الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وخلاء المعدة عين
(1)
الفرق
(2)
.
قال:
(الثالثة: القياس إما قطعي أو ظني)
هذه المسألة تشتمل على بحثين:
الأول: أنّ القياس ينقسم إلى قطعي وظني
(3)
.
الأوّل القطعي: وهو الذي يتوقف على العلم بعلّة الحكم في الأصل، ثمّ العلم بحصول مثل تلك العلّة في الفرع، فإذا علمها المجتهد
(4)
تيقَّن إلحاق ذلك الفرع بالأصل في حكمه ومساواته له، وهذا القياس قطعي كما قال المصنف، وإليه أشار الإمام في المحصول بقوله: قد يكون ظاهرًا جليًا
(5)
، ثمَّ
(1)
في (غ): عن.
(2)
قال النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: 2/ 817 "قوله: [أي الرازي] لا فرق بين الفعل والترك. بعيد؛ وكيف، وجانب النهي يدل على كون المشترك مفسدة مطلوبة العدم، ولا يحصل هذا الغرض إلا بالامتناع عن كل الأفراد، وأما في طرف الفعل، فقد يكون الغرض متعلقًا بالمصلحة المشتركة بين الأفراد، وذلك يحصل بأي فرد كان". ثمّ قال: "قوله: مع الاشتهاء الصادق وخلاء المعدة. فهو عين الفرق".
(3)
القطعي: هو ما دلَّ دلالة لا تحتمل التأويل، أو هو اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا مطابقًا للواقع غير ممكن الزوال. ينظر التعريفات ص 259، والإيضاح لقوانين الاصطلاح: ص 50. والظني: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك. ينظر: التعريفات: ص 144.
(4)
(المجتهد) ليست في (غ).
(5)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 170 - 172.
صرَّح من بعد في أثناء المسألة بأنه يقيني
(1)
.
وأما حكمه فقد يكون قطعيًا وقد يكون ظنيًا. ومثال ذلك: من
(2)
الظني قياس التأفيف على الضرب؛ لأنَّا نعلم أنّ العلّة الأذى، فيعلم وجودها في الضرب مع أنّ ثبوت الحكم في التأفيف ظني؛ لأنَّه مستفاد من دلالة اللفظ وقد قرر الإمام أنّ الإنصاف أَنَّه لا سبيل إلى استفادة اليقين منها؛ لتوقفها على الاحتمالات العشرة وهيهات أنْ توجد ذلك
(3)
.
والثاني الظنيّ: كما إذا كانت إحدى المقدمتين أو كلتاهما مظنونة، كقياس التفاح على البر في الربا، فإنّ الحكم بأنَّ الطُعم هو العلّة ليس قطعيا؛ لاحتمال أنْ يكون الكيل أو القوت
(4)
.
(1)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 172.
(2)
في (غ): من الظني.
(3)
قال الرازي في المحصول: ج 1/ ق 1/ 547 - 548 "المسألة الثالثة: في أن الاستدلال بالخطاب هل يفيد القطع أم لا؟ قال: . . . إنّ الاستدلال بالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية، والمبني على المقدمات الظنية ظنيّ فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظنّ وإنّما قلنا: إنَّه مبني على مقدمات ظنية؛ لأنّه مبني على نقل اللغات، ونقل النحو والتصريف، وعدم الاشتراك، والمجاز، والنقل، والإضمار، والتخصيص، والتقديم والتأخير، والناسخ، والمعارض، وكل ذلك أمور ظنية" فهذه الاحتمالات العشر التي أشار إليه الشارح.
(4)
اختلف الفقهاء في العلّة التي من أجلها حرم الربا في البر وما ألحق به هل هو الطعم أو الاقتيات أو الكيل أو الادخار، أو كلها أو بعضها دون البعض؟ ينظر تفاصيل ذلك في المغني: 4/ 26، بداية المجتهد: 2/ 99، والمهذب: 1/ 270.
قال: (فيكون الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف أو مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية أو أدون كقياس
(1)
البطيخ على البر في الربا).
البحث الثاني: في حكم الأصل. فثبوت حكم الأصل: إمّا أنْ يكون يقينًا، قال الإمام فيستحيل أنْ يكون الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنَّه ليس فوق اليقين درجة
(2)
.
واعترض عليه النقشواني بأنَّ اليقين قابل للاشتداد والضعف
(3)
، وهذا الاعتراض بناءً على أنّ العلوم تتفاوت.
وإنْ لم يكن يقينيًا، فثبوت الحكم في الفرع قد يكون أقوى من ثبوته في الأصل، وذلك في
(4)
النفي كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف فإن تحريم الضرب وهو الفرع أقوى ثبوتًا من تحريم التأفيف
(5)
الذي هو الأصل، وفي الإثبات كقوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ
(1)
(كقياس) ليست في (غ).
(2)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 174.
(3)
قال النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: 2/ 821 "قال: قوله [أي الرازي] "إذا كان الحكم في الأصل يقينًا استحال أن يكون الحكم في الفرع أقوى منه" فيه نظر؛ لأنّ اليقين قابل للاشتداد والضعف، فإن اليقين المستفاد من النظر، ليس في قوة البديهيات والمحسوسات، وكذلك البديهيات بعضها أجلى من بعض فضلًا عن النظريات".
(4)
في (غ)، (ت): نفي النفي.
(5)
"فإن تحريم الضرب وهو الفرع أقوى ثبوتا من تحريم التأفيف"، ساقط من (ص).
إِلَيْكَ}
(1)
فهذا يفيد تأدية ما دون القنطار بطريق أولى، وقد يكون مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية
(2)
في قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن أعتق شِركًا له في عبد قُوِّم عليه نصيب شريكه"
(3)
إذ لا تفاوت بين الأصل والفرع في هذا الحكم وهذا هو المسمى بالقياس في معنى الأصل، وقد يكون أدون.
قال الإمام: وذلك كجميع الأقيسة التي يتمسك بها الفقهاء في مباحثهم، قال: وأما مراتب التفاوت فهي بحسب مراتب الظنون فلا ينحصر
(4)
.
ومثَّل المصنف لهذا القسم بإلحاق البطيخ بالبر في الربا بجامع الطعم مع احتمال كون العلّة الكيل أو القوت هذا تقرير ما ذكره الإمام وهو الذي
(1)
سورة آل عمران من الآية 75.
(2)
السراية: من السُّرِّية بالضم: الأمة التي بوأتها بيتًا منسوب إلى السر، بالكسر، رهو من تغيير النسب، وهي عند أبي حنيفة ومحمد من أعدت للوطءِ، مشتق من السر، وهو الجماع، حتى ولو وجد التحصين، وهو المنع من الخروج والبروز بدون التحصين، أو وجد الجماع بدون التحصين لا يكون تسريا، ورأى أبو يوسف أن التسري عبارة عن التحصين والجماع مع ترك الماء في الوطء طلبا للولد، وهو مشتق من السر، وهو الشرف، وإنما تصير شريفة إذا جعلها فراشا لتلحق بالمنكوحات. ينظر: الكليات لأبي البقاء: ص 514.
