الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فاختلاف الألسنة والأشكال، يحصل به التمييز بين الأشخاص الأصوات والألوان، وهذا مما لا غنى عنه في منازع الحياة، ومختلف أغراضها، فكثيرًا ما نميز الأشخاص بالأصوات، وبذا نعرف الصديق من العدو، فنتخذ ما يلزم من العدة لكل منهما، كما نميزها بلغاتها، فنعرف من أي الأجناس هي.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} ؛ أي: إن فيما ذكر من خلق السماوات والأرض، واختلاف الألسنة والألوان {لَآيَاتٍ} عظيمة، ودلائل واضحة، كثيرة عددها {لِلْعَالِمِينَ} بكسر اللام؛ أي: لأولي العلم، الذين يفكرون فيما خلق الله تعالى، الذين هم من جنس هذا العالم، من غير فرق بين بر وفاجر، فيعلمون أنه لم يخلق الخلق عبثًا، بل خلقه لحكمة بالغة، فيها عبرة لمن تذكر، وخص (1) العلماء؛ لأنهم أهل النظر والاستدلال، دون الجهال المشغولين بحطام الدنيا وزخارفها، فلما كان الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره إنما يمكن بالعلم ختم الآية بالعالمين، ففيه إشارة إلى كمال وضوح الآيات، وعدم خفائها على أحد من الخلق، من ملك وإنس وجن وغيرهم، وقال في "فتح الرحمن" (2): ختم الآية به، لأن الكل يظلهم السماء، ويقلهم الأرض، وكل منهم متميز بلطيفة يمتاز بها عن غيره، وهذا يشترك فيه جميع العالمين.
وقرأ الجمهور (3): {للعالمين} بفتح اللام؛ لأنها في نفسها آية منصوبة للعالم، وقرأ حفص، وحماد بن شعيب عن أبي بكر، وعلقمة عن عاصم، ويونس عن أبي عمرو بكسر اللام، إذ المنتفع بها، إنما هم أهل العلم، كقوله تعالى:{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} .
23
- {وَمِنْ آيَاتِهِ} سبحانه؛ أي: ومن أعلام قدرته تعالى، على مجازاة العباد في الآخرة {مَنَامُكُمْ} مفعل من النوم؛ أي (4): نومكم الذي هو راحة لأبدانكم، وقطع لأشغالكم، ليدوم لكم به البقاء إلى آجالكم {بِاللَّيْلِ} كما هو المعتاد،
(1) روح البيان.
(2)
فتح الرحمن.
(3)
البحر المحيط.
(4)
روح البيان.
{وَالنَّهَارِ} أيضًا على حسب الحاجة {وَابْتِغَاؤُكُمْ} ؛ أي: وطلبكم معاشكم فيهما، {مِنْ فَضْلِهِ}؛ أي: من رزقه، فإن كلًّا من المنام، وطلب القوت، يقع في الليل والنهار، وإن كان الأغلب وقوع المنام في الليل، والطلب في النهار.
والمعنى عليه: ومن آياته العظيمة: أنكم تنامون في الليل، وتنامون بالنهار في بعض الأحوال للاستراحة، كوقت القيلولة، وخصوصًا من كان مشتغلًا في حوائجه في الليل، وابتغاؤكم من فضله فيهما؛ لأن بعض الناس قد يبتغي الفعل في الليل، كالمسافرين والحراس في الليل وغيرهم، وهذا المعنى هو المناسب للنظم القرآني هاهنا، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: أي ومن أياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله في النهار، وهذا المعنى هو المناسب لسائر الآيات الواردة في هذا المعنى.
قال الزمخشري: والظاهر هو الأول، لتكرره في القرآن، وأسد المعاني ما دل عليه القرآن. انتهى.
وجعلهما (1) من جملة الأدلة على البعث، أن النوم شبيه بالموت، والتصرف في الحاجات، والسعي في المكاسب شبيه بالحياة بعد الموت.
وقدم (2) الليل على النهار؛ لأن الليل لخدمة المولى، والنهار لخدمة الخلق، ومعارج الأنبياء عليهم السلام كانت بالليل، ولذا قال الإِمام النيسابوري: الليل أفضل من النهار، وقال بعضهم: الليل محل السكون، وهو الأصل، والنهار محل الحركة، وهو الفرع، وقال بعض الكبار: لم يقل تعالى: وبالنهار، ليتحقق لنا أن يريد أننا في منام في حال يقظتنا المعتادة؛ أي: أنتم في منام ما دمتم في هذه الدار، يقظةً ومنامًا بالنسبة لما أمامكم، فهذا سبب عدم ذكر الباء في قوله:{وَالنَّهَارِ} ، والاكتفاء بباء الليل. انتهى.
يعني لو قيل: وبالنهار .. كان لا يتعين فيه ذلك، لجواز أن يكون الجار والمجرور معمولًا لمحذوف معطوف على المبتدأ، تقديره: ويقظتكم بالنهار، ثم
(1) الشوكاني.
(2)
روح البيان.
حذف لدلالة معمولة، أو مقابله عليه، كقوله:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدَا
أي: وسقيتها ماء باردًا.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور، من إيجاد النوم بعد النشاط، والنشاط بعد النوم، الذي هو الموت الأصغر، وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما، والجد في الابتغاء، مع المفارقة في التحصيل {لَآيَاتٍ} عديدةً على القدرة والحكم، لا سيما البعث {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} الآيات والمواعظ، سماع متفكر متدبر، فيستدلون بذلك على البعث؛ أي: شأنهم أن يسمعوا الكلام من الناصحين، سماع من انتبه من نومه، فجسمه مستريح نشيط، وقلبه فارغ عن مكدرٍ للنصح، مانع عن قبوله، وفيه إشارة إلى أن من لم يتأمل في هذه الآيات .. فهو نائم، لا مستيقظ، فهو غير مستأهل لأن يسمع.
