الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع اللعب بالبنات
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف البنات
.
المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالبنات
.
المطلب الأول تعريف البنات
البنات: هي التماثيل والصور التي يلعب بها الصبايا، أضيفت اللُّعب للبنات؛ لأنهن هن اللاتي يصنعنها
(1)
.
وهناك تعليل قوي في تسميتها بذلك أن الصبية تتخذ اللعبة كأنما هي بنتها
المطلب الثاني ما ورد في اللعب بالبنات
8 -
قال البخاري
(2)
: حدثنا محمد، أخبرنا أبو معاوية، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنه ا قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان
(1)
كشف المشكل من حديث الصحيحين 1/ 1203، مشارق الأنوار 1/ 91، المفهم 6/ 323، النهاية 1/ 158، والصبايا: جمع صبية، مثل مطايا ومطية، ينظر: مختار الصحاح ص 375.
(2)
صحيح البخاري ح (6130).
لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتَقَمَّعْن منه، فيسرِّبهن إلي، فيلعبن معي.
• تخريج الحديث:
- أخرجه مسلم
(1)
، وأبو داود
(2)
، والنسائي
(3)
، وابن ماجه
(4)
كلهم من طريق هشام، به بنحوه.
• غريب الحديث:
- قولها: «يتقمَّعن منه» : أي: تغيبن ودخلن في بيت أو من وراء ستر وأصله من القِمَع الذي على رأس الثمرة؛ أي: يدخلن فيه كما تدخل الثمرة في قِمَعها
(5)
.
- قولها: «فيسرِّبهن إلي» : أي: يبعثهن، ويرسلهن إلي
(6)
.
* * *
9 -
قال أبو داود
(7)
: حدثنا محمد بن عوف، ثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، قال حدثني عمارة بن غزية، أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنه ا قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أو خيبر وفي سَهْوتها سِترٌ، فهبَّت ريحٌ، فكشفت ناحية السِّتر عن بناتٍ لعائشة لُعَبٍ، فقال:«ما هذا يا عائشة؟» قالت: بناتي، ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاعٍ، فقال:«ما هذا الذي أرى وسْطهن؟» قالت: فرس. قال: «وما هذا الذي عليه؟» قالت: جناحان قال: «فرس له جناحان؟» قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه.
(1)
صحيح مسلم ح (2440).
(2)
سنن أبي داود ح (4933).
(3)
سنن النسائي ح (3378).
(4)
سنن ابن ماجه ح (1982).
(5)
النهاية 4/ 109.
(6)
النهاية 2/ 356.
(7)
سنن أبي داود ح (4932).
• رواة الحديث:
1 -
محمد بن عوف: بن سفيان الطائي، أبو جعفر الحِمصي، ثقةٌ حافظٌ
(1)
.
2 -
سعيد بن أبي مريم: هو ابن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مرين الجُمَحي بالولاء، أبو محمد المصري، ثقةٌ، ثبتٌ، فقيهٌ
(2)
.
3 -
يحيى بن أيوب: الغافقي، أبو العباس المصري، اختلف فيه:
فوثقه ابن معين -مرة- والفسوي، والعجلي، والبزار، والدارقطني -مرة-، وقال ابن معين -مرة- وأبو داود:«صالح» ، وقال البخاري:«صدوق» ، وقال أبو حاتم:«محله الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به» ، وقال ابن عدي:«صدوق لا بأس به» .
وقال أحمد: «سيء الحفظ، يخطئ خطأً كثيرًا إذا حدث من حفظه، وإذا حدث من كتابه فليس به بأس» ، وقال النسائي:«عنده أحاديث مناكير، وليس هو بذلك بالقوي في الحديث» ، وقال الدارقطني:«في بعض حديثه اضطراب» .
لخص حاله الحافظ فقال: «صدوق ربما أخطأ»
(3)
.
4 -
عُمارة بن غزية: بن الحارث الأنصاري المازني، المدني، وثقه ابن سعد، وأحمد، وأبو زرعة، والدارقطني، وقال ابن معين، والنسائي:«ليس به بأس» ، وقال أبو حاتم:«ما بحديثه بأس، كان صدوقًا» ، وذكره العقيلي في الضعفاء، وضعفه ابن حزم، قال الذهبي: «ما علمت أحدًا ضعفه سوى ابن
(1)
تهذيب الكمال 26/ 236، التقريب (6202).
