:

- ‌ الزيادة على النص:

- ‌ العرف وحجيته:

- ‌ تغير الفتوى بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد:

- ‌ المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات كما هي معتبرة في العبادات:

- ‌ الحيل:

- ‌ سد الذرائع وتوظيفه للمنع من الحيل:

- ‌ مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد:

- ‌ حجية قول الصحابي:

- ‌ فوائد تتعلق بالفتوى:

- ‌ فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ أمور جملية لا بد منها:

- ‌ جهود العلماء والباحثين في التعريف بموضوع الكتاب:

- ‌مصادر المصنف وموارده في كتابه هذا

- ‌ توطئة:

- ‌ كتب البيهقي:

- ‌ كتب الشافعي:

- ‌ كتب الشافعية:

- ‌ كتب الحنفية:

- ‌ كتب المالكيّة:

- ‌ كتب الإمام مالك

- ‌ شروح "الموطأ

- ‌ كتب ابن عبد البر الأخرى:

- ‌ كتب المالكية الفقهية الأخرى:

- ‌ كتب الإمام أحمد والحنابلة:

- ‌ كتب الإمام أحمد ومسائل أصحابه له:

- ‌ معرفة المصنف لمذهب أحمد وإعجابه به:

- ‌ كتاب "الجامع الكبير" للخلال:

- ‌ كتب القاضي أبي يعلى الفراء:

- ‌ كتب ابن القاضي أبي يعلى:

- ‌ كتب أبي الخطاب الكلوذاني:

- ‌ كتب الحنابلة الأخرى:

- ‌ كتب فقهية أخرى:

- ‌ فتاوى بعض السلف:

- ‌ كتب ابن المنذر:

- ‌ كتب أخرى:

- ‌ كتب ابن حزم:

- ‌ كتب الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام:

- ‌ كتب الفتوى:

- ‌ كتب أصول الفقه:

- ‌ كتب الحيل:

- ‌ كتب التفسير:

- ‌ كتب اللغة والغريب والأدب والتاريخ:

- ‌ كتب التوحيد والعقائد:

- ‌ موارد المصنف الحديثية:

- ‌ الصحف والنسخ الحديثية

- ‌ دواوين السنة المشهورة (الصحاح، السنن، المسانيد والمعاجم):

- ‌ السنن:

- ‌ المسانيد والمعاجم:

- ‌ كتب أحاديث الأحكام وشروحها:

- ‌ كتب العلل:

- ‌ كتب مسندة تعتني بالأحاديث وآثار السلف:

- ‌ كتب التراجم والرواة والجرح والتعديل:

- ‌ المصادر الشفهية وما في حكمها:

- ‌ بين المصنّف وشيخه ابن تيمية:

- ‌منهج ابن القيم في كتابه

- ‌المحور الأول: الاستدلال والاستنباط:

- ‌ وجوب ذكر الدليل والتحقق من صحته:

- ‌ معنى كتاب اللَّه عند ابن القيم

- ‌ منزلة القرآن والسنة من الاستنباط:

- ‌ ضرورة الاحتجاج بالسنّة:

- ‌ الاحتجاج بالصحيح من السنة دون الضعيف:

- ‌ مؤاخذات حديثيّة على المصنّف:

- ‌ تقديم الأدلة النقلية على غيرها:

- ‌الاستدلال بالنظر والقياس الصحيح والمعقول:

- ‌ عمل أهل المدينة:

- ‌ أقسام العمل عند ابن القيم:

- ‌ الاستصحاب:

- ‌ كلمة في حجية القياس:

- ‌ الاستنباط وبيان وجوه الاستدلال:

- ‌ عنايته بمحاسن الشريعة وحِكَمها

- ‌ ابن القيم ومقاصد الشريعة:

- ‌المحور الثاني: التفصيل والتأصيل والتحليل والاستيعاب وطول النَّفس مع التكامل والانسجام:

- ‌أولًا:

- ‌ثانيًا:

- ‌ثالثًا:

- ‌رابعًا:

- ‌خامسًا:

- ‌سادسًا:

- ‌سابعًا:

- ‌ثامنًا:

- ‌تاسعًا:

- ‌المحور الثالث: الإنصاف والأمانة والتقدير والموضوعية والترجيح:

- ‌أولًا:

- ‌ثانيًا:

- ‌ثالثًا:

- ‌رابعًا:

- ‌خامسًا:

- ‌سادسًا:

- ‌سابعًا:

- ‌المحور الرابع: طريقته في العرض وأسلوبه في البحث:

- ‌أولًا: أسلوبه الأدبيُّ:

- ‌ثانيًا: حسن الترتيب واتّساق الأفكار وتسلسلها:

- ‌ثالثًا: التكرار:

- ‌رابعًا: الاستطراد

- ‌خامسًا: العناية بالجانب الوجداني وإيقاظ الشعور الإيماني

- ‌سادسًا: بين التواضع والاعتزاز:

