المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والمعنى: أي (1) نمهلهم في الدنيا زمنًا قليلًا، يتمتعون فيه - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: والمعنى: أي (1) نمهلهم في الدنيا زمنًا قليلًا، يتمتعون فيه

والمعنى: أي (1) نمهلهم في الدنيا زمنًا قليلًا، يتمتعون فيه بزخارفها، ثم نلجئهم على كره منهم إلى عذاب شاق على نفوسهم، ونحو الآية قوله:{قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)} .

‌25

- {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ} ؛ أي: وعزتي وجلالي لئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك: {مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ؛ أي: خلق الأجرام العلوية والسفلية {لَيَقُولُنَّ} في الجواب لك: خلقهن {اللَّهُ} سبحانه وتعالى، لغاية وضوح الأمر، بحيث اضطروا إلى الاعتراف به، وفي هذا إيماء إلى أنه قد بلغ من الوضوح مبلغًا لا يستطيعون معه الإنكار والجحود، ولما استبان بذلك صدقه صلى الله عليه وسلم وكذبهم .. قال آمرًا رسوله {قُلِ} يا محمد {الْحَمْدُ لِلَّهِ} على اعترافهم بما يوجب بطلان ما هم عليه من إشراك غيره تعالى به في العبادة التي لا يستحقها سوى الخالق المنعم على عباده، أو المعنى: فقل الحمد لله على ما هدانا من دينه.

ثم بين أنهم بلغوا الغاية في الجهل فهم يعترفون بالشيء ويعملون نقيضه، فقال:{بَلْ أَكْثَرُهُمْ} ؛ أي: بل أكثر المشركين {لَا يَعْلَمُونَ} من له الحمد، وأين موضع الشكر، فهم مع تكذيبك يعترفون بما يوجب تصديقك، أو لا يعلمون شيئًا من الأشياء، فلذلك لا يعملون بمقتضى اعترافهم بأن يتركوا الشرك، ويعبدوا الله وحده.

‌26

- ولما أثبت لنفسه الإحاطة بأوصاف الكمال .. استدل على ذلك بقوله: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ أي: له سبحانه وتعالى لا لغيره جميع ما في السماوات والأرض، ملكًا وخلقًا وتصرفًا، وليس ذلك لأحد سواه، فلا يستحق العبادة غيره تعالى {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {هُوَ الْغَنِيُّ} بذاته وصفاته قبل خلق السماوات والأرض وبعده لا حاجة به في وجوده وكماله الذاتي إلى شيء أصلًا، وغني عن

(1) المراغي.

ص: 287

عبادتهم؛ لأنهم ملكه، وهم المحتاجون إليه، وكلمة (1) {هو} للحصر؛ أي: هو الغني وحده، وليس معه غني آخر، دليله قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} .

{الْحَمِيدُ} ؛ أي: المحمود في ذاته وصفاته، وإن لم يكن له حامد .. فهو الحامد لنفسه، أو المحمود على نعمه التي أنعمها عليهم، وفي هذه الآيات أمور:

منها: أنّ التفويض والتوكل وإخلاص القصد والإعراض عما سوى الله تعالى، والإقبال على الله بالتوحيد والطاعة من موجبات حسن العاقبة، وهي الجنة والقربة والوصلة، كما أن الكفر والشرك والرياء والسمعة من أسباب سوء العاقبة، وهي النار والعذاب الغليظ، والفرقة والقطيعة، فالتمسك بأحكام الدين هي العروة الوثقى لأهل اليقين، فإنها لا تنفصم، بخلاف سائر العرى.

ومنها: أنّ ليس لعمر الدنيا بقاء، بل هي ساعة من الساعات، فعلى العاقل أن لا يغتر بالتمتع القليل، بل يتأهب لليوم الطويل.

ومنها: أنّ الله تعالى قدر المقادير، ودبر الأمور، فالكل يجري في الأفعال والأحوال على قضائه وقدره، وليس على الناصح إلا التبليغ دون الجبر والحزن على عدم القبول، فإن الحجر يصير مرآةً الصيقل.

ومنها: أنّ عدم الجريان بموجب العلم من الجهل في الحقيقة.

ومنها: أنّ الله تعالى خلق الخلق ليربحوا عليه، لا ليربح عليهم، فمنفعة الطاعات والعبادات راجعة إلى العباد، لا إلى الله تعالى، إذ هو غني عن العالمين، لا ينتفع بطاعاتهم، ولا يتضرر بمعاصيهم، فهو يمن عليهم أن هداهم للإيمان والطاعات، وليس لهم أن يمنوا عليه بإسلامهم، جعلنا الله سبحانه وإياكم من عباده المخلصين، وحفظنا في حصنه الحصين، بمنه وكرمه وتوفيقه الرصين.

(1) روح البيان.

ص: 288