المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في ذكر حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة - إمتاع الأسماع - جـ ٩

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد التاسع]

- ‌فصل في ذكر عمرات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم التي اعتمرها بعد هجرته

- ‌وأما عمرة القضاء

- ‌وأما عمرة الجعرانة [ (1) ]

- ‌فصل في ذكر حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة

- ‌فصل في ذكر من حدّث عنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فأما ما أخبر به صلى الله عليه وسلم عن رب العزة جلت قدرته

- ‌وأما الأحاديث [الإلهية] [ (1) ]

- ‌وأما الحكمة، وهي سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما مجيء الجبال إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما إنزال الملك يبشره بالفاتحة وبالآيتين من سورة البقرة

- ‌وأما الملك الّذي نزل بتصويب الحباب

- ‌وأما اجتماعه صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ورؤيتهم في ليلة الإسراء

- ‌وأما حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن إبراهيم عليه السلام

- ‌وأما حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن تميم الداريّ [ (1) ]

- ‌وأما حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن قسّ بن ساعدة

- ‌وأما حديثه صلى الله عليه وسلم عن أبى كبشة

- ‌ فصل في ذكر من حدث وروى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أصحابه رضى اللَّه تعالى عنهم بمكة والمدينة وغيرهما من البلدان التي غزا إليها وحلها بعرفة ومنى غير ذلك

- ‌إسلام الجن، وإنذارهم قومهم

- ‌وأما الصحابة رضوان اللَّه عليهم

- ‌أما المهاجرون

- ‌ذكر هجرة الذين هاجروا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

- ‌وأما السابقون الأولون

- ‌وأما الذين أسلموا إلى أن خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من دار الأرقم بن أبى الأرقم بن عبد مناف بن أسد بن عبد اللَّه ابن عمر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ [ (1) ]

- ‌وأما المستضعفون الذين عذبوا في اللَّه

- ‌وأما المهاجرون إلى الحبشة

- ‌وأما من أسلم قبل الفتح

- ‌وأما الذين شهدوا بدرا وبيعة الرضوان [ (1) ] تحت الشجرة بالحديبية

- ‌وأما رفقاؤه النجباء

- ‌وأما أهل الفتيا من أصحابه رضي اللَّه تبارك وتعالى عنهم

- ‌فصل في ذكر أنصار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر نزول الأوس والخزرج يثرب

- ‌فصل في ذكر بطون الأوس والخزرج

- ‌فصل في ذكر ما أكرم اللَّه تعالى به الأوس والخزرج من لقاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومبادرتهم إلى إجابته ودخولهم في طاعته، وتصديقهم برسالته ومسارعتهم إلى مبايعته [وحرصهم] على إيوائه ونصرته، بعد ما عرض نفسه على قبائل العرب فردوه ولم يقبلوه

- ‌أول من لقيه من الأوس سويد بن الصامت

- ‌ثم لقي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد لقاء سويد بن الصامت فتية من بنى عبد الأشهل

- ‌وكان من خبر يوم بعاث [ (1) ]

- ‌فصل في ذكر خروج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مكة إذ مكر به المشركون، وهجرته إلى المدينة دار هجرته ونزوله على الأنصار رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهم وتلاحق المهاجرين به [صلى الله عليه وسلم]

- ‌فصل في ذكر مواساة الأنصار المهاجرين بأموالهم لما قدموا عليهم المدينة

- ‌فصل في ذكر من بعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعلم الأنصار وغيرهم القرآن ويفقههم في الدين

- ‌عقوبة من سب أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في التنبيه على شرف مقام أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما وصاياه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر [أمراء] سرايا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فأما اعتذاره صلى الله عليه وسلم عن التخلف

- ‌فصل في ذكر من استخلفه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على المدينة في غيبته عنها في غزو، أو حج، أو عمرة

- ‌فصل في ذكر من استعمله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في جيوشه عند عودته صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في نصرة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالرعب

- ‌فصل في ذكر مشورة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الحرب وذكر من رجع إلى رأيه

- ‌فصل في ذكر ما كان يقوله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا غزا