- ‌الجهود المبذولة في كتابنا هذا

- ‌ أهمية الكتاب وفائدته:

- ‌ أثر الكتاب في مؤلفات ودراسات من بعده:

- ‌الأصول المعتمدة في نشرتنا هذه

- ‌ النسخة الأولى:

- ‌ النسخة الثانية:

- ‌ النسخة الثالثة:

- ‌ النسخة الرابعة:

- ‌أشهر طبعات الكتاب وتقويمها:

- ‌ تقويم الطبعات التي وقفت عليها وعملي في هذه النشرة والدافع لها:

- ‌ ملاحظاتي على تخريج الأحاديث في الطبعات السابق ذكرها:

- ‌ طبعة عبد الرحمن الوكيل

- ‌ طبعة دار الجيل

الفصل: ‌ تغير الفتوى بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد:

-‌

‌ تغير الفتوى بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد:

ثم عقد بعد ذلك (فصلًا) في (تغيّر الفتوى، واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) هو من نفائس هذا الكتاب، وفرائد مباحثه، ونبه على ذلك المصنف بقوله في أوله (3/ 337):

"هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهلِ به غَلَطٌ عظيم على الشريعة أوْجَبَ من الحرج والمشقة وتكليفِ ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رُتَب المصالح لا تأتي به.

فإن الشريعة مَبْنَاها وأساسَهَا على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عَدْلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلها، ومصالحُ كلها، وحكمةٌ كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عَدْل اللَّه بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتَمَّ دلالةٍ وأصدَقَها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهُدَاه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقُه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل؛ فهي قرّة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خيرٍ في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسومٌ قد بقيت لخَرِبَت الدنيا وطِوِيَ العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك اللَّه السموات والأرض أن تزولا".

ثم أخذ في تفصيل ما أجمله فيه بالتمثيل، فذكر أولًا: الأمر بالمعروف وأنه على مراتب، بعضها مشروع، والآخر ممنوع. ثم مثل بـ (النهي عن القطع الأيدي في الغزو)، ثم استطرد فذكر (سقوط الحد بالتوبة)، وأورد النصوص الواردة في ذلك، والإشكالات، وحلها، ثم تطرق إلى (اعتبار القرائن وشواهد الأحوال في التهم).

ثم ذكر أمثلة أخرى، ووصل إلى (المثال السادس) وهو طواف الحائض بالبيت، وذكر مذاهب العلماء، وفصل في المسألة على وجه لا تجده في المطوّلات، فذكر أن الحائض لا تخلو من ثمانية أقسام، وسردها في (3/ 357 -

ص: 41

358) ورجح الثامن منها، ورجع إلى الأقسام المتبقيَّة وأبطلها، وتعيّن الثامن بقوّة، ودفع أربعة اعتراضات عليه، ثم اضطره هذا الاختيار إلى التعرض لحكم طواف الجنب والمحدث والعريان بغير عذر، ثم تعرض للنصوص التي فيها منع الحائض من الطواف، وعالجها من ناحية حديثية بإعلالها وإسقاطها على النحو المقرر عند أئمة هذا الشأن. ثم رجع إلى الفرق بين الحائض والجنب، وفرع مسألة (قراءة القرآن) لهما عليها، ثم ربط ذلك كله بطواف الحائض. ورد تشبيه الطواف بالصلاة من جميع الوجوه، ثم ذكر (الجوامع والفوارق بين الطواف والصلاة) على وجه تكاد تخلو منه كتب (الأشباه والنظائر)، وختم المبحث بـ (فصل) خصه في حكم الطهارة للطواف، واستغرقت هذه المسألة في نشرتنا عشرين صفحة (1)، وهي مبحوثة فيه بحثًا نموذجيًا، من حيثية ذكر الأقوال والمذاهب، وأدلتهم، وذكر الاعتراضات والمناقشات، وسبب الخلاف، وأشباه المسألة ومؤيِّداتها مع ذكر الأحوال التي تعتري الحائض، وكل هذا بمبحث أصولي، فقهي، حديثيّ، وعرض سلس وأسلوب مشوق ماتع، ولذا نعود ونقرر أن القول بأن كتابنا له موضوع خاص ما خرج عنه غير دقيق، على النحو الذي أومأنا إليه في مطلع هذا المبحث، واللَّه الموفق.

وكذلك فعل في (المثال السابع) وهو في (حكم جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد)، فإنه بحثه بإسهاب، وله "الباع الطويل في شرحه والكلام عليه، ونصرة القول بوقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة فقط، كما هو معروف مشهور"(2).