(3)
أصل هذا الحديث متفق عليه أخرجه البخاري: ص 477 في كتاب العتق (49) باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين شركاء (4) رقم الحديث (2522)، ومسلم: ص 609، في كتاب العتق (20) رقم الحديث (1/ 1501). وبهذا اللفظ أخرجه.
(4)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 175.
أورده المصنف وسائر أتباع الإمام، وقد علمت به سداد كلام الإمام وأتباعه وخطأ من اعتقد تناقض كلامه حيث جعل في البحث الأول قياس الضرب على التأفيف مقدماته قطعية، وجعله هنا ظنيا كالنقشواني وغيره
(1)
، وسبب الخطأ توهمهم أنّ القياس إنما يكون قطعيًا
(2)
إذا كان
(3)
الحكم في الأصل كذلك وهذا ليس بشيء فقد تقطع بمساواة الشيء للشيء في حكمه المظنون، كما عرفت في البحث الأول، ولك أن تنظر ذلك بإجماعهم على إلحاق الخالة بالخال في الإرث، مع اختلافهم فيه.
وإذا وضح هذا فإن قلت: تقسيم القياس إلى أدون إن أردتم به أنْ يكون ما في العلّة الموجودة في الفرع من المصلحة دون ما في الأصل فلا نسلم حينئذ جواز القياس؛ لأنَّ شرطه وجود العلة بكمالها
(1)
قال النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: 2/ 822 "بل نقول: إن جعل حرمة الضرب لحرمة التأفيف كان اليقين في الفرع أقوى من اليقين في الأصل؛ لأن الأصل وإن صار مصرحًا به لفظًا، لكن نعلم أن المقصود هو الذي نسميه فرعًا: فكان الجزم بحرمته أقوى. ثم جعل هذا القياس قياسًا مظنونًا، وعدُّه من المظنونات بعيد أيضًا؛ لأن الحكم في الأول يقيني ثابت بنص لا يحتمل التأويل، وفي الفرع أقوى منه باعترافه، فكيف يجعل ذلك من أمثلة المظنونات؟ ! ! ثم هذا يناقض ما ذكره جوابًا عن بعض المعارضات في المسألة التي قبيل هذه؛ لأنه جعل هذا القياس مما تكون مقدماته يقينية" وينظر: الإسنوي 3/ 29، فقد ذكر توهم النقشواني وغيره من الشراح.
(2)
(قطعيا): ليس في (ت).
(3)
(كان): ليس في (ت).
في الفرع، وإن أردتم شيئًا آخر فعليكم بيانه.
قلت: أردنا شيئًا آخر، وهو عدم القطع بأنّ ما ظنّ عليته علّة كالطعم فإنّ القائل بعليته في الربويات ليس قاطعًا بمقالته لاحتمال أنْ تكون العلّة الكيل أو القوت، فإذا جئنا
(1)
إلى قياس التفاح على البر قلنا: هو مساوٍ له في الطعم وثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر؛ لأنَّ البر مكيل مقتات مطعوم فهو ربوي على كلّ الاحتمالات، والتفاح ربوي على احتمال واحد وهو كون العلّة الطعم، والثابت على كل الاحتمالات أقوى من الثابت على احتمال واحد.
قال: (قيل تحريم التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى عرفا، ويكذبه قول الملك للجلاد اقتله ولا تستخف به.
قيل: لو ثبت قياسًا، لما قال به منكره.
قلنا: القطعي لم ينكر.
قيل: نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقولهم فلان لا يملك الحبة ولا النقير ولا القطمير.
قلنا: أما الأول فلأن نفي الجزء يستلزم نفي الكل، وأما الثاني فلأن النقل
(2)
فيه ضرورة، ولا ضرورة ها هنا).
نقدِّم على الشرح ما ينبغي تقديمه؛ ثم نلتفت إليه فنقول: اتفق
(1)
في (ت): أجبنا.
(2)
في (غ): الفعل.
الأصوليون على أَنَّه لا مستند لثبوت الحكم في القسم الثالث وهو القياس الأدْوَن إلا القياس.
وأمّا القسم الثاني وهو قياس المساواة؛ فذهب أكثرهم إلى أَنَّه ثابت بالقياس أيضًا، وذهبت الحنفية إلى أَنَّه غير ثابت به الاستدلال
(1)
أي هو استدلال على تحرير مناط الحكم، وحذف الحشو منه عن درجة الاعتبار، ولهذا أوجبوا على من أفطر في رمضان بالأكل والشرب الكفارة اعتبارًا بالمجامع فيه، لكن لا بطريق القياس عليه، إذِ القياس لا يجري عندهم في الكفّارات ولكن بطريق الاستدلال
(2)
.
وأما القسم الثالث وهو قياس الأولى وفيه كلام المصنف ففيه مذهبان:
أحدهما: أنه ثابت فيه بالدلالة اللفظية
(3)
، ثمّ اختلف القائلون بذلك على مذهبين:
أحدهما: أنه من باب المنطوق
(4)
وهو المشار إليه بقول صاحب
(1)
في (ص)، (غ): ثابت به بل الاستدلال.
(2)
ينظر: أصول السرخسي: 2/ 153، وتيسير التحرير: 3/ 275، 4/ 77.
(3)
الدلالة اللفظية: هي قسيم الدلالة غير اللفظية كالإشارة وغيرها، وأما الدلالة اللفظية فيقسمها المناطقة إلى مطابقة وتضمن والتزام يقول الأخضري:
دلالة اللفظ على ما وافقه
…
يدعونها دلالة المطابقة
وجزؤه تضمن وما لزم
…
فهو التزام إن بعقل التزم
ينظر تفاصيل ذلك: إيضاح المبهم: ص 6.
(4)
المنطوق: هو ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق: مثال وجوب الزكاة في الغنم السائمة الذي دلّ عليه حديث (في الغنم السائمة زكاة) أخرجه البخاري 3/ 253 في الزكاة باب زكاة الغنم. ينظر: مختصر ابن الحاجب: 2/ 172 - 174، والإحكام للآمدي: =
الكتاب قيل: تحريم التأفيف إلى آخره.
والثاني: أَنَّه من باب مفهوم الموافقة
(1)
، واختاره المصنف في الفصل التاسع من الكتاب الأول
(2)
وكذلك الإمام
(3)
.
وثانيهما: أَنَّه ثابت فيه بالقياس القطعيّ، واختاره المصنف هنا تبعا للإمام
(4)
، وقد نقل إمام الحرمين في البرهان القول: بأنَّه من باب المفهوم عند معظم الأصوليين وعبارته صار معظم الأصوليين أنّ هذا ليس معدودًا من أقسام الأقيسة، بل هو
(5)
متلقى من مضمون اللفظ
= 3/ 69 - 70، والمستصفى: 2/ 186 - 191، وتيسير التحرير: 1/ 98، وما بعدها.