- ‌فصل في ذكر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورّى بغيرها

- ‌فصل في وقت إغارة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر الوقت الّذي كان يقاتل فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين في محاربتهم

- ‌فصل في ذكر شعار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حروبه

- ‌فصل في ذكر المغازي التي قاتل فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر ما كان للنّبيّ عليه السلام من الغنيمة

- ‌فصل في ذكر من جعله النبي عليه السلام على مغانم حروبه

- ‌فصل في ذكر من كان على ثقل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر من حدا [ (1) ] برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أسفاره

- ‌فصل في ذكر وزير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر صاحب سر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر من كان يكتب الوحي لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر خاتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الّذي كان يختم به

- ‌فصل في ذكر ما كان يختم به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كتبه

- ‌فصل في ذكر صاحب خاتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكتابة الجيش وقسمه العطاء فيهم وعرضهم وعرفائهم

- ‌فصل في ذكر ما أقطعه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الأرضين ونحوه

- ‌فصل في ذكر أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الجزية والخراج

- ‌فصل في ذكر عمال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الجزية

- ‌فصل في ذكر عمال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الزكاة

- ‌فصل في ذكر الصدقة على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر الخارص على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر من ولى السوق في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتعرف هذه الولاية اليوم بالحسبة ومتوليها يقال له المحتسب [ (1) ]

الفصل: ‌فصل في ذكر حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة

‌فصل في ذكر حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة

قال سفيان: حج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر حججا، وحج بعد ما هاجر الوداع. ذكره الحاكم [ (1) ]، [وقيل: حج ثلاث حجج، حجتين قبل الهجرة، وحجة بعد ما هاجر، معها عمرة] .

وخرج مسلم [ (2) ] من حديث أبى بكر بن أبى شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل المزني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، فسأل عن القوم حتى انتهى إلى فقلت: أنا محمد بن على بن حسين، فأهوى بيده الى رأسي، فنزع زرى الأعلى، ثم نزع زرى الأسفل، ثم وضع كفه على ثديي، وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك يا ابن أخى، سل عما شئت، فسألته- وهو أعمى وحضر وقت الصلاة- فقام في [شملة ملتحفا بها] ، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرنى عن حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال بيده: فعقد تسعا، فقال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، أن

[ (1) ](المستدرك) : 3/ 56- 57، كتاب المغازي والسرايا حديث رقم (4382) ، وقد سكت عنه الذهبي في (التلخيص)، ولفظه: حج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر حجة الوداع، وكان جميع ما جاء به مائة بدنة، فيه جمل كان في أنفه برة من فضة، نحر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ثلاثا وستين ونحر على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه غير، فقيل للثوري من ذكره؟ فقال: جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وابن أبى ليلى عن مقسم، عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما.

قال الحاكم: وأما الأحاديث المأثورة المفسرة في حجة الوداع قد اتفق الشيخان على إخراجها بأسانيد صحيحة على شرطهما وأتمها وأصحها حديث جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جابر الّذي انفرد بإخراجه مسلم بن الحجاج، وقد انتهيا بمشيئة اللَّه وعونه إلى ابتداء مرض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

[ (2) ](مسلم بشرح النووي) : 8/ 420- 439، باب (19) حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (1218) ، وهو حديث طويل ذكر المقريزي طرفا منه.

ص: 25

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ فقال:

اغتسلي واستشفرى بثوب، وأحرمى.

فصلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت بها ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصرى، بين يديه من راكب، وماش ويمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به، وأهل بالتوحيد: لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الّذي يهلون به، فلم يرد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه، ولزم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تلبيته.

قال جابر: لسنا ننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ [مُصَلًّى] ، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبى يقول- ولا أعلمه ذكرها إلا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قرأ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فبدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا، فرقى عليها حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد اللَّه عز وجل، وكبره، وقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدنا، مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال: لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت، لم أسق الهدى، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة، فقام

ص: 26

سراقة بن مالك بن جشعم [فقال: يا رسول اللَّه][ (1) ] ! ألعامنا هذا أم لأبد؟

فشبك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصابعه، واحدة في الأخرى، وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل أبدا أبدا.