وأورد اعتراضات المخالفين، من قولهم:"فتوى صحابي الحديث على خلافه"، فأصَّل المسألة، وذكر الأمثلة التي تخرَّج عليها، وأقوال العلماء فيها، وألزمهم بتناقضهم في هذا الاعتراض، وقال بعد أن سرد عشرات المسائل، وأومأ إلى أدلتها في المرفوع، ومخالفة راويها:

"وهذا باب يطول تتبّعه، وترى كثيرًا من الناس إذا جاء الحديثُ يوافق قولَ مَنْ قلَّده وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما رَوَى، لا في قوله، فإذا جاء قولُ

(1) من (ص 356) إلى (ص 377) من (المجلد الثالث).

(2)

من كلام العلامة أحمد شاكر في كتابه "نظام الطلاق في الإسلام"(ص 43)، والملاحظ أن ابن القيم بسط وفصل ووضح المسألة بإسهاب، وكرر ذلك في "زاد المعاد" و"إغاثة اللهفان"، انظر عن سر ذلك:"ابن القيم حياته وآثاره"(77 - 78).

ص: 42

الراوي موافقًا لقول مَنْ قلده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نَسْخُه، وإلا كان قَدْحًا في عَدَالته، فَيَجْمَعُونَ في كلامهم بين هذا وهذا، بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض.

والذي ندينُ اللَّه به ولا يَسَعُنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخْذُ بحديثه وتَرْك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحدٍ من الناس كائنًا من كان لا راويه ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديثَ، أو لا يَحْضُره وقتَ الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارَضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله، ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه، لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفَتُه لما رواه سقوطَ عدالتِهِ حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك" (1).

ثم عاد وربط هذا المثال بأصله (تغير الفتوى)، فقال في (3/ 408):

"وإذا عرف هذا فهذه المسألة مما تغيرت الفَتْوَى بها بحسب الأزمنة كما عرفت؛ لما رأته الصحابة من المصلحة؛ لأنهم رأوا مَفْسَدة تتابع الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع، ولم يكن باب التحليل الذي لَعَنَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فاعله (2) مفتوحًا بوجه ما، بل كانوا أشد خلق اللَّه في المنع منه، وتوعد عمر فاعله بالرجم، وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره".

قال صديق حسن خان ملخصًا لمباحث السابقة:

"وفي "الأعلام" فصلٌ مستقلٌّ في تحريم الإفتاء، والحكم في دين اللَّه بما يخالف النُصوص، وسقوط الاجتهاد والتَّقليد عند ظهور النَّص، وذكر إجماع

(1)"إعلام الموقعين"(3/ 407 - 408)، ومن الجدير بالذكر أن المصنف بيَّن بالتفصيل والتمثيل ما خفي على أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أحاديث، قال صديق حسن خان في "ذخر المحتي" (ص 63):"وقد سرد تلك الخفايا الحافظ ابن القيم في "الأعلام" اسمًا باسم، ثم قال: وهذا باب لو تتبعناه لجاء سفرًا كبيرًا" وانظره أيضًا (ص 68).

(2)

انظر تخريجه في (3/ 412).

ص: 43

العلماء على ذلك، لا نطول الكلام بذكر ما فيه من الأدلَّة. والآياتُ الدَّالَّةُ على وجوب اتِّباع الرَّسول صلى الله عليه وسلم أيضًا كثيرةٌ جدًّا، وكذلك أمثلةُ رَدِّ النُصوص المحكمة بالمتشابه لا تكاد تنحصر، ذكرَ جملةً صالحةً منها في "الإعلام"، وبلَّغها إلى المثال الثالث والسبعين، ثم حرَّر فصولًا نفيسةً طَيِّبَةً في بيان تغيير الفتوى واختلافها بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد؛ وهو فصلٌ عظيمُ النفع جدًّا وقع بسبب الجهلِ به غَلَطٌ عظيمٌ على الشَّريعة، أوْجَبَ من الحرج والمشقَّة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعْلَمُ أن الشَّريعةَ الباهرة التي هي في أعلى رُتَبِ المصالح لا تأتي به" (1).

ثم ذكر ابن القيم إلماحة تاريخية عما يجري في عصره بسبب عدم القول بهذه الفتوى (2)، وقال في (3/ 408 - 412):.

"وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروجُ فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحللون، مما هو رمد -بل عمى- في عين الدِّين، وشجًى في حلوق المؤمنين، من قبائحَ تُشْمِتُ أعداء الدين به وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رَسْمَه، وغيّرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل، وقد زعم أنه قد طيّبها للحليل، فيا للَّه العجب! أيُّ طيب أعارَها هذا التيسُ الملعون؟ وأيُّ مصلحة حصلت لها ولمطلقها بهذا الفعل الدُّون؟ أترى وقوفَ الزوجِ المطلِّق أو الولي على الباب والتيسُ الملعونُ قد حل إزارها وكشف النقاب وأخَذ في ذلك المرتع والزوجُ أو الولي يُنَاديه: لم يقدَّم إليك هذا الطعام لتشبع، فقد علمت أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون ورب العالمين أنك لست معدودًا من الأزواج، ولا للمرأة أو أوليائها بك رضًا ولا فرح ولا ابتهاج، وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار للضِّرَاب، الذي لولا هذه البَلْوَى لما رضينا وقوفَكَ على الباب؛ فالناس يُظهرون النكاح ويعلنونه فرحًا وسرورًا، ونحن نتواصَى بكتمان هذا الداء العُضال ونجعله أمرًا مستورًا؛ بلا نِثَار

(1)"ذخر المحتي"(ص 65).

