الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(201) مسند سَلَمة بن عمرو بن سنِان أبي مسلم
ويقال: أبي إياس، الأسلمي. وهو سلمة بن الأكوع. والأكوع هو سِنان، فهو يُنْسَب إلى جدّه (1).
(2253)
الحديث الأوّل: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدّثنا يعلى بن الحارث قال: سمعت إياس بن سلَمة بن الأكوع يحدِّث عن أبيه قال:
كنا نُصَلّي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومَ الجمعة، ثم نَرْجعُ فلا نَجِدُ للحيطان فَيئًا نستظِلُّ به.
أخرجاه (2).
(2254)
الحديث الثاني: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا حمّاد بن مَسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلَمة بن الأكوع:
أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ رجلًا من أَسْلَمَ أن يُؤَذِّنَ في النّاس يوم عاشوراء: "من كان صائمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَه، ومن كان أكلَ فلا يأكلْ شيئًا ولْيُتِمَّ صومَه".
أخرجاه (3).
(1) الطبقات 4/ 228، والآحاد 4/ 336، ومعرفة الصحابة 3/ 1339، والاستيعاب 2/ 85، والتهذيب 3/ 251، والسير 3/ 326، والإصابة 2/ 65.
ومسنده في الجمع (74) في المقدّمين بعد العشرة. وأحاديثه فيه ثلاثون: ستة عشر للشيخين، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة. وذكر ابن الجوزي في التلقيح 365 أن له سبعة وسبعين حديثًا، وقيل: له تسعون.
(2)
المسند 4/ 46. وهو في البخاري 7/ 449 (4168)، ومسلم 2/ 589 (860) من طريق يعلى. وابن مهدي من رجال الشيخين.
(3)
المسند 4/ 47. ومن طريق يزيد في البخاري 4/ 40 (1924)، ومسلم 2/ 798 (1135). وحماد من رجال الشيخين.
(2255)
الحديث الثالث: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا مكّي بن إبراهيم قال: حدّثنا يزيد بن أبي عبيد قال:
كنتُ آتي مع سلمة المسجدّ فيُصلّي عند الأُسطوانة التي عند المُصحف، فقلتُ: يا أبا مَسلم، أراك تتحرّى الصلاةَ عند هذه الأسطوانة. قال: فإنّي رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يتحرّى الصلاةَ عندها.
أخرجاه (1).
(2256)
الحديث الرابع: وبه: قال سلمة:
كنّا نصلّي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا توارتْ بالحِجاب.
أخرجاه (2).
(2257)
الحديث الخامس: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يونس بن محمد قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدّثنا أبو عُمَيس عن إياس بن سلّمة بن الأكوع عن أبيه قال:
رَخَّصَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم في مُتعة النساء عامَ أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها.
هذا لفظ مسلم (3).
وأخرجه البخاري تعليقًا فقال: قال ابن أبي ذئب: حدّثني إياس بن سلَمة عن أبيه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أيُّما رجلٍ وامرأةٍ توافَقا فعِشْرةُ ما بينَهما ثلاثة أيام، فإن أحبّا أن يتَزايدا أو يتَتاركا" فما أدري: أشيءٌ كان لنا خاصّة أم للناس عامّة (4).
(2258)
الحديث السادس: حدّثنا البخاري قال: حدّثنا عبد اللَّه بن مَسلمة قال: حدّثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال:
(1) المسند 4/ 48، والبخاري 1/ 577 (502)، ومسلم 1/ 364 (509).
والأُسطوانة: السارية. وينظر الفتح 1/ 577.
(2)
المسند 4/ 54، والبخاري 2/ 41 (561). وفي مسلم 1/ 441 (636) من طريق يزيد.
وتوارت بالحجاب: غاب حاجب الشمس وغربت.
(3)
المسند 4/ 55، ومسلم 2/ 1023 (1405).
(4)
البخاري 9/ 167 (5119). وفيه "ثلاث ليال". وزاد البخاري: وقد بيّنه عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه منسوخ. وينظر تفصيل المسألة في الفتح 9/ 168 وما بعدها. وذكر ابن حجر 9/ 173 أن الطبرانيّ والإسماعيلي وأبا نعيم وصلوا الحديث من طريق ابن أبي ذئب.
خرَجْنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى خيبرَ، فسِرْنا ليلًا، فقال رجلٌ من القوم لعامر (1): يا عامرُ، ألا تُسْمعُنا من هَناتك (2)، وكان عامرٌ شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم، يقول:
اللهمّ لولا أنتَ ما اهْتَدَينا
ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا
فاغفِرْ فداءً لك ما اقتفَينا (3)
وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا
وأَلْقِيَنْ سَكِينةً علينا
إنّا إذا صِيحَ بنا أتَينا
وبالصِّياح عوَّلُوا علينا
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من هذا السائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع. قال: "يرحمُه اللَّه" قال رجل من القوم: وَجَبَتْ يا نبيَّ اللَّه، لولا أَمْتَعْتَنا به! (4).
فأتَينا خيبرَ فحاصرْناهم حتى أصابَتْنا مَخْمَصةٌ (5) شديدة. ثم إنّ اللَّهَ تعالى فتحَها عليهم فلما أمسى الناسُ مساءَ اليوم الذي فُتِحت عليهم أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ما هذه النيران؟ على أيِّ شيء تُوقدون؟ " قالوا: على لحم. قال: "على أيّ لحم؟ " قالوا: على لحم الحُمُر الإنسية. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَهريقوها واكْسِروها" فقال رجل من القوم: أو نُهريقها ونَغْسِلَها؟ قال: "أو ذلك".
فلما تصافَّ القومُ كان سيفُ عامر قصيرًا، فتناولَ ساقَ يهوديٍّ ليضرِبَه، فرجع ذُباب سيفه (6) عينَ رُكبة عامر، فمات منه، فلما قَفَلُوا رآني رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم شاحِبًا ساكتًا وهو
(1) وهو عمّ سلمة.
(2)
ويروى في البخاري "هنيهاتك" وهما بمعنى. والمقصود شعره ورجزه.
(3)
هذه رواية مسلم، وفي البخاري "اتَّقينا" وذكر ابن حجر الروايات ومعانيها - الفتح 7/ 465.
(4)
وجاء في رواية ستأتي: "وما استغفرَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لإنسانٍ يَخُصّه إلا استشهد" وأن عمر هو الذي قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذلك.
(5)
المخمصة: المجاعة.
(6)
ذباب السيف: طرفه.
