الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الروم
سورة الروم مكية، إلا قوله تعالى:{وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)} فمدنية. قال القرطبي: كلها مكية بلا خلاف، وهي ستون أو تسع وخمسون آيةً، نزلت بعد سورة الانشقاق، وثمان مئة وتسع عشرة كلمةً، وثلاثة آلافٍ وخمس مئةٍ وأربعة وثلاثون حرفًا (1).
المناسبة: مناسبتها لما قبلها من وجوه (2):
1 -
أن السورة السابقة بُدِئت بالجهاد وختمت به، فافتتحت بأن الناس لم يخلقوا في الأرض ليناموا على مهاد الراحة، بل خلقوا ليجاهدوا، حتى يلاقوا ربهم، وأنّهم يلاقون شتى المصاعب من الأهل، والأمم التي يكونون فيها، وهذه السورة قد بدِئت بما يتضمن نصرة المؤمنين، ودفع شماتة أعدائهم المشركين، وهم يجاهدون في الله ولوجهه، فكأن هذه متممة لما قبلها من هذه الجهة.
2 -
أن ما في هذه السورة، من الحجج على التوحيد، والنظر في الآفاق والأنفس، مفصل لما جاء منه مجملًا في السورة السالفة، إذ قال في السالفة:{فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} ، وهنا بين ذلك فقال:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} إلخ. وقال: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} .
تسميتها: سميت بالروم لما فيها من ذكر لفظ الروم، وقصتهم.
فضلها: ومن فضائلها: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة الروم .. كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كل ملك يسبح الله بين السماء والأرض، وأدرك ما ضيع في يومه وليلته". ولكنه من "الموضوعات".
(1) الخازن.
(2)
قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا عن [المراغي] ووقع خلل طباعي هنا في عزو الحواشي.
وأخرج عبد الرزاق، عن معمر عن عبد الملك بن عمير: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الروم.
الناسخ والمنسوخ: وقال ابن حزم في كتابه "الناسخ والمنسوخ": سورة الروم آياتها كلها محكمة.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
المناسبة
وقد قدمنا بيان مناسبة هذه السورة لما قبلها آنفًا، فراجعها.
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ..} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (1): أنه لما أنكر المشركون الإله بإنكار وعده، وأنكروا البعث كما قال:{وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} .. أردف هذا: أن الإدلة متظاهرة في الأنفس والآفاق، على وجوده وتفرده بخلقها، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، وأنها لم تخلق سدًى، ولا باطلًا، بل خلقت بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى هو يوم القيامة، ثم أمرهم بالسير في أقطار الأرض، ليعلموا حال المكذبين، من الأمم قبلهم، وقد كانوا أشد منهم بأسًا وقوةً، فكذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعالى، وصاروا كأمسِ الدابر، والمثل الغابر، وما كان ذلك إلا بظلمهم، وفساد أنفسهم، لا بظلم الله تعالى لهم.
قوله تعالى: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)
…
} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما بين أن عاقبة المجرمين النار، وكان ذلك يستلزم الإعادة والحشر .. لم يتركه دعوًى بلا بينة، بل أقام عليه الدليل، بأن أبان: أن من خلق الخلق بقدرته وإرادته .. لا يعجز عن رجعته، ثم بين ما يكون حين الرجوع، من إفلاس المجرمين، وتحقق بأسهم وحيرتهم، إذ لا تنفعهم شركاؤهم، بل هم يكفرون بهم، ثم ذكر أن الناس حينئذ فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فالأولون يمتعون بسرور وحبور، والآخرون يصلون النار دأبًا، لا يغيبون عنها أبدًا.
قوله: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17)
…
} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما بين حال الفريقين، المؤمنين الذين يعملون الصالحات، والكافرين المكذبين بالآيات، وما أعد لكل منهما من الثواب والعقاب .. أرشد إلى ما يفضي إلى الحال الأولى، وينجي من الثانية،
(1) المراغي.
وهو تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به، وحمده والثناء عليه، بما هو أهل له من صفات الجلال والكمال، ولما كان الإنسان حين الإصباح يخرج من حال النوم، التي هي أشبه بالموت منها إلى اليقظة، وكأنها حياة بعد موت .. أتبع ذلك بذكر الموت والحياة حقيقةً.
وعبارة أبي حبان هنا (1): لما بين سبحانه وتعالى عظيم قدرته في خلق السماوات والأرض بالحق، وهو حالة ابتداء العالم، وفي مصيرهم إلى الجنة والنار، وهي حالة الانتهاء .. أمر تعالى بتنزيهه من كل سوء، والظاهر أنه أمر عباده بتنزيهه في هذه الأوقات، لما يتجدد فيها من النعم، ويحتمل أن يكون كنايةً عن استغراق زمان العبد، وهو أن يكون ذاكرًا ربه، واصفه بما يجب له على كل حال، وقال الزمخشري: لما ذكر الوعد والوعيد .. أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد، وينجي من الوعيد. انتهت.
قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ
…
} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما أمر بتنزيهه عن الأسواء والنقائص، التي لا تليق بجلاله وكماله، وذكر أن الحمد له على خلقه جميع الموجودات، وبين قدرته على الإماتة والإحياء بقوله:{وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} .. ذكر هنا أدلةً باهرةً، وحججًا ظاهرةً على البعث والإعادة، منها خلقكم من التراب الذي لم يشم رائحة الحياة، ولا مناسبة بينه وبين ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم، ثم إبقاء نوعكم بالتوالد، فإذا مات الأب .. قام ابنه مقامه، لتبقى سلسلة الحياة متصلةً بهذا النوع، وبسائر الأنواع الأخرى، بالازدواج والتوالد، إلى الأجل الذي قدره الله لأمد هذه الحياة.
قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ
…
} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر (2) دلائل
(1) البحر المحيط.
(2)
المراغي.
وجوده، بما ذكره في خلق الإنسان .. أعقبه بذكر الدلائل في الأكوان المشاهدة، والعوالم المختلفة، وفي اختلاف ألوان البشر ولغاتهم، التي لا حصر لها، مع كونهم من أبٍ واحد، وأصل واحد، وفيما يشاهد من سباتهم العميق ليلًا، وحركتهم نهارًا في السعي على الأرزاق، والجد والكد فيها.
أسباب النزول
قوله تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ
…
} الآيات، سبب نزول هذه الآيات، إلى قوله:{وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} على ما ذكره المفسرون (1): أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم؛ لأن فارسًا كانوا مجوسًا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس، لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشًا إلى الروم، واستعمل عليهم رجلًا يقال له: شهرمان، وبعث قيصر رجابًا وجيشًا، وأمّر عليهم رجلًا يدعى بخين، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة فشق عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، فإنكم إن قاتلتمونا .. لنظهرن عليكم، فأنزل الله هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى كفار مكة، فقال: فرحتم بظهور إخوانكم، فلا تفرحوا، فوالله ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبيّ بن خلف الجمحيّ، فقال: كذبت، فقال: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: اجعل بيننا أجلًا أناحبك عليه، والمناحبة بالحاء المهملة: القمار والمراهنة؛ أي: أراهنك على عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك، فإذا ظهرت فارس على الروم .. غَرمتَ، وإذا ظهرت الروم على فارس .. غَرمتُ، ففعلوا، وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما هكذا
(1) الخازن.
ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاثة إلى التسع، فزايده في الخطر، ومادده في الأجل" فخرج أبو بكر، فلقي أبيًا، فقال: لعلك ندمت، فقال: فتعال أزايدك في الخطر، وأماددك في الأجل، فاجعلها مئة قلوص، ومئة قلوص إلى تسع سنين، فقال: قد فعلت، فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة .. أتاه ولزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة، فأقم لي ضامنًا كفيلًا، فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبيّ بن خلف أن يخرج إلى أحد. أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه، وقال: والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلًا، فأعطاه كفيلًا ثم خرج إلى أحد، قال: ثم حين رجع أبي بن خلف إلى مكة، ومات بها من جراحته التي جرحه النبي صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم، وقيل: كان يوم بدر، وربطت الروم خيولهم بالمدائن، وبنوا بالعراق مدينةً، وسموها روميةً، فقمر أبو بكر، وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قبل أن يحرم القمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تصدق به".
وكان سبب غلبة الروم فارسًا، على ما قاله عكرمة وغيره: أن شهرمان لما غلب الروم .. لم يزل يطؤهم، ويخرب مدائنهم، حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرحان جالس ذات يوم يشرب، قال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهرمان: إذا أتاك كتابي .. فأبعث إليّ برأس أخيك فرحان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لا تجد مثل فرحان، إن له نكاية وصولة في العدو فلا تفعل، فكتب إليه إن في رجال فارس خلفًا عنه، فعجل إليّ برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدًا إلى أهل فارس: أني قد عزلت عنكم شهرمان، واستعملت عليكم فرحان، ثم بعث مع البريد صحيفةً صغيرةً، وأمره فيها بقتل شهرمان، وقال: إذا ولي فرحان الملك، وانقاد له أخوه .. فأعطه الصحيفة، فلما وصل البريد إلى شهرمان .. عرض عليه كتاب كسرى، فلما قرأه قال: سمعًا وطاعةً، ونزل عن سرير الملك، وأجلس عليه أخاه فرحان، فدفع البريد الصحيفة إلى فرحان، فلما قرأها .. استدعى بأخيه شهرمان، وقدمه ليضرب عنقه، فقال له: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا
بسفطٍ ففتحه، وأعطاه ثلاث صحائف منه، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد قتلي بكتابٍ واحدٍ، فرد فرحان الملك إلى أخيه شهرمان، فكتب إلى قيصر ملك الروم: أما بعد، إن لي إليك حاجةً لا تحملها البريد، ولا تبلغها الصحف، فألقني في خمسين روميًا، حتى ألقاك في خمسين فارسيًا، فأقبل قيصر في خمس مئة ألف رميٍّ، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، مخافة أن يريد أن يمكر به، حتى أتاه عيونه فأخبروا: أنه ليس معه إلا خمسون فارسيًا، فلما التقيا .. ضربت لهما قبة فيها ديباج، قد خلاها، ومع كل واحد سكين، ودعيا بترجمان يترجم بينهما، فقال شهرمان: إن الذي خرب بلادك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، وأراد أن يقتل أخي فأبيت عليه، ثم أمر أخي بقتلي فأبى عليه، وقد خلعناه جميعًا، ونحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما، وأشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإن جاوزهما .. فشا، فقتلا الترجمان معًا بسكينهما، فأديلت الروم على فارس عند ذلك، وغلبوهم وقتلوهم، ومات كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ففرح هو ومن كان معه من المسلمين بذلك، فذلك قوله عز وجل:{الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} . وهذه آية بينة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وأن القرآن من عند الله؛ لأنها أنباء عن علم الغيب.
وعن قتادة: وكان ذلك قبل تحريم القمار، ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد، أن العقود الفاسدة، كعقد الربا وغيره: جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار، وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة.
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
…
} الآية، سبب نزول هذه الآية (1): ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
…
} الآية.
(1) لباب النقول.