(2)

كان هذا من دوافع بحثه (الحيل) بتاصيل وتفصيل، كما سيأتي بيانُه قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.

ص: 44

ولا دُفٍّ ولا خِوَان ولا إعلان، بل التواصي بهُسَّ ومسَّ والإخفاء والكتمان؛ فالمرأة تُنكَح لدينها وحسبها ومالها وجمالها، والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فإنه لا يمسك بعصمتها، بل قد دخل على زوالها، واللَّه تعالى قد جحل كل واحد من الزوجين سكَنًا لصاحبه، وجعل بينهما مودة ورحمة ليحصل بذلك مقصودُ هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شَرَعَهُ لأجلها العزيزُ الحكِيم، فسَلِ التيسَ المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد ومقصوده ومصلحته أجنبي غريب؟ وسَلْه: هل اتخذ هذه المصابة حليلة وفراشًا يأوي إليه؟ ثم سَلْها: هل رضيت به قط زوجًا وبعلًا تُعَوِّلُ في نوائبها عليه؟ وسل أولي التمييز والعقول: هل تزوجت فلانة بفلان؟ وهل يعد هذا نكاحًا في شرع أو عقل أو فطرة إنسان؟ وكيف يلعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلًا من أمته نكح نكاحًا شرعيًا صحيحًا، ولم يرتكب في عقده محرمًا ولا قبيحًا؟ وكيف يشبهه بالتيس المستعار (1)، وهو من جملة المحسنين الأبرار؟ وكيف تُعَيَّر به المرأة طول دهرها بين أهلها والجيران، وتظل ناكسة رأسها إذا ذكر ذلك التيس بين النسوان؟ وسل التيس المستعار: هل حَدَّثَ نفسَه وقت هذا العقد الذي هو شقيق النفاق، بنفقة أو كسوة أو وزن صداق؟ وهل طمعت المصابة منه في شيء من ذلك، أو حدثت نفسها به هنالك؟ وهل طلب منها ولدًا نجيبًا، واتخذته عشيرًا وحبيبًا؟ وسل عقول العالمين وفِطَرَهم: هل كان خير هذه الأمة أكثرهم تحليلًا، أو كان المحلل الذي لعنه اللَّه ورسوله أهداهم سبيلًا؟ وسل التيس المستعار ومن ابتليت به: هل تجمَّلَ أحد منهما بصاحبه كما يتجمل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما رغبة في صاحبه بحسبٍ أو مالٍ أو جمالٍ؟ وسل المرأة: هل تكره أن يتزوج عليها هذا التيسُ المستعار أو يتسرّى، أو تركه أن تكون تحته امرأة غيرها أخرى، أو تسأله عن ماله وصنعته أو حسن عشرته وسعة نفقته؟ وسل التيس المستعار: هل سأل قط عما يسأله عنه مَنْ قصد حقيقة النكاح، أو يتوسل إلى بيت أحمائه بالهدية والحمولة والنقد الذي يتوسل به خاطب المِلَاح؟ وسَله: هل هو أبو يأخذ أو أبو يعطي؟ وهل قوله عند قراءة أبي جاد هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حُطِّي؟ وسَلْه: هل تحمَّلَ من كُلْفة هذا العقد خذي نفقة هذا العرس أو حطي؟ وسله عن وليمة عُرْسه: هل أوْلَم ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحدًا من

(1) انظر تخريج ذلك في (3/ 410).

ص: 45

أصحابه فقضى حقه وأتاه؟ وسَلْه: هل تحمَّل من كلفة هذا العقد ما يتحمله المتزوجون، أم جاءه كما جرت به عادة الناس الأصحابُ والمهنئون؟ وهل قيل له: بارك اللَّه لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية، أم لعن اللَّه المحلل والمحلَّل له لعنة تامة وافية؟

ثم سَلْ مَنْ له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حُرَّة مَصُونة أنْشَبَ فيها المحلل مخالِبَ إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان وكان بعلها منفردًا بوطئها فإذا هو والمحلل فيها ببركة التحليل شريكان؟ فلعمر اللَّه! كم أخرج التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء، وألقاها بين براثن العُشَرَاء والخدناء؟ ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها، وعناق القَنَا دون عناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها.