(1)
المفهوم: ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق وينقسم إلى موافقة ومخالفة:
مفهوم الموافقة: هو ما كان المسكوت عنه موافقًا في الحكم للمنطوق ويسمى فحوى الخطاب ولحنه سواء كان المفهوم أولى من المنطوق أو مساويًا. فالأولى: كتحريم التأفيف على الضرب لأنه أشد، والمساوي: كتحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [سورة النساء: من الآية 10] إذ أن الإحراق مساو للأكل. ومن الأصوليين من يفرق بين فحوى الخطاب ولحن الخطاب فيجعل فحوى الخطاب لما كان مسكوتًا عنه أولى من المنطوق، ولحن الخطاب لا كان المسكوت عنه مساو للمنطوق.
ومفهوم المخالفة: هو ما كان المسكوت عنه مخالفًا في الحكم للمنطوق ويسمى دليل الخطاب وهو أقسام منها: (الحصر، الغاية، الشرط، الوصف، العدد، ظرف الزمان والمكان، واللقب. .) ينظر: المصادر نفسها
(2)
ينظر ص: 939.
(3)
ينظر المحصول: ج 2/ ق 2/ 174.
(4)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 174.
(5)
في (غ): هي.
المستفاد من تنبيه اللفظ وفحواه، كالمستفاد من صيغته ومبناه، ومن يسمي ذلك قياسًا فمتعلقه أَنَّه ليس مصرحًا به، والأمر في ذلك قريب
(1)
انتهى.
وإنما نقلنا هذه العبارة بنّصها لوقوع غلط بعض الشارحين في النقل عن البرهان، وكلامُ الغزالي نحو من كلام البرهان
(2)
، لكنّه استبعد تسميته قياسًا قال: لأنَّه لا يحتاج إلى فكر واستنباط علّة، وصرح بأنه مقطوع عند من سماه قياسًا ومن لم يسمه
(3)
.
وقد حكى بعض الشراح
(4)
قولا رابعا أَنَّه ثابت بالقياس الظنيّ وهذا وهمٌ سببه ما تقدم.
فإن قلت: هل من تناف بين ثبوته بالمفهوم وثبوته بالقياس ولم لا يكون إلحاق الضرب بالتأفيف ثابتًا بهما جميعا؟
قلت: قد يظن ظان عدم تنافيهما لكون المفهوم مسكوتًا عنه، والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق، وهذا ما زعم صفي الدِّين الهندي أَنَّه الحقّ، وقال: الدلالة اللفظية إذا لم يرد بها المطابقة ولا التضمن لا تنافي القياس
(5)
.
وقد يقول قائل: هما متنافيان معتضدًا بأنّ المفهوم ما دل عليه اللفظ لا
(1)
ينظر: البرهان: 1/ 451، 2/ 786.
(2)
(وكلامُ الغزالي نحو من كلام البرهان) ساقط من (ت).
(3)
ينظر المستصفى: 2/ 281.
(4)
يقصد العبري في شرحه ينظر شرح العبري ص 413.
(5)
ينظر: نهاية الوصول: 7/ 3178.
في محل النطق، والمقيس ما لا يدل عليه اللفظ البتة. وما قاله الهندي ممنوع غير أنّ هذا النوع
(1)
إنْ كان قياسًا فهو من الأقيسة الظاهرة التي لا تحتاج إلى فكر واستنباط، ولكونه كذلك ظنّ الخصم خروجه من أبواب القياس وألحقه بالمفاهيم وهو - لعمري - مصيب ولكن مستند المصنف وإمامه في
(2)
جعله قياسًا ما
(3)
فيه من الأصل والفرع والعلّة الجامعة
(4)
.
جئنا إلى كلام المصنف فنقول: احتج القائل بأن تحريم التأفيف يدل لفظًا على تحريم أنواع الأذى بثلاثة أوجه:
أحدها: أنّ {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}
(5)
وإن كان موضوعًا في اللغة للمنع من التكلم بلفظ
(6)
أف، ولكن نقل عرفًا إلى المنع من أنواع الأذى؛ لتبادر الفهم إليه، فيدل بالعرف على تحريم أنواع الأذى.
قال المصنف في الجواب: ويكذب ذلك قولُ الملك للجلاد حيث أمره بقتل عدوه: اقتله ولا تستخف به، ولو دلّ نفي الأدنى على نفي الأعلى عرفًا للزم من قوله: ولا تستَخِفَّ به النهي عن قتله، وذلك مناقض لصريح قوله.
(1)
(النوع) ليس في (ص).
(2)
في (ص): من جعله.
(3)
(ما) ليس في (ت).
(4)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 174، ونهاية الوصول: 7/ 3178.
(5)
سورة الإسراء من الآية 23.
(6)
في (غ): بلفظة.
ولقائل أنْ يقول: إن كان بقتله من ذوي الأنفة والأنفس الأبية، فالاستخفاف عنده أشدّ وقعًا من القتل، ولذلك
(1)
قتل كثير من الملوك أنفسهم، حيث أيقنوا بالأسر في يد العدو مخافةَ الاستخفاف، فهو حينئذ ناهٍ عن الأعلى آمرٍ بالأدنى.
سلمنا ذلك، ولكنّ النهي عن الاستخفاف إنما يدل على النهي عن القتل عرفًا إذا لم يتقدم ما يناقضه كما في محل النزاع، وهو صورة التأفيف وجاز أنْ يتقدم التصريح بخلاف الظاهر، فقد وضح بطلان هذا الجواب.
وأجيب أيضًا: بأن النقل خلاف الياصل، وضعفه النقشواني معتلًا بأنَّه إذا ثبت كثرة الاستعمال والتبادر إلى الفهم، فلا يفيد التمسك بهذا الأصل
(2)
.
الوجه الثاني: أَنَّه لو كان مستفادًا من القياس لما وافق عليه منكر القياس.
وأجاب: بأن هذا قياس جلي، ومن أنكر القياس إنما أنكر الخفي، وهو جواب ضعيف، فإن بعضهم أنكر القياس مطلقًا؛ جليًا كان أم خفيًا كما تقدم أوّل الباب، بل الجواب الصحيح أنْ يقال: إنما قال به منكر القياس؛
(1)
في (ص): وكذلك.
(2)
قال النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: 2/ 819 "قوله [أي الرازي]: "إنما حكمنا فيه بالنقل العرفي ضرورة" ضعيف؛ لأنَّ الضرورة الداعية إلى الحكم بالنقل العرفي في تلك الصورة هو الاشتهار وكثرة الاستعمال حتى صار المعنى متبادرا إلى الفهم، وهذا بعينه موجود ها هنا".
لكونه عنده مفهوم موافقة لا لكونه قياسًا.
الثالث: أنّ نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقولهم فلان لا يملك الحبّة، فإنه يدلّ على أنَّه لا يملك أكثر منها، وكذا قولهم لا يملك النقير والقطمير يدل على أنَّه لا يملك شيئًا البتة من غير نظر إلى القياس، فكذا نفي التأفيف.
وأجاب: بأنّ دلالة ذلك في كل المثالين إنما هو لأمر خارجي؛ أما الأوّل فلأن الحبة جزء للأعلى، ونفى الجزء يستلزم نفي الكلّ.
