الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في ذكر نزول الأوس والخزرج يثرب
اعلم أن مواطن العرب في الدهر الأول، والزمن الغابر، كانت باليمن، ومدينة ملكهم مأرب، فلما قام في الملك بمأرب عمر بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، سمى مزيقياء، لأنه كان له حلة يمانية من ذهب، منظومة بالجوهر، تعمل في حول كامل، فإذا خرج وقد لبسها يوم عيده وعاد إلى قصره وقف لرجاله ومزقها قطعا، كي لا يلبسها أحد بعده [ (1) ] .
وأخذ هذه السنة عن ذي القرنين، الصعب بن ذي مراثد، وفي أيامه خرب سد مأرب، ومزّق اللَّه العرب كل ممزق، كما قال اللَّه تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي [مَسْكَنِهِمْ] آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ* وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ* فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ (2) ] .
وكان عمرو بن عامر عنده أثارة من علم بخراب سد مأرب [ (3) ] ، [وتمزقهم] في البلاد، فعمل حيلة حتى باع عقاره بمأر، وخرج بأهله وولده
[ (1) ] كذا في (الأصل) وفي (الاشتقاق) : 435: كان يمزق عنه كل يوم حلة لئلا يلبسها أحد بعده، وفي (جمهرة أنساب العرب) : 616: كانت تمزق عليه في كل يوم حلتان، ويقال:
سمى بذلك لتمزق ملكهم.
[ (2) ] سبأ: 15- 19.
[ (3) ] وأما خبر خراب سد مأرب، وقصة سيل العرم، فإنه في ملك حبشان فأخرب الأمكنة المعمورة في أرض اليمن، وكان أكثر ما أخرب بلاد كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب، وعامة بلاد حمير بن سبإ، وكان ولد حمير وولد كهلان هم سادة اليمن في ذلك الزمان، وكان عمرو بن
فتبعه الأزد كلها، فساروا حتى نزلوا على عك [ (1) ] ، وأقاموا بأرضهم مدة، فمات عمرو بن عامر، وقام من بعده ابنه [ثعلبة العنقاء] بن عمرو بن عامر بعهده إليه، فكانت بين قومه وبين عك [ (1) ] حروب، آلت إلى مسير ثعلبة [بمن] معه، ونزولهم في أرض همدان، وإخراجهم [منها] بعد حروب [كبيرة] ، ثم رحل عنها، وعادت همدان إليها.
فمضى ثعلبة بقومه إلى نجران، وبها مدحج، فنزلوا معهم ثم احتربوا شهرا كاملا، حتى فرق بينهم سيل العرم، [وقد] خرب سد مأرب، فأتى السيل أرض مدحج، وهم في محاربة ثعلبة وقومه، فولوا هاربين، ونزل ثعلبة بقومه في أرض السراة، بعد ما تخلت عنه طوائف، وأقاموا بعدة مواضع.
[ () ] عامر كبيرهم وسيدهم، وهو جد الأنصار، فمات عمرو ابن عامر قبل سيل العرم، وصارت الرئاسة إلى أخيه عمران بن عامر الكاهن وكان عاقرا لا يولد له ولد، كان جوادا عاقلا، كان له ولد ولولد أخيه من الحدائق والجنان ما لم يكن لأحد من ولد قحطان، وكان فيهم امرأة كاهنة تسمى طريفة، فأقبلت يوما حتى وقفت على عمران بن عامر، وهو في نادى قومه [فقالت له كلاما ينبئ بخراب سد مأرب] .
[ (1) ] عك: بطن اختلف في نسبه، فقال بعضهم: بنو عك بن عدثان بن عبد اللَّه بن الأزد، من كهلان، من القحطانية، وذهب آخرون إلى أنهم من العدنانية، وعك أصغر من معد بن عدنان أبو العدنانية. وقال آخرون: إنه عك بن الدّيث بن عدنان بن أدد، أخو معد بن عدنان كانت مواطنهم في نواحي زبيد، وقطنوا مدينة الكدراء وغيرها من مدن اليمن النتهامية، ومن أراضيهم: الأعلاب، تقع بين كة، والساحل، وينسب إلى هذا البطن مخلاف عك، ومن بلادهم: رمع باليمن.