وسَلْ أهل الخبرة: كم عَقَدَ المحلل على أم وابنتها؟ وكم جمع ماءَه في أرحام ما زاد على الأربع وفي رحم الأختين؟ وذلك مُحَرَّم باطل في المذهبين، وهذه المفسدة في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن تفرد بالذكر وهي كموجة واحدة من الأمواج، ومن يستطيع عد أمواج البحر؟! وكم من امرأة كانت قاصِرَةَ الطّرْف على بعلها، فلما ذاقت عُسَيْلَة المحلل خرجت على وجهها فلم يجتمع شمل الإحصان والعفة بعد ذلك بشملها، ومن كان هذا سبيله فكيف يحتمل أكمل الشرائع وأحكمها تحليله؟! ".

وأخذ في سرد الأحاديث، عازيًا لها إلى دواوين السنة، ذاكرًا من أعلّها، وحجتهم في ذلك، ثم رد عليهم بتقرير ثبوتها، على منهج أهل العلم.

ثم عقد فصلًا عن (التيس المستعار)، الذي كثر وجوده بسبب القول بأن جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد يعدُّ ثلاث تطليقات، وفضل في أدلة تحريمه، وعدم إدراجه تحت معاني النكاح ومقاصده، وعدم وجوده في الصحابة ثم لخص مراده من هذا كله بقوله في (3/ 425):

"وإنما المقصود أن هذا شأن التحليل عند اللَّه ورسوله وأصحاب رسوله، فألزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا جَمَعُوها ليكُفُّوا عنه إذا علموا أن المرأة تحرم به، وأنه لا سبيل إلى عَوْدِها بالتحليل، فلما تغيَّر الزمانُ، وبَعُدَ العهدُ بالسنة وآثار القوم، وقامت سوق التحليل ونفقت في الناس؛ فالواجب أن يُرَدَّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته من الإفتاء بما يعطِّل سوق التحليل أو يقللها

ص: 46

ويخفف شرها، وإذا عرض على مَنْ وفَّقه اللَّه وبَصَّره بالهدى ووَفَقَّهه في دينه مسألة كون الثلاث واحدة ومسألة التحليل ووَازَنَ بينهما تبيَّن له التفاوتُ، وعلم أيَّ المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين.

فهذه حجج المسألتين قد عرضت عليك، وقد أُهديت -إنْ قبلتها- إليك، وما أظن عَمَى التقليد إلا يزيد الأمر على ما هو عليه، ولا تدع التوفيق يقودك اختيارًا إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارة تُطلع العالم على ما وراءها، وباللَّه التوفيق".

وقد أحسن الشاعر الشهير معروف الرصافي (ت 1364) في الانتصار لمذهب ابن القيم في قصيدته (1)(المطلقة)، وهذا مقتطف من خاتمتها:

ألا قُل في الطلاق لموقعيه

بما في الشرع ليس له وجوبُ

غلوتم في ديانتكم غلُوًّا

يضيق ببعضه الشرع الرحيبُ

أراد اللَّه تيسيرًا وأنتم

من التعسير عندكم ضروبُ

وقد حلّت بأمتكم كروب

لكم فيهن -لا لهم- الذنوبُ

وَهَى حَبْل الزواجِ وَرَقّ حتى

يكادُ إذا نَفخْتَ له يذوبُ

كخيطٍ من لعاب الشمس أدلت

به في الجوّ هاجرة حلوبُ

يمزّقه من الأفواه نفث

ويقطعه من النسم الهبوبُ

فدى ابن القيّم الفقهاء كم قد

دعاهم للصواب فلم يجيبوا

ففي "أعلامه" للناس رشد

ومزدجر لمن هو مستريبُ

نحا فيما أتاه طريق علمٍ

نحاها شيخه (2) الحبر الأديبُ

وبيّن حكم دين اللَّه لكن

من الغالين لم تَعِهِ القلوبُ

لعلّ اللَّه يحدث بعدُ أمرًا

لنا فيخيب منه من يخيبُ

وقال الأستاذ محمد رشيد رضا في "مناره"(3) عند كلامه على هذه المسألة:

"وأطال ابن القيم في تخريج أحاديث الباب والكلام عليها، وأثبته بالكتاب والسنّة، واللغة والعرف، وعمل أكثر الصحابة" ثم قال:

"واقترح بعض الفقهاء والعقلاء على حكومتنا المصرية الرجوع فيها إلى أصل الكتاب والسنّة، الذي كان أوّل من بسط دلائله شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه

(1) نشرت في آخر بعض طبعات "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان"(الإغاثة الصغرى).

(2)

يريد ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى.

(3)

(م 28/ ج 9/ 683).

ص: 47

المحقق ابن القيّم في كتبه: "إعلام الموقعين" و"إغاثة اللهفان" و"زاد المعاد" ووافقهما وأيّدهما من أعلام السنّة وفقهاء الحديث بعدهما. . . " إلخ كلامه.