ولك أنْ تقول: إنْ كانت الحبّة اسما للواحد مما يزرع فليست جزءا لكل ما هو أعلى منها، وأما الثاني فإنّا نعلم ضرورة أنَّه ليس المراد نفي النقير والقطمير، بل نفي ما له قيمة فدعوى النقل فيهما ضرورية، وأما فيما نحن فيه فلا ضرورة بنا إلى ذلك؛ لجواز الحمل على المعنى اللغوي. ولك أن تقول: ما بك ضرورة إلى النقل مع جواز أن يكون نفي ما عدا النقير والقطمير من فحوى الخطاب.
تنبيه: النقير: النقرة التي على ظهر النواة، والقطمير: ما في شقّ النواة
(1)
. كذا قاله في المحصول
(2)
.
(1)
النقرة: النكتة في ظهر النواة. ينظر: المصباح المنير: 2/ 631، مادة (نقر)، والصحاح: 2/ 835. والقطمير: الفوقة التي في النواة، وهي القشرة الرقيقة، ويقال: هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة. ينظر: الصحاح: 2/ 737 مادة (قطمر)، والمصباح المنير: 2/ 509، مادة (قطمير).
(2)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 172.
والمعروف - وهو الذي في الصحاح - أنّ القشرة الرقيقة هي القطمير وما في شقّ النواة الفتيل اهـ.
(1)
(2)
.
قال: (الرابع: القياس يجري في الشرعيات حتّى الحدود والكفَّارات)
هذه المسألة معقودة لبيان ما يجري فيه القياس وما لا يجري
(3)
،
(1)
(كذا. . . . . الفتيل اهـ) ساقطة من (غ).
(2)
ينظر الصحاح: 5/ 1788، مادة (فتل).
(3)
حاصل الخلاف في المسألة كما قرره الرازي في المحصول حين قال: "وحاصل الخلاف في المسألة أنه هل في الشريعة جملة من المسائل لا يجوز استعمال القياس فيها؟ أو ليس كذلك بل يجب البحث عن كل مسألة هل يجري القياس فيها أو لا؟ "
ولذلك هناك صور يجري فيها القياس على رأي الجمهور وهي على سبيل الإجمال:
1 -
القياس في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات:
- مثال الحدود: قياس نباش القبور على السارق في وجوب قطع اليد بجامع أخذ مال الغير خفية.
- مثال الكفارات: قياس القاتل عمدًا على القاتل خطأ في وجوب الكفارة بجامع القتل بغير حق.
- مثال الرخص: قياس غير الحجر على الحجر في جواز الاستنجاء به بجامع كونهما طاهرين قالعين للنجاسة، واستعمال الحجر رخصة.
- مثال التقديرات: قياس نفقة الزوجة على الكفارة بجامع أن كلًّا منهما مال يجب بالشروع ويستقر في الذمّة، وأكثر ما وجب في الكفارة لكل مسكين مدّان في الطعام، وذلك كفارة الأذى في الحج، وأقلّ ما وجب له مدٌّ في كفارة الظهار، فأوجبوا على الموسر الأكثر وهو مدّان؛ لأنه قدر الموسع، وعلى المعسر الأقل وهو مدّ؛ لأن المدّ الواحد يكتفي به الزهيد، وأصل التفاوت في النفقة ثابت في قوله =
وفيها
(1)
أبحاث: -
الأول: أنَّه يجري في الشرعيات بمعنى: أنَّه موجود فيها، ويصح ذلك بوجوده في بعضها وتكون الألف واللام
(2)
في قول المصنف الشّرعيات
= تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [سورة الطلاق: الآية 7].
2 -
القياس في اللغة:
الاتفاق جار بين العلماء على أنّ القياس لا يجري في الأعلام لأنها غير معقولة المعنى كما أنه لا يجري فيما ثبت بالاستقراء. وإنما الخلاف في الأسماء الموضوعة للمعاني المنصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة وجودًا وعدمًا مثال الخمر فإنها اسم للمسكر المتخذ من عصير العنب فهل يقاس عليه ما اتخذ من غير العنب في كونه مشاركًا في وصف الإسكار ويقال له خمر. فيه خلاف.
3 -
القياس في العقليات:
وذلك كإلحاق الغائب بالشاهد بجامع من العلة أو الحد أو الشرط أو الدليل مثاله العالمية في الشاهد معللة بالعلم، فكذلك في الغائب سبحانه وتعالى.
4 -
القياس في الأمور العادية والخِلْقِيَّة:
كأقل الحيض أو النفاس أو الحمل وأكثره، وهذه لا تجري فيها؛ لأنها لا تدرك عللها.
5 -
القياس على حكم منسوخ:
لا يجوز القياس على حكم قد ثبت نسخه.
6 -
القياس على ما ثبت بالإجماع:
يجوز إثبات القياس على ما ثبت حكمه بالإجماع
ينظر تفاصيل ذلك: الملخص في الجدل للشيرازي: 2/ 558 - 577، والمعونة في الجدل للشيرازي: ص 225 - 230، والمنهاج في ترتيب الحجاج للباجي: ص 151 - 158، ونهاية السول: 3/ 32 - 36.
(1)
في (غ): وفيهما.
(2)
الألف واللام الأصل من أدوات التعريف.
وتكون للعهد مثل قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي =
للجنس
(1)
دون العموم
(2)
.
قال الغزالي: فكل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جار فيه
(3)
، وليس المراد أنَّه يجوز إثبات جميع الشرعيات به، فإن ذلك ممتنع خلافًا لبعض الشّاذين
(4)
.
لنا أنّ القياس لا يتحقق إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل، فحكم
= زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} فالألف واللام في المصباح والزجاجة للعهد.
وتكون للجنس: مثل قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} ومثل أهلك الناس الدينار والدرهم، والرجل أفضل من المرأة مثلًا. وتسمية (ال) الجنسية أو لبيان الماهية أو لبيان الحقيقة.
وتكون للاستغراق: وهي إما لاستغراق الأفراد: مثل: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} وإما لاستغراق الصفات: مثل أنت الرجل: أي الجامع لصفات الرجال المحمودة. ينظر قطر الندى: ص 114.
(1)
الجنس: اسم دال على كثيرين مختلفين بالأنواع كالحيوان بالنسبة للإنسان. ينظر: التعريفات ص 78، والكليات: ص 338 - 339.
(2)
العام: اللفظ المستغرق لما يصلح له بوضع واحد. ينظر ص: 1193.
(3)
ينظر المستصفى: 2/ 332.
(4)
قال الآمدي: "اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية فأثبته بعض الشذوذ مصيرًا منه إلى أنّ جميع الأحكام الشرعية من جنس واحد ولهذا تدخل جميعها تحت حد واحد، وهو حدّ الحكم الشرعي، وتشترك فيه، وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتًا بالقياس، وما جاز على بعض المتماثلات، كان جائزًا على الباقي" 4/ 89.
الأصل إن كان بغير القياس صحّ المدعى، وهو أنَّها لم تثبت كلّها بالقياس، وإن كان بالقياس فالكلام فيه كالأول ويلزم إما الدور وإما
(1)
التسلسل، وأنّه ثبت من الأحكام ما لا يعقل معناه كضرب الدية
(2)
على العاقلة
(3)
، والقياس فرع يعقل
(4)
المعنى.