وكان من تاريخهم: أن أغارت خثعم ومسلية على بنى عك في راكة، فهزمتهم عك، وقد ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأعلاب، فخرج إليهم بأمر أبى بكر الصديق، الطاهر بن أبى هالة، فواقعهم بالأعلاب، فقتلهم شر قتلة، وحاربوا سنة 37 هـ، مع معاوية بن أبى سفيان. (
معجم قبائل العرب) : 2/ 802.
وسار حارثة بن ثعلبة بابني الأوس والخزرج إلى يثرب، فأدركه أبوه ثعلبة قريب مكة، فلما مروا بمكة وبها جرهم، قاتلهم جرهم، فمضوا إلى الجحفة، وسار ثعلبة إلى الشام فمات، وقام من بعده ابنه حارثة بن ثعلبة، فنزل الشام وبها سليخ من قبل الروم، فنزلوا معهم حتى أتاهم جابى قيصر ملك الروم لأخذ الإتاوة، فأنف حارثة وقومه من ذلك، وجرت لهم [مع الروم] خطوب، آخرها أن سار حارثة وولده الأوس والخزرج و [بنو] أبيه إلى يثرب، وأقام بنو ضعيف بن عمرو بن عامر وأخوهم بالشام مع سليخ.
وكان بيثرب يومئذ اليهود، وملكهم شريف بن كعب، فكتب بينه وبين حارثة بن ثعلبة كتاب عهد، أقاموا زمانا في هدوء، ثم وقع الشر بينهم واقتتلوا فقتل من اليهود عددا كبير، وملكت العرب المدينة بما فيها، فاجتمع يهود تيماء، وخبير، وفدك، والعوالي على حربهم، فآل أمرهم إلى الصلح.
ونزل الأوس والخزرج بيثرب، وعمروها بجموعهم، فمات الملك حارثة ثم ثعلبة العنقاء، وقام من بعده ابنه العجلاء بن حارثة، وثارت يهود والأوس والخزرج، فقتلوا، وسلبوا، ونهبوا، فبعثوا إلى جبلة بن عمرو بن جبلة، ملك غسان يستصرخه، فأقبل من الشام لنصرتهم على اليهود، وحاربهم فقتل ملكهم شريف بن كعب في جمع كبير منهم، حتى ذلوا له، ثم عاد إلى الشام، فمات في طريقه.
وقام من بعده ابنه الحارث بن الجبلة، فسار إليه مالك بن العجلان ليهنئه بالملك، ففقد ليلا في بنى قريظة، وقد عرش بمنازلهم، فأوقع بهم العجلان، وقتل منهم بضعا وثمانون رجلا بحيل دبرها، وكان قد قام بأمر اليهود بعد ملكهم شريف بن كعب، ابنه القيطون بن شريف- واسمه جونى، والقيطون لقب- فجمع يهود الحجاز، وتيماء، وفدك، والعوالي، وزحف إلى يثرب، فكان بينه وبين الأوس والخزرج قتال شديد، قتل فيه كثير من الفريقين فبعث العجلان يستنصر بطيئ وهم بأطراف نجد، فأتوه، وهزموا اليهود، وقتل القيطون في عدد كبير من قومه.
وأقامت الأوس والخزرج بعد ذلك دهرا طويلا من الزمن بغير منازع حتى كثروا، وضاقت وبمن معهم من قبائل غسان أرض يثرب، فسارت قبائل غسان إلى الشام حتى لم يبق [بيثرب] إلا الأوس والخزرج، وبنو الحشحاش ابن جدع بن سنان.
فلما رأت ذلك اليهود، جمعهم ملكهم لحرب العرب، واستصرخ بعملوق الطسمى، من أرض اليمامة، وبدليل بن شريك الجديسى، وبكامل بن علقمة الراسبي، فأتوه في جيوش عظيمة، وحصروا يثرب وقتلوا عدة من رجال الأوس والخزج، وسبوا النساء والذرية، فنزل بهم بلاء كبير من اليهود، وانقطع منهم الملك والتيجان من حينئذ، حتى جاء اللَّه بالإسلام.