المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

جانب، حين يركبون السفن .. فزعوا بالدعاء إلى الله تعالى، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: جانب، حين يركبون السفن .. فزعوا بالدعاء إلى الله تعالى،

جانب، حين يركبون السفن .. فزعوا بالدعاء إلى الله تعالى، مخلصين له الطاعة، لا يشركون به شيئًا، ولا يدعون معه أحدًا سواه، ولا يستغيثون بغيره، فلما نجوا من الأهوال التي كانوا فيها، وخلصوا إلى البر .. فمنهم متوسط في أقواله وأفعاله بين الخوف والرجاء، موفٍ بما عاهد عليه الله في البحر، ومنهم من غدر ونقض عهد الفطرة، وكفر بأنعم الله عليه.

‌33

- ولما ذكر (1) الله تعالى الدلائل على الوحدانية والحشر من أول السورة إلى هنا .. أمر بالتقوى على سبيل الموعظة، والتذكير بهذا اليوم العظيم، فقال:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ} نداء (2) عام لكافة المكلفين، وأصله لكفار مكة {اتَّقُوا رَبَّكُمْ} الذي رباكم بنعمه في جميع أطواركم، بقبول التوحيد، وامتثال المأمورات، والتبري من الكفر، واجتناب المنهيات؛ أي: اجعلوا التقوى وقايةً وسترًا لكم من عذاب ربكم.

قال بعضهم: مرةً يخوفهم بأفعاله فيقول: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً} ومرةً بصفاته فيقول: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)} ومرةً بذاته فيقول: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ، {وَاخْشَوْا} الخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى به {يَوْمًا} ، قال في "التيسير": يجوز أن يكون على ظاهره؛ لأن يوم القيامة مخوف، وأن يكون على تقدير مضاف؛ أي: وخافوا عذاب يوم {لَا يَجْزِي} ؛ أي: لا يدفع فيه، {وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} شيئًا من العذاب، أو لا يقضي عنه شيئًا من الحقوق، أو لا يحمل والد عن ولده شيئًا من سيئاته، ولا يعطيه شيئًا من طاعته، يقال: جزاه دينه، إذا قضاه عنه.

والمعنى: أي لا يغني الوالد عن ولده شيئًا، ولا ينفعه بوجه من وجوه النفع لاشتغاله بنفسه.

وقرأ الجمهور (3): {لَا يَجْزِي} بفتح الياء مضارع جزي الثلاثي، وقرأ

(1) البحر المحيط.

(2)

روح البيان.

(3)

البحر المحيط.

ص: 300

عكرمة: بضم الياء وفتح الزاي مبنيًا للمفعول، وأبو السماك وعامر بن عبد الله وأبو السوار:{لا يجزىء} بضم الياء وكسر الزاي مهموزًا، ومعناه: لا يغني، يقال أجزأت عنه جزاء فلان؛ أي: أغنيت.

والولد (1) ولو كان يقع على القريب والبعيد؛ أي: ولد الولد، لكن الإضافة تشير إلى الصلبي القريب، فإذا لم يدفع عما هو ألصق به .. لم يقدر أن يدفع عن غيره بالطريق الأولى، ففيه قطع لأطماع أهل الغرور، والمفتخرين بالآباء والأجداد، المعتمدين على شفاعتهم من غير أن يكون بينهم جهة جامعة، من الإيمان والعمل الصالح.

{وَلَا مَوْلُودٌ} للشخص بلا واسطة، فلا يطلق إلا على ولد الصلب، بخلاف الولد فإنه يطلق على ولد الولد كما في "الكشاف"، {هُوَ جَازٍ}؛ أي: دافع أو قاض أو حامل {عَنْ وَالِدِهِ} بلا واسطة {شَيْئًا} من العذاب أو من الحقوق أو من الذنوب، وخص الولد والوالد بالذكر تنبيهًا على غيرهما، والمولود: خاص بالصلبي الأقرب كما مر، فإذا لم يقبل شفاعته للأب الأول الذي ولد منه .. لم يقبل لمن فوقه من الأجداد، وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، ولقطع طمع من توقع من المؤمنين: أيشفع أباه الكافر في الآخرة، ولذا قالوا: إن هذا الخبر خاص بالكفار، فإن أولاد المؤمنين وآباءهم ينفع بعضهم بعضًا، قال تعالى:{أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ؛ أي: بشرط الإيمان.

قيل معنى هذا الكلام (2): أن الله سبحانه ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة، وهما الوالد والولد، فنبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، فالوالد يجزي عن ولده لكمال شفقته عليه، والولد يجزي عن والده لما له من حق التربية وغيرها، فإذا كان يوم القيامة .. فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، ولا يهتم بقريب ولا بعيد، كما قال ابن عباس: كل امرىء تهمه نفسه.