قال في "برهان القرآن": ختم الآية بقوله: {يَسْمَعُونَ} لأن من سمع أن النوم من صنع الله الحكيم، لا يقدر أحد على اجتلابه إذا امتنع، ولا على دفعه إذا ورد .. تيقن أن له صانعًا مدبرًا.
قال الخطيب: معنى يسمعون هنا: يستجيبون لما يدعوهم إليه الكتاب.
واعلم (1): أن النوم فضل من الله سبحانه للعباد، ولكن للعباد أن لا يناموا إلا عند الضرورة، وبقدر دفع الفتور المانع من العبادة، ومن آداب النوم: أن ينام على الوضوء، وإذا استطاع الإنسان أن يكون على الطهارة أبدًا فليفعل؛ لأن الموت على الوضوء شهادة، ويستحب أن يضطجع على يمينه، مستقبلًا للقبلة عند أول اضطجاعه، فإن بدا له أن ينقلب إلى جانبه الآخر .. فعل، ويقول حين يضطجع: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العلم، وكان عليه السلام يقول: "باسمك ربي وضعت جنبي وبك
(1) روح البيان.
أرفعه، إن أمسكت نفسي .. فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها". ويقول عندما يقوم من نومه:"الحمد لله الذي أحيانًا بعدما أماتنا، ورد إلينا أرواحنا، وإليه البعث والنشور".
الإعراب
{الم (1)} : خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا الم، إن قلنا: إنه علم للسورة، والجملة مستأنفة، وتقدم البسط في إعرابها مرارًا، فراجعه، {غُلِبَتِ الرُّومُ (2)}: فعل ونائب فاعل، والجملة مستأنفة، {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق {غُلِبَتِ}. {وَهُمْ} {الواو}: عاطفة. {هم} : مبتدأ، {مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {سَيَغْلِبُونَ} ، و {غَلَبِهِمْ}: مصدر مضاف إلى مفعوله؛ أي: من بعد مغلوبيتهم، وجملة {سَيَغْلِبُونَ}: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة الفعلية، {فِي بِضْعِ سِنِينَ}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {سَيَغْلِبُونَ}. {لِلَّهِ}: جار ومجرور خبر مقدم. {الْأَمْرُ} : مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة، كأنه جواب لسؤال مقدر، وهو أي فائدة في ذكر قوله:{وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ} لأن قوله: {سَيَغْلِبُونَ} لا يكون إلا بعد الغلبة؟ فأجيب بأن فائدته إظهار تمام القدرة، وبيان أن ذلك بأمر الله تعالى وحده. {مِنْ قَبْلُ}: دار ومجروبى حال من الضمير المستكن في متعلق الخبر، {وَمِنْ بَعْدُ} معطوف على {مِنْ قَبْلُ} . وهما ظرفان، بنيا على الضم، لقطعهما عن الإضافة لفظًا، لا معنًى، ثم جرًا بمن، وبقيا على ضمهما؛ أي: من قبل غلب الروم ومن بعده، {وَيَوْمَئِذٍ} {الواو}: استئنافية. {وَيَوْمَئِذٍ} : ظرف مضاف إلى مثله متعلق بـ {يَفْرَحُ} . {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} : فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة.
{بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ (7)}.
{بِنَصْرِ اللَّهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {يَفْرَحُ} أيضًا. {يَنْصُرُ}: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، {مَنْ}: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة: مستأنفة. {يَشَاءُ} : فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على {مَنْ} والجملة: صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: من يشاء نصره. {وَهُوَ} : مبتدأ، {الْعَزِيزُ}: خبر أول، {الرَّحِيمُ}: خبر ثان، والجملة: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. {وَعْدَ اللَّهِ} : مصدر نائب مناب فعله، منصوب بفعله المحذوف، تقديره: وعدهم الله النصر وعدًا، والجملة المحذوفة: مستأنفة مسوقة لتأكيد مضمون الجملة التي قبلها، وهي قوله:{سَيَغْلِبُونَ} ، و {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} ، {لَا}: نافية. {يُخْلِفُ اللَّهُ} : فعل وفاعل، {وَعْدَهُ}: مفعول به، والجملة: إما مفسرة مقررة لمعنى المصدر، فلا محل لها من الإعراب، أو حال من المصدر؛ أي: حالة كونه غير مختلف، كما في "الكرخي"، {وَلَكِنَّ} {الواو}: حالية، أو استئنافية، {لكن}: حرف نصب واستدراك. {أَكْثَرَ النَّاسِ} : اسمها، وجملة {لَا يَعْلَمُونَ}: خبرها، وجملة {لَكِنَّ} في محل النصب حال من {وَعْدَ اللَّهِ} ، والرابط محذوف، تقديره: حالة كون أكثر الناس لا يعلمونه، أو مستأنفة. {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: مستأنفة، {مِنَ الْحَيَاةِ}: جار ومجرور صفة لـ {ظَاهِرًا} ، {الدُّنْيَا}: صفة لـ {الْحَيَاةِ} ، {وَهُمْ}: مبتدأ، {عَنِ الْآخِرَةِ}: متعلق بـ {غَافِلُونَ} ، {هُمْ} تأكيد لـ {هُمْ} الأول، {غَافِلُونَ}: خبر لـ {هُمْ} الأول، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل {يَعْلَمُونَ} .
