الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: (والنظر في أطراف: الأول في الطرق الدالة على العلية.
الأول: النص القاطع كقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً}
، وقوله صلى الله عليه وسلم:"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، وقوله:"إنما نهيتكم عن لحم الأضاحي لأجل الدّافة").
المراد بالنّص
(1)
(2)
كما قال الإمام وغيره: ما كانت دلالته ظاهرةً
(1)
النّص: لغةً نص الحديث إليه رفعه وناقته استخرج أقصى ما عندها من السير والشيء حركه ومنه فلان ينص أنفه غضبا وهو نصاص الأنف والمتاع جعل بعضه فوق بعض وفلانا انتقص مسألته عن الشيء والعروس أقعدها على المنصة بالكسر وهي ما ترفع عليه فانتصت والشيء أظهره والشواء ينص نصيصا صوت على النار والقدر غلت والمنصة بالفتح الحجلة من نص المتاع والنص الإسناد إلى الرئيس الأكبر والتوقيف والتعيين على شيء ما.
ينظر: القاموس المحيط: ص 716 مادة "نصّ".
(2)
يقال الطرق الدالة على العليّة، وعبّر عنها آخرون بمسالك العلّة، وغيرها، وقد اقتصر صاحب المنهاج على تسعة وهي: النص، والإيماء، والإجماع، والمناسبة، والسبر والتقسيم، والدوران، والطرد، وتنقيح المناط. وبين مواطن النزاع والوفاق.
وقد دأب بعض الأصوليين على تقديم الإجماع قبل النص وتقديمه على النص ليس تقديما على الكتاب والسنة بل لأن الإجماع لا يتطرق إليه النسخ والتأويل، بخلاف الظواهر من النصوص، وبعضهم قدم النص على الإجماع كما فعل المصنف لشرفه عليه، وقد فعل السبكي في جمع الجوامع بالراي الأول فقدم الإجماع على النص تبعا لابن الحاجب لتقدمه عليه عند التعارض على الصحيح.
ينظر على سبيل المثال: التمهيد لأبي الخطاب: 4/ 21، والبحر المحيط: 5/ 185، وشرح الكوكب المنير: 4/ 115، حاشية البناني علة جمع الجوامع: 2/ 262. وقد =
سواء كانت قاطعة أم محتملة
(1)
، وتقسيم المصنف النّص إلى قاطع وظاهر يخالف ما تقدم منه في تقسيم الألفاظ من جعل الظاهر قسيمًا
(2)
للنّص لا قسما
(3)
منه
(4)
(5)
.
= قال صاحب البحر: 5/ 185 "واعلم أنّ كون الإجماع من طرق العلّة حكاه القاضي في مختصر التقريب عن معظم الأصوليين".
(1)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 193، والبرهان:
(2)
القسيم: قسيم الشيء هو ما يكون مقابلًا للشيء ومندرجًا معه تحت شيء آخر، كالاسم فإنه مقابل للفعل ومندرج تحت شيء آخر وهي الكلمة التي هي أعمّ منهما. التعريفات: ص 224.
(3)
القسم: قسم الشيء: ما يكون مندرجًا تحته وأخص منه كالاسم فإنه أخص من الكلمة ومندرج تحتها. التعريفات: ص 224.
(4)
وقد نبه الشارح على ذلك عند الكلام عن النص والظاهر في مباحث الألفاظ، فقال:"وقد جمع الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رضي الله عنه في شرح العنوان الاصطلاحات في النص فقال هي ثلاث: أحدها: ألا يحتمل اللفظ إلا معنى واحدًا، الثاني: اصطلاح الفقهاء وهو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور، قلت: وهو الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب القياس، كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله تعالى، والثالث: اصطلاح الجدليين فإن كثيرًا من متأخريهم يريدون بالنص مجرد لفظ الكتاب والسنة" ينظر ص: 550 وما بعدها.