(1) روح البيان.

(2)

الخازن.

ص: 301

ومعنى الآية: أي (1) يا أيها المشركون من قريش وغيرهم، اتقوا الله وخافوا أن يحل بكم سخطه، في يوم لا يغني والد عن ولده، ولا مولود هو مغن عن والده شيئًا؛ لأن الأمور كلها بيد من لا يغالب، ومن لا تنفع عنده الشفاعة، ولا الوسائل التي تنفع في الدنيا، بل لا تجدي عنده إلا وسيلة واحدة، هي العمل الصالح الذي قدمه المرء في حياته الأولى.

ثم أكد ما سلف بقوله: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ} سبحانه وتعالى بالحشر والجنة والنار والثواب والعقاب، والوعد: يكون في الخير والشر، بخلاف الوعيد، فإنه في الشر خاصة، كما سيأتي. {حَقٌّ}؛ أي: ثابت كائن لا محالة، ولا خلف فيه؛ أي: اعلموا أن مجيء هذا اليوم حق، لأن الله سبحانه قد وعد به، ولا خلف لوعده.

ثم حذرهم من شيئين فقال:

1 -

{فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} عن الآخرة، والمراد بالحياة الدنيا: زينتها وزخارفها وآمالها؛ أي: إذا عرفتم ما ذكروا وأردتم بيان ما هو النصيحة لكم .. فأقول لكم: لا تخدعنكم زينة هذه الحياة القريبة الزوال ولذاتها عن الحياة الأخروية الأبدية، فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عقاب الله في ذلك اليوم، وفي "التأويلات النجمية": فلا تغرنكم بسلامتكم في الحال، وعن قريبٍ ستندمون في المآل. انتهى.

2 -

{وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ} ؛ أي: لا يخدعنكم {بِاللَّهِ} بإطماعكم في سعة رحمة الله وعظيم حلمه وعفوه الشيطان {الْغَرُورُ} ؛ أي: المبالغ في الغرور والخداع، بأن يرجيكم التوبة والمغفرة، فيجسركم على ارتكاب المعاصي، وينسيكم الرجوع إلى القبور، ويحملكم على الغفلة عن أحوال القيامة وأهوالها، فلا تتخذوا لها زادًا.

قال في "كشف الأسرار"(2): الغرة بالله: حسن الظن به مع سوء العمل، وفي الخبر: "الكيس من وإن نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه

(1) المراغي.

(2)

روح البيان.

ص: 302

هواها وتمنى على الله المغفرة"، ونعم ما قيل:

إِنَّ السَّفِيْنَةَ لَا تَجْرِيْ عَلَى الْيَبَسِ

فلا بد من الأعمال الصالحة، فإن بها النجاة، وبها يلتحق الأواخر الأوائل.

ففي الآية حسم لمادة الطمع في الانتفاع بالغير من إهمال الإِسلام أو الطاعات، اعتمادًا على صلاح الغير، فإن يوم القيامة يوم عظيم، لا ينفع فيه من له اتصال الولادة، فما ظنك بما سواها، ويشتغل كل أحد بنفسه، إلا من رحمة الله تعالى، وعن كعب الأحبار: تقول امرأة من هذه الأمة لولدها يوم القيامة يا ولدي، أما كان لك بطني وعاءً، وحجري وطاءً، وثديي سقاءً، فاحمل عني واحدًا فقد أثقلتني ذنونبي، فيقول: هيهات يا أماه، كل نفس بما كسبت رهينة، فإذا حملت عنك فمن يحمل عني.

وقرأ ابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة ويعقوب: {فلا تغرنكم} بالنون الخفيفة وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة {الغرور} بالضم، وهو مصدر، والجمهور: بالفتح، صيغة مبالغة، ويمكن حمل قراءة الضم عليه مبالغة في جعل الشيطان نفس المصدر، على حد زيد عدل.

فائدة: قال بعضهم (1): لا ينبغي للمؤمن أن يتطير ويعد نفسه من الأشقياء، فيتكاسل في العمل، بل ينبغي له أن يحسن الظن بالله تعالى، ويجاهد في طريقه، فإن للاعتقاد تأثيرًا بليغًا، وقد وعد الله سبحانه، ووعد الشيطان، ووعد الله تعالى صدق محض؛ لأنه هو الولي، ووعد الشيطان كذب محض، لأنه هو العدو، فالإصغاء لكلام الولي خير من استماع كلام العدو، فلا تغتر بتغرير الشيطان والنفس، ولا بالحياة الدنيا، فإن دولتها ذاهبة، وزينتها زائلة، وليس لها لأحدٍ وفاء.

(1) روح البيان.

ص: 303