الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في ذكر ما أقطعه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الأرضين ونحوه
خرج أبو داود [ (1) ] والترمذي [ (2) ] من حديث شعبة، عن سماك، عن علقمة بن وائل بن حجر. عن أبيه رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا بحضرموت.
زاد الترمذي: وبعث معه معاوية ليقطعها إياه، وقال: هذا حديث حسن [صحيح][ (3) ] .
ولأبى داود [ (4) ] من حديث فطر، قال: حدثني أبى، عن عمرو بن حريث، قال: خط لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دارا بالمدينة بقوس، وقال:«أزبدك، أزبدك» [ (5) ] .
وله من حديث مالك، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، عن غير واحد، قال: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني، معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم [ (6) ] .
[ (1) ](سنن أبى داود) : 3/ 443، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب (36) في إقطاع الأرضين، حديث رقم (3058) .
[ (2) ](سنن الترمذي) : 3/ 665، كتاب الأحكام، باب (39) ما جاء في القطائع، حديث رقم (1381) .
[ (3) ] زيادة من (الأصل) .
[ (4) ](سنن أبى داود) : 3/ 443، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب (36) في إقطاع الأرضين، حديث رقم (3060) .
[ (5) ] أزبدك: أعطيك وأمنحك، وبابه: ضرب.
[ (6) ](المرجع السابق) : حديث رقم (3061) ، وهو حديث مرسل، وهكذا رواه مالك في (الموطأ) مرسلا، ولفظه: عن غير واحد من علمائهم.
ومن حديث أبى أويس، قال: حدثني كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث معادن القبلية، جلسيها [ (1) ] وغوريها [ (2) ]، وقال غيره: جلسها وغورها، حيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم، وكتب له النبي صلى الله عليه وسلم: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول اللَّه بلال بن الحارث المزني، أعطاه معادن القبلية، جلسيها وغوريها، حيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم [ (3) ] .
قال: أبو أويس: وحدثني ثور بن زيد، مولى بنى الديل بن بكر بن كنانة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما مثله [ (4) ]، [زاد ابن النضر: وكتب أبى بن كعب [ (5) ]] .
[ (1) ] جلسيها: يريد نجديها، ويقال لنجد: جلس، وقال الأصمعي: وكل مرتفع جلس.
[ (2) ] غوريها: الغور ما انخفض من الأرض، يريد أنه صلى الله عليه وسلم أقطعها وهادها ورباها.
[ (3) ](المرجع السابق) : حديث رقم (3062) ، (3063) .
[ (4) ](المرجع السابق)، قال الخطابي في (معالم السنن) : إنما يقطع الناس من بلاد العنوة ما لم يحزه ملك مسلم، فإذا أقطع الإمام رجلا بياض أرض فإنه يملكها بالعمارة والإحياء ويثبت ملكه عليها فلا تنتزع من يده أبدا. فإذا أقطعه معدنا نظر فإن كان المعدن شيئا ظاهرا كالنفط والقار ونحوهما، فإنه مردود لأن هذه منافع حاصلة، وللناس فيها مرفق وهي لمن سبق إليها ليس لأحد أن يتملكها فيستاثر بها على الناس، وإن كان المعدن من معادن الذهب والفضة أو النحاس وسائر الجواهر المستكنة في الأرض المختلطة بالتربة والحجارة التي لا تستخرج إلا بمعاناة ومؤنة فإن العطية ماضية إلا أنه لا يملك رقبتها حتى يحظرها على غيره إذا عطلها وترك العمل فيها، إنما له أن يعمل فيها ما بدا له أن يعمل، فإذا ترك العمل خلى بينه وبين الناس، وهذا كله على معاني الشافعيّ.
وفي
قوله «ولم يعطه حق مسلم»
دليل على أنه من ملك أرضا مرة ثم عطلها أو غاب عنها فإنّها لا تملك عليه بإقطاع أو إحياء وهي باقية على ملكه الأول.
[ (5) ] زيادة للسياق من (سنن أبى داود) .
قال: أبو عمر بن عبد البر، وقد ذكر حديث مالك الّذي بعده: هكذا هو [في](الموطأ) عند جميع الرواة مرسلا، ولم يختلف فيه عن مالك، وهذا الحديث رواه عبد العزيز بن محمد الدراوَرْديّ، عن ربيعة، عن الحارث بن بلال المزني عن أبيه.
ورواه كثير بن عبد اللَّه، عن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، فذكره [ (1) ] .