آخذٌ بيدي، فقال:"مالك؟ " قلتُ: فِداك أبي وأمّي، زعموا أن عامرًا حَبِط عملُه. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"كَذَبَ مَن قاله، إنّ له لأَجْرَين -وجمع بين إصبيعه- إنه لَجاهِدٌ مُجاهِد، قلَّ عربيٌّ مشى بها مثلَه"(1).
قال: وكان عليٌّ تخلَّفَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في خيبر، وكان رَمِدًا، فقال: أنا أتخلَّفُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم! فلَحِقَ. فلمّا أتينا الليلةَ التي فُتِحَت في صباحها قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لأعْطِيَنَّ الرايةَ غدًا" -أو: "لَيَأْخُذَنّ الرايةَ غدًا- رجلٌ يُحِبُّ اللَّهَ ورسولَه، ويَفتحُ عليه". فقيل: هذا عليٌّ، فأعطاه، ففُتح عليه.
أخرجاه (2).
(2259)
الحديث السابع: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا أبو عُمَيس عن إياس بن سلمة عن أبيه قال (3):
غزَونا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هَوازِنَ، فبينما نحن كذلك إذ جاء رجلٌ على جملٍ أحمرَ، فانتزعَ شيئًا من حَقَب (4) البعير، ثم جاء يمشي حتى قعد معنا يتغدّى، قال: فنظر في القوم فإذا ظَهرُهم (5) فيه قِلّة، وأكثرُهم مشاة، فلما نظرَ إلى القوم خرج يعدو. قال: فأتى بعيرَه، فقعد عليه فخرج يُرْكِضُه، وهو طليعةٌ (6) للكفّار، فاتَّبَعه رجلٌ منّا من أسلمَ على ناقةٍ له وَرقاء، فاتَّبَعَتْه أعدو على رِجليَّ. قال: ورأسُ الناقة عند وَرِك الجمل، قال: فلَحِقْتُه
(1) البخاري 7/ 463 (4196)، ومسلم 3/ 1427 (1802) من طريق حاتم.
ويلحظ تداخل بعض الروايات والألفاظ في أحاديث سلمة، واشتمال الحديث الواحد على أكثر من خبر، قد يتكرّر أجزاء منها في حديث آخر. وسيشير المؤلّف إلى ذلك.
(2)
هذا الجزء من الحديث منفصل عما قبله في الصحيحين، وأخرجه البخاري من طريق عبد اللَّه بن مسلمة 7/ 476 (3209)، وأخرجاه من طريق قتيبة عن حاتم: البخاري 6/ 129 (2975)، ومسلم 4/ 1872 (2407).
(3)
الذي رواه أحمد عن وكيع عن أبي عميس عن إياس من هذا الحديث مختصر 4/ 45 - أول حديث في مسند سلمة. ولكن رواه بطوله وبهذه الألفاظ عن بَهز بن أسد عن عكرمة عن إياس 4/ 51. وهو في مسلم 3/ 1374 (1754) من طريق عكرمة. والحديث مختصر في البخاري 6/ 168 (3051) من طريق أبي العُميس عن إياس.
(4)
الحَقَب: حبلٌ يشدّ إلى وسط البعير.
(5)
الظهر: الإبل والدوابّ.
(6)
الطليعة. ويروى العين: الجاسوس.
فكنتُ عند وَرِك الناقة. قال: فتقدَّمْتُ حتى كنتُ عند وَرِك الجمل، ثم تقدَّمْتُ حتى أخذْتُ بخِطام الجَمَل، فقلت له: أخ، فلما وَضَعَ الجملُ ركبته إلى الأرض اخترطْتُ سيفي فضرَبْتُ به رأسَه فَنَدَر (1)، ثم جئتُ براحلته أقودُها، فاستقبلَني رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مع النّاس، فقال:"من هذا الرجل؟ " قالوا: ابن الأكوع. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "له سَلَبُه أجمع".
أخرجاه.
(2260)
الحديث الثامن: حدّثنا مسلم قال: حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدّارميّ قال: أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد اللَّه بن عبد المجيد قال: حدّثنا عِكرمة بن عمّار قال: حدّثني إياس بن سلمة قال: حدّثني أبي قال:
قَدِمْنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونحن أربعَ عشرة مائة، وعليها خمسون شاةً لا تُرويها. قال: فقعد رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم على الرَّكِيّة، فإما دعا وإما بصق فيها. قال: فجاشَت، فسقَينا واستقَينا.
قال: ثم إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال: فبايَعْتُه أوّلَ النّاس، ثم بايعَ وبايعَ، حتى إذا كُنّا في وسطٍ من النّاس قال:"بايعْ يا سلمةُ" قلتُ: قد بايَعْتُك يا رسولَ اللَّه في أوّل النّاس. قال: "وأيضًا". قال: ورآني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعزلَ -يعني ليس معه سلاح- قال: فأعطاني رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم جَحَفة أو دَرَقة (2). ثم بايع، حتى إذا كان في آخر النّاس قال:"ألا تُبايِعُني يا سلمة؟ " قال: قلت: قد بايَعْتُك يا رسول اللَّه في أول الناسِ، وفي أوسط النّاس. قال:"وأيضًا". قال: فبايَعْتُه الثالثة، ثم قال لي:"يا سَلَمة، أين جَحَفَتُك أو دَرَقَتُك التي أعطيْتُك؟ " قلتُ: يا رسول اللَّه، لَقِيَني عمّي عامرٌ أعزلَ، فأعطيْتُه إياها. فضحك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال:"إنّك كالذي قال الأوّل: اللهمّ أَبْغِني حبيبًا هو أحبُّ إليّ من نفسي".
ثم إنّ المشركين واسَونا (3) الصُّلْحَ، حتى مشى بعضُنا في بعض واصطلحْنا. قال: فكنتُ تبيعًا لطلحة بن عُبيد اللَّه، أسقي فرسَه وأَحُسُّه (4)، وأخدِمُه، وآكلُ من طعامه،
(1) ندر: سقط.
(2)
الجحفة والدرقة: الترس.
(3)
ورواية مسلم "راسلونا" وسيذكر المؤلّف رواية أخرى عقب الحديث.
(4)
حسّ الفرسَ: حكّ ظهره ونظّفه.
