الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الأحزاب
صورة الأحزاب مدنية كلها بالاتفاق (1). وآياتها: ثلاث وسبعون آية. وكلماتها: ألف ومئتان وثمانون كلمة. وحروفها: خمسة آلاف وسبع مئة وتسعون حرفًا.
التسمية: سميت سورة الأحزاب، لأنه ذكر فيها قصة المشركين الذين تحزبوا على المسلمين، من كل جهة، فاجتمع كفار مكة مع غطفان وبنى قريظة وأوباش العرب على حرب المسلمين، ولكن الله ردهم مدحورين، وكفى المؤمنين القتال بتلك المعجزة الباهرة.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال ابن حزم (2): سورة الأحزاب فيها آيتان من المنسوخ:
أولاهما: قوله تعالى: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} الآية (48) نسخت بآية السيف.
والآية الثانية: قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ} الآية (52) نسخها الله تعالى بآية قبلها في النظم، وهي قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} الآية (50).
المناسبة: مناسبتها لما قبلها: تشابه (3) مطلع هذه السورة وخاتمة السالفة، فإن تلك ختمت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم، وهذه بدئت بأمره صلى الله عليه وسلم بالتقوى، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، واتباع ما أوحي إليه من ربه، ومع التوكل عليه.
(1) الخازن.
(2)
الناسخ والمنسوخ.
(3)
المراغي.
فضلها: ومن فضائلها (1): ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة الأحزاب، وعلّمها أهله، وما ملكت يمينه .. أعطي الأمان من عذاب القبر".
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: أيها الناس إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها:{الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة} ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله، وقد روي عنه نحو هذا من طرق.
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدون سورة الأحزاب، قلت: ثنتين أو ثلاثًا وسبعين، قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم.
وأخرج البخاري في "تاريخه" عن حذيفة قال: قرأت سورة الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنسيت منها سبعين آيةً ما وجدتها.
وأخرج أبو عبيد في "الفضائل" وابن الأنباري، وابن مردويه عن عائشة قالت: كانت سورة تقرأ في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مئتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف .. لم يقرر منها إلا على ما هو الآن.
وعن أبي بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب تقارب سورة البقرة، أو أطول منها، وكان فيها آية الرجم، وهي:{إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم} ثم رفع أكثرها فيما رفع، قال ابن كثير: إسناده حسن.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(1) الخازن.
المناسبة
قد تقدم لك بيان المناسبات بين بداية هذه السورة، ونهاية السورة السالفة، وأما قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
…
} الآيات، فمناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمر نبيه (1) بتقواه والخوف منه، وحذر من طاعة الكفار والمنافقين والخوف منهم .. ضرب لنا الأمثال، ليبين أنه لا يجتمع خوف من الله وخوف من سواه، فذكر أنه ليس للإنسان قلبان، حتى يطيع بأحدهما ويعصي بالآخر، وإذا لم يكن للمرء إلا قلب واحد، فمتى اتجه لأحد الشيئين صد عن الآخر، فطاعة الله تصد عن طاعة سواه، وأنه لا تجتمع الزوجية والأمومة في امرأة، والبنوة الحقيقية والتبني في إنسان.
قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما أبان (2) فيما سلف أن الدعي ليس ابنًا لمن تبناه، فمحمد صلى الله عليه وسلم ليس أبًا لزيد من حارثة، ثم أعقب ذلك بالإرشاد إلى أن المؤمن أخو المؤمن في الدين، فلا مانع أن يقول إنسان لآخر أنت أخي في الدين .. أردف ذلك ببيان أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس أبًا لواحدٍ من أمته، بل أبوته عامة، وأزواجه أمهاتهم، وأبوته أشرف من أبوة النسب؛ لأن بها الحياة الحقيقية. وهذه بها الحياة الفانية، بل هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا حضهم على الجهاد ونحوه .. فذلك لارتقائهم الروحي، فإذًا كيف يستأذن الناس آباءهم وأمهاتهم حين أمرهم صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك، وهو أشفق عليهم من الآباء، بل من أنفسهم.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية بما قبلها: أن الله سبحانه لما أبان فيما سلف أحكامًا شرعها لعباده، وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية، وأشياء مما كان في الإِسلام، ثم أبطلت ونسخت .. أتبع ذلك بذكر ما فيه حث على التبليغ، فذكر أخذ العهد على النبيين أن يبلغوا رسالات ربهم، ولا سيما أولو العزم منهم، وهم الخمسة
(1) المراغي.
(2)
المراغي.
المذكورون في الآية، ما ذكر في آية أخرى سؤال الله أنبياءه عن تصديق أقوامهم له، ليكون في ذلك تبكيت للمكذبين من الكفار فقال:{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} .
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
…
} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمر عباده بتقواه وعدم الخوف من سواه .. ذكر هنا تحقيق ما سلف، فأبان أنه أنعم على عباده المؤمنين، إذ صرف عنهم أعداءَهم، وهزمهم حين تألبوا عليهم عام الخندق.
أسباب النزول
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ
…
} سبب نزول هذه الآية: ما (1) روى الضحاك عن ابن عباس، قال: إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، دعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوف المنافقون واليهود بالمدينة؛ إن لم يرجع قتلوه، فأنزل الله سبحانه:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ....} .
قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
…
} الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الترمذي وحسنه عن ابن عباس، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فخطر خطرةً، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين، قلبًا معكم، وقلبًا معه، فأنزل الله عز وجل {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
…
}.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة قالوا: كان رجل يدعى ذا القلبين، فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن جرير من طريق قتادة عن الحسن مثله، وزاد: وكان يقول: لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني.
وأخرج من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت في رجل من بني
(1) لباب النقول.
فهم قال: إن في جوفي لقلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي: أنها نزلت في رجل من قريش من بني جمع، يقال له: جميل بن يعمر.
قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ
…
} الآية (1)، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، في جماعة آخرين عن ابن عمر: أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
…
} الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت زيد بن حارثة بن شراحيل.
وكان من خبره أنه سبي من قبيلته "كلب"، وهو صغير، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهبته له، ثم طلبه أبوه وعمه، فخير بين أن يبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يذهب مع أبيه، فاختار البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وتبناه، وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، وكانت زوجًا لزيد، وطلقها .. قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى عن ذلك، فنزلت الآية لنفي أن يكون للمتبنى حكم الابن حقيقةً في جميع الأحكام التي تعطى للابن.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
…
} الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه البيهقي في "الدلائل" عن حذيفة، قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودًا، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت قط علينا ليلة أشد ظلمةً، ولا أشد ريحًا منها، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون إذا استقبلنا النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا رجلًا، حتى علي فقال: ائتني بخبر القوم، فجئت فإذا الريح في عسكرهم، ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة
(1) لباب النقول.