ورواه أبو أويس عن كثير، عن أبيه عن جده، وعن الثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، وهو غريب من حديث ابن عباس، ليس برواية غير أبى أويس عن ثور
…
[ (2) ] .
وانفرد أبو سبرة المزني، عن مطرف، عن مالك، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن بلال بن الحارث مثله سواء، ولم يتابع أبو سبرة على هذا الإسناد، وإسناد ربيعة فيه صالح حسن [ (3) ] .
وخرج أبو داود من حديث ثمامة بن شراحيل، عن سمى بن قيس، عن شمير، قال ابن المتوكل: ابن عبد المدان، عن أبيض بن حمال، أنه وفد إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاستقطعه الملح، قال ابن المتوكل: الّذي بمأرب، فقطعه له، فلما أن ولى، قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العد [ (4) ] . قال: فانتزع منه، قال: وسأله عن ما يحمى من الأراك، قال: ما لم تنله خفاف الإبل [ (5) ]، وقال ابن المتوكل: أخفاف الإبل فأقر به عليه
[ (1) ] وهو الحديث رقم (3062) من (سنن أبى داود) .
[ (2) ] وهو الحديث رقم (3063) من (سنن أبى داود) .
[ (3) ](مجموعة الوثائق السياسية) : 160- 161، وثيقة رقم (163) وفي آخرها:«وكتب أبى ابن كعب» ، وثيقة رقم (164) وفي آخرها:«وكتب معاوية» .
[ (4) ] الماء العد: هو الماء الدائم الّذي لا ينقطع.
[ (5) ](سنن أبى داود) : 3/ 446- 447، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب (36) في إقطاع الأرضين، حديث رقم (3064) . -
قال: أبو عيسى [ (1) ] : حديث أبيض غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهم في القطائع يرون جائزا أن يقطع الإمام، لمن رأى ذلك.
وخرج البخاري من حديث هشام قال: أخبرنى أبى عن أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه تعالى عنهما. قالت: كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهي منى على ثلثي فرسخ.
وقال أبو ضمرة: عن هشام عن أبيه، إن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه أرضا من أموال بنى النضير. ذكره في كتاب فرض الخمس [ (2) ]، وذكره في كتاب النكاح في باب: الغيرة، أتم من هذا [ (3) ] .
وخرجه مسلم أيضا مطولا في كتاب الأدب، وخرجه النسائي كذلك.
ولأبى داود من حديث أبى بكر بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أقطع الزبير نخلا [ (4) ] .
[ () ] قال الخطابي في (معالم السنن) . وفيه من الفقه: أن الحاكم إذا تبين الخطأ في حكمه نقضه وصار إلى ما استبان من الصواب في الحكم الثاني.
وقوله: «ما لم تنله أخفاف الإبل» ذكر أبو داود عن محمد بن الحسن المخزومي أنه قال:
معناه أن الإبل تأكل منتهى رءوسها ويحمى ما فوقه [حديث رقم 30/ 65] .
وفيه وجه آخر: وهو أنه إنما يحمى من الأراك ما بعد عن حضرة العمارة فلا تبلغه الإبل الرائحة إذا أرسلت في الرعي.
وفي هذا: دليل على أن الكلأ والرعي لا يمنع من السارحة وليس لأحد أن يستأثر به دون سائر الناس.
[ (1) ](سنن الترمذي) : 3/ 664- 665، كتاب الأحكام، باب (39) ما جاء في القطائع، حديث رقم (1380) .
[ (2) ](فتح الباري) : 6/ 309، كتاب فرض الخمس، باب (19) ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، حديث رقم (3151) .
[ (3) ](فتح الباري) : 9/ 399، كتاب النكاح، باب (108) الغيرة، حديث رقم (5224) . -
[ (4) ](سنن أبى داود) : 3/ 451، كتاب الخراج والفيء والإمارة، حديث رقم (3069)، قال الخطابي:
النخل مال ظاهر العين، حاضر النفع كالمعادن الظاهرة، فيشبه أن يكون إنما أعطاه ذلك من الخمس الّذي هو سهمه، وكان أبو إسحاق المروزي يتأول إقطاع النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين الدور على معنى العارية.
ومن حديث عبد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير حضر فرسه [ (1) ] ، فأجرى فرسه حتى قام [ (2) ] ، ثم رمى بسوطه، فقال: أعطوه من حيث بلغ السوط [ (3) ] .
وعبد اللَّه بن عمر [ (4) ] هذا ضعفه يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، ووثقه ابن معين، وقال على بن المديني: عبد اللَّه بن عمر من الطبقة الثامنة فيتابع، وضعفه. وأخوه عبيد اللَّه من الطبقة الأولى في نافع، ولم يخرج لعبد اللَّه بن عمر هذا في الصحيحين شيء.