وتركْتُ أهلي ومالي مُهاجِرًا إلى اللَّه عز وجل ورسوله. قال: فلما اصطلَحْنا نحنُ وأهلُ مكّة، واختلطَ بعضُنا ببعض. أتيتُ شجرة فكَسَحْتُ (1) شوكَها فاضطجَعْتُ في أصلها، قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجَعَلوا يقعون في رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأَبْغَضْتُهم، فتحَوَّلْتُ إلى شجرة أخرى، وعلَّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ في أسفل الوادي: يا لَـ المهاجرين [قُتِل ابن زُنيمٍ] قال: فاخْتَرَطْتُ سيفي ثم شَدَدْتُ على أولئك الأربعة وهم رُقود، وأخذْتُ سلاحَهم فجعلْتُه ضِغْثًا في يدي، ثم قلتُ: والذي كرَّم وجهَ محمّد، لا يرفعُ أحدٌ منكم رأسه إلا ضَرَبْتُ الذي فيه عيناه. قال: ثم جئتُ بهم أسوقُهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وجاء عمّي عامر برجلٍ من العَبَلات يقال له مِكْرَز، يقودُه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على فرسٍ مُجفَّف في سبعين من المشركين، فنظرَ إليهم رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال:"دَعُوهم يَكُنْ لهم بَدْءُ الفُجور وثِناه". فعفا عنهم رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنزلَ اللَّه عز وجل:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ. . .} الآية كلّها [الفتح: 24].
قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلْنا منزلًا، بيننا وبين لِحيان جبل، وهم المشركون، فاستغفرَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لمن رَقِيَ الجبلَ الليلةَ، كأنّه طليعةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال سلمة: فرَقِيتُ تلك الليلة مرّتَين أو ثلاثًا.
ثم قَدِمْنا المدينة، فبعثَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بظَهره مع رباح غلامِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا معه، وخرجْتُ معه بفرس طلحةَ أُنَدِّيه مع الظَّهر، فلمّا أصبَحْنا إذا عبد الرحمن الفرازي قد أغار على ظَهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاستاقه أجمعَ، وقتلَ راعيَه (2). قال: فقلت: يا رباحُ، خُذْ هذا الفرسَ فأبْلِغْه طلحةَ بن عُبيد اللَّه، وأَخْبِرْ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سَرْحه. قال: ثم قُمْتُ على أَكَمة فاستقبلْتُ المدينةَ فناديتُ ثلاثًا: يا صباحاه. ثم خرجتُ في آثار القوم أَرميهم بالنَّبل وأرتجزُ وأقول:
أنا ابنُ الأكوعِ
واليومُ يومُ الرُّضَّعِ
(1) كسح: كنس.
(2)
روى الإمام أحمد الحديث إلى هنا 4/ 48 عن شيخه عبد الصمد عن عكرمة عن إياس عن أبيه.
فألحقُ رجلًا منهم فأَصُكُّ سهمًا في رَحله حتى خَلَصَ نَصْلُ السَّهم إلى كَتِفه. قال: قلتُ: خُذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرُّضَّع. قال: فواللَّه ما زِلْت أرميهم وأعقرُ بهم، فإذا رجعَ إليّ أتيتُ شجرة فجلسْتُ في أصلها ثم رَمَيْتُه فعَقَرْتُه، حتى إذا تضايقَ الجبلُ فدخلوا في تضايقه عَلَوْتُ الجبلَ فجعلتُ أرميهم (1) بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أَتْبَعُهم حتى ما خلق اللَّهُ عز وجل من بعير من ظَهر رسول اللَّه إلا خَلَّفْتُه وراء ظهري، وخَلَّوا بيني وبينه، ثم اتّبَعْتُهم أَرميهم حتى ألقَوا أكثرَ من ثلاثين بُرْدةً وثلاثين رُمحًا، يستخفّون، ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من الحجارة يعرفُها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى أتَوا مُتضايِقًا من ثَنِيّةٍ، فإذا هم قد أتاهم فلانُ بن بدر الفَرازي، فجلسوا يَتَضَحَّون -يعني يَتَغَدَّون- وجلسْتُ على رأس قَرْن. قال الفَرازي: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقد لَقِينا من هذا البَرْحَ واللَّه، ما فارَقَنا منذ غَلَسٍ يرمينا، حتى انتزَعَ كلَّ شيء من أيدينا. قال: فليقُمْ إليه نَفَرٌ منكم أربعة. قال: فصَعِد إليّ منهم أربعةٌ في الجبل، قال: فلما أمكَنوني من الكلام قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قلت: أنا سلَمة بن الأكوع. والذي كرّمَ وجهَ محمد لا أطلُبُ رجلًا منكم إلا أدركْتَه، ولا يطلُبُني رجلٌ منكم فيُدْرِكُني. قال أحدهم: أنا أظنُّ. قال: فرجعوا، فما بَرَحْتُ مكاني حتى رأيتُ فوارسَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يتخلّلون الشَّجَر. قال: فإذا أوَّلُهم الأخرمُ الأَسَدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المِقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذْتُ بعِنان الأخرم، قال: فولَّوا مُدبرين، قلتُ: يا أخرمُ، احْذَرْهُم لا يقتطعوك حتى يلحقَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابُه. قال: يا سلمة، إن كنتَ تؤمنُ باللَّه واليوم الآخر وتعلمُ أن الجنّةَ حقٌّ والنّارَ حقٌّ، فلا تَحُلْ بيني وبين الشهادة. قال: فَخَلَّيْتُه. قال: فالتقى هو وعبد الرحمن، فعَقَر بعبد الرحمن فرسه فطعن عبدَ الرحمن فقتله، وتحوَّلَ على فرسه، ولَحِق أبو قتادة فارس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن فطعنّه فقتله، فوالذي كرَّم وجهَ محمّد صلى الله عليه وسلم لَتَبِعْتُهم أعدو على رجليّ حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمّد ولا من غُبارهم شيئًا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شيدب فيه ماء يقال له ذا قَرَد، ليشربوا منه وهم عطاش، قال: فنظروا إليّ أعدو وراءهم، فَخَلَّيْتُهم عنه - يعني أَجْلَيْتُهم عنه، فما ذاقوا منه قَطرة. قال: ويخرجون فيشتَدُّون في ثَنِيّة. قال: فأعدو فألحَقُ رجلًا منهم وأَصْطَكُّه بسهم في نُغْضِ كتفه. قال: قلت: خُذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرُّضّع. قال: ويل
(1) في مسلم "أُرَدّيهم".