(5)
ولعل هذا المصطلح الذي اختاره المصنف هنا غير المصطلح الذي اختاره هناك، فالنص له معنى هناك وهو قسيم الظاهر، وله معنى هنا وهو ما يشمل القاطع والظاهر، وهو شائع بين العلماء، ألا ترى أن أهل النحو يصطلحون مثلا على الإضافة في باب الإضافة، غير الذي يصطلحون به في باب المنادى. أو لفظ المفرد فهو قسيم المثنى والجمع في بابها، وهو في باب آخر قسيم المركب. والعلّة عند الأصوليين تعني في باب العلل في القياس غير ما تعنيه مثلا في باب الحكم الوضعي فقد تكون =
وحاصل ما ذكره هنا: أنّ النَّص على قسمين:
الأول: القاطع وعبّر عنه الآمدي والهندي وغيرهما بالصريح
(1)
وله ألفاظ منها
(2)
:
- (كي) كقوله تعالى في الفيء: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً}
(3)
أي إنما وجب تخميسه كي لا يتداوله الأغنياء منكم، فلا يحصل للفقراء شيء
(4)
.
= مرادفة للسبب.
(1)
إنّ صاحب المنهاج تبعًا للإمام في المحصول أراد بالنص ما قابل الإيماء، وقسمه إلى قاطع أي صريح كما في عبارة غيره وإلى إيماء، وأراد ابن الحاجب ما يشمل الإيماء وقسمه إلى صريح وإيماء وأدخل الإيماء في النّص. فبين النّص عند ابن الحاجب والنّص عند غيره العموم والخصوص المطلق. وكذا بين الصريح عنده والصريح عند غيره العموم والخصوص المطلق. والنّص عنده يرادف الصريح عند غيره.
أما ما سلكه صاحب المنهاج وتبعه الشارح، فقد أراد بالنّص - كما قلت سابقًا - ما قابل الإيماء. وقد عرفوه بأنه ما دلّ على عليّة الوصف للحكم من الكتاب أو السنة، وينقسم إلى قسمين: قاطع، وظاهر؛ فالقاطع: ما لا يحتمل غير العليّة، والظاهر ما يحتمل غير العليّة احتمالا مرجوحًا. ينظر الأحكام للآمدي: 3/ 364، ونهاية الوصول: 8/ 3263، والنبراس: ص 227 - 228.
(2)
قال الزركشي في البحر المحيط: 5/ 187: "الأوّل منه التصريح بلفظ الحكمة كقوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ}، وقد أهمله الأصوليون وهو أعلاها رتبة".
ويأتي في الرتبة الثانية لعلّة كذا، لسبب كذا ولموجب كذا ولمؤثر كذا، ولم يذكر الأصوليون لهذه أمثلة ولعلهم لم يظفروا بذلك في الكتاب ولا في السنة.
(3)
سورة الحشر من الآية 7.
(4)
قال ابن كثير في تفسيره: "وقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} =
- ومنها (لأجل كذا) أو من أجل كذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" رواه البخاري ومسلم
(1)
، وقوله:"إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وادخروا"
(2)
رواه مسلم وأبو داود والنسائي، أي لأجل التوسعة على الطائفة التي قدمت المدينة أيام التشريق والدّافة: القافلة السائرة
(3)
.
= أي جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا يبقى مأكله يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء ولا يصرفون منه شيئا إلى الفقراء" تفسير ابن كثير: 4/ 337.
(1)
متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان (79) باب الاستئذان من أجل البصر (11) ص 1202 رقم (6241)، وأخرجه مسلم في كتاب الأدب (38) باب تحريم النظر في بيت غيره (9) ص 890 رقم (2157)
(2)
رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن واقد: ص 817، في كتاب الأضاحي (35)، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، الا السنّ والظفر وسائر العظام (4) رقم الحديث (28/ 1971)، وأبو داود في سننه عن عائشة، ص 437، في كتاب الضحايا (10) باب في حبس لحوم الأضاحي (10)، رقم الحديث (2812). والنسائي في سننه ص 2376 من موسوعة الكنب الستة، كتاب الضحايا (43)، باب الادخار من الأضاحي (37) رقم الحديث (4436).