(2)
تهذيب الكمال 10/ 391، التقريب (2286).
(3)
العلل لأحمد 3/ 52، الجرح والتعديل 9/ 127، سؤالات الآجري لأبي داود 2/ 180، معرفة الثقات للعجلي 2/ 247، سنن النسائي الكبرى 6/ 98، الضعفاء للنسائي (626)، علل الترمذي الكبير 1/ 350، المعرفة للفسوي 2/ 445، مسند البزار 9/ 10، سؤالات ابن بكير للدارقطني ص 40، سنن الدارقطني 2/ 17 - 172، تهذيب الكمال 31/ 233، تهذيب التهذيب 11/ 186، التقريب (7511).
حزم، ولهذا قال عبد الحق: ضعفه بعض المتأخرين، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء، وما قال فيه شيئًا يلينه أبدًا سوى قول ابن عيينة: جالسته كم مرة فلم أحفظ عنه شيئًا، فهذا تغفُّل من العقيلي؛ إذ ظن أن هذه العبارة تليين».
ذكره الذهبي في كتابه: من تكلم فيه، وهو موثق، وقال:«ثقةٌ مشهور» ، وقال ابن حجر:«لا بأس به» ، قلت: والأقرب قول الذهبي؛ فقد أجاب عن قول من ضعفه
(1)
.
5 -
محمد بن إبراهيم: بن الحارث بن خالد القرشي التيمي، أبو عبد الله المدني، ثقةٌ له أفراد
(2)
.
6 -
أبو سلمة بن عبد الرحمن: بن عوف القرشي، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه: كنيته، ثقةٌ مكثر
(3)
.
• تخريج الحديث:
- أخرجه النسائي
(4)
من طريق أحمد بن سعد بن الحكم، والبيهقي
(5)
من طريق عثمان بن سعيد الدارمي.
كلاهما: (أحمد، والدارمي) عن سعيد بن أبي مريم به بنحوه؛ إلا أنه في رواية أحمد بن سعد لن يسمِّ الغزوة، وفي رواية الدارمي سماها تبوك بلا شك.
- وأخرجه ابن حبان
(6)
من طريق ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن عُمارة بن غَزية، عن أبي النضر، عن عروة بن الزبير، عن عائشة به بنحوه، بدون ذكر الغزوة.
(1)
من كلام ابن معين في الرجال رواية ابن طهمان (388)، العلل لأحمد 2/ 483، الجرح والتعديل 6/ 368، ضعفاء العقيلي 3/ 315، سؤالات البرقاني (374)، تهذيب الكمال 21/ 260، من تكلم فيه وهو موثق (259)، الميزان 3/ 178، التقريب (4858).
(2)
تهذيب الكمال 24/ 301، التقريب (5691).
(3)
تهذيب الكمال 33/ 370، التقريب (8142).
(4)
سنن النسائي الكبرى 5/ 306 ح (8950).
(5)
سنن البيهقي 10/ 219، والآداب (915).
(6)
صحيح ابن حبان 13/ 174 ح (5864).
- وأخرجه أحمد
(1)
-ومن طريقه الخرائطي
(2)
- عن هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي مرسلًا مختصرًا.
• الحكم على الحديث:
- إسناده ضعيفٌ؛ فقد تفرد به يحيى بن أيوب، واضطرب فيه، فرواه -مرة- عن عُمارة بن غَزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة مرفوعًا، ورواه -أخرى- عن عُمارة بن غَزية، عن أبي النضر، عن عروة بن الزبير، عن عائشة مرفوعًا.
والراويان عن يحيى ثقتان، وهما سعيد بن أبي مريم -وقد سبق بيان حاله-، وابن وهب، وهو ثقةٌ حافظٌ
(3)
، فالاضطراب من يحيى، وقد سبق نقل قول الدارقطني عن يحيى:«في بعض حديثه اضطراب» .
وقد خالف يحيى بنَ أيوب هُشيْمٌ، فرواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي مرسلًا، وهذا هو الصحيح، وقد صرح هُشيمٌ فيه بالتحديث.