قالوا: الأحكام متماثلة لدخولها تحت الحكم الشرعي، فيجب تساويها فيما جاز على بعضها من القياس.
قلنا: قد يمتنع أو يجوز في بعض أفراد النوع أمر لأجل أمر اختص بذلك البعض، ويكون المشترك بين جميع الأفراد بخلاف ذلك البعض في امتناع ذلك الأمر وجوازه.
فرع: قال الجبائي والكرخي ومن تبعهما لا يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس، وبنوا عليه أنَّه لا يجوز الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس
(5)
.
(1)
في (ص)، (غ):(إما الدور أو التسلسل).
(2)
الدية: مصدر وَدَّى القاتلُ المقتولَ، إذا أعطى وليَّه المال الذي بدل النفس ثم قيل لذلك المال الدية تسمية بالمصدر، ولذا جمعت وهي مثل عدَّة من حذف الفاء، وقيل التاء في آخرها عوض عن الواو في أولها. ينظر: المغرب: 2/ 347، والصحاح: 6/ 2521، مادة "ودّى"، والمصباح المنير: 2/ 654 "ودى"، وأنيس الفقهاء: ص 293.
(3)
العاقلة: العصبة، وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية من قتله خطأ. ينظر الصحاح: 5/ 1771، مادة:"عقل"، والمصباح المنير: 2/ 423 مادة "عقل".
(4)
في (ص): تعقل.
(5)
ينظر: السرخسي: 2/ 157، وتيسير التحرير: 4/ 103، وكشف الأسرار: 3/ 567، وجامع الأسرار: 4/ 990، والمغني في أصول الفقه: ص 294، والفصول في =
والحقّ خلافه
(1)
.
البحث الثاني: أنَّه يجري في الحدود والكفَّارات والرخص والتقديرات خلافا لأبي حنيفة
(2)
.
لنا أنّ أدلة القياس دالة على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب، ويخص المسألة ما روي أنّ الصحابة اجتهدوا في حدّ شارب الخمر فقال علي:"أراه ثمانين؛ لأنّه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحدّ المفتري ثمانون"، وهذا قياس في الحدود ثم لم ينكر عليه فكان إجماعًا
(3)
(4)
.
= الأصول للجصاص: ص 113.
(1)
من عبارات الشارح الترجيحية.
(2)
ينظر المصادر السابقة.
(3)
رواه مالك في الموطأ: 2/ 842، كتاب الأشربة (42) باب الحد في الخمر (1) رقم (2)، والشافعي في المسند بترتيب السندي كتاب الحدود، باب في حد الشرب (4) رقم (293) وإسناده منقطع لرواية الديلي له، وهو ثور بن زيد الديلي بكسر الدال مولاهم المدني روى عن أبي الغيث، والزهري، وعنه مالك، وثقه ابن معين سنة 135 هـ لكن وصله الحاكم في المستدرك من طريق الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن وبرة الكلبي، كتاب الحدود رقم (8131) 4/ 417، وقد صححه الذهبي في التلخيص، ورواه النسائي في الكبرى كتاب الأشربة باب ما جاء في عدد حد الخمر، الحديث رقم (17539) 8/ 555، وينظر: تلخيص الحبير: كتاب حدّ شارب الخمر (67) الحديث رقم (1795) 4/ 1397 - 1398.
(4)
ينظر في حكاية الإجماع: معونة أولي النهى: 8/ 440، قال: ووجه ذلك إجماع الصحابة عليه. وينظر أيضًا: أبو داود في سننه: 4/ 262 رقم (4479)، والترمذي: 4/ 48 رقم (1442).
إن قلت: إن أردتم أنَّ أدلة القياس تدل على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا سواءً أوجدت الأركان والشرائط أو لم توجد فهو ممنوع ظاهر الفساد.
وإن قلتم: إن دلالتها عليه إنما هي عند حصول الشرائط فمسلم، لكن لا نسلم إن كان حصولها فيما نحن فيه؛ سلمناه لكن لا يتم حصولها فيما نحن فيه؛ لأنَّ الحدود والكفارات والتقدير أمورٌ مقدّرة لا يهتدي العقل إلى تعقل المعنى الموجب لتقديرها، فلا نعقل فيها العلّة، والقياس فرع تعقل العلّة، وأمّا الرخص فهي منح من الله تعالى فلا يتعدى بها عن
(1)
مواردها.
والجواب: أنا نريد جريان القياس فيها عند حصول الأركان والشرائط.
قوله: لا نسلم إمكان حصولها فيما نحن فيه.
قلنا: الدليل عليه أنّ صريح العقل حاكم
(2)
بأنّه لا امتناع في أنَّ
(3)
شرع الشارع الحدّ أو الكفارة
(4)
في صورة الأمر مناسب
(5)
، ثمّ إنّه يوجد ذلك المناسب في صورة أخرى فليس وضع الحدّ والكفارة منافيًا
(6)
لهذا المعنى حتّى يمتنع لأجله.
(1)
في (ت): غير.
(2)
في (ت): حاصل.
(3)
(أنَّ) ليس في (ت).
(4)
في ص والكفارة.
(5)
في (ص)، و (غ): لأمر مناسب.
(6)
في (ت): منافيها.
قوله: سلمنا الإمكان لكن لا نسلم حصوله.
قلنا: حينئذ ارتفع النزاع الأصولي ويكون الامتناع إنما هو لعدم حصول الشرائط والأركان، ونحن لا نجوز القياس في شيء بدون حصول شرائطه وأركانه. فأمّا ادعاؤكم بعد ذلك عدم حصوله فيها، فذلك إنما يثبت بعد البحث والاستقراء عن كلّ واحدة من مسائلها، فإن وجدت العلّة صحّ القياس فيها، وإلا فلا كغيرها من المسائل فلا فرق حينئذ بين مسائل هذا الباب وغيره من هذا الوجه، فيجب التسوية في جريان القياس.
قوله: الرخص منحٌ من الله تعالى.
قلنا: قال إمام الحرمين هذا هذيان، فإنَّ كلّ ما تتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من الله تعالى عز وجل، ولا يختص هذا بالرّخص
(1)
بل يعمّ الشرائع بأسرها، فكان ينبغي ألا يجري القياس في شيء من أحكامها.
واعلم أنّ الشافعي رضي الله عنه ذكر مناقضاتهم في هذا الباب، فقال: أما الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتّى عدوها إلى الاستحسان، فأوجبوا الرّجم بشهود الزوايا بالاستحسان مع مخالفته للعقل، وأما الكفارات، فقاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع، وقتل الصيد ناسيا على قتله عامدا
(2)
.
فإن قالوا: إنما أثبتنا بالاستدلال على موضع الحكم بحذف الفوارق
(3)
.
(1)
ينظر: البرهان: 2/ 901.
(2)
ينظر: مختصر المزني بهامش الأم: 5/ 259.
(3)
في (غ): بالفارق.
قلنا: فالاستدلال قياس إذ يجب فيه أن يقال حكم الأصل إما غير معلل أو معلل بالفارق أو المشترك، والأولان باطلان
(1)
وهذا هو القياس
(2)
، واستخراج العلّة بالتقسيم.