أُمِّه (1)، أَكْوَعُه بُكْرَةَ! قلتُ: نعم يا عدوَّ نفسه، أكوعك بُكرة. قال: وأردَوا فرسين على ثنيةٍ، فجئتُ بهما أسوقُهما إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: ولَحِقَني عامرٌ بسَطيحةٍ فيها مَذْقَةٌ عن لبن وسَطيحة فيها ماء، فتوضّأت وشَرِبْتُ، ثم أتيتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي جَلَّيْتُهم عنه. قال: فإذا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبلَ وكلَّ شيء استنقَذْتُه من المشركين، وكلَّ رمح وبُردة. وإذا بلالٌ نحر ناقة من الإبل التي اسْتَنْقَذْتُ من القوم، وإذا هو يشوي لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من كبدها وسَنامها. قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، خَلِّني فأنتخبَ من القوم مائةَ رجلٍ فاتَّبعَ القوم فلا يبقى منهم مُخبِر (2). قال: فضحك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى بَدَتْ نَواجِذه في ضوء النّار، ثم قال:"يا سلَمة، أتُراك كنتَ فاعلًا؟ " قلتُ: نعم والذي أكرمَك. قال: "إنّهم الآن لَيُقْرَون في أرض غَطَفان". قال: فجاءَ رجلٌ من غَطَفان فقال: نَحَر لهم فلانٌ جَزورًا، فلما كشفوا جلدَها رأَوا غُبارًا فقالوا: أتاكم القومُ، فخرجوا هاربين.
فلما أصبحنا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "كان خيرَ فرساننا اليومَ أبو قتادة، وخيرَ رجّالتنا سلمة". قال: ثم أعطاني رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم سهمين: سهم الفارس وسهم الرَّاجل، فجمعَهما لي جميعًا.
ثم أردَفني رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وراءَه على العَضباء راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار لا يُسْبَق شَدًّا (3)، قال: فجعل يقولُ: ألا مُسابقٌ إلى المدينة، هل من مسابق؟ فجعل يعيدُ ذلك. قال: فلما سمعتُ كلامَه قلت: أما تُكْرِمُ كريمًا، ولا تهابُ شريفا إلا (4) أن يكونَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، بأبي أنت وأمّي، ذَرْني فلأْسْبُقِ الرجل. قال:"إن شئت" قلتُ: اذهب إليك. وثَنَيْت رجلي فَطَفْرتَ فعَدَوْتُ، قال: ورَبَطْتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفين أستبقي نَفَسي، ثم عَدَوْت في أثره ورَبَطْت عليه شَرَفًا أو شَرَفَين، ثم إني رفَعْتُ حتى ألحَقَه، فأصُكُّه بين كتفيه. قال: قلتُ: قد سُبِقْتَ واللَّه. قال: وأنا أظنّ. قال: فسَبَقْتُه إلى المدينة.
(1) في مسلم "يا ثكلته أمه"، بدل "ويل أمّه".
(2)
في مسلم "إلا قتلته".
(3)
شدًّا: جريًا.
(4)
في مسلم "قال: لا، إلا. . . " والذي في "الجمع" كالذي هنا.
قال: فواللَّه ما لَبِثْنا إلا ثلاثَ ليال حتى خرجْنا إلى خيبر مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: فجعل عمِّي يرتجزُ بالقوم:
تاللَّهِ لولا أنت ما اهْتَدَينا
ولا تصَدَّقْنا ولا صَلَّينا
ونحنُ عن فَضلِك ما استغنَيْنا
فثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا
وأَنْزِلَنْ سَكينةً علَينا
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من هذا؟ " قال: أنا عامر. قال: "غَفَرَ اللَّهُ لك". قال: وما استغفرَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لإنسان يَخُصّه إلا استُشهد. قال: فنادى عمرُ بن الخطّاب وهو على جمل له: يا نبيَّ اللَّه، لولا مَتَّعْتَنا بعامر.
قال: فلمّا قَدِمْنا خيبرَ خَرَجَ مَلِكُهم مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بسيفه ويقول:
قد عَلِمَتْ خيبرُ أنّي مَرْحَبُ
شاكي السِّلاح بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إذا الحُروبُ أقبلَتْ تَلَهَّبُ
قال: وبرز له عمّي عامر فقال:
قد عَلِمَتْ خيبرُ أني عامرُ
شاكي السِّلاح بطلٌ مُغامِرُ
قال: فاختلفنا ضربتين، فوقع سيف مَرْحَب في تُرس عامر، وذهبَ عامر يَسْفُلُ له، فرجع سيفُه على نَفْسه، فقطع أَكْحَلَه وكانت فيها نَفْسُه. قال سلمة: فخرجْتُ فإذا نَفرٌ من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقولون: بَطَل عَمَلُ عامر، قتلَ نفسَه. قال: فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول اللَّه، بطل عمل عامر؟ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"من قال ذلك؟ " قال: قلت: ناس من أصحابك. قال: "كذب من قال ذلك. بل له أجرُه مرّتين".
ثم أرسلَني إلى عليٍّ وهو رَمِد، فقال:"لأُعْطِيَن الرايةَ رجلًا يُحِبّ اللَّه ورسولَه، ويُحِبُّه اللَّهُ ورسولُه". فأتيتُ عليًّا، فجئتُ به أقودُه، وهو أرمدُ، حتى أتيتُ به رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم،
فبَسَقَ في عينه فبرأ، وأعطاه الراية. وخرج مَرْحَب يقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيبرُ أنّي مَرْحَبُ
شاكي السِّلاح بَطلٌ مُجَرَّبُ
إذا الحُروبُ أَقْبَلتْ تَلَهّبُ
فقال عليٌّ:
أنا الذي سَمَّتْني أُمّي حَيْدَرَه
كلَيث غاباتٍ كريهِ المَنْظَره
أُوفيهم بالصّاع كيلَ السَّنْدَره
قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتحُ على يديه.
انفرد بإخراجه مسلم (1).
وفي هذا الحديث ذكر الإغارة على السَّرح، وقصّة عامر وارتجازه، وقوله:"لأُعْطِيَنّ الراية. . " وهذا كلُّه قد أخرجه البخاري بمعناه (2).
وفيه من الغرائب:
جَبا الرّكِيّة: وهو ما حول البئر. والرّكِيّة: البئر.
وقوله: فجاشت: أي تحرّك الماءُ فيها حركة غليان.
وقوله: واسَونا الصلح. كذلك روي هنا بالواو، وكذلك هو الصحيح. ومعناه: اتّفقوا معنا عليه وشاركونا فيه، ومنه المواساة. وقد ذكره أبو عُبيد الهروي في باب "الراء" مع السين: فقيل: راسُّونا بالصلح وابتدأونا في ذلك. يقال: رَسَسْتُ بينهم: أي أصلحت (3).
وقوله: وكنتُ تبيعًا لطلحة: أي خادمًا له.
(1) مسلم 3/ 1433 - 1441 (1807).
