الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الغذاء، والأغذية إما: حيوانية، وإما نباتية، والحيوانية ترجع إلى النباتية، والنبات وجوده بالماء والتراب، وهو الطين.
وقرأ الجمهور (1): {بدأ} بالهمز، والزهري: بالألف بدلًا من الهمزة، وليس بقياس أن تقول في هذا: هذا، بإبدال الهمزة ألفًا، بل قياس هذه الهمزة التسهيل بين بين، على أن الأخفش حكى في قرأت، قريت ونظائره، وقيل هي لغة الأنصار، تقول في بدأ: بدي، بكسر عين الكلمة وياء بعدها، وهي لغة لطي، فيحتمل أن تكون قراءة الزهري على هذه اللغة، أصله بدا ثم صار بدأ، أو على لغة الأنصار، وقال ابن رواحة:
بِاسْمِ الإِلهِ وَبِهِ بَدَيْنَا
…
وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِيْنَا
8
- {ثُمَّ جَعَلَ} وخلق {نَسْلَهُ} ؛ أي: نسل الإنسان الذي هو آدم وذريته، {مِنْ سُلَالَةٍ}؛ أي: من نطفة مسلولة؛ أي: منزوعة من صلب الإنسان، ثم أبدل منها قوله:{مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} ؛ أي: ثم خلق نسل آدم وذريته من ماء ضعيف حقير، أو من ماء ممتهن لا خطر له عند الناس، يخرج من بين الصلب والترائب، وهو المني؛ أي: ثم جعل ذريته يتناسلون كذلك، من نطفة تخرج من بين الصلب والترائب، في كل من الرجل والمرأة، كما دل على ذلك علم الأجنة، وسيأتي إيضاح هذا عند تفسير قوله تعالى:{يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)} .
9
- {ثُمَّ سَوَّاهُ} ؛ أي: سوى ذلك النسل وقومه وعدله، بتكميل أعضائه في الرحم، وتصويره على أحسن صورة، وقيل: المعنى: ثم سوى ذلك الإنسان الذي بدأ خلقه من طين، وهو آدم أبو البشر، وعدل خلقه وسوى شكله، وناسب بين أعضائه، {وَنَفَخَ فِيهِ}؛ أي: في النسل الذي سواه في الرحم، أو في الإنسان الذي بدأ خلقه من طين، وهو آدم، {مِنْ رُوحِهِ}؛ أي: من روح الله سبحانه وتعالى، والإضافة للتشريف والتكريم، وهذه (2) الإضافة تقوي: أن الكلام في آدم، لا في ذريته، وإن أمكن توجيهه بالنسبة إلى الجميع؛ أي: ونفخ فيه
(1) البحر المحيط.
(2)
الشوكاني.
روحه، وجعلها تتعلق ببدنه، فيبدأ يتحرك وتظهر فيه آثار الحياة، ثم ينطق ويتكلم، وأضاف الروح إلى نفسه تشريفًا وإظهارًا بأنه خلق عجيب، ومخلوق شريف، وأن له شأنًا له مناسبة إلى حضرة الربوبية، ولأجله قيل: من عرف نفسه فقد عرف ربه.
وفي "الكواشي" جعل فيه الشيء الذي اختص به تعالى، ولذلك أضاف إليه، فصار بذلك حيًا حساسًا، بعد أن ان جمادًا، لا أن ثمة حقيقة نفخٍ. اهـ.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام (1): الروح: ليس بجسم يحل في البدن حلول الماء في الإناء، ولا هو عرض يحل في القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود، والعلم في العالم، بل هو جوهر لا يتجزأ باتفاق أهل البصائر، فالتسوية عبارة عن فعل في المحل القابل، وهو الطين في حق آدم عليه السلام، والنطفة في حق أولاده، بالتصفية وتعديل المزاج، حتى ينتهي في الصفاء ومناسبة الأجزاء إلى الغاية، فيستعدّ لقبول الروح وإمساكها، والنفخ: عبارة عما اشتعل به نور الروح في المحلل القابل، فالنفخ سبب الاشتعال، وصورة النفخ في حق الله تعالى والمسبب غير محال، فعبر عن نتيجة النفخ وهو الاشتعال بالنفخ .. إلى آخر ما ذكره الشيخ.
فإن قلت (2): قال هنا بلفظ: {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} وفي المؤمنين بلفظ {مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} فلم غاير بين الأسلوبين؟
قلت: لأن المذكور هنا صفة ذرية آدم، والمذكور هناك صفة آدم عليه السلام.
ثم خاطب جميع النوع فقال: {وَجَعَلَ} ؛ أي: خلق {لَكُمُ} ؛ أي: لمنافعكم يا بني آدم {السَّمْعَ} لتسمعوا الآيات التنزيلية الناطقة بالبعث وبالتوحيد، وإفراد {السَّمْعَ} لكونه مصدرًا يشمل القليل والكثير. {وَالْأَبْصَارَ} لتبصروا الآيات التكوينية المشاهدة فيهما {وَالْأَفْئِدَةَ} لتعقلوا وتستدلوا بها على حقيقة
(1) روح البيان.
(2)
فتح الرحمن.
الآيتين، جمع فؤاد بمعنى القلب، لكن إنما يقال: فؤاد: إذا اعتبر في القلب معنى التفؤد؛ أي: التوقد.
{قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} ؛ أي: تشكرون رب هذه النعم شكرًا قليلًا، على أن القلة بمعنى النفي والعدم، فهو بيان لكفرهم بتلك النعم وربها، وفي قوله:{وَجَعَلَ لَكُمُ} التفات من الغيبة في قوله: {وَنَفَخَ فِيهِ} إلى الخطاب، والنكتة: أن الخطاب إنما يكون مع الحي، فلما نفخ فيه الروح .. حسن خطابه. اهـ. "صاوي".
وخص (1){السَّمْعَ} بذكر المصدر دون البصر والفؤاد فذكرهما بالاسم، ولهذا جمعا، لأن السمع قوة واحدة، ولها محل واحد، وهو الأذن، ولا اختيار لها فيه، فإن الصوت يصل إليها ولا تقدر على رده، ولا على تخصيص السمع ببعض المسموعات دون بعض، بخلاف الأبصار، فمحلها العين، وله فيه اختيار، فإنها تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره، وتطبق أجفانها إذا لم ترد الرؤية لشيء، وكذلك الفؤاد، له نوع اختيار في إدراكه، فيتعقل هذا دون هذا، ويفهم هذا دون هذا.
والمعنى: أي وأنعم عليكم فأعطاكم السمع تسمعون به الأصوات، والأبصار تبصرون بها المرئيات، والأفئدة تميزون بها بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وجاء الترتيب (2) هكذا بتقديم السمع ثم البصر ثم الفؤاد، لما ثبت من أن الطفل بعد الولادة يسمع ولا يبصر مدى ثلاثة أيام، ثم يبتدىء يبصر، ثم يبتدىء يدرك ويميز، كما هو مشاهد، ثم إن الإنسان قابل هذه النعم بالكفران، إلا من رحم الله تعالى، فقال:{قَلِيلًا} ؛ أي: شكرًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا تشكرون ربكم على هذه النعم، التي أنعم بها عليكم باستعمالها في طاعته، وعمل ما يرضيه، وفي هذا بيان لكفرهم لنعم الله، وتركهم لشكرها، إلا فيما ندر من الأحوال.
(1) الشوكاني.
(2)
المراغي.