قال أبو عبيدة: ومن سنن اللَّه الكونية الشرعية معًا: أنه لا يبقى إلا الأصلح، وثمار كثير من المصلحين لا تظهر إلا بعدهم، وهكذا كان في هذه المسألة التي أطنب المصنف في التدليل عليها، وأصبحت علمًا عليه، وأصبح علمًا عليها (مع شيخه ابن تيمية)، فإننا نشاهد ونسمع في جل بلاد الإسلام اليوم أن قوانين المحاكم الشرعية (1) على المذهب الذي ارتضاه المصنف (2).

ثم ذكر المثال الثامن، وهو في (موجبات الأيمان والأقارير والنذور)، وهذا أوسع باب، وفيه أظهر أمثلة على تغير الأحكام بتغير الزمان، إذ مدار ذلك على العرف من جهة، وعلى الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية من جهة أخرى، وفي هذا يقول أستاذنا مصطفى الزرقا رحمه الله:"وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الأحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، أي: التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة بالقاعدة الآنفة الذكر: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان".

أمّا الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية كحرمة المحرمات المطلقة، وكوجوب التراضي في العقود، والتزام الإنسان بعقده، وضمان الضرر الذي يلحقه بغيره، وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الأذى وقمع الإجرام وسدّ الذرائع إلى الفساد، وحماية الحقوق المكتسبة، ومسؤولية كل مكلف عن عمله وتقصيره، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره. . . إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها، فهذه لا تتبدَّل بتبدُّل الأزمان بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة.

فوسيلة حماية الحقوق مثلًا -وهو القضاء- كانت المحاكم فيه تقوم على أسلوب القاضي الفرد، وقضاؤه على درجة واحدة قطعية؛ فيمكن أن تتبدَّل إلى

(1) انظر مثلًا: قانون (25) لسنة (1929 م) للمحاكم الشرعية بمصر.

(2)

انظر: "فقه السنة"(2/ 271).

ص: 48

أسلوب محكمة الجماعة، وتعدد درجات المحاكم بحسب المصلحة الزمنية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط لفساد الذمم.

فالحقيقة: أن الأحكام الشرعية التي تتبدَّل بتبدل الزمان، مهما تغيَّرت باختلاف الزمن؛ فإن المبدأ الشرعي فيها واحد، وهو إحقاق الحق، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وليس تبدُّل الأحكام إلا تبدُّل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع؛ فإن تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تحددها الشريعة الإسلامية، بل تركتها مطلقة؛ لكي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجًا وأنجح في التقويم علاجًا" (1).

وقد حمَّل بعض الناس (2) كلام ابن القيم رحمه الله ما لا يحتمل، حتى إنهم جعلوه وكأنه يقرر جواز تفسير النصوص أو تغيير الاجتهاد المبنى عليها تبعًا للمصلحة! هكذا على الإطلاق!!

والذي يظهر -بل هو المتيقن- أن ابن القيم رحمه الله ما أراد ذلك، ويتبين هذا بأمور منها:

أولًا: أن الأمثلة التي أوردها ابن القيم في ذلك الفصل تدور كلها على الحالات التالية:

الأولى: الحالة التي يُثبِتُ تَغيرَ النصِ فيها نصٌّ آخرُ، كنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع الأيدي في الغزو (3).

وفي هذا المثال عطل الحد في ظرف خاص بنصٍّ خاص، بل وجد مانع شرعي من قيام الحد، دل عليه النص، وهذه الحال تختلف تمامًا عن الدعوى التي حمل عليها كلام ابن القيم، وينادي بها العقلانيون (أصحاب الفكر المستنير)!! زعموا!

الثانية: الحالة التي تتعارض فيها المصالح التي تثبتها النصوص، كترك إنكار المنكر إذا كان يستلزم ما هو أنكر منه، وهذه الحال كسابقتها، لا تدخل في الدعوى التي ادّعي أن كلام ابن القيم يدل عليها.

الثالثة: حالة يستعمل فيها القياس، وإلحاق الأشباه والنظائر بأمثالها التي تثبتها النصوص، كما في حديث المصرّاة: "من اشترى شاة مصراة، فهو فيها

(1) المدخل الفقهي العام (2/ 924 - 925).

(2)

انظر: "فلسفة التشريع في الإسلام"(ص 241) لصبحي المحمصاني.

(3)

انظر تخريجه في (2/ 499).

ص: 49

بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردّها وردّ معها صاعًا من تمر" (1)، فذكر التمر لأنه الغالب في قوت البلد؛ فيخرج في كل موضع صاعًا من قوت ذلك البلد الغالب، فيخرج في البلاد التي قوتهم البر صاعًا من بر، وإن كان قوتهم الأرز فصاعًا من أرز. . . وهكذا.

وهذه الحال خارجة محلّ الدعوى؛ إذ هي قائمة على ما أثبته النص بالقياس عليه، بل لا يعدم ذلك ما يشير إليه، واللَّه أعلم.

