المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة لقمان سورة لقمان مكية، إلا ثلاث (1) آيات: أولاهن قوله: - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: ‌ ‌سورة لقمان سورة لقمان مكية، إلا ثلاث (1) آيات: أولاهن قوله:

‌سورة لقمان

سورة لقمان مكية، إلا ثلاث (1) آيات: أولاهن قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} إلى تمام الآيات الثلاث .. قاله ابن عباس فيما أخرجه النحاس عنه، وحكى القرطبي عن قتادة: أنها مكية إلا آيتين: أولاهما: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ} إلى آخر الآيتين. وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه أنها مكية ولم يستثن، وأخرج النسائي وابن ماجه عن البراء قال: كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الظهر نسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات.

آياتها: أربع وثلاثون آية، وقيل (2): ثلاث وثلاثون آية. وكلماتها: خمس مئة وثمان وأربعون كلمة. وحروفها: ألفان ومئة وعشرة أحرف.

التسمية: سميت سورة لقمان، لاشتمالها على قصة لقمان الحكيم، التي تضمنت فضيلة الحكمة، وسر معرفة الله تعالى وصفاته، وذم الشرك، والأمر بمكارم الأخلاق، والنهي عن القبائح والمنكرات، وما تضمنته كذلك من الوصايا الثمينة، التي أنطقه الله بها، وكانت من الحكمة والرشاد بمكان.

فضلها: ومن فضائلها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (3): "من قرأ سورة لقمان .. كان لقمان رفيقًا له يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشرًا، بعدد من عمل بالمعروف، ونهى عن المنكر، ولكن فيه مقال.

وعن الزهري (4) رحمه الله: أكثروا قراءة سورة لقمان، فإن فيها أعاجيب، والله أعلم.

(1) الشوكاني.

(2)

البيضاوي.

(3)

البيضاوي.

(4)

النسفي.

ص: 219

المناسبة: مناسبتها لما قبلها من وجوه (1):

1 -

أنه تعالى قال في السورة السالفة: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} وأشار إلى ذلك في مُفْتَحِ هذه السورة بقوله: {الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2)} .

2 -

أنه قال في آخر ما قبلها: {وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ} وقال في هذه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا} .

3 -

أنه قال في السورة السالفة: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وقال في هذه: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} ففي كلتيهما إفادة سهولة البعث.

4 -

أنه ذكر في السابقة قوله: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33)} . وقال في هذه: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} ، فذكر في كل من الآيتين قسمًا لم يذكره في الآخر.

5 -

أنه ذكر في السورة التي قبلها محاربة ملكين عظيمين لأجل الدنيا، وذكر في هذه السورة قصة عبد مملوك زهد في الدنيا، وأوصى ابنه بالصبر والمسالمة، وذلك يقتضي ترك المحاربة، وبين الأمرين التقابل، وشاسع البون، كما لا يخفى.

الناسخ والمنسوخ منها: وجميع (2) هذه السورة محكم، إلا آيةً واحدة وهي قوله تعالى:{وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} الآية (23).

سبب نزولها: سبب نزول هذه السورة إلا ما استثني منها (3): أن قريشًا سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة لقمان مع ابنه، وعن بره والديه، فنزلت: وأما

(1) المراغي.

(2)

ابن حزم.

(3)

المراغي.

ص: 220

الآيات المدنية منها: (28 و 29 و30) فسبب نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة .. قال له أحبار اليهود: بلغنا أنك تقول: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} اعنيتنا أم قومك؟ قال: "كلا عنيت". فقالوا: إنك تعلم أنا أوتينا التوراة، وفيها بيان كل شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ذلك في علم الله قليل"، فأنزل الله سبحانه هؤلاء الآيات {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ

} الآيات الثلاث.

والله أعلم

* * *

ص: 221

بسم الله الرحمن الرحيم

{الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11) وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21)} .

ص: 222

المناسبة

قد تقدم لك ذكر مناسبة السورة للسورة، هنا نذكر مناسبة الآيات بعضها لبعض، قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (1): أن الله سبحانه لما بين حال السعداء الذين يهتدون بكتاب الله تعالى، وينتفعون بسماعه، وهم الذين قال الله فيهم:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .. أردف ذلك بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله تعالى، وأقبلوا على استماع كلام المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب.

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حال من أعرض عن الآيات، وبين مآله .. عطف على ذلك ذكر مآل من قبل تلك الآيات، وأقبل على تلاوتها والانتفاع بها.

قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين فيما سلف كمال قدرته وعلمه، وإتقان عمله .. أردف ذلك بالاستشهاد لما سلف بخلق السماوات والأرض، وما بعده، مع تقرير وحدانيته، وإبطال أمر الشرك، وتبكيت أهله.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين (2) فساد اعتقاد المشركين، بإشراك من لا يخلق شيئًا بمن خلق كل شيء، ثم بين أن المشرك ظالم ضال .. أعقب ذلك ببيان أن نعمه الظاهرة في السماوات والأرض، والباطنة من العلم والحكمة، ترشد إلى وحدانيته، وقد آتاها لبعض عباده، كلقمان الذي فطر عليها دون نبي أرشده، ولا رسول بعث إليه.

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما

(1) المراغي.

(2)

المراغي.

ص: 223

قبلها: أن الله سبحانه لما بين أن لقمان أوتي الحكمة، فشكر ربه على نعمه الظاهرة عليه، وهو يرى آثارها في الآفاق والأنفس آناء الليل وأطراف النهار .. أردف ذلك ببيان: أنه وعظ ابنه بذلك أيضًا، ثم استطرد في أثناء هذه المواعظ إلى ذكر وصايا عامةً، وصى بها سبحانه الأولاد في معاملة الوالدين رعايةً لحقوقهم، وردًا لما أسدوه من جميل النعم إليهم، وهم لا يستطيعون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، على أن لا يتعدى ذلك إلى حقوقه تعالى، ثم رجع إلى ذكر بقية المواعظ التي يتعلق بعضها بحقوقه، وبعضها يرجع إلى معاملة الناس بعضهم مع بعض.

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (1) أقام الأدلة على التوحيد، وذكر أن لقمان فهمه بالحكمة دون أن يرسل إليه نبي .. عاد إلى خطاب المشركين، وتوبيخهم على إصرارهم على ما هم عليه من الشرك، مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد لائحةً للعيان، يشاهدونها في كل آن في السماوات والأرض، وتسخيرهم لما فيها مما فيه مصالحهم في المعاش والمعاد، وإنعامه عليهم بالنعم المحسوسة والمعقولة، المعروفة لهم وغير المعروفة، ثم أبان أن كثيرًا من الناس يجادلون في توحيد الله وصفاته بدون دليل عقلي على ما يدعون، ولا رسول أرسل إليهم بما عنه يناضلون، ولا كتاب أنزل إليهم يؤيد ما يعتقدون، وإذا هم أفحموا بالحجة والسلطان المبين .. لم يجدوا جوابًا إلا تقليد الآباء والأجداد، بنحو قولهم:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} وما ذاك إلا من نزغات الشيطان، والشيطان لا يدعو إلا إلى الضلال الموصل إلى النار وبئس القرار.

أسباب النزول

قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ

} الآيتين، سبب نزولهما: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: نزلتا في النضر بن الحارث، اشترى قينة - مغنية - وكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق بها

(1) المراغي.

ص: 224