الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأخلفتنا ينو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله، وشرع القوم يقولون: الرحيل الرحيل، والريح تقلبهم على بعض أمتعتهم وتضربهم بالحجارة، ولم تجاوز عسكرهم، ورحلوا وتركوا ما استثقلوا من متاعهم، فلما رجع أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، وقال:"الآن نغزوهم ولا يغزونا". اهـ. ملخصًا من كتب السيرة، وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة بما هو معروف، فلا نطيل بذكرها.
9
- ثم شرع سبحانه في تفصيلها فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وصدقوا بالله ورسوله {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} ؛ أي: اشكروا إنعام الله عليكم بالنصرة، فمعنى ذكر النعمة: شكرها، {إِذْ} ظرف للنعمة؛ أي: إنعام الله عليكم بالنصرة حين {جَاءَتْكُمْ} وأحاطت بكم {جُنُودٌ} مجندة، وجموع مجمعة، وعساكر مسلحة، والمراد بهم: جنود الأحزاب، الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغزوه بالمدينة، وهم أبو سفيان بن حرب بقريش، ومن معهم من الألفاف، وعيينة بن حصن الفزاري، ومن معه من قومه غطفان، وبنو قريظة والنضير، فضايقوا المسلمين مضايقةً شديدةً، كما وصف الله سبحانه في هذه الآية، وكانت هذه الغزوة في شوالٍ سنة خمس من الهجرة، قاله ابن إسحاق، وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك: كانت في سنة أربع، وكانت جملة الأحزاب أثني عشر ألفًا، وجملة المسلمين ثلاثة آلاف، ومكثوا في حفر الخندق ستة أيام، وقيل: خمسة عشر، وقيل: أربعةً وعشرين، وقيل: شهرًا، فلما فرغوا من حفره أقبلت قريش، والقبائل، فحاصروا المسلمين خمسة عشر يومًا، وقيل: أربعةً وعشرين يومًا، والخندق بينهم وبين المسلمين، حتى هزمهم الله سبحانه وتعالى بريح وجنود لم يروها، بلا مقاتلة أحدٍ من المسلمين.
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ} ليلًا من جانب القهار، عطف على جاءتكم {رِيحًا} شديدةً ناصرةً لكم، وهي ريح الصبا، وهي تهب من جانب المشرق، والدبور من قبل المغرب، قال ابن عباس: قالت الصبا للدبور؛ أي: للريح الغريبة: اذهبي بنا
ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن الحرائر لا تهب ليلًا، فغضب الله عليها فجعلها عقيمًا، وفي الحديث:"نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".
{وَ} أرسلنا عليهم أيضًا {جُنُودًا} عظيمةً هائلةً {لَمْ تَرَوْهَا} ؛ أي: لا ترون أنتم أيها المسلمون تلك الجنود، وهم الملائكة، قيل: كانوا ألفًا، روي (1) أن الله تعالى بعث على المشركين ريحًا باردةً، في ليلة شاتية، ولم تجاوز عسكرهم، فأحصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وبعث الله عليهم أيضًا الملائكة، فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، ونفثت في روعهم الرعب، وكبرت في جوانب معسكرهم، حتى سمعوا التكبير وقعقعة السلاح، واضطربت الخيول، ونفرت، فصار سيد كل حي يقول لقومه: يا بني فلان: هلموا إلى، فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء؛ أي: الإسراع الإسراع، فانهزموا من غير قتال، وارتحلوا ليلًا، وحملوا ما خف عليهم من متاعهم، وتركوا ما استثقلوه مثله.
والمعنى (2): أي تذكروا أيها المؤمنون نعم الله، التي أسبغها عليكم، حين حوصرتم أيام الخندق، وحين جاءتكم جنود الأحزاب من قريش وغطفان، ويهود بني النضير أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر، فأرسلنا عليهم ريحًا باردةً، في ليلة باردةً، أحصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر ملائكته فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وقذف الرعب في قلوب الأعداء، حتى قال طليحة بن خويلد الأسدي: إن محمدًا قد بدأكم بالسحر، فالنجاة النجاة، فانهزموا من غير قتال.
والخلاصة: أنه تعالى يمتن على عباده المؤمنين بذكر النعم التي أنعم بها عليهم، إذ صرف عنهم أعداءهم حين تألبوا عليهم، وتحزبوا عام الخندق.
(1) روح البيان.
(2)
المراغي.