الرابعة: حالة استثنائية قاهرة خاصة بحالة العجز والضرورة، ومثالها صحة طواف الحائض إذا خشيت أن تفوتها رفقتها في الحج؛ تنزيلًا لها منزلة العجز؛ كما صحت الصلاة ممن لا يستطيع القيام، مع أن القيام ركن، بل جعلوا ذلك بمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز.

وهذه الحال لا دليل فيها على الدعوى.

الخامسة: الحالات التي اعتبر الشارع فيها العرف والعادة؛ كالتراضي في العقود وألفاظ الأيمان، والطلاق. . . ونحو ذلك.

وبتأمل هذه الحالات لا نجد حالة واحدة قدِّمت فيها المصلحة أو العرف على النص.

ثانيًا: عند النظر في كلام ابن القيم وتتبعه نجده يدور حول تقرير قيام الشرع في نصوصه وما دلت عليه من أحكام على مراعاة المصلحة والعوائد بحسب الأزمان والأماكن؛ فهو ينفي وجود تعارض أو مخالفة بين المصلحة ونصوص الكتاب والسنة؛ فكيف يقال: إنه يقول بتقديم المصلحة على النص، أو تفسيره بها؟!

ثالثًا: لابن القيم رحمه الله كلام يؤكد أن المذكور مراده، وهو قوله رحمه الله في معرض إجابة عن سؤال عن طائفة من أهل العلم أنهم قالوا: -وسياق كلامه يدل أنه معهم-: "الأحكام نوعان:

نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة؛ كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة

(1) انظر تخريجه في (2/ 220، 497).

ص: 50

بالشرع على الجرائم. . . ونحو ذلك؛ فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا؛ كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة" (1).

وهذا الكلام منه رحمه الله يدلّ على أنه لا يقول بتغيير دلالة النصوص بحسب المصلحة، إنما يُعمِلَ المصلحة فيما أعملته فيه النصوص، وباللَّه التوفيق (2).

ومبحث كتابنا في "تغير الفتوى" لاقى قبولًا حسنًا عند العلماء، وصرح غير واحد ممن اعتنى في هذه المسألة بذلك (3).

وأخيرًا، لا بد من التنويه هنا على أمور:

الأول: إن تغير الفتوى بالمعنى الذي قرره وأصّله المصنّف، ومثَّل عليه إنما هو إعمال لما أمرت به الشريعة، وراعته في أصولها الكلية وجزئياتها الفرعية، إذ من الفتيا ما يكون من حيثيات الحكم فيها مراعاة العرف والمصلحة، فإذا تغير

(1)"إغاثة اللهفان"(1/ 330 - 331).

(2)

"تغيّر الفتوى"(34 - 37)، وانظر:"مفهوم تجديد الدين"(271 - 273)، "العرف والعمل" للجيدي (145)، "نظرية العرف" للخياط (79 - 81).

(3)

لا داعي لنقل كلامهم طلبًا للاختصار، وينظر في ذلك "ذخر المحتي"(125 - 126)، وفيه:"وتكلم في "الأعلام" على هذا الفصل كلامًا مشبعًا وافيًا كافيًا"، "تغيّر الأحكام" لإسماعيل كوكسال (17، 53، 171)، "المدخل" للدواليبي (ص 318)، "التطور روح الشريعة"، (190 - 193) للشرقاوي، "محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء"(254 - 259) لعلي الخفيف، "مباحث العلة في القياس عند الأصوليين"(127) لعبد الحكيم السعدي، "أصول الفتوى وتطبيق الأحكام الشرعية في بلاد غير المسلمين"(62 - 66)، "مباحث في أحكام الفتوى" لعامر الزيباري (55، 87)، "عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق"(74 - 75، 335) للباني -قال فيه: "عقد ابن القيم في "إعلام الموقعين" فصلًا ممتعًا واسعًا في تغير الفتوى واختلافها بحسن تغير الأزمنة والأمكنة. . . ثم ساق -أحسن اللَّه مثواه- لاختلاف الفتوى باختلاف مقتضى الحال أمثلة كثيرة وفَّى بها الموضوع حقَّه، تؤيد ما أسلفناه" قال: "ومن أراد أن يدرك لباب الشريعة، وما انطوت عليه من الحكم والمصالح والتسامح، فعليه بالاطلاع على هذا الفصل، لأنّ به العجب العُجاب""تغير الفتوى" لبازمول (15، 34 - 36، 47)، "مفهوم تجديد الدين"(271 - 273) لبسطامي محمد سعيد.

ص: 51

العرف أو تخلّفت المصلحة، تغيّرت الحيثيّة، فتتغيّر لذلك الفتيا (1).

