المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قصة لقمان الحكيم   ‌ ‌12 - {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} كلام مستأنف - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: قصة لقمان الحكيم   ‌ ‌12 - {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} كلام مستأنف

قصة لقمان الحكيم

‌12

- {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان الشك. اهـ. "أبو السعود". واختلف في لقمان هل هو عجمي أم عربي، مشتق من اللقم، مرتجلًا إذ لا يعلم له وضع في النكرات، فمن قال: إنه عجمي .. منعه للتعريف والعجمة، ومن قال: إنه عربي .. منعة للتعريف وزيادة الألف والنون، واختلفوا أيضًا هل هو نبي أم رجل صالح، فذهب أكثر أهل العلم أنه ليس بنبي، وحكى الواحدي عن عكرمة والسدي والشعبي: أنه كان نبيًا، والأول أرجح، وقيل: لم يقل بنبوته إلا عكرمة فقط، مع أن الراوي لذلك عنه جابر الجعفي، وهو ضعيف جدًا، وهو لقمان بن باعورا بن ناحور بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم، فعلى هذا هو ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وقيل: هو لقمان بن عنقا بن سرون، كان عبدًا نوبيًا من أهل أيلة، ذكره السهيلي، أسود اللون ولا ضير، فإن الله تعالى لا يصطفي عباده اصطفاء نبوة أو ولاية وحكمة على الحسن والجمال، وإنما يصطفيهم على ما يعلم من غائب أمرهم، وقيل: كان ابن أخت أيوب، وقيل: كان ابن خالته، وقيل: إنه عاش ألف سنة حتى أدرك داود وأخذ عنه العلم، كان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث داود قطع الفتوى، فقيل له: فقال: ألا أكتفي إذ كفيت.

وفي بعض الكتب: قال لقمان: خدمت أربعة آلاف نبي، واخترت من كلامهم ثماني كلمات: إن كنت في الصلاة .. فاحفظ قلبك، وإن كنت في الطعام .. فاحفظ حلقك، وإن كنت في بيت الغير .. فاحفظ عينيك، وإن كنت بين الناس .. فاحفظ لسانك، واذكر اثنين، وأنس اثنين، أما اللذان تذكرهما: فالله والموت، وأما اللذان تنساهما: إحسانك في حق الغير، وإساءة الغير في حقك.

وقيل: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا، وقيل: كان خياطًا، وقيل: كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة، فقال: ألست فلانًا الراعي؟ قال: بلى، قال: فبم بلغت ما بلغت، قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك مالا

ص: 237

يعنيني. وقيل: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين، وقيل: خير السودان بلال بن رباح، ومهجع مولى عمر، ولقمان، والنجاشي رابعهم، وأوتي الحكمة والعقل والفهم.

واتفق العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يقل نبيًا إلا عكرمة والشعبي، فقالا بنبوته، وعلى هذا تكون الحكمة هي النبوة، ويؤيد كونه حكيمًا لا نبيًا كونه أسود اللون؛ لأنه تعالى لم يبعث نبيًا إلا حسن الشكل حسن الصوت، وما روي أنه قيل له: ما أقبح وجهك يا لقمان، فقال: أتعيب بهذا على النقش أم على النقاش، وما قال عليه السلام:"حقًا أقول لم يكن لقمان نبيًا، ولكن كان عبدًا كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة" وهي إصابة الحق باللسان، وإصابة الفكر بالجنان، واصابة الحركة بالأركان، إن تكلم .. تكلم بحكمة، وإن تفكر .. تفكر بحكمة، وإن تحرك .. تحرك بحكمة.

أي: وعزتي وجلالي لقد أعطينا لقمان الحكمة؛ أي: العقل والفطنة والإصابة في القول، وقيل: الحكمة: توفيق العمل بالعلم، فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة، وقد نسب إليه من المقالات الحكيمة شيء كثير، كقوله لابنه: أي بني إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها ناس كثيرون، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكل على الله، لعلك تنجو ولا أراك ناجيًا وقوله: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ، ومن أنصف الناس من نفسه .. زاده الله بذلك عزًا، والذلّ في طاعة الله، أقرب من التعزز بالمعصية وقوله: يا بني، لا تكن حلوًا فتبتلع، ولا مرًا فتلفظ. وقوله: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلًا .. فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه .. فآخه، وإلا فاحذره.

ولما كانت الحكمة من إنعام الله تعالى على لقمان، ونعمة من نعمه .. طالبه بشكره فقال: وقلنا له: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} سبحانه وتعالى على ما أعطاك من الحكمة، إذ آتاك الله إياها وأنت نائم غافل عنها جاهل بها، والشكر لله: هو الثناء عليه في مقابلة النعمة، وطاعته فيما أمر به.

ص: 238

والظاهر: أن {أَنِ} : زائدة على هذا التفسير؛ أي: قلنا له: اشكر لله على ما أعطاك، وقيل: هي مفسرة؛ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول؛ لأنه تعليم أو وحي.

والمعنى عليه: ولقد أعطينا لقمان الحكمة ووفقناه إياها، وهي شكره وحمده على ما آتاه من فضله، بالثناء عليه بما هو أهل له، وحب الخير للناس، وتوجيه الأعضاء إلى ما خلقت له.

ثم بين سبحانه أن الشكر لا ينتفع به إلا الشاكر، فقال:{وَمَنْ يَشْكُرْ} له تعالى على نعمه {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأن منفعة شكره التي هي دوام النعمة واستحقاق مزيدها، عائدة إليها مقصورة عليها، ولأن الكفران من الوصف اللازم للإنسان، فإنه ظلوم كفار، والشكر من صفة الحق تعالى، فإن الله شاكر عليم، فمن شكر .. فإنما يشكر لنفسه بإزالة صفة الكفران عنها، واتصافها بصفة شاكرية الحق تعالى، فيفوز بالثواب الجزيل على شكره، وينجو من العذاب الأليم، كما قال:{وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} .

{وَمَنْ كَفَرَ} نعمة ربه فعليه وبال كفره {فَإِنَّ اللَّهَ} سبحانه {غَنِيٌّ} عنه وعن شكره {حَمِيدٌ} ؛ أي: محمود في ذاته وصفاته وأفعاله، سواء حمده العباد وشكروه، أم كفروه، ولا يحيى عليه أحد ثناء كما يثني هو على نفسه، وعدم التعرض لكونه تعالى شكورًا، لما أن الحمد متضمن للشكر، وهو رأسه، كما قال عليه السلام:"الحمد رأس الشكر، لم يشكر الله عبد لم يحمده" فإثبات الحمد له تعالى إثبات للشكر، قال في "كشف الأسرار": رأس الحكمة: الشكر لله ثم المخافة منه، ثم القيام بطاعته. ولا شك أن لقمان امتثل أمر الله في الشكر وقام بعبوديته.

والمعنى: أي ومن كفر نعم الله عليه .. فإلى نفسه أساء؛ لأن الله معاقبه على كفرانه إياها، والله غني عن شكره؛ لأن شكره لا يزيد في سلطانه، وكفرانه لا ينقص من ملكه، وهو محمود على كل حال كفر العبد أو شكر. وقال يحيى بن سلام: غني عن خلقه، حميد في فعله.

ص: 239