وقدم على بن أبى طالب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه [ (2) ] من اليمن ببدن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة [ (3) ] رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها ممن حل ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبى أمرنى بهذا، قال: وكان علي يقول بالعراق فذهبت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم محرشا على فاطمة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها للذي صنعت، مستفتيا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم [فيما][ (4) ] ذكرت عنه، فأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت، صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللَّهمّ إني أهل بما أهل به رسول اللَّه [ (5) ] صلى الله عليه وسلم، قال: فإن معى [الهدى فلا تحل] .

قال: فكان جماعة الهدى الّذي قدم به عليّ من اليمن، والّذي أتى به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مائه، قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر، فضربت [ (6) ] له بنمرة، فسار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش، إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر صلى الله عليه وسلم بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: ان دماءكم

[ (1) ] زيادة للسياق من (صحيح مسلم) .

[ (2) ] زيادة للسياق.

[ (3) ] كذا في (الأصلين)، وفي (صحيح مسلم) :«رضى اللَّه عنها» .

[ (4) ] زيادة للسياق.

[ (5) ] في (صحيح مسلم) : «رسولك» .

[ (6) ] في (صحيح مسلم) : «تضرب له» .

ص: 27

وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بنى سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا عباس ابن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلام اللَّه، ولكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب اللَّه.

وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس، اللَّهمّ اشهد، اللَّهمّ اشهد، [اللَّهمّ اشهد][ (1) ] ، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل [ (2) ] المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس! السكينة، السكينة.

كلما [ (3) ] أتى جبلا من الجبال، أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء، بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل

[ (1) ] في (صحيح مسلم)«اللَّهمّ أشهد» .

[ (2) ] في الأصلين:. «خيل» .

[ (3) ] في الأصلين:. «فلما» .

ص: 28

القبلة، فدعاه وكبره، وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس.

وأردف الفضل بن عباس- وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما- فلما دفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، مرت ظعن يجزين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يديه على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى، التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي.

ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنه، ثم أعطى عليا فنحر ما غير، وأشركه في هديه، ثم أمر من بين بدنه ببضعه، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه [ (1) ] .

وكرره مسلم من طرق [ (2) ] ، وأخرجه أبو داود من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه بنحو حديث مسلم [ (3) ] ، وقد روى هذا الحديث عن جعفر بن محمد، وعبد الملك بن جريج، وعبيد اللَّه وعبد اللَّه العرنيين وسفيان الثوري، وعلى بن صالح، ومالك بن أنس، ومحمد بن

[ (1) ](مسلم بشرح النووي) : 8/ 420- 439، باب (19) حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (1218)

[ (2) ](المرجع السابق) : حديث رقم (148) ، من حديث جابر.

[ (3) ](سنن أبى داود) : 2/ 455، 456، كتاب المناسك، باب (57) صفة حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حديث رقم (1905) ، أخرجه النسائي في الحج، باب الكراهية في الثياب المصبغة للمحرم مختصرا رقم (46) ، حديث رقم (2713) ، وفي مواضع أخر، وفي مواقيت الصلاة، باب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وأخرجه ابن ماجة في المناسك، باب حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (3074) .

ص: 29

إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن عمرو بن علقمة المكيّ، وحاتم بن إسماعيل، وسلام القاري، وجماعة يطول ذكرهم.

وقال الواقدي: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، سار من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، ودخل مكة يوم الثلاثاء، الرابع من ذي الحجة، وكان يوم التروية يوم الجمعة، فركب حين زاغت الشمس إلى [منى]، ويقال: بل ركب يوم الخميس، فبات بمنى ليلة الجمعة، التاسع من ذي الحجة، ثم أصبح فركب إلى عرفة. [ (1) ]

وقد اختلف العلماء فيما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حجته به محرما، فقال قوم: كان مفردا.

روى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها، وعن محمد بن عبد الرحمن بن عروة، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج.