وأمّا المقدرات فهو كتقدير النصب في
(3)
الزكاة والمواقيت في الصلاة، فقد قاسوا فيها أيضًا كما في تقديراتهم في الدلو والبئر، حيث قالوا: إذا ماتت الدجاجة في البئر تنزح كذا، وفي الفأرة كذا
(4)
، وليس هذا التقدير
(1)
في خ باطل.
(2)
(وهذا هو القياس) ساقط من (غ).
(3)
في (ص): النصب و.
(4)
عن عطاء قال: إذا وقع الجرذ في البئر نزح منها عشرون دلوًا فإن تفسخ فأربعون دلوًا فإذا وقعت الشاة نُزح منها أربعون دلوًا فإنْ تفسخت نزحت كلها أو مائة دلو.
عن عبد الملك عن عطاء أيضًا في البئر تقع فيموت فيها الدجاجة وأشباهها قال: استق منها دلوًا وتوضأ منها فإن هي تفسخت استق منها أربعين دلوًا.
عن الشيباني عن حماد في البئر تقع فيها الدجاجة والكلب والسنور فتموت قال: ينزح منها ثلاثين أو أربعين دلوًا.
وعن زاذان وعن عليّ في الفأرة تقع في البئر قال: ينزح إلى أن يغلبهم الماء. تنظر هذه الآثار في مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الطهارات: في الفأرة والدجاجة وأشباهها تقع في البئر.
وعن علي في الفأرة تقع في البئر فتموت، قال: تنزح حتى تغلبهم. فهذا غير قوي، لأن أبا البحتري لم يسمع عليًّا، فهو منقطع.
قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: روى ابن أبي يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذا وقعت الفأرة في البئر فماتت فيها نزح منها دلو أو دلوان، يعني فإن تفسخت ينزح منها خمسة أو سبعة. وهذا أيضًا منقطع.
عن نصّ ولا إجماع ولا أثر، فيكون عن قياس، ولو صحّ في البعض منها أثرٌ كما يزعمه القوم، فلا شك في أنّ ذلك لم يصحّ في جميع مسائلها فيكون القول بذلك في البعض الآخر قياسًا.
وأمّا الرّخص فبالغوا في القياس فيها
(1)
، بأنّ الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرّخص، ثمّ حكموا بذلك في كلّ النجاسات، وانتهوا فيها إلى إيجاب استعمال الأحجار، وقاسوا العاصي بسفره على المطيع مع أنّ القياس ينفي ترخصه إذ الرخصة إعانة والمعصية غير مناسبة لها.
قال: (وفي العقليات عند أكثر المتكلمين)
البحث الثالث: في
(2)
القياس في العقليات، وقد ذهب إلى صحته أكثر المتكلمين
(3)
وأنكره طائفة
(4)
، ومنه نوع يسمَّى إلحاقَ الغائب بالشاهد وبناءَ الغائب على الشاهد وما يجري مجراهما، واتفق القائلون به على أنَّه لا بد فيه من جامع عقليّ وإلا لكان الجمع تحكمًا محضًا ثم حصروا
(1)
(فيها) ليس في (ص).
(2)
(في) ليس في (ص).
(3)
ينظر: الشامل لإمام الحرمين: ص 660، والإرشاد: ص 16 - 91، والمحصول: ج 2/ ق 2/ 449.
(4)
قال الغزالي: في المنخول: "والحنبلية ردّوا قياس العقل دون الشرع" ص 324.
ولمزيد من التفصيل عن رأي الحنابلة ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: 3/ 297 - 298، وشرح العقيدة الطحاوية: ص 226.
الجامع في العلّة والحقيقةِ
(1)
والشرطِ والدليلِ
(2)
.
فالأوّل: كقول أصحابنا كون الشيء يصحّ أنْ يكون مرئيا في الشاهد معللا بالوجود، فكذا، في الغائب ومثل إمام الحرمين والإمام
(3)
له بقول أصحابنا: إذا كانت العالمية شاهدًا فيمن له العلمُ معلّلة بالعلم، كانت في الغائب كذلك
(4)
، وهو غير مطابق؛ لأنَّ هذا جمع بالمعلول لا بالعلّة فإنّه جمع فيه بين الشاهد والغائب بكونه عالمًا وهو معلول العلم لا علته
(5)
.
والثاني: كقولهم حقيقة العالم في الشاهد من له العلم فكذا في الغائب
(6)
.
(1)
وعبّر عنها الإسنوي وغيره: بالحدّ بدل الحقيقة: ينظر: نهاية السول: 3/ 35.
(2)
قالوا: لا بد من جامع عقلي وحصروه في أربعة: (العلَّة، والحدّ، والشرط، والدليل).
- أما الجمع بالعلَّة: كقولهم: إذا كانت العالمية شاهدًا معللة بالعلم وجب أنْ يكون كذلك غائبًا.
- وأما الجمع بالحدّ: كقولهم: حد العلم شاهدًا من له العلم فيطرد الحد غائبًا.
- وأما الجمع بالشرط: كقولهم: العلم مشروط بالحياة شاهدًا فكذلك غائبًا.
- وأما الجمع بالدليل: كقولهم: التخصيص والأحكام يدلان على الإرادة والعلم شاهدًا، فكذلك غائبًا.
ينظر: شرح المنهاج، للأصفهاني: 2/ 664.
(3)
(والإمام) ليس في (غ).
(4)
ينظر: الشامل لإمام الحرمين: ص 660، والمحصول: ج 2/ ق 2/ 449.
(5)
ينظر هذا المثال في المحصول: ج 2/ ق 2/ 449، والتبصرة: ص 417.
(6)
ينظر هذا المثال في المحصول: ج 2/ ق 2/ 449، والتبصرة: ص 417، والتحصيل: 2/ 238.
والثالث: كقول المعتزلة شرط صحة
(1)
كون الشيء مرئيًا في الشاهد أنْ يكون مقابلًا أو في حكم المقابل، فكذا في الغائب، ومثل له إمام الحرمين والإمام بقولنا: العلم مشروط بالحياة شاهدًا، فكذا في الغائب
(2)
، وفيه نظر؛ لأنَّ هذا
(3)
جمع بالمشروط لا بالشرط فإنّ كونه عالما، وهو الذي وقع به الجمع مشروط لا شرط
(4)
.
والرابع: مثل الإتقان والتخصيص يدلان على العلم والارادة في
(5)
الشاهد، فكذا في الغائب. وادعى إمام الحرمين: أنَّه باطل؛ لأنَّ الجمع بالعلّة والحقيقة أقوى من الآخرين وهما باطلان؛ لأنَّ الجمع بهما مبنيّ على القول بالحال، فإن القائل به يقول كلّ صفة قامت بمحل، فإنها توجب له حالا، والحال صفة لموجود لا توصف بوجود ولا عدم، فيجعلون الصفة القائمة بالمحل علّة للحال
(6)
، والقول بالحال باطل عند جماهير أصحابنا والمعتزلة، ووافقنا على بطلانه إمام الحرمين أخيرًا، وبسط ذلك في كتب الكلام
(7)
.
(1)
في (ص): صحته.