(2)
هذه عبارة الحميدي في الجمع 1/ 587، وزاد: ولكن فيه من الزيادة والشرح ما يوجب كونه من أفراد مسلم كما ذكره أبو مسعود. وقد جعل الحميدي الحديث أيضًا في المتفق عليه (954). وينظر الحديث السادس الذي تقّدم عندنا في هذا المسند.
(3)
الغريبين 3/ 739 - رسّ.
وقوله: قتل ابن زُنيم. ليس في الصحابة من يُقال له ابن زُنيم إلا سارية وأخوه أنس.
والضِّغث: الحُزمة والباقة.
والعَبَلات: حيّ من قيس، منسوب إلى أمّ يقال لها عَبلة.
والمُجَفَّف: الذي عليه التجافيف: وهي كلُّ ما يمنع وصول الأذى إليه.
وبدء الفجور: ابتداؤه. وثِناه: ثانيه.
والظَّهر: الرِّكاب.
والتَّندية: أن يُورِدَ الرجلُ فرسَه الماءَ حتى يشرب، ثم يردُّه إلى المرعى ساعةً يرتعي، ثم يردّه إلى الماء.
وقوله: وأعقر بهم: أي أعقرهم.
والآرام: الأعلام. والقَرْن: جُبيل صغير.
والبَرْح: الشِّدّة.
وقوله: فحلَّيْتُهم عنه: أي طردتهم.
ونُغْض الكتف: أي فرعه.
وأردَوا فرسين: أي تركوهما.
والمَذْقة: اللبن الممذوق بماء.
ويُقْرَون: يضافون.
وقوله: وَرَبَطْتُ عليه شرفًا أو شرفين: أي تأخّرت عنه قدرًا من المسافة. ثم إني رفعت: أي زدت في العدو، حتى ألحقه: أي لحقته.
والصَّكُّ: الضرب للوجه بالشيء العريض.
وشاكي السِّلاح: تامّ السِّلاح. والبطل: الشجاع. والمغامر: المخاصم.
وحيدرة: من أسماء الأسد. ولمّا وُلد عليّ سمّاه أبوه عليًّا، وسمَّتْه أُمّه أسدًا، باسم أبيها، فذكر ما سمَّتْه به لمناسبة ما بينه وبين الحرب.
والمَنظرة يعني المنظر، والهاء زائدة.
والسَّندرة: شجرة يصنع منها القِسِيُّ والنَبل. قال ابن قتيبة: فيحتمل أن يكون أراد مِكيالًا يُتَّخَذُ من هذه الشجرة.
وقد ذكر محمد بن سعد أن محمد بن سلمة قتل مرحبًا يومئذٍ، ووقَفَ عليه عليٌّ بعد أن أثبتَه محمّد (1).
(2261)
الحديث التاسع: حدّثنا مسلم قال: حدّثنا زهير بن حرب قال: حدّثنا عمر ابن يونس الحنفي قال: حدّثنا عِكرمة قال: حدّثني إياس بن سلمة قال: حدّثني أبي قال:
غزَونا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حُنينًا، فلما واجَهْنا العدوَّ قدَّمْتُ، وأعلو ثنيّة، فاستقبلَني رجلٌ من العدوّ فأرميه بسهم، فتوارى عنّي، فما دَرَيْتُ ما صنع، ونظرتُ إلى القوم فإذا هم قد طَلَعوا من ثنيّة أخرى، فالتقَوا هم وصحابة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فولّى صحابةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأرجعُ منهزمًا، وعليَّ بُردتان، مُتَّزِرٌ بإحداهما مُرْتَدٍ بالأخرى، فاستطلقَ إزاري، فجمعْتُهما جميعًا، ومَرَرْتُ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منهزمًا وهو على بغلته الشَّهباء، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"لقد رأى ابن الأكوع فَزَعًا" فلما غَشُوا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم نزلَ عن البغلة، ثم قبض قبضة من تُراب من الأرض، ثم استقبلَ به وجوهَهم، وقال:"شاهَتِ الوجوه" فما خلق اللَّه عز وجل منهم إنسانًا إلا مَلأَ عينيه تُرابًا بتلك القَبضة، فولَّوا منهزمين، فهزمَهم اللَّه عز وجل، وقسَمَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم غنائمَهم بين المسلمين.
انفرد بإخراجه مسلم (2).
(2262)
الحديث العاشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عكرمة بن عمّار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال:
كان شِعارُنا ليلةَ فيها هَوازنَ مع أبي بكر الصِّديِّق، أمَّرَه علينا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: أَمِتْ أَمِتْ. وقتلتُ بيدي ليلتَئذٍ سبعة [أهل] أبيات (3).
(1) روى ابن سعد في الطبقات هذا الحديث، ويفهم منه أن عليًّا هو الذي قتل مرحبًا 2/ 86. وينظر الاستيعاب 3/ 317، والنووي 11/ 426.
(2)
مسلم 3/ 1402 (1777).
(3)
المسند 4/ 46، وإسناده صحيح على شرط مسلم، عكرمة من رجاله، وسائر رجاله رجال الشيخين. وهو من طريق عكرمة في سنن أبي داود 3/ 23، 43 (2596، 2638)، وابن ماجة 2/ 947 (2840)، وصحّحه ابن حبّان 11/ 148 (2744)، والحاكم والذهبي على شرط الشيخين 2/ 107، مع إخراج البخاري لعكرمة تعليقًا. وحسّنه الألباني.
* طريق آخر:
حدّثنا أحمد قال: حدّثنا بَهز قال: حدّثنا عِكرمة بن عمّار قال: حدّثنا إياس بن سلمة قال: حدّثني أبي قال:
خرجْنا مع أبي بكر بن أبي قحافة، أمَّرَه علينا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَغَزَونا فَزارةَ، فلما دنَونا من الماء أمَرَنا أبو بكر فعرَّسْنا، فلما صلَّينا الصُّبحَ أمرَنا فشَنَنّا الغارة فقتلْنا على الماء من قَتَلْنا. قال سلمة: ثم نظرتُ إلى عُنُقٍ (1) من النّاس فيه الذُّرِّيَّةُ والنِّساء نحو الجبل وأنا أعدو في إثرهم، فخشيتُ أن يسبقوني إلى الجبل، فرميتُ بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، فجئتُ بهم أسوقُهم إلى أبي بكر حتى أتيتُه على الماء، وفيهم امرأةٌ من فَرازة عليها قِشْعٌ من أَدَم، ومعها ابنةٌ من أحسن العرب. قال: فنفَّلَني أبو بكر ابنتها. فما كَشَفْتُ لها ثوبًا حتى قَدِمْتُ المدينة، ثم بِتُّ فلم أكشفْ لها ثوبًا. قال: فلَقِيَني رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال:"يا سَلَمَةُ، هَبْ لي المرأة" فقلتُ: يا رسول اللَّه، واللَّه لقد أعجَبَتْني وما كَشَفْتُ لها ثوبًا. قال: فسكت رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وتركَني، حتى إذا كان من الغد لَقِيَني رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم في السوق فقال:"يا سَلَمةُ، هَبْ لي المرأة، لِلّهِ أبوك" قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، واللَّه ما كَشَفْتُ لها ثوبًا، وهي لك يا رسول اللَّه. قال: فبعثَ بها رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكّة، في أيديهم أَسارى من المسلمين، ففداهم رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة.