وروى ابن عيينة وغيره، عن الزهري عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: من أراد أن يهل بحج فليهل، من أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل.

قالت عائشة: وأهل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالحج، وأهل به الناس معه. وذكر الحديث.

وكذلك رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها سواء وقالوا فيه: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأما أنا فإنّي أهل بالحج.

وروى الدراوَرْديّ، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه قال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج.

[ (1) ](مغازي الواقدي) : 3/ 1101.

ص: 30

وروى الدراوَرْديّ، عن علقمة بن أبى علقمة، عن أمه، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها قالت: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج [ (1) ] .

وروى أبو مصعب عن مالك، عن علقمة بإسناد مثله، ورواه عباد بن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما قال: أهللنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا، وروى بكر المزني عن ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما مثله. وهذا حجة من قال بإفراد الحج وفضله، وهو قول مالك، وأشهر قول الشافعيّ، واستحسنه أبو ثور، وفضله على التمتع والقران، وهو قول عبد العزيز بن أبى مسلمة، والأوزاعي وغيره، وروى ذلك عن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعن عائشة وجابر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهم.

وقال قوم: بل كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متمتعا، فروى معمر عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتق اللَّه ترخص لي المتعة، فقال ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما: سل أمك يا عروة، فقال عروة: أما أبو بكر وعمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما فلم [يفعلاه]، فقال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: واللَّه ما أراكم منتهين حتى يعذبكم اللَّه! أحدثكم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وتحدثونا عن أبى بكر وعمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما.

وروى عن الليث عن عقيل، عن ابن شهاب عن سالم، عن ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما قال: تمتع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، وساق الهدى معه من ذي الحليفة، وبدأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالعمرة

[ (1) ] أخرج ابن سعد من حديث عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أنواع: منا من قرن بين عمرة وحج، ومنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بعمرة، فأما من قرن بين عمرة وحج، فإنه لا يحل حتى يقضى المناسك، ومن أهل بعمرة فإنه إذا طاف وسعى حل من كل شيء حتى يستقبل الحج.

ثم قال: أخبرنا سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة عن أنس: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صرح بهما جميعا. (طبقات ابن سعد) : 2/ 74- 175.

ص: 31

إلى الحج، قال عقيل: قال ابن شهاب: وأخبرنى عروة، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها بمثل خبر سالم عن أبيه، في تمتع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج.

وعن سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه في المتعة:

صنعها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وصنعناها معه، وعن عمران بن حصين رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه قال: تمتعنا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متعة الحج،

وروى شعبة عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، عن على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تمتع، ورواه حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد،

وروى مالك وعبيد اللَّه بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها أنها قالت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ما بال الناس حلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر [ (1) ] .

روى ابن إسحاق عن الزهري، عن سالم قال: إني [لجالس] مع ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما في المسجد، [إذ] جاءه رجل من أهل الشام، فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما: حسن جميل، قال: فإن أباك كان ينهى عنها، فقال: ويلك! فإن كان أبى نهى عن ذلك، وقد فعله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأمر به، أفبقول أبى آخذ، أم بأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قم عنى.

وقال عبد الملك بن شريك: تمتعت، فسألت ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، رضى اللَّه تعالى تبارك وتعالى عنهم فقالوا: هديت لسنة نبيك.

وقال شعبة عن أبى حمزة: تمتعت، فنهاني عنها أناس، فسألت ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما فقال: سنة أبى القاسم صلى الله عليه وسلم هي التمتع. وروى الثوري عن ليث بن أبى سليم، عن [طاووس] ، عن ابن عباس رضى اللَّه

[ (1) ](سيرة ابن هشام) : 6/ 7، لبد رأسه: جعل في رأسه صلى الله عليه وسلم صمغا حتى لا يتشعث، (مغازي الواقدي) : 3/ 1092.

ص: 32

تبارك وتعالى عنهما قال: تمتع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه حتى مات، وأول من نهى عنها معاوية.

قال ابن عبد البر: ليث هذا منكر ضعيف، والمشهور عن عمر وعثمان رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما أنهما كانا ينهيان عن التمتع.