(2)
ينظر هذا المثال في المحصول: ج 2/ ق 2/ 450، والتبصرة: ص 417، والتحصيل: 2/ 238، والمنخول: ص 324، والمستصفى: 2/ 331، وتيسير التحرير: 3/ 285 - 286، مسلم الثبوت: 2/ 252 - 253.
(3)
(هذا) ليس في (ت).
(4)
ينظر: المصادر السابقة.
(5)
في (غ): من الشاهد.
(6)
ينظر: قول إمام الحرمين في: الشامل: ص 660، والإرشاد: ص 86 - 91.
(7)
ينظر: المصادر نفسها.
ثمّ المحققون على أنّ هذا القياس ظنيّ، قال الإمام: الجمع بالعلّة أقوى وهو غير مفيد للقطع؛ لأنَّ إفادته للقطع تتوقف على حصول القطع بأن علة الحكم في الأصل موجودة بتمامها في الفرع وهو صعب
(1)
، فإن الموجود في الفرع مع الموجود في الأصل لا بد وأن يتغايرا بالتعين والهوية وإلا فهذا عين ذاك وذاك عين هذا، فيكون كلّ واحدٍ منهما عين الآخر، فالاثنان واحد، هذا خلف وإذا حصل التغاير بالتعين والهوية، فلعل ذلك التعينَ في أحد الجانبين جزءُ العلّة أو شرط العلّة وفي الجانب الآخر يكون مانعًا من العلية، ومع هذا الاحتمال لا يحصل القطع
(2)
.
نعم لو دلّ القاطع على أنّ ما به الامتياز لا مدخل له في اقتضاء العلّة للحكم، حصل القطع بثبوت الحكم، لكن لا يكاد يوجد ذلك في العقليات الحقيقية التي لا تختلف باختلاف تفسير اللفظ، مثل العالم شاهدًا من له العلم فكذا غائبًا لأنَّا لا نعني بالعالم إلَّا من له العلم، وهذا لا يختلف موجبه بحسب الواجب والممكن.
قال: (واللغات عند أكثر الأدباء)
البحث الرابع: القياس في اللغات
(3)
، وقد أثبته القاضي أبو بكر وابن
(1)
في (غ): وهو ضعيف.
(2)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 458.
(3)
لمزيد من التفصيل في هذه المسألة ينظر: المعتمد: 2/ 789، والتبصرة: ص 444، وشرح اللمع: 2/ 797، والبرهان: 1/ 172، والإحكام للآمدي: 1/ 53، والمستصفى: 1/ 322، وشفاء الغليل: ص 600، والمنخول: ص 71، والمحصول: ج 1/ ق 1/ 243، والعضد على ابن الحاجب: 1/ 183، والخصائص لابن جني: =
سريج وابن أبي هريرة، وأبو إسحاق الشيرازي والإمام وكثير من فقهائنا وأهل العربية كالمازني
(1)
والفارسي
(2)
(3)
وابن جني
(4)
، وذهب إمام الحرمين
(5)
والغزالي
(6)
ومعظم أصحابنا والحنفية إلى
= 1/ 357 - 369، والصاحبي لابن فارس: ص 57، والبحر المحيط: 5/ 275، وفواتح الرحموت: 1/ 85، ونبراس العقول: 1/ 197، تخريج الفروع على الأصول للإسنوي: ص 183، والمسودة: ص 392، والروضة: ص 172.
(1)
هو بكر بن محمد بن عثمان وقيل: بقية، وقيل عدي بن حبيب المازني البصري النحوي، كان إمام عصره في النحو والأدب، أخذ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وغيرهما. له مصنفات منها ما تلحن فيه العامة، العروض، والقوافي، والديباج. توفي سنة 249 هـ وقيل غير ذلك. ينظر: معجم الأدباء: 7/ 110، وفيات الأعيان: 1/ 283.
(2)
هو أبو علي الفارسي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان، ولد سنة (288 هـ) سمع على الحسين بن معدان إمام وقته في النحو، دار البلاد وأقام بحلب عند سيف الدولة، له مصنفات منها: الإيضاح في قواعد اللغة العربية توفي سنة (377 هـ). ينظر ترجمته: شذرات الذهب: 3/ 88، ومعجم الأدباء: 7/ 232.
(3)
ينظر الصاحبي لابن فارس: ص 57.
(4)
وإليه ذهب معظم الشافعية والحنابلة قال القاضي وابن برهان: وهو ظاهر مذهب الشافعي وكما قال به أيضًا ابن فورك والأستاذ أبو منصور البغدادي وبه قال أبو إسحاق الشيرازي وأبو إسحاق الإسفراييني وابن أبي هريرة وابن النجار. ينظر: البرهان: 1/ 172، والمستصفى: 1/ 322، والمحصول: ج 2/ ق 2/ 457، والمسودة: ص 394، شرح الكوكب المنير: 1/ 223، والتمهيد: 3/ 454 - 455.
(5)
ينظر: البرهان: 1/ 172. حيث قال "والذي نرتضيه أن ذلك باطل لعلمنا أن العرب لا تلزم طرد الاشتقاق".
(6)
ينظر: المستصفى: 1/ 322، والمنخول: ص 74، قال في المستصفى:"وهذا غير مرضي عندنا".
امتناعه
(1)
، وتبعهم الآمدي
(2)
وابن الحاجب
(3)
، واتفق الكلّ على امتناع جريان القياس في أسماء الأعلام؛ لأنها غير معقولة المعاني ولا هي دائرة بدوران وصف في محالّها، والقياس فرعهما فهي كحكم تعبدي لا يعقل معناه.
فإن قلت: قد شاع قولهم في العرف هذا سيبويه
(4)
وهذا جالينوس
(5)
، وليس إلا بطريق القياس وإلا لم يحصل المدح بذلك.
قلت: جاز أنْ يكون ذلك بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير حافظ كتاب سيبويه، وعلم جالينوس.
واتفقوا على امتناعه أيضًا في أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء
(1)
ينظر: أصول السرخسي: 1/ 56، وفواتح الرحموت: 1/ 186، وهو قول عامة الحنفية واختاره ابن الهمام منهم.
(2)
ينظر: الإحكام: 1/ 53.
(3)
ينظر: المنتهي: ص 18، وشرح ابن السبكي رفع الحاجب: اللوحة 41/ أ - ب.
(4)
سيبويه: هو عمر بن عثمان بن قنبر، أبو بشر، المعروف بـ (سيبويه) إمام المدرسة البصرية في النحو بلا نزاع. له (الكتاب) في النحو توفي عام (180 هـ) وعمره 50 سنة. ينظر ترجمته في: بغية الوعاة: 2/ 229، مرآة الجنان: 1/ 445.
(5)
جالينوس: طبيب يوناني كان مولده بعد زمان عيسى عليه السلام بتسع وخمسن سنة، وكانت مدة حياته سبعًا وثمانين سنة، كان خاتم الأطباء الكبار المعلمين وهو الثامن منهم، صنف كتبا كشف فيها عن مكنون هذه الصناعة وأفصح عن حقائقها ومن تلك المصنفات كتاب في العضل، وآخر في العصب، وكتاب المزاج، وعلاج التشريح. ينظر ترجمته في طبقات الأطباء لابن حيان: ص 41 - 45، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة: 109 - 142.