انفرد بإخراجه مسلم (2).
القِشع: الجلد.
(2263)
الحديث الحادي عشر: حدّثنا أحمد. . . عن إياس (3) بن سلمة عن أبيه قال:
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من سَلّ علينا السيفَ فليس منّا".
(1) العُنُق: الجماعة.
(2)
المسند 4/ 46. ومسلم 3/ 1375 (1755) من طريق عكرمة. وبهز من رجال الشيخين.
(3)
وقع في الأصل: (حدَّثنا وكيع قال: حدّثنا أبو عميس عن إياس. . .) وليس هذا السند محفوظًا في هذا الحديث. وهو في المسند 4/ 46 عن بهز عن عكرمة عن إياس. وفي 4/ 54 عن أبي النضر هاشم عن أيوب بن عتبة عن إياس. وأخرجه مسلم من طريق عكرمة عن إياس 1/ 98 (99). وينظر التحفة 4/ 40، والإتحاف 5/ 596، والأطراف 2/ 491.
انفرد بإخراجه مسلم.
(2264)
الحديث الثاني عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يحيى بن سعيد عن يزيد ابن أبي عُبيد قال: حدّثنا سلمة بن الأكوع قال:
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "لا يَقولُ أحدٌ عليَّ باطلًا، أو ما لم أَقُلْ، إلا تَبَوَّأَ مَقْعَدَه من النّار".
انفرد بإخراجه البخاري (1).
* طريق آخر:
حدّثنا أحمد قال: حدّثنا الضحّاك بن مَخْلَد قال: حدّثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ابن الأكوع قال:
قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَه من النّار"(2).
(2265)
الحديث الثالث عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا حمّاد بن مَسْعَدة عن يزيد ابن أبي عُبيد عن سلَمة بن الأكوع قال:
كنتُ جالسًا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأُتِي بجِنازةٍ فقال:"هل ترك من دَين؟ " قالوا: لا. قال: "هل ترك من شيء؟ " قالوا: لا. قال: فصلَّى عليه. ثم أُتِي بأخرى، فقال:"هل ترك من دَين؟ " قالوا: لا. قال: "هل ترك من شيء؟ " قالوا: نعم، ثلاثة دنانير. فقال بأصابعه:"ثلاث كَيّات". قال: ثم أُتي بالثالثة فقال: "هل تركَ من دَين؟ " قالوا: نعم. قال: "هل من شيء؟ " قالوا: لا. قال: "صَلُّوا على صاحبكم". فقال رجل من الأنصار: عليَّ دَينُه يا رسول اللَّه. فصلّى عليه.
انفرد بإخراجه البخاري (3).
(2266)
الحديث الرابع عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا مكّي بن إبراهيم قال: حدّثنا يزيد بن أبي عبيد قال:
(1) المسند 4/ 50، والبخاري 1/ 201 (109) من طريق يزيد. ويحيى من رجال الشيخين.
(2)
المسند 4/ 47. وهو حديث صحيح، ورجاله رجال الشيخين.
(3)
المسند 4/ 47. والبخاري 4/ 466 (2289) من طريق يزيد. وحمّاد من رجال الصحيحين. وأخرجه البخاري 4/ 474 (2295)، وأحمد 4/ 50، وسمّيا الذي تحمّل الدَّين، هو أبو قتادة.
رأيتُ أثر ضربة في ساق سلَمة، فقلتُ: يا أبا مُسلم، ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابَتْني يوم حُنين، فقال الناسُ: أُصيبَ سلَمة. فأُتِيَ بي رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فنَفَثَ فيه ثلاثَ نَفثات، فما اشْتَكَيْتُها حتى الساعة.
انفرد بإخراجه البخاري (1).
(2267)
الحديث الخامس عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن أبي عبيد قال: حدّثنا سلمة بن الأكوع قال:
خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون (2) في السوق، فقال:"ارْمُوا يا بني إسماعيلَ، فإن أباكم كان راميًا، ارْمُوا وأنا مع بني فلان" لأحد الفريقين. فأمسكوا بأيديهم. فقال "ارْمُوا" فقالوا: يا رسول اللَّه، كيف نرمي وأنت مع بني فلان؟ قال:"ارموا وأنا معكم كلِّكم".
انفرد بإخراجه البخاري (3).
(2268)
الحديث السادس عشر: . . . عن سلمة (4):
أن رجلًا عَطَسَ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَرْحَمُك اللَّه"، ثم عَطَسَ الثانية أو الثالثة فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"إنه مزكوم".
(2269)
الحديث السابع عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا صَفوان قال: حدّثنا يزيد ابن أبي عُبيد قال: قلتُ لسلمةَ بن الأكوع:
(1) المسند 4/ 48، والبخاري 7/ 475 (4026)،
(2)
يتناضلون: أي يرمون، للتعلّم.
(3)
المسند 4/ 50، والبخاري 6/ 537 (3507).
(4)
وقع في المخطوطة شيء من الشَّطب والخلط. ثم ذُكر هذا الحديث، وفي أوله: وبه عن سلمة، ولا يصحّ هذا عطفًا على السند السابق.
وهو في المسند 4/ 50 عن يحيى بن سعيد عن عكرمة عن إياس، بهذا اللفظ. وفي 4/ 46 عن بهز عن عكرمة عن إياس، وفيه أنه قال له في الثانية:"الرجل مزكوم" على الرواية الثانية أخرجه مسلم -ولم ينبّه المؤلّف- 4/ 2292 (2993) من طريق عكرمة، وكذا البخاري في الأدب 2/ 509 (935).
على أيِّ شيءٍ بايَعْتُم رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يومَ الحُدَيبية؟ قال: بايَعْناه على الموت (1).
(2270)
الحديث الثامن عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الصمد قال: حدّثنا عمر بن راشد اليمامي قال: حدّثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه:
أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "أسلمُ سالمَها اللَّه، وغِفارُ غَفَرَ اللَّهُ لها. أما واللَّه، ما أنا قُلْتُه، ولكنّ اللَّهَ قاله"(2).