وبناءً على هذا فالحديث لا يصح إلا مرسلًا.
• غريب الحديث:
- قولها: «وفي سَهْوتها سِترٌ» : السَّهْوة: بيتٌ صغير منحدر في الأرض قليلًا، شبيهٌ بالمخدع والخِزانة، وقيل: هو كالصُّفَّة تكون بين يدي البيت، وقيل: شبيهٌ بالرف أو الطاق، يوضع فيه الشيء
(4)
.
- قولها: «من رِقاع» : جمع رُقعة، وهي الخرقة، وما يكتب عليه
(5)
.
- قولها: «حتى رأيت نواجذه» : النواجذ من الأسنان: الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك، والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان، والمراد الأول؛
(1)
العلل ومعرفة الرجال 2/ 277.
(2)
اعتلال القلوب ح (603).
(3)
التقريب (3694).
(4)
النهاية 2/ 430.
(5)
عون المعبود 13/ 190.
لأنه ما كان يبلغ به الضحك حتى تبدو أواخر أضراسه، وإن أريد بها الأواخر فالوجه فيه: أن يراد مبالغة مثله في ضحكه، من غير أن يراد ظهور نواجذه في الضحك، وهو أقيس القولين؛ لاشتهار النواجذ بأواخر الأسنان
(1)
.
• فقه المطلب:
أولًا: دلت أحاديث المطلب على جواز اتخاذ صور
(2)
البنات؛ وقد ثبت منها حديث عائشة بلفظ: «كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يَتَقمَّعن منه، فيسرِّبهن إلي، فيلعبن معي» .
وإلى هذا ذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية
(3)
.
وذهب الإمام أحمد، وجماعة من المالكية، والشافعية
(4)
إلى عدم جواز اتخاذ صور البنات، وأجابوا عن الأحاديث المبيحة بثلاثة أجوبة
(5)
:
1 -
أن الأحاديث المبيحة منسوخة بأحاديث النهي عن التصوير.
2 -
أن الباء في قولها: «ألعب بالبنات» بمعنى: «مع» ، ومعناه؛ أي: كنت ألعب مع البنات.
3 -
أنه ليس في حديث عائشة رضي الله عنه ا تصريحٌ بأن لُعَبها كانت صورًا حقيقية؛ فقد
(1)
النهاية 5/ 20.
(2)
وقد حدد بعضهم الصورة، فقال ابن حمدان من الحنابلة -كما في الآداب الشرعية 3/ 485 - :«المصورة: ما لها جسمٌ مصنوعُ له طولُ، وعرضٌ وعمقٌ» ، وقال الدسوقي من المالكية في حاشيته 2/ 338:«يستثنى من المحرم تصوير لعبة على هيئة بنت صغيرة؛ تلعب بها البنات الصغار؛ فإنه جائز» ، وبنحوه قال العدوي في حاشيته 2/ 601.
(3)
إكمال المعلم 7/ 227، شرح النووي 14/ 82 و 15/ 204، فتح الباري 10/ 527، عمدة القاري 12/ 40.
(4)
سنن البيهقي 10/ 219، شرح ابن بطال لصحيح البخاري 9/ 305، الآداب الشرعية 3/ 185، فتح الباري 10/ 527، فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 1/ 182، إعلان التنكير على المفتونين بالتصوير للشيخ حمود التويجري ص 97 - 103.
(5)
ينظر: المراجع السابقة.
يسمى ما ليس صورة لعبة، ومن ادّعى أن لعب عائشة كانت صورًا حقيقية فعليه إقامة الدليل.
والقول الراجح هو الأول، ويجاب عن حجج القول الثاني بما يلي:
- أما دعوى النسخ فغير مقبولة؛ لأمرين:
الأول: أن من المقرر في أصول الفقه أنه لا يعمل بالنسخ بين الأدلة إلا إذا لم يمكن الجمع
(1)
، والجمع ممكن هنا؛ وذلك بأن تحمل الأحاديث المبيحة هنا على لعب الأطفال، ويبقى النهي على عمومه.
الثاني: أن من شروط صحة النسخ معرفة المتقدم والمتأخر من الأدلة
(2)
، وهو هنا متعذر.