(3)
الدافَّة: القوم يَسيرون جماعة سَيْرًا ليس بالشديد، يقال: هم يَدِفُّون دَفِيفًا والدافَّة قوم من الأعراب يَرِدُون المِصْر، يُريد أنهم قَوم قَدِموا المدينة عند الأضْحَى فنَهاهم عن ادّخار لُحوم الأضاحي؛ لِيُفَرِّقوها ويتصدَّقوا بها، فيَنْتفِع أولئك القادمون بها، ومنه الحديث:"إن في الجنة لنَجائبَ تَدِفُّ بِرُكْبانِها" أي تَسِير بهم سَيْرًا لَيِّنًا.
ينظر: النهاية في غريب الأثر: 2/ 124. والقاموس المحيط: ص 1047 مادة: (دفف).
- ومنها (لعلّة كذا أو لسبب أو لمؤثر أو لموجب) وأهمل المصنف ذلك لكونه في معنى الأجل.
قال: (والظاهر اللام كقوله تعالى لدلوك الشمس فإن أئمة اللغة قالوا اللام للتعليل.
وفي قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ}
وقول الشاعر: لدّوا للموت وابنوا للخراب للعاقبة مجازا،
وإنّ: مثل "ولا تقربوه طيبا فإنّه يحشر يوم القيامة ملبيا" والباء مثل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} ).
الثاني: من قسمي النّص: الظاهر
(1)
وهو اللام، وإنّ، والباء.
أمّا (اللام): فكما في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}
(2)
فإنّ أهلَ اللغة نصّوا على أنَّه للتعليل، وإنما لم يكن صريحًا لاحتمال الاختصاص، أو المِلك وغير ذلك
(3)
.
(1)
ويراد بالظاهر هنا أي أنّ ما يحتمل غير العلية احتمالا مرجوحًا. كالحروف التي ذكرها. اعترض الإسنوي على البيضاوي على تقسيمه النَّص إلى قاطع وظاهر باعتراضين:
أحدهما: كيف يكون النّص قاطعًا، مع أن دلالات الألفاظ ليست يقينية عند الإمام.
الثاني: كيف جعل الظاهر قسما من النّص، مع أنه ذكر في تقسيم الألفاظ أن الظاهر قسيم النّص أي أنه قد جعل هنا قسيم الشيء قسمًا منه وذلك باطل بالبداهة.
ينظر إجابة هذه الاعتراضات في: نهاية السول: 4/ 59 - 61.
(2)
سورة الإسراء من الآية 78.
(3)
ينظر معاني اللام في: مغني اللبيب: 2/ 207 - 234.
قوله: وفي قوله هذا جواب عن سؤال مقدَّر تقديره اللام ليست للتعليل كقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ}
(1)
فإنّ ذلك ليس غرضًا بالإجماع، فإنّ النّاس على قولين: منهم من لم يعلل أفعال الله لشيء أصلًا، ومنهم من يعللها بالمصالح، فأمّا تعليلها بالمضار والعقوبات فلم يقل به عاقل.
ولقول الشاعر:
لَهُ مَلِكٌ يُنَادِي كلّ يومِ
…
لِدُوا لِلمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرَابِ
(2)
وذلك ليس للعلية
(3)
إذ الولادة والبناء ليس لغرض الموت والخراب.
وجوابه: أنّ اللام في هذه الأماكن مستعملة على جهة التجوز للعاقبة، فإنّ عاقبة كثير من المخلوقات جهنّم، وعاقبة الولادة الموت، والبناء للخراب
(4)
، والعلاقة بين العلّة والعاقبة، أنّ عاقبةَ الشيءِ
(1)
سورة الأعراف من الآية 179.
