المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ومعنى الآية (1): أي واذكر أيها الرسول الكريم لقومك موعظة - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: ومعنى الآية (1): أي واذكر أيها الرسول الكريم لقومك موعظة

ومعنى الآية (1): أي واذكر أيها الرسول الكريم لقومك موعظة لقمان لابنه، وهو أشفق الناس عليه وأحبهم لديه، حين أمره أن يعبد الله وحده، ونهاه عن الشرك، وبين له أنه ظلم عظيم، أما كونه ظلمًا فلما فيه من وضع الشيء في غير موضعه، وأما أنه عظيم، فلما فيه من التسوية بين من لا نعمة إلا منه، وهو سبحانه وتعالى، ومن لا نعمة لها، وهي الأصنام والأوثان.

‌14

- وبعد أن ذكر سبحانه ما أوصى به لقمان ابنه، من شكر المنعم الأول، الذي لم يشركه أحد في إيجاده إياه، وذكر ما في الشرك من الشناعة .. أتبعه بوصيته الولد بالوالدين، لكونهما السبب في وجوده، فقال:{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} إلى قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} : اعتراض في أثناء وصية لقمان، تأكيدًا لما فيها من النهي عن الشرك؛ أي: وأمرنا (2) الإنسان ببر والديه وطاعتهما، والقيام بحقوقهما وبالإحسان إليهما، وكثيرًا ما يقرن القرآن بين طاعة الله وبر الوالدين، كقوله:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} وفسر الوصية بقوله الآتي: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} وما بينهما: اعتراض بين المفسَّر والمفسِّر، وفي جعل الشكر لها مقترنًا بالشكر لله، دلالة على أن حقهما من أعظم الحقوق على الولد، وأكبرها وأشدها وجوبًا.

ومعنى {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ} في بطنها {وَهْنًا} ؛ أي: حالة كونها ذات وهن وضعف بحمله، أو تهن وهنًا {عَلَى وَهْنٍ}؛ أي: تضعف ضعفًا فوق ضعف، فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها؛ أي: حملته وهي في ضعف بتزايد بازدياد ثقل الحمل إلى حين الطلق، ثم مدة النفاس، وقيل: المعنى: إن المرأة ضعيفة الخلقة، ثم يضعفها الحمل، وهذه منة خاصة بالوالدة لما فيها من كبير المشقة.

وقرأ الجمهور: {وهنًا} بسكون الهاء في الموضعين، وقرأ عيسى الثقفي - وهي رواية عن أبي عمرو: بفتحمهما وهما لغتان، ثم أردفها بمنة أخرى، وهي الشفقة عليه، وحسن كفالته حين لا يملك لنفسه شيئًا، فقال:{وَفِصَالُهُ} : مبتدأ

(1) المراغي.

(2)

المراغي.

ص: 242

خبره {فِي عَامَيْنِ} ؛ أي (1): وفطام الإنسان من اللبن يقع في تمام عامين من وقت الولادة، وهي مدة الرضاع عند الشافعي، فلا يثبت حرمة الرضاع بعدها، فالإرضاع عنده واجب إلى الاستغناء، ويستحب إلى الحولين، وجائز إلى حولين ونصفٍ، قال في "الوسيط": المقصود ذكر مشقة الوالدة، بإرضاع الولد بعد الوضع عامين.

وقرأ الجمهور: {وفصاله} بالألف، وقرأ الحسن وأبو جعفر وقتادة والجحدري ويعقوب {وفصله} ومعناه الفطام، وهما لغتان.

والمعنى: أي وفطامه من الرضاع بعد وضعه في تمام عامين، تقاسي فيها الأم في رضاعه وشؤونه في تلك الحقبة جم المصاعب والآلام، التي لا يقدر قدرها إلا العليم بها، ومن لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

وقد وصى (2) بالوالدين، لكنه ذكر السبب في جانب الأم فحسب؛ لأن المشقة التي تلحقها أعظم، فقد حملته في بطنها ثقيلًا، ثم وضعته وربته ليلًا ونهارًا، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله من أبر: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك، ثم فسر هذه الوصية بقوله:{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} والأولى أن تكون {أَنِ} مفسرة؛ أي: قلنا له: اشكر لي حيث أوجدتك وهديتك بالإِسلام، واشكر لوالديك حيث ربياك صغيرًا، وقاسا فيك ما قاسا من المشقة، حتى استحكمت قواك، وشكر الحق بالتعظيم والتكبير، وشكر الوالدين بالإشفاق والتوقير، وقال الزجاج: هي مصدرية، والمعنى: بأن اشكر لي، وقال النحاس: وأجود منه أن تكون {أَنِ} مفسرة، وفي "شرح الحكم": قرن شكرهما بشكره، إذ هما أصل وجودك المجازي، كما أن أصل وجودك الحقيقي فضله وكرمه، فله حقيقة الشكر، كما له حقيقة النعمة، ولغيره مجازه، كما لغيره مجازها.

وفي الحديث: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" فجعل شكر الناس شرطًا

(1) روح البيان.

(2)

المراغي.

ص: 243

في صحة شكره تعالى. ثم حق المعلم (1) في الشكر فوق حق الوالدين، سئل الاسكندر، قيل له: ما بالك تعظم مؤدبك أشد من تعظيمك لأبيك؟ فقال: أبي حطني من السماء إلى الأرض، ومؤدبي رفعني من الأرض إلى السماء: وقيل لبعضهم: ما بالك تعظيمك لمعلمك أشد من تعظيمك لأبيك؟ قال: لأن أبي سبب حياتي الفانية، ومعلمي سبب حياتي الباقية.

ثم علل الأمر بشكره محذرًا إياه بقوله: {إِلَيَّ الْمَصِيرُ} ؛ أي: إلى الرجوع لا إلى غيري، فأجازيك على شكرك وكفرك، ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إليه، حيث لا حاكم ولا مالك سواه.

والمعنى: إليّ رجوعك بالبعث بعد الموت، لا إلى غيري، فأجازيك على ما صدر منك مما يخالف أمري، وسائلك عما كان من شكرك لي، على نعمي عليك، وعلى ما كان من شكرك لوالديك وبرك بهما.

قال سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى -: من صلى الصلوات الخمس .. فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس .. فقد شكر والديه. وفي الحديث:"من أحب أن يصل أباه في قبره .. فليصل إخوان أبيه من بعده، ومن مات والداه وهو غير بار لهما، وهي حي .. فليستغفر لهما ويتصدق لهما حتى يكتب بارًا لوالديه، ومن زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة .. كان بارًا".

فإن قلت (2): كيف وقعت الآيتان في أثناء وصية لقمان لابنه؟.

قلت: هما من الجمل الاعتراضية التي لا محل لها من الإعراب، اعترض بها بين كلامين متصلين معنًى، تأكيدًا لما في وصية لقمان لابنه من النهي عن الشرك.

فإن قلت: لم فصل بين الوصية ومفعولها بقوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ

(1) روح البيان.

(2)

فتح الرحمن.

ص: 244