- وأما دعوى أن الباء في (بالبنات) بمعنى (مع) فضعيفة؛ فقد جاءت روايات تنفي هذا الاحتمال، منها ما أخرجه مسلم
(3)
بلفظ: «كنت ألعب بالبنات في بيته، وهن اللُّعَب» ، وأخرجه
(4)
بلفظ: «زُفَّت إليه وهي بنت تسع سنين ولُعَبها معها» ، وأخرج النسائي
(5)
الحديث بلفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرِّب إلي صواحبي، يلعبن معي باللُّعَبِ البناتِ الصغار» ، وذكر الحافظ ابن حجر رواية أخرى للحديث، فقال: ويَرُدُّه ما أخرجه ابن عيينة في الجامع، من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه، عن هشام بن عروة في هذا الحديث:«وكن جواري يأتين فيلعبن بها معي»
(6)
.
فكل هذه الروايات تمنع حمل معنى (الباء) على (مع).
- وأما دعوى أن لُعَب عائشة لم تكن صورًا حقيقية؛ فقد يُسمَّى ما ليس صورة لُعبة، فالجواب عن هذا أن يقال: إن القول: بأن ما ليس صورة إذا كان
(1)
ينظر: البحر المحيط للزركشي 4/ 435، قواعد الأصول، لعبد المؤمن البغدادي 1/ 281.
(2)
ينظر: البحر المحيط للزركشي 3/ 231، قواطع الأدلة للسمعاني 1/ 171.
(3)
صحيح مسلم ح (2440).
(4)
صحيح مسلم ح (1422).
(5)
سنن النسائي الكبرى 5/ 306 ح (8948).
(6)
فتح الباري 10/ 527.
يلعب به يسمى لعبة -صحيحٌ ومعروفٌ لغةً
(1)
، لكنَّ نصِّية عائشة رضي الله عنه ا على أن لُعَبها كنَّ بناتٍ يمنع من حمله إلا على الصور الحقيقية، وذلك بدلالة اللغة، فقد فسر- أهل اللغة البنات هنا بأنها التماثيل التي يلعب بها الصبايا
(2)
، وكفى باللغة دليلًا على ذلك.
ثانيًا: علل أهل العلم استثناء لعب الأطفال من الصور المحرمة، فقال الحَلِيمي: «للصبايا في ذلك فائدتان: إحداهما عاجلة، والأخرى آجلة:
فأما العاجلة، فالاستئناس الذي في الصبيان من معادن النشوء والنمو؛ فإن الصبي إن كان أنعم حالًا، وأطيب نفسًا، وأشرح صدرًا كان أقوى وأحسن نموًّا؛ وذلك لأن السرور يبسط القلب، وفي انبساطه انبساط الروح، وانتشاره في البدن، وقوة أثره في الأعضاء والجوارح.
وأما الآجلة، فإنهن سيعلمن من ذلك معالجة الصبيان، وحبهم، والشفقة عليهم، ويلزم ذلك طبائعهنَّ، حتى إذا كبرن وعاينَّ لأنفسهنَّ ما كنَّ تسرينَّ به من الأولاد كنَّ لهم بالحق كما كنَّ لتلك الأشباه بالباطل»
(3)
.
ثالثًا: بوَّب الإمام النسائي
(4)
على أحاديث المطلب بقوله: «إباحة الرجل اللعب لزوجته بالبنات» ، وظاهر هذه الترجمة عدم التقييد بحال الصغر، قال ابن حجر:«وفيه نظر»
(5)
.
قلت: يؤيد استعمال البالغة للُّعب -الحديث الذي ورد فيه أن ذلك حدث من عائشة رضي الله عنه ا بعد قفوله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، فتكون عائشة في تلك السنة قد بلغت قطعًا-؛ ولكن الحديث ضعيفٌ مضطرب؛ فلا يصح الاستدلال به على ذلك.
والقول بأن ذلك جرى منها وهي صغيرة متعين؛ فقد أخرج مسلم
(6)
،
(1)
ينظر: تعريف اللعب في أول الرسالة.
(2)
ينظر: الفائق 1/ 131، مشارق الأنوار 1/ 91، النهاية 1/ 158، لسان العرب 14/ 89، تاج العروس 23/ 228.