وذكر عمر بن شبة من حديث مجزر بن جعفر، عن صالح بن كيسان قال: ضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في موضع [النبيط][ (5) ] فقال: هذا سوقكم، فأقبل كعب بن الأشرف، فدخلها، وقطع أطنابها، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا جرم، لأنقلنها إلى موضع هو أغيظ له من هذا، فنقلها إلى موضع سوق المدينة. ثم
[ (1) ] حضر فرسه- بضم الحاء وسكون الضاد- أراد قدر ما تعدو عدوة واحدة.
[ (2) ] حتى قام: أي وقف.
[ (3) ](سنن أبى داود) : 3/ 453، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب (36) في إقطاع الأرضين، حديث رقم (3072) .
[ (4) ] هو عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وفيه مقال.
[ (5) ] تكملة للسياق من (سنن ابن ماجة)، والنبيط: اسم موضع مكانها مطموس في (الأصل) ، ولعل ما أثبتناه يوافق السياق.
قال: هذا سوقكم، لا يحجر، ولا يضرب عليه الخراج،
فلما قتل كعب بن الأشرف استقطع الزبير النبي صلى الله عليه وسلم البقيع فقطعه، فهو يتبع الزبير [ (1) ] .
وذكر من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى ابن معدة، قال: لما قدم المدينة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أقطع الناس الدور، فجاءه حي من بنى زهرة يقال لهم: بنو عبد زهرة، فقالوا: يكتب عنا ابن أم عبد، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فلم ابتعثنى اللَّه إذا؟ إن اللَّه لا يقدس أمة لا يؤخذ لضعيف فيهم حقه [ (2) ] .
ذكر ابن عبد البر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق، وكتب له فيه كتابا نسخته: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى، محمد رسول اللَّه بلال بن الحارث المزني، أعطاه من العقيق ما صلح فيه معتملا،
وكتب معاوية [ (3) ] .
قال: فلم يعتمل بلال من العقيق [ (4) ] شيئا، فقال له عمر بن الخاطب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه في ولايته: إن قريت على ما أعطاك رسول اللَّه
[ (1) ]
وأخرج ابن ماجة في (السنن) : 2/ 751، كتاب التجارات، باب (40) الأسواق ودخولها، حديث رقم (2233) عن أبى أسيد الساعدي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى سوق النبيط فنظر إليه فقال: ليس هذا لكم بسوق، ثم ذهب إلى سوق فنظر إليه فقال: ليس هذا بسوق، ثم رجع إلى هذا السوق فطاف فيه ثم قال: هذا سوقكم، فلا ينتقص ولا يضربن عليه خراج.
قوله: «فلا ينتقص» أي لا يبطلن هذا السوق، بل يدوم لكم.
قوله: «ولا يضربن عليه خراج» بأن يقال: كل من يبيع ويشترى فيه فعليه كذا.
قال في (الزوائد) : رواة إسناده ضعاف.
[ (2) ](السنن الكبرى) : 6/ 145 كتاب إحياء الموات، باب سواء كل موات لا مالك له أين كان.
[ (3) ] سبق تخريجه من (الوثائق السياسية) : 161، وثيقة رقم (164) .
[ (4) ] العقيق: بفتح أوله وكسر ثانيه، وقافين بينهما ياء مثناة من تحت، والعرب تقول لكل مسيل ماء شقه السيل في الأرض فأنهره، ووسعه: عقيق، وفي بلاد العرب أربعة أعقة، والعقيق المقصود في هذا الأثر هو من بلاد مزينة، وهو الّذي أقطعه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث
صلّى اللَّه عليه وسلّم من معتمل العقيق فاعتمله، فما اعتملت فهو لك، كما أعطاكه، وإن لم تعتمله له قطعته بين الناس، ولم تحجزه عليهم، فقال بلال: تأخذ منى ما أعطانى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقال له: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد اشترط عليك فيه شرطا فقطعه عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه بين الناس، ولم يعمل فيه بلال شيئا، فلذلك أخذه منه عمر.
وذكر من حديث حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة. عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف قال: أقطعنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه أرضا كذا وكذا.
وذكر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قطع لأبى سفيان بن حرب. داره التي يقال لها: دار معاوية رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه.
[ () ] المزني. ثم أقطعه عمر الناس. (معجم البلدان) : 4/ 156- 157، موضع رقم (8496) مختصرا.