(2)
البيت لأبي العتاهية ينظر: ديوان أبي العتاهية: ص 23. وجاء في كشف الخفاء: 2/ 140 "أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة والزبير مرفوعًا من حديث طويل، وفيه: "وأن ملكا بباب آخر في الجنة يقول: يأيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى، وأنّ ملكا بباب آخر ينادي يا ابن آدم: لدوا للموت وابنوا للخراب"، وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الواحد بن زياد أن عيسى بن مريم قال: (يا بني آدم لدوا للموت وابنوا للخراب تفنى نفوسكم وتبلى دياركم) ".
(3)
في (ص): للغلبة.
(4)
في (غ): الخراب.
مترتبةٌ عليه في الحصول كترتبِ العلّةِ الغائبةِ على معلولها، واستعمالُها على جهة المجاز لا ينفي كونها ظاهرة في
(1)
التعليل الذي هو حقيقتها.
فإن قلت: استعمالُها في غير التعليل لا ينفي كونها ظاهرةً فيه، لو ثبت كونها حقيقةً له لكن لم يثبت بعد فإنّكم إنّما استدللتم عليه بالاستعمال وعارضناه
(2)
بمثله فليس الاستدلال بذلك الاستعمال على حقيتها في التعليل أولى من العكس.
قلت: الاستدلال بما ذكرنا من الاستعمال أولى لموافقته
(3)
قول أهل اللغة أنّها للتعليل ولكونه أسبق إلى الفهم.
وأما (إنّ) فكقوله عليه الصلاة والسلام في المحرم الذي وقصته ناقته: "ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا"
(4)
أخرجاه في الصحيحين.
(1)
(في) ليس في (غ).
(2)
في (غ): وعارضنا.
(3)
في (ت): (وعارضناه) بدل (أولى لموافقته) لسبق النظر.
(4)
رواه ابن عباس مرفوعًا بلفظ: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيًا" أخرجه البخاري في صحيحه: ص 248، في كتاب الجنائز (23) باب كيف يكفن المحرم (22) رقم (1267 - 1268)، ومسلم في صحيحه: ص 473، في كتاب الحج (15) باب ما يفعل المحرم إذا مات (14) رقم (93/ 1206).
وفي هذا الحديث جهتان تدلان على التعليل [بـ]
(1)
(إنّ) لما تقرر. من ترتيب
(2)
الحكم على الوصف كما سيأتي في كلام المصنف إن شاء الله تعالى
(3)
.
وأما (الباء) ففي قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}
(4)
.
فإن قلت: أصل الباء للإلصاق
(5)
، فلم قلتم بأنها ظاهرة في التعليل؟ .
قلت: قال الإمام: ذات العلّة لما اقتضت وجود المعلول حصل معنى الإلصاق هناك فحسن استعماله فيه مجازًا
(6)
، لكن قال صفي الدين الهندي: هذا مخالف لما ذكره غيره، ولما أشعر به كلامه أيضًا، إذ صرح بأنَّ دلالة اللام، وإنّ، والباء على التعليل ظاهرة من غير تفرقة بينها، ثم إنّه صرّح بأنّ دلالةَ اللامِ حقيقةٌ، فأشعر بالتسوية في الدلالة؛ ولأنّ دلالة المجاز لا تكون ظاهرة إلا بطريق غلبة الاستعمال أو القرينة، فكان يجب عليه أنْ يقيد ظهور دلالته بغلبة الاستعمال لا في أصل الوضع
(7)
(8)
.
(1)
ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.
(2)
في (ص): كما تقرر وترتيب الحكم.
(3)
ذكرها في الكلام عن المسلك الثاني وهو الإيماء، وهو بعد صفحات معدودة.
(4)
سورة آل عمران: من الآية 159.
(5)
ينظر: مغني اللبيب: 1/ 101.
(6)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 196.
(7)
(لا في أصل الوضع) ساقط في (غ).
(8)
ينظر: نهاية الوصول: 8/ 3266.