وذكر معمر عن الزهري، عن سالم قال: سئل ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل له: إنك لتخالف أباك، فقال ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: لم يقل الّذي تقولون، إنما قال عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: أفردوا الحج من العمرة، فإنه أتم للعمرة، إن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدى، وأراد أن يزار البيت في غير شهر الحج، فجعلتموها أنتم حراما، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها اللَّه تعالى، وعمل بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإذا أكثروا عليه قال: كتاب اللَّه بيني وبينكم، كتاب اللَّه أحق أن يتبع، أم عمر؟.

وهذا نحو حجة من قال: التمتع أفضل، وهو مذهب عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن الزبير، وعائشة أيضا رضى اللَّه تعالى تبارك وتعالى عنهم، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو أحد قولي الشافعيّ، كان رحمه الله يقول: الإفراد أحب إلى من التمتع، ثم القران، وقال في (البويطي) : التمتع أحب إليّ من القران.

[وقال] قوم: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قارنا، وجعل القران الأصل، وهم:

أبو حنيفة، والثوري، والمزني، وإسحاق بن راهويه، وروى عن على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، وحجتهم

حديث عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول وهو بوادي العقيق: أتانى الليلة آت من ربى، فقال: صلى في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة. رواه الأوزاعي، وعلى بن المبارك، عن يحيى بن أبى كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، [أنه] سمع عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه يقول:[إنه] سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول بذلك.

ص: 33

وحديث الصبى بن معبد، عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، قال الصبى: أهللت بالحج والعمرة، فلما قدمت على عمر، رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، ذكرت ذلك له فقال، هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عبد البر: وهو حديث كوفى جيد الإسناد ورواه الثقات عن أبى وائل عن الصبى [ (1) ] بن معبد، عن عمر، ومنهم من يجعله عن أبى وائل، عن عمر، فيمن رواه هكذا عن أبى وائل، عن عمر: الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وعاصم بن أبى النجود، وسيار [والحكم، ورواه الأعمش، منصور، وعبدة بن أبى لبابة عن أبى وائل، عن الصبى بن معبد، عن عمر، وهو الأجود، وهم أحفظ] .

وقد روى عن الصبى بن معبد، وأبو وائل، حديث أنس [بن مالك] رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك بحج وعمرة معا، رواه حميد الطويل، وحبيب بن الشهيد، وعن بكر المزني قال:

سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يلبى بالحج والعمرة جميعا.

قال بكر: فحدثت بذلك عن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه فقال لي:

بالحج وحده،

فلقيت أنسا رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه فحدثته فقال: ما تعدونا إلا صبيانا، سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك بحج وعمرة معا [ (2) ] .

قال ابن عبد البر: وهذا الحديث يعارض ما روى عن ابن عمر، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تمتع، وفيهما نظر، ويخرج على مذهب ابن عمر في التمتع، أنه لبى بالحج وحده، وقد روى معمر وغيره، عن أيوب عن أبى قلابة، عن أنس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أهل بحجة وعمرة، وروى عن أنس من وجوه، وروى قتادة عن مطرف، عن عمران بن حصين

[ (1) ] هو الصبى بن معبد التغلبي الكوفي، روى عن عمر في الجمع بين الحج والعمرة، وفيه قصة زيد ابن صوحان، وسلمان بن ربيعة، وحكى عن هريم بن عبد اللَّه التغلبي، وذكره ابن حبان في (الثقات) ، وهو تابعي ثقة، رأى عمر ابن الخطاب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، وعامة أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (تهذيب التهذيب) : 4/ 359 360 مختصرا.

[ (2) ](طبقات ابن سعد) : 2/ 174.

ص: 34

أنه قال له: إني أحدثك حديثا، لعل اللَّه أن ينفعك به: اعلم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حج وعمرة، ولم ينزل فيها كتاب، ولم ينه عنها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال فيها برأيه.