(3)
المنهاج 3/ 97.
(4)
سنن النسائي الكبرى 5/ 305.
(5)
فتح الباري 10/ 527.
(6)
صحيح مسلم ح (1422).
والنسائي
(1)
، وابن سعد
(2)
، عن عائشة:«أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع سنين ولُعَبها معها» . وهذا لفظ مسلم، ولفظ ابن سعد، قالت عائشة:«تزوج بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة سبع سنين، ودخل بي وأنا ابنة تسع سنين، وكنت ألعب بالبنات مع صواحبي» ، فإذا جاء وهن بين أيدينا يقول لنا النبي صلى الله عليه وسلم :«مكانكن» .
وقد كان ابن حبان أدق في التبويب؛ إذ قال: «ذكر جواز لعب المرأة -إذا كان لها زوج وهي غير مدركة- باللعب» ، وقال:«ذكر الإباحة لصغار النساء اللَّعب باللُّعب وإن كان لها صور»
(3)
.
رابعًا: اختلف العلماء المعاصرون في صور البنات المصنوعة من البلاستيك على قولين:
القول الأول: أنها محرمة، وإلى هذا ذهب سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم
(4)
، والشيخ حمود التويجري
(5)
، والشيخ عبد الله بن جبرين
(6)
، والشيخ صالح الفوزان
(7)
، واللجنة الدائمة للإفتاء
(8)
.
واستدلوا بأن هذه الصور صورٌ تامةٌ بكل اعتبار، ولها من المنظر الأنيق، والصنع الدقيق، والرونق الرائع ما لا يوجد مثله في الصور التي حرمتها الشريعة، ففيها حقيقة التمثيل والمضاهاة بخلق الله.
وأما لُعب عائشة فلم تكن صورًا حقيقية؛ فإنها ليست منقوشة، ولا منحوتة، ولا مطبوعة؛ بل الظاهر أنها من العِهْن، أو القُطْن، أو الخِرَق، لما
(1)
سنن النسائي ح (3378).
(2)
الطبقات 8/ 61.
(3)
صحيح ابن حبان 13/ 173 - 174.
(4)
فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 1/ 181 - 183.
(5)
إعلان النكير ص 97 - 103.
(6)
للشيخ أكثر من فتوى في هذا، منها فتوى رقم:(8194) و (11585) و (11774) في موقعه الإلكتروني.
(7)
المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان 3/ 281.
(8)
فتاوى اللجنة الدائمة 27/ 283.
علم من حال العرب من الخشونة غالبًا في أوانيهم، ومراكبهم، وآلاتهم
(1)
.
القول الثاني: أنها مباحة، وإلى هذا ذهب جماعةٌ من المعاصرين، منهم الشيخ سيد سابق
(2)
، والشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق
(3)
، والشيخ يوسف القرضاوي
(4)
.
واستدلوا بقياس اللُّعب المعاصرة على لُعَب عائشة؛ إذ لا فرق بينهما سوى أن اللُّعَب المعاصرة أدق في الصنع، وهذا فرق غير مؤثر؛ فكلاهما خاصٌّ بالصغار، ويوصف بأنه ممتهن غير معظم
(5)
.
وبعد التأمل في أدلة القولين يظهر -والله أعلم- أن القول الثاني أقرب؛ ويناقش دليل القول الأول بما يأتي:
أولًا: أن القول بأن لُعَب عائشة لم تكن صورًا حقيقية؛ بل الظاهر أنها من العِهْن، أو القُطْن، أو الخِرَق -يحتاج إلى دليل، وقد بحثت لعلي أن أجد دليلًا على ذلك، فلم أجد سوى حديثين:
- حديث الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ -وقد سبق- وفيه: «
…
ونجعل لهم اللعبة من العِهْن»، وقد سبق مناقشة هذا الحديث، وبيان أن قصره على لُعَب البنات يحتاج إلى دليل.
- حديث عائشة بلفظ: «ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاعٍ» وقد سبق بيان ضعف الحديث، واضطرابه.