{أَوَلَمْ} {الهمزة} : للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و {الواو}: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أقصر كفار مكة نظرهم على ظاهر الحياة الدنيا، ولم يتفكروا في أنفسهم، والجملة المحذوفة: مستأنفة، {لَمْ
يتفكروا}: جازم وفعل وفاعل مجزون بـ {لَمْ} والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة، {فِي أَنْفُسِهِمْ} متعلق بـ {يَتَفَكَّرُوا}. {مَا}: نافية. {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ} : فعل وفاعل ومفعول، {وَالْأَرْضَ}: معطوف على {السَّمَاوَاتِ} ، والجملة: مستأنفة، لا تعلق لها بما قبلها، أو معلقة للتفكر، فتكون في محل نصب بإسقاط الخافض، كما في "الجمل". {وَمَا} اسم موصول في محل النصب معطوف على {السَّمَاوَاتِ} . {بَيْنَهُمَا} ظرف ومضاف إليه صلة لـ {مَا} الموصولة، {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ، {بِالْحَقِّ}: جار ومجرور متعلق بـ {خَلَقَ} ، أو حال من الجلالة، {وَأَجَلٍ}: معطوف على {الحق} ، {مُسَمًّى} صفة لـ {أَجَلٍ}. {وَإِنَّ} {الواو}: حالية، {إن}: حرف نصب، {كَثِيرًا} اسمها، {مِنَ النَّاسِ} صفة لـ {كَثِيرًا}. {بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {كَافِرُونَ} ، و {اللام}: لا تمنع ذلك؛ لأنها وقعت في غير موضعها، وهو خبر {إن}. {لَكَافِرُونَ} {اللام}: حرف ابتداء، {كَافِرُونَ} خبر {إن} ، وجملة {إن}: في محل النصب حال من فاعل {يَتَفَكَّرُوا} .
{أَوَلَمْ} {الهمزة} : للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف دل عليه السياق، {الواو}: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أقعد هؤلاء المشركون من أهل مكة في أماكنهم، ولم يسيروا في الأرض، والجملة المحذوفة: مستأنفة، {لَمْ}: حرف جزم، {يَسِيرُوا}: فعل وفاعل مجزوم بـ {لَمْ} . {فِي الْأَرْضِ} : متعلق به، والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة، {فَيَنْظُرُوا}: فعل وفاعل معطوفة على {يَسِيرُوا} . {كَيْفَ} : اسم استفهام في محل النصب خبر {كَانَ} : مقدم عليها للزومه الصدارة. {كَانَ} : فعل ماض ناقص، {عَاقِبَةُ الَّذِينَ}: اسمها ومضاف إليه، وجملة:{كَانَ} في محل النصب مفعول {ينْظُرُوا} معلق عنها باسم الاستفهام، {مِنْ قَبْلِهِمْ}: جار ومجرور صلة الموصول. {كَانُوا أَشَدَّ} :
فعل ناقص واسمه وخبره. {مِنْهُمْ} : متعلق بـ {أَشَدَّ} ، {قُوَّةً}: تمييز محول عن المبتدأ، الذي كان اسم {كَان}: منصوب باسم التفضيل، وجملة {كَانَ}: جملة تفسيرية لما قبلها، لا محل لها من الإعراب، {وَأَثَارُوا الْأَرْضَ}: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على {كَانُوا} ، {وَعَمَرُوهَا}: فعل وفاعل ومفعول معطوف على {كَانُوا} ، {أَكْثَرَ}: صفة لمصدر محذوف، تقديره: عمارة أكثر، {مِمَّا} {مِنْ}: حرف جر، {ما}: مصدرية، {عَمَرُوهَا}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: صلة {ما} المصدرية، {ما} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ {من} ، والجار والمجرور: متعلق بـ {أَكْثَرَ} والتقدير: عمارة أكثر من عمارتهم. {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ} : فعل ومفعول به، وفاعل معطوف على {كَانُوا}. {بِالْبَيِّنَاتِ}: متعلق بـ {وَجَاءَتْهُمْ} . {فَمَا كَانَ} : {الفاء} : عاطفة على محذوف، تقديره: فكذبوهم فأهلكهم الله، والجملة المحذوفة: معطوفة على {جاءتهم} ، {ما}: نافية، {كاَنَ}: فعل ماض ناقص، {اللَّهُ} اسمها، {لِيَظْلِمَهُمْ} {اللام}: حرف جر وجحود، {يَظْلِمَهُمْ}: فعل مضارع وفاعل مستتر، ومفعول به، منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور: متعلق بمحذوف خبر {كَانَ} على مذهب البصريين، والتقدير: فما كان الله مريدًا لظلمهم، وجملة {كَانَ} معطوفة على تلك المحذوفة. {وَلَكِنْ} {الواو}: حالية، {لَكِنْ}: حرف استدراك، {كَانُوا}: فعل ناقص واسمه {أَنْفُسَهُمْ} : مفعول مقدم لـ {يَظْلِمُونَ} وجملة {يَظْلِمُونَ} خبر {كَانَ} ، والتقدير: ولكن كانوا ظالمين أنفسهم، والجملة الاستدراكية في محل النصب حال من مفعول {يَظْلِمَهُمْ} .
{ثُمَّ} : حرف عطف وتراخ، {كَانَ}: فعل ماض ناقص، {عَاقِبَةَ الَّذِينَ}: خبرها مقدم ومضاف إليه، {أَسَاءُوا}: فعل وفاعل صلة الموصول، {السُّوأَى}: اسم {كَانَ} مؤخرًا، أي: ثم كانت {السُّوأَى} ؛ أي: جهنم، عاقبةً الذين
أساؤوا، وجملة {كَانَ}: معطوفة على الجملة المحذوفة، والتقدير: فأهلكهم الله في الدنيا، ثم كانت {السُّوأَى} عاقبتهم في الآخرة. {أَنْ}: حرف مصدر، {كَذَّبُوا}: فعل وفاعل في محل النصب بـ {أَنْ} المصدرية، {بِآيَاتِ اللَّهِ}: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، تقديره: ثم كانت السوأى: عاقبتهم، لتكذيبهم بآيات الله تعالى، {وَكَانُوا}: فعل ناقص واسمه، {بِهَا}: متعلق بما بعده، وجملة {يَسْتَهْزِئُونَ}: خبر {كَانَ} ، وجملة {كَانُوا}: معطوفة على جملة {كَذَّبُوا} ؛ أي: لتكذيبم بآيات الله، واستهزائهم بها، وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب، قد تركتها خوفًا من الإطالة.