(2271)
الحديث التاسع عشر: وبه عن سلمة قال:
ما سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يستفتحُ دعاءً إلا استفتَحه بـ: "سبحانَ ربّي الأعلى العليّ الوهّاب"(3).
(2272)
الحديث العشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أبو النضر قال: حدّثنا أيوب ابن عُتبة أبو يحيى قاضي اليمامة قال: حدّثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال:
سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حضرتِ الصلاةُ والعَشاءُ فابدءوا بالعَشاء"(4).
(1) المسند 4/ 51. وأخرجه الشيخان من طريق يزيد، وليس في المخطوط ذكر لذلك: البخاري 6/ 117 (2960)، ومسلم 3/ 1486 (1860). وصفوان بن عيسى ثقة، واستشهد به البخاري، وروى له مسلم وأصحاب السنن، وتوبع.
(2)
المسند 4/ 48. وهو حديث صحيح، ولكن إسناده ضعيف لضعف عمر بن راشد. ينظر تهذيب الكمال 5/ 347. وهو في المعجم الكبير من طريق عمر 6/ 23 (6255). قال الهيثميّ 10/ 49: وفيه عمر بن راشد اليمامي، وثّقه العجلي وضعّفه الجمهور، وبقيّة رجالهما رجال الصحيح. وقد صحّ الحديث عن عدد من الصحابة، ينظر البخاري 6/ 542 (3512 - 3514)، ومسلم 4/ 1952، 1953 (2514 - 2518).
(3)
المسند 4/ 54، والمعجم الكبير 7/ 23 (6253) من طريق عمر بن راشد. وهو ضعيف كما سبق. قال الهيثميّ 10/ 159: فيه عمر بن راشد اليمامي، وثقه غير واحد، وبقيّة رجاله رجال الصحيح. وصحّحه الحاكم والذهبيّ 1/ 498 مع عمر بن راشد.
(4)
المسند 4/ 54. وفيه أيوب بن عتبة، وهو ضعيف - التهذيب 1/ 320. وأخرجه الطبرانيّ في الكبير 7/ 22 (6250)، والأوسط 1/ 477 (868) من طريق أيوب. وقال في الأوسط: لا يروى هذا الحديث عن سلمة إلا بهذا الإسناد، تفرّد به أيوب. ونسبه الهيثميّ للطبراني في المعجمين ولم ينسبه لأحمد - المجمع 2/ 49، وقال: وفيه أيوب بن عتبة، وثقّه أحمد ويحيى بن معين في رواية عنهما، وضعّفه النسائي وأحمد وابن معين في روايات عنهما.
وللحديث شاهد عن عائشة رواه الشيخان - الجمع 4/ 98 (3213).
(2273)
الحديث الحادي والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا حمّاد بن خالد عن عَطّاف بن خالد عن موسى بن إبراهيم عن سلمة بن الأكوع قال (1):
قلت: يا رسول اللَّه، إني أكون في الصيد فأصلّي وليس عليَّ إلا قميص واحد. قال:"فرُدَّه وإن لم تَجِدْ إلا شوكة".
(2274)
الحديث الثاني والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن زهير بن محمد عن يزيد بن خُصيفة عن سلمة بن الأكوع قال:
كناُ أسافرُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فما رأيتُه صلّى بعد العصر ولا بعدَ الصُّبح قَطُّ (2).
(2275)
الحديث الثالث والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يونس قال: حدّثنا العَطّاف قال: حدثني عبد الرحمن - يعني ابن رَزين:
أنّه نزل بالرَّبَدْة هو وأصحابٌ له يريدون الحجَّ، فقيل له: هاهنا سلمة بن الأكوع صاحبُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأتَيْناه فسلّمْنا عليه، ثم سألْناه، فقال:
بايَعْتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم بيدي هذه، وأخرج لنا كفَّه - كفًّا ضَخمة. فقُمْنا إليه فقَبَّلْنا كفَّه جميعًا (3).
(2276)
الحديث الرابع والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا بَهْز قال: حدّثنا عِكرمة بن عمّار قال: حدّثنا إياس بن سلَمة أن أباه حدّثه قال:
(1) في الأصل: "حدّثنا حمّاد بن خالد عن أيوب بن عتبة عن إياس بن سلمة عن أبيه، وليس صحيحًا. وقد روى الحديث في المسند 4/ 49، 54 عن حمّاد بن خالد وهاشم بن القاسم وإسحاق بن عيسى ويونس بن محمد، كلّهم عن عطّاف بن خالد عن موسى عن سلمة، وهذا لفظ هاشم. والحديث في النسائي 2/ 70، والمعجم الكبير 7/ 32 (6279) من طريق عطّاف، وفي أبي داود 1/ 170 (632) من طريق موسى. وصحّحه ابن خزيمة 1/ 381 (777، 778)، والحاكم والذهبي 1/ 250 من طريق موسى، وحسّنه الألباني. وقال الإمام البخاري في "افتتاح باب وجوب الصلاة في الثياب". من كتاب "الصَّلاة" 1/ 465: ويُذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يزرّه ولو بشوكة" في إسناده نظر. وينظر تعليق ابن حجر وتخريجه للحديث.
(2)
المسند 4/ 51، والمعجم الكبير 7/ 40 (6304) من طريق زهير. وإسناده صحيح، قال الهيثميّ في المجمع 2/ 229: رجال أحمد رجال الصحيح. وذكر أحاديث في الباب.
(3)
المسند 4/ 54. وعطّاف بن خالد صالح الحديث. وعبد الرحمن بن رَزين وثّقه ابن حبّان، التهذيب 5/ 182، 4/ 398. وقد أخرج البخاريّ الحديث في الأدب 2/ 542 (973) من طريق عطّاف. وحسّن الألباني إسناده. وهو في الأوسط 1/ 388 (661) وقال الطبرانيّ: تفرّد به عطّاف. وعزاه الهيثميّ للطبراني وقال: رجاله ثقات 8/ 45.
سمِعْتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول لرجل يقال له بُسر بن راعي العَير - أبصره يأكلُ بشماله، فقال:"كُلْ بيمينك" قال: لا أستطيعُ. فقال: "لا اسْتَطَعْت" قال: فما وَصَلَتْ يمينُه إلى فمه بعدُ (1).
بُسر بالسين المهملة. وهذا الرجل مسلم صحابي (2).