ثانيًا: أن الجزم بأن لُعَب عائشة رضي الله عنه ا لم تكن منقوشة، أو منحوتة -يحتاج إلى دليل، والاحتجاج على ذلك بأنه لا يتصور وجود هذه الصور الدقيقة؛ لما علم من حال العرب من الخشونة غالبًا في أوانيهم، ومراكبهم، وآلاتهم- غير مقنع؛ لأمرين:
(1)
ينظر: المراجع السابقة.
(2)
فقه السنة 3/ 500.
(3)
أحكام التصوير في الشريعة الإسلامية ص 28.
(4)
الحلال والحرام ص 103.
(5)
ينظر: المراجع السابقة، وأحكام التصوير في الفقه الإسلامي ص 260.
1 -
ما علم بدلالة اللغة من معنى البنات في حديث عائشة رضي الله عنه ا وأنها التماثيل التي يلعب بها الصبايا، وقد سبق ذكر ذلك، وحسبك بهذا الدليل قوة.
2 -
أن المتأمل لأشعار العرب يجد أن الصورة الدقيقة الملامح موجودةٌ في أشعارهم، وهذا دليلٌ على وجودها في ذلك الزمان، ومن ذلك قول النابغة الذبياني
(1)
:
أو دُميةٍ من مرمرٍ
(2)
مرفوعةٍ
…
بُنِيَتْ بِآجُرٍّ
(3)
يُشَادُ وقَرْمَدِ
(4)
وقول ابن قيس الرُّقَيَّات
(5)
:
كأنها دُمْيَةٌ مُصَوَّرَةٌ
…
مِيع
(6)
عَليها الزِّريابُ
(7)
والوَرِقُ
(8)
والدمية هي: الصورة المصورة وجمعها دُمَى؛ لأنها يُتَنَوَّقُ في صنعتها، ويبالغ في تحسينها، وقيل: الصورة المُنَقَّشة من العاجُ
(9)
.
وما دام أن المسألة محتملةٌ؛ أن تكون لُعَب عائشة من العِهْن، أو تكون منقوشة، فتخصيصها في أحد أفرادها يحتاج إلى دليل.
ثالثًا: أن الجمهور من أهل العلم الذين استثنوا لُعَب عائشة من النهي
(1)
ديوان النابغة ص 96.
(2)
المرمر: نوعٌ من الرخام صُلْب، لسان العرب 5/ 165.
(3)
الآجُرُ: طبيخُ الطين، الواحدة بالهاء أُجُرَّةٌ وآجُرَّةٌ وآجِرَّةٌ، لسان العرب 4/ 10.
(4)
القَرْمد: كل ما طلي به للزينة كالجِصِّ والزعفرانِ، لسان العرب 3/ 352.
(5)
الفصول والغايات لأبي العلاء المعري ص 93.
(6)
مِيع: جرى منبسطًا في هِينةٍ، لسان العرب 8/ 344.
(7)
الزِّرْيابُ: الذَّهَبُ، لسان العرب 1/ 447.
(8)
الوَرِق: الفضة، لسان العرب 10/ 384.
(9)
غريب الحديث لابن قتيبة 1/ 498، غريب الحديث لابن الجوزي 1/ 350، النهاية 2/، لسان العرب 14/ 267، وقد ورد في حديثٍ أخرجه الترمذي في الشمائل ح (8)، وابن سعد في الطبقات 1/ 422، والطبراني في الكبير 22/ 155 وغيرهم في وصف هند ابن أبي هالة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه:«كأن عنقه جيدُ دميةٍ في صفاء الفضة» ، لكن إسناده ضعيفٌ.
عن التصوير -إنما استثنوها؛ لأنها صور-، ولو لم تكن صورة لم تكن داخلة في النهي حتى تستثنى.
رابعًا: أن هذه الصور إنما هي خاصةٌ بالأطفال، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«إنه يرخص للصغار ما لا يرخص للكبار»
(1)
(2)
. اهـ. بتصرف.
لكن ينبغي أن يعلم أنه إذا صحب هذه الصور شيءٌ من الحرام، كصوتٍ حرام، أو دعوة إلى الفاحشة، وكشف العورات؛ فإنها تحرم بهذا الوصف.
(1)
مجموع الفتاوي 30/ 216.
(2)
الشرح الممتع 2/ 208.