{اللَّهُ} : مبتدأ، وجملة {يَبْدَأُ الْخَلْقَ}: خبره، والجملة: مستأنفة، {ثُمَّ يُعِيدُهُ} معطوفة على {يَبْدَؤُأ} ، {ثُمَّ}: حرف عطف وترتيب، {إِلَيْهِ}: متعلق، بـ {تُرْجَعُونَ} ، {تُرْجَعُونَ}: فعل ونائب فاعل، والجملة: في محل الرفع معطوفة على جملة {يُعِيدُهُ} على كونها خبر المبتدأ، ولكنها خبر سببي، {وَيَوْمَ تَقُومُ} {الواو}: استئنافية، والظرف: متعلق بـ {يُبْلِسُ} ، وجملة {تَقُومُ السَّاعَةُ} في محل الجر مضاف إليه لـ {يَوْمَ} ، {يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ}: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. {وَلَمْ يَكُنْ} : فعل مضارع ناقص مجزوم بـ {لَمْ} ، {لَهُمْ}: خبر مقدم لها، {مِنْ شُرَكَائِهِمْ} حال من {شُفَعَاءُ} ؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، {شُفَعَاءُ}: اسم {يَكُنْ} مؤخر، وجملة {يَكُنْ}: معطوفة على جملة {يُبْلِسُ} ، {وَكَانُوا}: فعل ناقص واسمه، {بِشُرَكَائِهِمْ}: متعلق بـ {كَافِرِينَ} ، {كَافِرِينَ}: خبر {كَان} ، وجملة {كَان}: معطوفة على جملة {يُبْلِسُ} أيضًا؛ لأنه في تأويل: ويكونون كافرين بشركائهم، كما سبق في مبحث التفسير، {وَيَوْمَ}: منصوب على الظرفية متعلق بـ {يَتَفَرَّقُونَ} ، وجملة {تَقُومُ السَّاعَةُ}: مضاف إليه للظرف، {يَوْمَئِذٍ}: ظرف مضاف لمثله، تأكيد لفظي للظرف قبله، وجملة
{يَتَفَرَّقُونَ} : مستأنفة.
{فَأَمَّا} : {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم يتفرقون يوم القيامة، وأردت بيان مأوى كل فريق، فأقول لك، {أَمَّا}: حرف شرط وتفصيل، {الَّذِينَ}: مبتدأ، {آمَنُوا}: فعل وفاعل صلة الموصول، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: فعل وفاعل ومفعول معطوف على {آمَنُوا} ، {فَهُمْ} {الفاء} رابطة لجواب {أَمَّا} واقعة في غير موضعها؛ لأن موضعها موضع {أما} ، {هُمْ}: مبتدأ، {فِي رَوْضَةٍ}: متعلق بـ {يُحْبَرُونَ} من الفعل المغير، ونائبه: خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره: خبر للأول، وجملة الأول، مع خبره جواب {أما} ، وجملة {أما} من فعل شرطها، وجوابها: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. {وَأَمَّا} {الواو} : عاطفة. {أَمَّا} : حرف شرط، {الَّذِينَ}: مبتدأ، {كَفَرُوا}: صلته {وَكَذَّبُوا} : معطوف على {كَفَرُوا} . {بِآيَاتِنَا} : متعلق بـ {كَذَّبُوا} ، {وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ}: معطوف على {آيَاتِنَا} . {فَأُولَئِكَ} : {الفاء} : رابطة لجواب {أَمَّا} ، {أُولَئِكَ}: مبتدأ ثان، {فِي الْعَذَابِ}: متعلق بـ {مُحْضَرُونَ} . {مُحْضَرُونَ} : خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول مع خبره: جواب {أَمَّا} ، وجملة {أَمَّا} في محل النصب معطوفة على جملة {أَمَّا} الأولى.
{فَسُبْحَانَ اللَّهِ} {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم، من تفرق الناس يوم القيامة فرقتين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وأردتم أن تكلونوا من أهل الجنة، فأقول لكم
سبحوا الله سبحانًا، {سُبْحَانَ اللَّهِ}: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: سبحوا الله سبحانًا، والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة، {حِينَ تُمْسُونَ}: ظرف متعلق بـ {سُبْحَانَ} ، وجملة {تُمْسُونَ}: مضاف إليه لـ {حِينَ} ، {وَحِينَ تُصْبِحُونَ}: ظرف ومضاف إليه معطوف على {حِينَ تُمْسُونَ} . {وَلَهُ} {الواو} : اعتراضية، {لَهُ}: خبر مقدم، {الْحَمْدُ}: مبتدأ مؤخر، {فِي السَّمَاوَاتِ}: متعلق بـ {الْحَمْدُ} ، كما في "الشوكاني"، {وَالْأَرْضِ}: معطوف على {السَّمَاوَاتِ} ، والجملة الاسمية: جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه، {وَعَشِيًّا}: ظرف معطوف على {حِينَ} ، {وَحِينَ تُظْهِرُونَ}: ظرف ومضاف إليه معطوف على {حِينَ تُمْسُونَ} . {يُخْرِجُ الْحَيَّ} : فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به، والجملة مستأنفة، أو حال من الجلالة في قوله:{فَسُبْحَانَ اللَّهِ} ، {مِنَ الْمَيِّتِ}: متعلق بـ {يُخْرِجُ} ، و {وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}: معطوف على جملة {يُخْرِجُ} الأول. {وَيُحْيِ الْأَرْضَ} : فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على {يُخْرِجُ} أيضًا: {بَعْدَ مَوْتِهَا} : ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ {يُحْيِ} {وَكَذَلِكَ} {الواو}: استئنافية، {كَذَلِكَ} هو: صفة لمصدر محذوف، {تُخْرَجُونَ}: فعل ونائب فاعل، والتقدير: وتخرجون من قبوركم إخراجًا مثل ذلك الإخراج، والجملة الفعلية: مستأنفة.