* طريق آخر:
حدّثنا مسلم قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا زيد بن الحُباب عن عِكرمة ابن عمّار قال: حدّثني إياس بن سلمة بن الأكوع أن أباه حدّثه:
أن رجلًا أكلَ عندَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال:"كُل بيمينك" قال: لا أستطيعُ، قال:"لا اسْتَطَعْتَ" ما مَنَعَه إلا الكِبْرُ. قال: فما رَفَعَها إلى فيه (3).
(2277)
الحديث الخامس والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا حمّاد بن مَسْعَدة عن يزيد عن سلمة:
أنّه استأذن النبيَّ صلى الله عليه وسلم في البَدْوِ، فأَذِنَ له.
أخرجاه (4).
* طريق آخر:
حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يحيى بن غَيلان قال: حدّثنا المفَضّل بن فضالة قال: حدّثني يحيى بن أيوب بن عبد الرحمن بن حَرملة عن سعيد بن إياس بن سلمة بن الأكوع أن أباه حدّثه:
أن سَلَمةَ قَدِم المدينة، فلَقِيَه بُريدةُ بن الحُصَيب، فقال: ارْتَدَدْتَ عن هِجرتك يا سلَمة! قال: معاذَ اللَّه، إنّي في إذن من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إنّي سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"ابْدُوا يا أسلم، فتَنَسَّمُوا الرِّياح، واسْكُنوا الشِّعاب" قالوا: إنا نخاف يا رسول اللَّه أن يَضُرَّنا
(1) المسند 4/ 46. وهو من طريق عكرمة في المعجم الكبير 7/ 15 (6235)، وصحيح ابن حبّان 14/ 442 (6512). وهو صحيح على شرط مسلم، كما في الطريق التالي.
(2)
ينظر الإصابة 1/ 153.
(3)
مسلم 3/ 1599 (2021) وينظر النووي 13/ 204.
(4)
المسند 4/ 47. ومن طريق يزيد في البخاري 13/ 40 (7087) ومسلم 3/ 1486 (1862). وحمّاد من رجالهما.
ذلك في هِجرتنا. قال: "أنتم مهاجرون حيثُ كُنتم"(1).
(2278)
الحديث السادس والعشرون: حدّثنا البخاري قال: حدّثنا أبو عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال:
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "من ضَحَّى منكم فلا يُصْبِحَنَّ بعد ثالثةٍ وفي بيته منه شيء" فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسولَ اللَّه، نَفعل كما فَعَلْنا العام الماضي؟ قال:"كُلوا وأَطْعِموا وادَّخروا، فإن ذلك العامَ كان بالنّاس جَهْدَ فأردْتُ أن يفشوَ فيهم".
أخرجاه (2).
(2279)
الحديث السابع والعشرون: حدّثنا البخاري قال: حدّثنا بِشر بن مرحوم قال: حدّثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عُبيد عن سلمة قال:
خَفَّت أزوادُ الناسِ وأمْلَقُوا، فأتَوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في نَحر إبلهم، فأذِنَ لهم، فلَقِيَهم عمرُ فأخبَروه، فقال: ما بَقاؤُكم بعدَ إبلكم! فدخل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"نادِ في النّاس يأتون بفضل أزوادهم"(3). فدعا وبَرَّك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم، فاحتثى الناسُ حتى فَرَغوا. ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّه، وأنّي رسولُ اللَّه".
* طريق آخر:
حدّثنا مسلم قال: حدّثني أحمد بن يوسف الأزدي قال: حدّثنا النضر بن محمد اليمامي قال: حدّثنا عِكرمة بن عمّار قال: حدّثنا إياس عن أبيه قال:
خرجْنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غَزاة، فأصابَنا جَهْدٌ حتى هَمَمْنا أن نَنْحَرَ بعضَ ظَهْرِنا، فأمرَ نبيُّ اللَّه صلى الله عليه وسلم فجَمَعْنا تَزوادَنا، فبسطنا له نِطعًا، فاجتمع زادُ القوم على النِّطع. قال: فتطاولتُ لأحْزِرَه كم هو. قال: حَزَرْتُه فإذا هو كرَبْضَة العَنز (4)، ونحن أربعَ عشرَ مائة. قال:
(1) المسند 4/ 55. قال في المجمع 5/ 256: . . وعن إياس بن سلمة بن الأكوع أن أباه حدّثه. . ثم قال: رواه أحمد والطبرانيّ، وفيه سعيد بن إياس ولم أعرفه، وبقيّة رجاله ثقات. وذكر ابن حجر الحديث في الفتح 13/ 41، وقال: إسناده حسن.
(2)
البخاري 10/ 24 (5569)، ومسلم 3/ 1563 (1974) وعبارة البخاري:"أن تعينوا فيها".
(3)
في البخاري 5/ 128 (2484): "فبُسِطَ لذلك نِطع، وجعلوه على النطع، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . ".
(4)
ربضة العنز: مبركها. أي كقدر بروكها.
فأكلْنا حتى شَبِعْنا جميعًا، ثم حَشَوْنا جُرُبَنا، فقال نبيُّ اللَّه صلى الله عليه وسلم:"فهل من وَضوء". قال: فجاء رجلٌ بإداوةٍ فيها نُطْفَةٌ فأفرغَها في قَدَح، فتوضَّأنا كلُّنا نُدَغْفِقُه، أربع عشرة مائة. قال: ثم جاء بعدُ ثمانيةٌ فقالوا: هل من طَهور؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "فَرَغَ الوَضوء"(1).
انفرد بإخراج هذه الطريق مسلم، وبالطريق الأوّل البخاري.
والدَّغْفَقة: الصّبّ الشديد.
(2280)
الحديث الثامن والعشرون: حدّثنا مسلم قال: حدّثنا عبّاس بن عبد العظيم العَنبري قال: حدّثنا النَّضر بن محمد اليمامي قال: حدّثنا عِكرمة قال: حدّثنا إياس قال: حدثني أبي قال:
عُدنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلًا مَوعوكًا، قال: فوضعْتُ يدي عليه فقلتُ: ما رأيتُ كاليوم رجلًا أشدَّ حرًّا. فقال نبيُّ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ألا أُخْبِرُكم بأشدَّ حرًّا منه يوم القيامة؟ هذينكَ الرجلين المُقَفِّيَين" لرجلين حينئذٍ من أصحابه.
انفرد بإخراجه مسلم (2).
* * * *
(1) مسلم 3/ 1354 (1729).
(2)
مسلم 4/ 2146 (2783).
قال العكبري في الإعراب 209: أمّا "هذينك" ففيه وجهان أحدهما أنّه بدل من قوله، "بأشدّ" والثاني: أن يكون منصوبًا بإضمار أعني.