قال ابن عبد البر: وهذا قد تأوله جماعة على التمتع وقالوا: إنما الّذي أراد ابن عمر أن يقوله: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حج وعمرة، أي أنه جمع بينهما في سفرة واحدة، وحجة واحدة، وقد روى عن عمر ما يعضد هذا التأويل.

روى أبو الحسن، وأبو رجاء، عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه تعالى، وفعلناها مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنه حتى مات، قال رجل بعد برأيه ما شاء.

وروى شعبة عن الحكم، عن على بن حسين، عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان، وعلى بن أبى طالب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، ما بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى أن يجمع بين الحج والعمرة، فلما رأى ذلك على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه أتى بهما جميعا، فقال: لبيك بحجة وعمرة معا، فقال له عثمان رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: تراني أنهى عنهما وأفعله؟ فقال على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: لم أكن [أخالف] سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عبد البر: وهذا يحتمل أن يكون، لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أباح ذلك فصار سنة. فقال: والإفراد أفضل، لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان مفردا، فلذلك قلنا: أنه أفضل، لأن آثاره أصح في إفراده صلى الله عليه وسلم.

وقد اختلف أيضا في وقت خروج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المدينة، فقيل:

كان خروجه [صلى الله عليه وسلم لخمس] بقين من ذي القعدة، [و] قال بعضهم: كان يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة بالمدينة، وصلّى العصر بذي الحليفة.

وذكر الواقدي أنه كان يوم السبت لخمس ليال [ (1) ] بقين من ذي القعدة، ولا يصح على ما جاء في الصحيح، أن الوقفة كانت بالجمعة، فيكون هلال

[ (1) ](مغازي الواقدي) : 3/ 1089.

ص: 35

ذي الحجة بالخميس، فلا يكون المتبقى خمسا، ولا يصح حمله على الأيام، ويحسب يوم الخروج منها لقوله لخمس، ولو أراد الأيام لقال: لخمسة.

وذكر الواقدي أيضا: أن يوم التروية وافق يوم الجمعة [ (1) ] ، فعلى هذا تكون الوقفة يوم السبت، ويكون قوله: لخمس بقين، مستقيما، إلا أنه خلاف ما جاء في الصحيح.

وقال أبو محمد على بن حزم: أنه خرج يوم الخميس لستة بقين، وهو أيضا [خلاف ما] جاء في الصحيح، أنه لخمس بقين.

وخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن أبى زيادة عن زيد بن حباب، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، ومعها عمرة، وساق ثلاثة وثلاثين بدنة، وجاء على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، من اليمن ببقيتها، فيها جمل لأبى جهل في أنفه برة من فضة فنحرها، وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من كل بدنة ببضعة، فطبخت، وشرب من مرقها، وقال:[قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب] .

ورأيت عبد اللَّه بن عبد الرحمن يروى هذا الحديث، عن عبد اللَّه بن أبى زياد، وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري، عن جعفر، عن أبيه عن جابر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ورأيته لا يعده محفوظا. قال: وإنما روى عن الثوري، عن أبى إسحاق، عن مجاهد مرسلا [ (2) ] ، حدثنا عبد اللَّه بن أبى زياد، حدثنا زيد بن حباب، فذكره سواء.

وخرجه ابن ماجة عن أبى محمد القاسم بن محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبى صفرة، حدثنا عبد اللَّه بن داود، حدثنا سفيان الثوري قال:

[ (1) ] زيادة للسياق من (سنن الترمذي) .

[ (2) ](سنن الترمذي) : 3/ 178- 179، كتاب الحج، باب (6) ما جاءكم حج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (815) .

ص: 36

حج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج: حج حجتين قبل أن يهاجر، وحج حجة بعد ما هاجر إلى المدينة، وقرن في حجته عمرة، واجتمع ما جاء به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما جاء به على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، مائة بدنة، فيها جمل لأبى جهل، على أنفه برة من فضة، فنحر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثلاثة وستين، ونحر على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه ما غير. قيل له: من ذكره؟ قال:

جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، وابن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. [ (1) ]

[ (1) ](سنن ابن ماجة) : 2/ 1027، كتاب المناسك، باب (84) باب حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (3076) .

ص: 37