{وَمِنْ} {الواو} : استئنافية. {مِنْ آيَاتِهِ} : خبر مقدم، {أَنْ}: حرف نصب ومصدر {أَنْ} : فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، في محل النصب بـ {أَنْ} {خَلَقَكُمْ} المصدرية، {مِنْ تُرَابٍ}: متعلق به، والجملة الفعلية، في تأويل مصدر مرفوع على الابتدائية، والتقدير: وخلقكم من تراب من آياته، والجملة مستأنفة، {ثُمَّ}: حرف عطف وتراخ. {إِذَا} : فجائية {أَنْتُمْ} : مبتدأ،
{بَشَرٌ} : خبره، وجملة {تَنْتَشِرُونَ}: صفة لـ {بَشَرٌ} : أو حال منه، والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة التي قبلها. {وَمِنْ آيَاتِهِ} : خبر مقدم والمصدر المؤول من {أَنْ خَلَقَ لَكُمْ} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها، {أَنْ خَلَقَ} معطوفة على ما سبق {لَكُمْ}: متعلق بـ {خَلَقَ} . {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} : جار ومجرور حال من أزواجًا؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، {أَزْوَاجًا}: مفعول {خَلَقَ} ، {لِتَسْكُنُوا} {اللام}: حرف جر وتعليل، {تَسْكُنُوا}: فعل وفاعل منصوب بـ {أن} مضمرة بعد لام كي، {إِلَيْهَا} متعلق به، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور بـ {اللام} ؛ أي: لسكونكم إليها، الجار والمجرور: متعلق بـ {خَلَقَ} . {وَجَعَلَ} معطوف على {خَلَقَ} {بَيْنَكُمْ} : ظرف في محل المفعول الثاني لـ {جَعَلَ} . {مَوَدَّةً} : هو المفعول الأول، {وَرَحْمَةً} معطوف على {مَوَدَّةً}. {إِنَّ}: حرف نصب، {فِي ذَلِكَ} خبر {إِنَّ}: مقدم على اسمها، {لَآيَاتٍ} {اللام}: حرف ابتداء، {آيَاتٍ}: اسم {إِنَّ} مؤخر، {لِقَوْمٍ}: صفة {لَآيَاتٍ} ، وجملة {يَتَفَكَّرُونَ} صفة {لِقَوْمٍ} وجملة {إِنَّ}: مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها.
{وَمِنْ آيَاتِهِ} : خبر مقدم، {خَلْقُ السَّمَاوَاتِ}: مبتدأ مؤخر، {وَالْأَرْضِ}: معطوف على {السَّمَاوَاتِ} ، والجملة: معطوفة على سابقتها أيضًا، {وَاخْتِلَافُ}: معطوف على {خَلْقُ} ، {أَلْسِنَتِكُمْ} مضاف إليه، {وَأَلْوَانِكُمْ}: معطوف على {أَلْسِنَتِكُمْ} . {إِنَّ} : حرف نصب {فِي ذَلِكَ} : خبرها مقدم، {لَآيَاتٍ} اسمها مؤخر، و {اللام}: حرف ابتداء، {لِلْعَالِمِينَ} صفة {لآيَاتٍ} ، وجملة {إِنَّ} مستأنفة. {وَمِنْ آيَاتِهِ}: خبر مقدم. {مَنَامُكُمْ} : مبتدأ مؤخر، والجملة: معطوفة على سابقتها، {بِاللَّيْلِ}: متعلق بـ {مَنَامُكُمْ} لأنه مصدر ميمي لـ {نَامُ} ، {وَالنَّهَارِ}: معطوف على {اللَّيْلِ} ، {وَابْتِغَاؤُكُمْ}: معطوف على {مَنَامُكُمْ} . {مِنْ فَضْلِهِ} : متعلق بـ {وَابْتِغَاؤُكُمْ} ، {إِنَّ}: حرف نصب {فِي ذَلِكَ} : خبرها مقدم،
{لَآيَاتٍ} : اسمها مؤخر، {لِقَوْمٍ} صفة {لَآيَاتٍ} ، وجملة {يَسْمَعُونَ} صفة {لِقَوْمٍ} ، وجملة {إِنَّ} مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
{غُلِبَتِ الرُّومُ (2)} الغلبة: القهر، كما في "المفردات"، والاستعلاء على القرن بما يبطل مقاومته في الحرب، كما في "كشف الأسرار"، والروم: تارة يطلق على الصنف المعروف، وتارة تطلق على جمع رومي، كفارسي وفرس، وهم بنو روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام والروم الأول: منهم بنو روم بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام، والفرس: بنو فارس بن سام بن نوح عليه السلام كما مر.
{فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} وأدنى: ألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا يدنو، وهو يتصرف على وجوه: فتارةً يعبر عن الأقل والأصغر، فيقابل بالأكثر والأكبر، وتارةً عن الأحقر والأذل، فيقابل بالأعلى والأفضل، وتارةً عن الأول، فيقابل بالآخر، وتارةً عن الأقرب، فيقابل بالأبعد، وهو المراد في هذا المقام؛ أي: أقرب أرض العرب من الروم، إذ هي الأرض المعهودة عندهم، وهي أطراف الشام، أو في أقرب أرض الروم من العرب، على أن اللام عوض عن المضاف إليه، وهي أرض جزيرة ما بين دجلة والفرات، انتهى من "الروح".
وليس المراد بها جزيرة العرب، وروى عن الأصمعي: أن حد جزيرة العرب، من أقصى عدن إلى ريف العراق، طولًا، ومن جدة وما والاها، إلى أطراف الشام عرضًا، وسبب تسميتها جزيرةً إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها، كبحر الحبشة، وبحر فارس، ودجلة، والفرات اهـ. "زاده"، وقال ابن جزي في "تفسيره": الجزيرة هنا: بين الشام والعراق، وهي أول الروم إلى فارس، وفي "الخازن" في أدنى الأرض، يعني: أقرب أرض الشام إلى فارس، وقيل: هي أذرعات، وقيل: الأردن، وقيل: الجزيرة اهـ.
