الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
34- باب: الجرائم الموبقة والسبع المهلكة
عن أبي هريرة عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» ، قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر وقتل النّفس التي حرّم الله إلّا بالحق، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّوليّ: يوم الزّحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي «1» ] .
اللغة:
الاجتناب: الابتعاد وأصله جعل الشيء على جنب. والموبق: المهلك، والسحر: يطلق عند العرب على كل ما لطف مأخذه ودق وخفي؛ يقال سحرت فلانا وسحرته إذا خدعته واستملته. وكل من استمال شيئا فقد سحره: ومنه سحر العيون وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا» «2» ، وأصل المادة السحر- بالفتح والتحريك- بمعنى طرف الحلقوم أو الرئة لأنهما باطنان خفيان فأخذ من اسمهما السحر لدقة مسلكه. وخفاء سببه على أكثر الناس. ويطلق على ضرب من التخييل لا حقيقة له تخدع به العيون حتى ترى ما ليس واقعا واقعا. كالذي يفعله المشعوذ «3» يصرف به الأبصار عمّا يعمله بخفة يده وسرعة حركته وإلى ذلك الإشارة بقوله:
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى «4» ، وقد يستعان على ذلك باستخدام خواص الأشياء وطبائعها التي لا يعرفها العامة، كخاصية جذب المغناطيس للحديد، فهذا
(1) رواه البخاري في كتاب: الوصايا، باب: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى
…
(2766) . ورواه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (258) . ورواه النسائي في كتاب: الوصايا، باب: اجتناب أكل مال اليتيم (3673) . ورواه أبو داود في كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم (2874) .
(2)
رواه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في إن من البيان سحرا (2028) . ورواه البخاري في كتاب: الأدب، باب: إن من البيان سحرا (5767) .
(3)
المشعوذ: من الشعبذة: وهي مهر في الاحتيال، وأرى الشيء على غير حقيقته، معتمدا على خداع الحواس.
(4)
سورة طه، الآية:66.
الضرب إما حيلة وشعوذة؛ وإما صناعة عليمة خفية. يجهلها أكثر الناس. فيسمونها سحرا كالذي حكاه المؤرخون عن سحرة فرعون أنهم استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصورة الحيات والثعابين. حتى خيّل إلى الناس أنها تسعى.
وقال بعض العلماء: إنه يطلق على ضرب ثالث يحصل بمعونة الشياطين.
والتقرب إليهم بالمعاصي؛ يؤثر في القلوب بنحو الحب والبغض. وفي الأجسام بنحو الألم والسقم؛ وهذا الضرب يحتاج إلى برهان عملي.
قال القرطبي: السحر حيل صناعية يتوصل إليها باكتساب غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته. وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإبهامات «1» بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ «2» مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا. ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر. وفي الأبدان بالألم والسقم. وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانا أو عكسه بسحر الساحر ونحو ذلك.
والمراد به في الآية الضربان الأخيران أما الأول: فإنه السحر الحلال. والربا في اللغة: الزيادة مطلقا يقال: ربا يربو ربوا إذا زاد ونما.
وفي اصطلاح الفقهاء: الزيادة على رأس المال من وجه خاص. والربا المعروف في الجاهلية أن يقول الدائن لمدينه إذا حل الأجل: إما أن تعطي وإما أن تربي. واليتيم من الإنسان: الذي فقد أباه. ومن الحيوان: ما فقد أمه. والتولي:
الفرار والهرب وأصله إعطاؤك الغير وليك أي ظهرك. والزحف: المشي. وزحف الجيش مشيه إلى عدوه في ثقل لكثرته. وأصل الزحف: الدب على المقعدة أو الركبتين قليلا قليلا. والقذف: الرمي. والمراد به هنا الرمي بالزنى. والمحصنات:
العفيفات اللاتي أحصنّ نفوسهن من الخنا «3» مأخوذ من الحصن وهو المكان المنيع،
(1) إبهامات: أبهم الأمر: أخفاه وأشكله.
(2)
سورة الأعراف، الآية:116.
(3)
الخنا: الفحش في الكلام، وخنا الدهر: آفاته ونوائبه.