الثاني: أسهب المصنف في ذكر مسائل يختلف حكمها لتغير العرف والعادة، فبدأ بجملة من مسائل الأيمان، أناط الحكم فيها على نية حالفها وقصده وأنه إذا أطلق اعتبر سبب اليمين وما هيَّجها، وقام ذلك مقام القصد والنية، ثم تعرض إلى حكم الطلاق حال الغضب وقرر فيه أن الإنسان لا يؤاخذ حين يخطئ من شدة الغضب، ثم ذكر حكم يمين اللغو باللَّه وبالطلاق، وحكم تعليق الطلاق على الشرط، وصور وقوعه وعدمه، وقرر في خلال هذه المباحث -نصرةً لاختياره- ضرورة اعتبار النية والمقاصد في الألفاظ، وفرع عليه أيمان وعقود المخطئ والمكره والمستهزئ والهازل، ثم تعرض إلى حكم الحلف بالحرام، ومذاهب العلماء فيه، واستطرد فذكر (أيمان البيعة) و (أيمان المسلمين) واختلاف العلماء وأقوالهم في ذلك.

الثالث: ذكر المصنف في أواخر تعرضه (للمثال الثامن) كلمة جامعة مهمة في هذا الموضوع، نسوقها لأهميتها، قال في (3/ 470) ما نصه:

"وعلى هذا أبدًا تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدد في العُرْف شيء فاعتبره، ومهما سقط فألْغِهِ، ولا تجمد على المنقول في الكتب طولَ عمرك، بل إذا جاءك رجلٌ من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجْرِهِ على عُرْف بلدك، وسَلْه عن عرف بلده فأجْرِهِ عليه وأفْتِهِ به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمودُ على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين" وقال أيضًا:

"وهذا محض الفقه، ومَنْ أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرْفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضلَّ وأضل، وكانت جنايته على الدين أعْظَمَ من جناية من طَبَّبَ الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضَرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم واللَّه المستعان".

إن كثيرًا من الموضوعات الفقهية ذات العلاقة بالمعاملات، وعيوب النكاح، وقضايا القصاص والجراح بنى الفقهاء المتقدمون الأحكام فيها حسب التصورات،

(1)"تغير الفتوى"(33) لبازمول.

ص: 52

والخبرات، والمستوى العلمي الذي بلغته عصورهم، ومجتمعاتهم، ليس من المناسب اليوم، بل ومن غير المعقول أن تكرر تلك الأحكام، وتردد تلك المسائل دون وعي وإدراك لتغير العرف فيها، أو ما استحدث من تقدم علمي في معالجتها، مثلًا: كان الفقهاء يعدون بعض الأمراض موجبًا لفسخ النكاح لأنها كانت مما يستعصي علاجه مثل الرتق، والفتق، والبخر، منها الخاص بالرجال، ومنها الخاص بالنساء، ومنها المشترك بينهم، أصبح معظمها في الوقت الحاضر -بحمد اللَّه- سهل العلاج، سريع البرء، وما سطره الفقهاء، وما قدموه من تصورات فيه دلالة على وعيهم التام بأحوال مجتمعاتهم، فجاءت الأحكام منسجمة متوافقة مع بيئاتهم التي عاشوها، واللوم كله يقع على الذين يفرضون الماضي على الحاضر دون وعي بالاختلاف والتباين بين العصرين، فيجترون ويكررون ما في كتب التراث الفقهي، لا يعيشون عصرهم، ولا يدرون ما يحدث فيه من تطورات اجتماعية، وعلمية وإيثارًا للطريق السهل، وتفاديًا لعناء البحث ومتاعبه.

الأمانة العلمية تقتضي بذل أقصى الجهد للتوصل إلى الحقائق العلمية، والمتغيرات الاجتماعية في كافة مراحل البحث بتصور واع، وإدراك لحقائق الأمور، وتفتح كامل دون تفريط حتى تكون صادقة، متطورة، متجددة تصدر الأحكام والدراسات عن تصورات ومفاهيم مشتركة بين الباحث والقارئ، فيشعر أنه طرف فيها، وجزء منها، تتحدث عن واقع يعيشه (1).

الرابع: ختم ابن القيم الكلام على (تغير الفتوى) بمسألة (المهر) وحكم تأجيل (بعضه)، وأنه يستحق -بناء على العرف العام- المطالبة به بموت أو فرقة، ودلّل على المسألة بالآثار، وأن الليث حكى الإجماع عليه، واستطرد هنا بذكر رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، فأوردها بطولها من "المعرفة والتاريخ" للفسوي، وموطن الشاهد في (3/ 483) خمسة سطور منها، ثم عاد إلى التفريع على مسألة (المهر المؤجل)، فذكر (مهر السر ومهر العلن)، وصوره السبعة (2)، وأدار الأحكام على المسائل المتقدمة كلها بالقصد والنية، قال في (3/ 496): "فدل على أن القصد روح العقد ومصححه ومُبطله، فاعتبار القصود في العقود

(1)"منهج البحث في الفقه الإسلامي"(99 - 100).

(2)

انظرها في (3/ 493 - 496).

ص: 53