{فِي بِضْعِ سِنِينَ} وفي "القاموس" البضع ما بين الثلاث إلى التسع، وفي
"كشف الأسرار" البضع اسم للثلاث والخمس والسبع والتسع، وفي "تفسير المناسبات": وذلك من أدنى العدد، لأنه في المرتبة الأولى، وهي مرتبة الآحاد.
وقال المبرد: البضع ما بين العقدين في جمع الأعداد، وعبر بالبضع، وأبهم ولم يعين، وإن كان معلومًا له صلى الله عليه وسلم إبقاءً للعباد في ربقة الجهل، تعجيزًا لهم أو لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت، كما يؤخذ ذلك من "الرازي".
والبضع بالفتح: قطع اللحم، وبالكسر: العدد المنقطع عن العشرة، ويقال: ذلك لما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: بل: هو فوق الخمس دون العشر اهـ. "روح".
قال الراغب: الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية الدنيوية، ولم يرخص في الفرح إلا في قوله:{فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} وقوله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} .
وفي "كشف الأسرار": اليوم ترح، وغدًا فرح، اليوم عبرة، وغدًا خبرة، اليوم أسف، وغدا لطف، اليوم بكاء، وغدًا لقاء اهـ.
{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} والتفكر: تصرف القلب في معاني الأشياء، لدرك المطلوب، وهو، قبل أن يتصفى اللب، والتذكر بعده، ولذا لم يذكر في كتاب الله تعالى مع اللب إلا: التذكر، قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب الفرك، ولكن يستعمل الفكر في المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها، طلبًا للوصول إلى حقيقتها.
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} والسير: المضي في الأرض.
{كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} والعاقبة: إذا أطلقت تستعمل في الثواب، كما في قوله تعالى:{وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة، كما في هذه الآية، وهي آخر الأمر.
{وَأَثَارُوا الْأَرْضَ} يقال: ثار الغبار والسحاب، انتشر ساطعًا، وقد أثرته، فالإثارة: تحريك الشيء حتى يرتفع غباره، والثور: اسم البقر الذي يثار به
الأرض، فكأنه في الأصل: مصدر جعل في موضع الفاعل، والبقر: من بقر: إذا شق؛ لأنها تشق بالأرض بالحراثة، ومنه قيل لمحمد بن الحسين بن علي: الباقر، لأنه شق العلم ودخل فيه مدخلًا بليغًا، والمعنى: وقلبوا الأرض للزراعة والحراثة واستنباط المياه، واستخراج المعادن، كما سبق اهـ. من "الروح".
{وَعَمَرُوهَا} والعمارة: ضد الخراب؛ أي: عمروا الأرض، بفنون العمارات من الزراعة، والغرس، والبناء وغيرها.
{السُّوأَى} : تأنيث الأسوأ، كالحسنى تأنيث الأحسن، أو مصدر كالبشرى، وصف به العقوبة مبالغةً، كأنها نفس السوأى، وقيل: السوأى، أي: اسم لجهنم، كما أن الحسثى اسم للجنة، وإنما سميت سوأى؛ لأنها تسوء صاحبها، كما سبق.
قال الراغب: السوء: كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية، ومن الأحوال النفسية والبدنية والخارجية من ذوات مال، وفقد حميم، وعبر بـ {السوأى} عن كل ما يقبح، ولذلك قوبل بالحسنى، قال:{ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى} كما قال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} انتهى.
{يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} قال الراغب: الإبلاس: الحزن المعترض من شدة اليأس .. ومنه اشتق إبليس، ولما كان المبلس كثيرًا ما يلزم السكوت، وينسى ما يعينه، قيل: أبلس فلان، إذا سكت وانقطعت حجته اهـ.
ويقال: أبلس فلان، فهو مبلس: إذا سكت عن يأس، ويقال: أبلس الرجل: انقطعت حجته فسكت، فهو لازم، لا يتعدى.
وفي "الكشاف": الإبلاس: أن يبقى ساكنًا يائسًا متحيرًا، يقال: ناظرته فأبلس: إذا لم ينبس ويئس من أن يحتج، ومنه الناقة المبلاس: التي لا ترغو.
وفي "القاموس": وأبلس: يئس وتحير، ومنه إبليس، أو هو أعجمي، فقول صاحب، المنجد: إنه يقال: أبلسه غلط فظيع، وقد علل علماء التصريف قراءة {يُبْلِسُ} بالبناء للمفعول، بأن القائم مقام الفاعل مصدر الفعل، ثم حذف
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، إذ الأصل يبلس إبلاس المجرمين.
{فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ} والروضة: كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة، والمراد بها الجنة، وفي أمثالهم: أحسن من بيضة في روضة، يريدون بيضة النعامة.
وفي "الأساس" و"اللسان": بأرضه روضة وروضات ورياض، وروض الغيث الأرض، وأراض المكان واستراض؛ أي: كثرت رياضه. اهـ.
قال الراغب: الروض: مستنقع الماء والخضرة، وقوله:{فِي رَوْضَةٍ} عبارة عن رياض الجنة، وهي: محاسنها وملاذها انتهى.
{يُحْبَرُونَ} ؛ أي: يسرون سرورًا، تهللت له وجوههم، وفي "المفردات": يفرحون حتى يظهر عليهم حبار نعيمهم؛ أي: أثره، يقال: حبره: إذا سره سرورًا تهلل له وجهه، ويقال: حبر فلان، إذا بقي بجلده أثر من فرح، والحبر: العالم، لما يبقى من أثر علومه في قلوب الناس، ومن آثار أفعاله الحسنة المقتدى بها، وإلى هذا المعنى، أشار أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقوله: والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة، ويقال: التحبير: التحسين الذي يسر به، يقال لعالم: حبر؛ لأنه يتخلق بالأخلاق الحسنة، وللمداد: حبر؛ لأنه يحسن به الأوراق، فيكون الحبرة كل نعمة حسنة اهـ. من "الروح".
