المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

التفسير وأوجه القراءة   ‌ ‌1 - {الم (1)}؛ أي: هذه سورة ألم، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: التفسير وأوجه القراءة   ‌ ‌1 - {الم (1)}؛ أي: هذه سورة ألم،

التفسير وأوجه القراءة

‌1

- {الم (1)} ؛ أي: هذه سورة ألم، قال بعضهم: الحروف المقطعات مبادي السور، ومفاتيح كنوز العبر، والإشارة هنا بهذه الحروف الثلاثة إلى قوله: أنا الله، ولي جميع صفات الكمال، ومني الغفران والإحسان، إلى غير ذلك.

‌2

- {غُلِبَتِ الرُّومُ (2)} وقهرت، وهم أهل الكتاب على دين عيسى عليه السلام غلبتهم فارس، وهم المجوس عبدة النيران، والغلبة: القهر والاستعلاء على القرن، بما يبطل مقاومته في الحرب، والروم: اسم قبيلة سميت باسم جدّها (1) روم بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام. وقيل: هم بنو روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام سمي عيص؛ لأنه كان مع يعقوب في بطن، فعند خروجهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيص ليعقوب: إن لم أخرج قبلك .. خرجت من جنب أمي، فتأخر يعقوب شفقة لها، فلذا كان أبا الأنبياء، وعيص أبا الجبارين، والفُرْس بسكون الراء: قوم معروفون، نسبوا إلى فارس بن سام بن نوح عليه السلام؛ أي: غلبتها فارس.

‌3

- {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} ؛ أي (2): في أقرب أرض الشام إلى أرض العرب وفارس، وهي أذرعات وكشكر، أو غلبت الروم في أدنى أرضهم، وأقربها إلى عدوهم. {وَهُمْ}؛ أي: الروم {مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ} ؛ أي: من بعد مغلوبيتهم على يد فارس، فهو من إضافة المصدر إلى المفعول، والفاعل: متروك، والأصل: من بعد غلبة فارس إياهم، {سَيَغْلِبُونَ} فارس (3)، ولا وقف عليه،

‌4

- لتعلق {فِي بِضْعِ سِنِينَ} به، وهو ما بين الثلاث إلى العشرة؛ أي: فالروم سيغلبون فارس، فيما بين الثلاث والتسع سنوات من الحرب الأولى، فوقع الغلب للروم على رأس سبع سنين من الحرب الأولى، وعبر بالبضع (4)، ولم يعين إبقاءً للعباد في ربقة نوع من الجهل، تعجيزًا لهم.

(1) روح البيان.

(2)

والواحدي.

(3)

النسفي.

(4)

روح البيان.

ص: 81

والمعنى: أي (1) غلبت فارس الروم في أقرب أرض الروم بالنسبة إلى أرض العرب، إذ الوقعة كانت بين الأردن وفلسطين، والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون فارس في بضع سنين، وقد تحقق ذلك فغلبوهم بعد سبع من الواقعة الأولى، ولا شك أن وقوعه على نحو ما قال الكتاب الكريم، يعد من أكبر الدلائل على إعجازه، وأنه كلام الله، العلم بكل شيء لا كلام البشر، وهذا المعنى على القراءة المشهورة، وقرأ علي (2)، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، ومعاوية بن قرة، والحسن:{غلبت} مبنيًا للفاعل {سيغلبون} مبنيًا للمفعول، ويجوز على هذه القراءة، أن يكون {غلبت} مبنيًا للفاعل على أن الضمير فيه لفارس، والروم بالنصب مفعوله؛ أي: غلبت فارس الروم. {وَهُمْ} ؛ أي: فارس {مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ} للروم {سَيَغْلِبُونَ} بالبناء للمفعول؛ أي: يكونون مغلوبين في أيدي الروم، ويجوز أن يكون {الرُّومُ} فاعل {غُلِبَتِ} على البناء للفاعل؛ أي: غلبت الروم أهل فارس، وهم؛ أي: الروم بعد غلبهم لفارس {سَيَغْلِبُونَ} بالبناء للمجهول؛ أي: يكونون مغلوبين في أيدي المسلمين، فكان ذلك في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وقرأ الجمهور: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2)} مبنيًا للمفعول، {سَيَغْلِبُونَ} بالبناء للفاعل، وهي القراءة المشهورة التي جرينا عليها في تفسيرنا، وقرأ الجمهور:{غَلَبِهِمْ} بفتح الغين واللام، وقرأ علي، وابن عمر، ومعاوية بن قرة، وأبو حيوة الشامي، وابن السميفع: بإسكان اللام.

{لِلَّهِ} سبحانه وتعالى لا لغيره {الْأَمْرُ} والقضاء والتصرف {مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبل غلبة الروم على فارس، وهو وقت كونهم مغلوبين {وَمِنْ بَعْدُ}؛ أي: ومن بعد غلبة الروم على فارس، وهو وقت كونهم غالبين. والمعنى (3): أن كلا من كونهم مغلوبين أولًا، وغالبين آخرًا، ليس إلا بأمر الله وقضائه، كما قال:{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} فمن غلب .. فهو بأمر الله وقضائه

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

(3)

روح البيان.

ص: 82

وقدره، فهو يقضي في خلقه بما يشاء، ويحكم بما يريد، ويظهر من شاء منهم على من أحب إظهاره عليه.

وقرأ الجمهور {مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} بضمهما (1)؛ أي: من قبل غلبة الروم، ومن بعدها، ولما كانا مضافين إلى معرفة، وحذفت .. بنيا على الضم، والكلام على ذلك، مذكور في علم النحو، وقرأ أبو السماك، والجحدري، وعون العقيلي:{من قبلٍ ومن بعدٍ} بالكسر والتنوين فيهما، قال الزمخشري: على الجر من غير تقدير مضاف إليه واقتطاعه، كانه قيل: قبلًا وبعدًا، بمعنى أولًا وآخرًا. انتهى.

وقال ابن عطية: ومن العرب من يقول: من قبلٍ ومن بعدٍ، بالخفض والتنوين، وحكى الكسائي عن بعض بني أسد {لله الأمر من قبلٍ ومن بعدُ} الأول مخفوض منون، والثاني مضموم بلا تنوين.

{وَيَوْمَئِذٍ} أي: ويوم إذٍ يغلب الروم على فارس، ويحل ما وعده الله تعالى من غلبتهم في بضع سنين {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ} للروم، لكونهم أهل كتاب، كما أن المسلمين أهل كتاب، وفيه فأل حسن، لغلبة المؤمنين على الكافرين، بخلاف فارس فإنه لا كتاب لهم، ولهذا سر المشركون بنصرهم على الروم أولًا، وقد فرح المؤمنون بذلك، وعلموا به يوم وقوعه يوم بدر، بنزول جبريل بذلك فيه، مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه، قد اجتمعت لهم فرحتان: فرحة بنصر الروم على فارس، وفرحة بنصرهم على المشركين، وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين، من غلبة الروم على فارس، والأول أولى.

وقال بعضهم: يفرح المؤمنون بقتل الكفار بعضهم بعضًا، لما فيه من كسر شوكتهم، وتقليل عددهم، لا بظهور الكفار، كما يفرح بقتل الظالمين بعضهم بعضًا.

(1) البحر المحيط.

ص: 83