{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} والسبح: هو المر السريع في الماء أو الهواء، والتسبيح: تنزيه الله، وأصله: المر السريع في عبادة الله، جعل عامًا في العبادات، قولًا كان أو فعلًا أو نيةً، والسبوح والقدوس: من أسماء الله تعالى، وليس في كلامهم فعول سواهما، وسبحان هنا: مصدر كغفران، موضوع موضع الأمر، مثل {فَضَرْبَ الرِّقَابِ}. والتسبيح: محمول على حقيقته، وظاهره الذي هو تنزيه الله تعالى عن السوء، والثناء عليه بالخير، والحين: بالكسر وقت مبهم يصلح لجميع الأزمان، طال أو قصر، يتخصص بالمضاف إليه، كما في هذا المقام.
والإمساء: الدخول في المساء، كما أن الإصباح: الدخول في الصباح، والمساء والصباح: ضدان، قال بعضهم: أول اليوم: الفجر، ثم الصباح، ثم الغداة، ثم البكرة، ثم الضحى، ثم الضحوة، ثم الهجير، ثم الظهر، ثم الرواح، ثم المساء، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم العشاء الأولى، ثم العشاء الأخيرة عند مغيب الشفق.
{وَعَشِيًّا} : من عشى العين: إذا نقص نورها، ومنه الأعشى.
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ} والخلق: عبارة عن تركيب الأجزاء، وتسوية الأجسام.
{مِنْ تُرَابٍ} والتراب: جماد لا حس فيه، ولا حركة.
{بَشَرٌ} قال في "المفردات": البشرة ظاهر الجلد، وعبر عن الإنسان بالبشر، اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف، أو الشعر، أو الوبر، واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع، وخص في القرآن كل موضع اعتبر من الإنسان جثته، وظاهره بلفظ البشر.
{تَنْتَشِرُونَ} قال الراغب: انتشار الناس تصرفهم في الحاجات اهـ.
{أَزْوَاجًا} والأزواج: جمع زوج وهو: الفرد المزاوج لصاحبه، وكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى، وزوجةً لغةً رديئةً، وجمعها زوجات، كما في "المفردات".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الجناس المماثل في قوله: {غُلِبَتِ} ، {سَيَغْلِبُونَ} .
ومنها: الطباق بين {قَبْلُ} و {بَعْدُ} .
ومنها: الإبهام في قوله: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} للتفخيم، ولإدخال الرعب في
قلوب المشركين في كل وقت، وللتعجيز لهم بإبقائهم في ربقة الجهل.
ومنها: طباق السلب في قوله: {لَا يَعْلَمُونَ} ، {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .
ومنها: تنكير {ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ} للتحقير والتخسيس؛ أي: يعلمون ظاهرًا حقيرًا خسيسًا من الدنيا، وفائدته: تقليل معلومهم، وتقليله يقربه من النفي، حتى يطابق المبدل منه، وهو وقوله:{لَا يَعْلَمُونَ} ، وهذا ما يرجح البدلية.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} ؛ أي: المبالغ في العزة والمبالغ في الرحمة.
ومنها: التعطف في قوله: {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} والتعطف: إعادة اللفظة بعينها في الجملة من الكلام، أو البيت من الشعر، فقد وردهم للمبالغة في تأكيد غفلتهم عن الآخرة، حتى كأنهم معدن للغفلة، وفيه إفادة الحصر بتكرير الضمير، وفيه الإيتان بالجملة الاسمية، للدلالة على استمرار غفلتهم ودوامها.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا} الآية.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {أَسَاءُوا السُّوأَى} .
ومنها: إيراد الاستهزاء في قوله: {وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} بصيغة المضارع، للدلالة على استمراره وتجدده.
ومنها: الطباق في قوله: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وفي قوله: {تُمْسُونَ} و {تُصْبِحُونَ} .
ومنها: الالتفات في قوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} للمبالغة في الترهيب.
ومنها: الإتيان بلفظ ماضي المعنى في قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ} وماضي اللفظ والمعنى في قوله: {وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ} إشارةً إلى تحققه في علم الله تعالى.
ومنها: الإتيان بصيغة الجمع في قوله: {شُفَعَاءُ} لوقوعها في مقابلة الجمع، مع أن المعنى لم يكن لكل واحد منهم شفيع أصلًا.
ومنها: إعادة قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} إفادةً لتهويله، وتفظيع ما يقع فيه، وفي قوله:{يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تهويل له إثر تهويل.
ومنها: المقابلة بين حال السعداء والأشقياء في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16)} .
ومنها: التنوين للتعظيم في قوله: {فِي رَوْضَةٍ} ؛ أي: في روضة عظيمة.
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} استعار الحي للمؤمن والميت للكافر، وهي استعارة في غاية الحسن والإبداع والجمال.
ومنها: اللف والنشر في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ} وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، إلا أنه فصل بين القرينين الأولين، بالقرينين الأخيرين؛ لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه، كشيءٍ واحدٍ، مع إعانة اللف على الاتحاد، ويجوز أن يراد: منامكم في الزمانين، وابتغاؤكم فيهما، والظاهر: هو الأول لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه القرآن، يسمعونه بالآذان الواعية.
ومنها: التنوين في قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ} للدلالة على عظم شأنها؛ أي: لآياتٍ عظيمةً باهرةً.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
المناسبة
قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه (1) سبحانه لما ذكر ما يعرض للأنفس من الأوصاف .. ذكر ما يعرض للأكوان والآفاق، ونشاهده رأى العين، الفينة بعد الفينة، مما فيه العبرة لمن ادكر، ونظر في العوالم نظرة متأمل معتبر، في بدائع الأكوان، ليتوصل إلى معرفة مدبرها وخالقها، الذي أحسن كل شيء خلقه ثم هدى.
قوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما أقام الأدلة على الوحدانية، وهي الأصل الأول، وعلى القدرة على الحشر، وهي الأصل الثاني .. أعقب ذلك بهاتين الآيتين، وجعلهما كالنتيجة لما سلف.
قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ
…
} الآيات، مناسبتها لم قبلها: أن الله سبحانه لما بين قدرته على الإعادة، بإقامة الأدلة عليها، ثم ضرب لذلك مثلًا .. أعقب ذلك بذكر المثل على الوحدانية، بعد إقامة الدليل عليها.
قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا
…
} الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما عدد البينات والأدلة على وحدانيته، وأثبت الحشر، وضرب لذلك المثل، وسلى رسوله، ووطن عزيمته على اليأس من إيمانهم؛ لأن الله تعالى قد ختم على قلوبهم، فلا مخلص لهم مما هم فيه، ولا ينقذهم من ذلك، لا هو ولا غيره {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} .. أعقب ذلك بأمره بالاهتمام بنفسه، وعدم المبالاة بامرهم، وإقامة وجهه لهذا الدين غير ملتفت عنه يمنةً ولا يسرةً، فهو فطره الله التي خلق العقول معترفةً بها.
قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
…
} الآيات (2)، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أرشد إلى التوحيد، وأقام الأدلة عليه، وضرب المثل .. أعقبه بذكر حال للشركين يعرفون بها، وسيما لا ينكرونها،
(1) المراغي.
(2)
المراغي.
وهي أنهم حين الشدة يتضرعون إلى ربهم، وينيبون إليه، فإذا خلصوا منها .. رجعوا إلى شنثنتهم الأولى، وأشركوا به الأوثان، والأصنام، فليضلوا ما شاؤوا، فإن لهم يومًا يرجعون فيه إلى ربهم، فيحاسبهم على ما اجترحوا من السيئات، وليتهم اتبعوا ذلك عن دليل، حتى يكون لهم شبه العذر فيما يفعلون، بل هو الهوى المطاع، والرأي المتبع، ثم ذكر حال طائفة من المشركين دون سابقيهم، وهم من تكون عبادتهم لله رهن إصابتهم من الدنيا، فإن آتاهم ربهم منها .. رضوا، وإذا منعوا منها سخطوا وقنطوا، وقد كان عليهم أن يعلموا أن بسط النعمة وإقتارها بيده وحده، وقد جعل لذلك أسبابًا، متى سلكها فاعلها .. وصل إلى ما يريد، وليس علينا إلا أن تطمئن نفوسنا إلى ما يكون، فكله بقدر الله وقضائه، وعلينا أن نستسلم له، ونعمل ما طلب إلينا عمله، من الأخذ في العمل جهد الطاقة.
وقوله تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ
…
} الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. أردف ذلك ببيان أنه يحب الإحسان على ذوي القربى وذوي الحاجات من المساكين وأبناء السبيل، فإنه إذا بسط الرزق .. لم ينقصه الإنفاف، وإذا قدر .. لم يزده الإمساك.
إِذَا جَادَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ فَجُدْ بِهَا
…
عَلَى النَّاسِ طُرًّا إِنَّها تَتَقَلَّبُ
فَلَا الْجُوْدُ يُفْنِيْهَا إِذَا هِيَ أَقْبَلَتْ
…
وَلَا الْبُخْل يُبْقِيْهَا إِذَا هِيَ تَذْهَبُ
قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن المشركين عبدوا مع الله سواه، وأشركوا به غيره، والشرك سبب الفساد، كما يرشد إلى ذلك قوله:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} .. أعقب ذلك ببيان أن الناس قد انتهكوا حرمات الله، واجترحوا المعاصي، وفثما بينهم الظلم والطمع، وأكل القوي مال الضعيف، فصب عليهم ربهم سوط عذابه، فكثرت الحروب، وافتن الناس في أدوات التدمير والإهلاك، فمن غائصات البحار تهلك السفن الماخرة فيها، إلى طائرات قاذفات للحمم والمواد المحرقة إلى مدافع تحصد الناس حصدًا إلى دبابات سميكة الدروع تهد
المدن هدًا، وما الحرب القائمة الآن إلا مثال الوحشية الإنسانية، والمجازر البشرية التي سلط الله فيها العالم بعضه على بعض، فارتكب المظالم، واجترح المآثم، والإنسان في كل عمر هو الإنسان، وكما أهلك الله الكافرين قبلهم بكفرهم وظلمهم، يهلك الناس بشؤم معاصيهم وفسادهم، فليجعلوا من سبقهم مثلًا لهم، ليتذكروا عقاب الله، وشديد عذابه للمكذبين.
قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ}
…
الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما (1) نهى الكافر عن بقائه على الحالة التي هو عليها، خيفة أن يحل به سوء العذاب .. أردف ذلك أمر رسوله، ومن تبعه بالثبات على ما هم عليه، بعبادتهم الواحد الأحد، قبل أن يأتي يوم الحساب، الذي يتفرق فيه العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير، فمن كفر .. فعليه وبال كفره، ومن عمل صالحًا .. فقد أعد لنفسه مهادًا يستريح عليه، بما قدم من صالح العمل، وسينال من فضل ربه وثوابه ورضاه عنه، ما لا يخطر له ببال، ولا يدور له في حسبان، والكافر سيلقى في هذا اليوم العذاب والنكال؛ لأن ربه يبغضه ويمقته، جزاء ما دسى به نفسه من سيء العمل.
أسباب النزول
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
…
} الآية، سبب نزول هذه الآية (2): ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت هذه الآية {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
…
} الآية.
قوله تعالى: {هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ
…
} الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الطبراني، عن ابن عباس، قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما
(1) المراغي.
(2)
لباب النقول.