الصفات
(1)
كالعالم والقادر
(2)
؛ لأنها واجبة الاطراد نظرًا إلى تحقق معنى الاسم، فإنّ العالم من قام به العلم، فإطلاقه على كلّ من قام به العلم بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتمثلين في المسمّى على الآخر بأولى من العكس، وإنما النزاع في الأسماء الموضوعة للمعاني المخصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة فيها وجودًا وعدمًا كالخمر؛ فإنّها اسم للمسكر المعتصر من العنب، وهذا الاسم دائرٌ مع الإسكار وجودًا وعدمًا فهل يقاس عليه النبيذ في كونه مسمى بذلك الوصف لمشاركته في وصف الإسكار؟
(3)
وكإطلاق اسم السارق على النباش بواسطة مشاركته للسارق من الأحياء
(4)
في أخذ المال على سبيل الخفية
(5)
،
(1)
ينظر: حاشية الجرجاني على العضد: 1/ 183، والبناني على جمع الجوامع: 1/ 273.
(2)
في (غ)، (ت): والفساد.
(3)
اختلف العلماء في إطلاق الخمر على النبيذ. فذهب الجمهور إلى أنَّ اسم الخمر يقع على الأنبذة حقيقة لأن الاشتراك في الصفة يقتضي الاشتراك في الاسم، ولأنّ كل مسكر خمر وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام. وذهبت طائفة من العلماء من أهل الكوفة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه لا يقع عليها إلا مجازًا؛ لأنّ ما أسكر من غير النخل والعنب، فإنما يحرم منه القدر الذي يسكر، أما القليل الذي لا يسكر فلا يحرم. ينظر: الهداية شرح بداية المبتدي: 2/ 111، المغني: 8/ 317، المجموع: 19/ 89، الكافي لابن عبد البر: ص 577.
(4)
في (ص): الإخفاء.
(5)
اختلف العلماء في قياس النباش على السارق في القطع.
فذهب جماعة من العلماء منهم: مالك، والشافعي وأحمد والشعبي والنخعي وأبو ثور وغيرهم إلى أنه يقطع قياسًا على السارق، ولأنه داخل في عموم قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [سورة المائدة: من الآية 38]. وفي سنن =
واسم الزاني على اللائط لمشاركته بإيلاج فرج في فرج.
واحتج المجوزون بدوران تسمية المعتصر من العنب بالخمر مع الشدّة المطربة، فإنّه يفيد ظن عليتها له، فالعلم بوجودها في النبيذ يفيد ظنّ كونه مسمّى بالخمر، وحينئذ يلزم أنْ يثبت
(1)
للنبيذ من الأحكام ما ثبت للخمر.
والجواب: أنّ إفادة الدوران للعلّة إنّما هو بمعنى الأمارة والعلامة لا بمعنى الداعي؛ إذ لا مناسبة بين الاسم والمسمّى، وحينئذ لا يخلو الدوران عن المزاحم؛ لأنّه كما دار مع ما ذكرتم من الوصف، فكذا مع خصوصية إسكار المعتصر من العنب، والدوران لا يفيد الظنّ مع معارضة المزاحم.
= البيهقي: قال: كتب أيوب بن شرحبيل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن نباشي القبور، فكتب إليه عمر: لعمري بحسب سارق الأموات أن يعاقب بما يعاقب به سارق الأحياء. وقد روى ابن حبان في صحيحه عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"توفي رجل كان نباشًا، فقال لولده: احرقوني، ثم اسحقوني فذروني في الريح، فسئل: ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب، قال: فغفر له".
وفي مصنف عبد الرزاق قال: عن أشعث قال: سألت الحسن عن النباش، قال: يقطع، وسألت الشعبي فقال: يقطع. وفيه أيضًا عن الشَّيْبَانِيِّ عن الشَّعْبيِّ قالَ: النباشُ سارقٌ. وفيه أيضًا عن مغيرة عن حماد وأصحابه قالوا: يقطع النبَّاش لأنه قد دخل على الميت بيته. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي إلى أنه لا يجب القطع؛ لأن القبر ليس بحرز. ومنهم من فصل فقال: إن سرق من مقبرة تلي العمران قطع، وإن كان في برية لم يقطع لأن البرية ليست بحرز. ينظر: المغني: 8/ 272، المجموع: 19/ 20.
(1)
في (ت): ما يثبت.
فإن قلت: لو كان لا يفيد مع معارضته مثل هذا الواجب أن لا يفيد في الشرعيات أيضًا لعدم خلوه عنه.
قلت
(1)
: القاطع دلّ على جواز القياس في الشرعيات، فعلمنا بذلك أنّ تلك الخصوصيات لا مدخل لها في إثبات تلك الأحكام، ولا قاطع في اللّغات يدلّ على جريان القياس فيها، ولئن سلمنا أنَّه يفيد ظنّ العلية فما يجعله العبد علّة لا
(2)
يفيد الحكم أينما وجد كقول القائل أعتقت غانمًا لسواده لا يطرد في عبيده السود، فلعل الواضع هو العبد.
وقول الإمام: هنا
(3)
بيّنا أنّ اللّغات توقيفية مدخول باختياره التوقف
(4)
.
واحتجوا أيضًا: بعموم قوله: {فَاعْتَبِرُوا}
(5)
.
وأجاب صفي الدين الهندي: بأنَّه يقتضي وجوب القياس في اللغات، ولا قائل به، إنّما الاختلاف في الجواز
(6)
وفيه نظر؛ لأنَّه إذا ثبت الجواز وجاء تحريم الخمر مثلا لزم من يقول بالقياس في اللغة أنّ النبيذ داخل تحت هذا المسمّى فيجب عليه أنْ يعمّمها بالحكم الواحد الوارد على
(1)
(مثل هذا الواجب أن لا يفيد في الشرعيات أيضًا لعدم خلوه عنه قلت: ) ساقط من (غ).
(2)
(لا) ليس في (غ)، (ت).
(3)
(هنا) ليس في (غ).
(4)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 459.
(5)
سورة الحشر من الآية 2.
(6)
ينظر: نهاية الوصول: 1/ 189.
لفظ الخمر وبذلك صرح الإمام بقوله: يلزم أنْ يثبت للنبيذ من الأحكام ما يثبت للخمر
(1)
.
قال: (دون الأسباب والعادات كأقلّ الحيض وأكثره)
البحث الخامس: القياس في الأسباب وفيه مذهبان
(2)
:
أحدهما: وهو الذي زعم الإمام أنَّه المشهور
(3)
وجزم
(4)
به صاحب
(1)
ينظر: المحصول: ج 2/ ق 2/ 458.
(2)
إذا أضاف الشارع حكمًا إلى سبب وعلمت فيه علّة السبب فإذا وجدت في وصف آخر هل يجوز أن ينصب سببًا هذه مسألة جريان القياس في الأسباب، ومثلوا لها بقياس اللواط على الزنا بجامع إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعًا. فيكون اللواط سببًا للحد بالقياس على الزنى. وفيها مذهبان:
الأول: المنع، وهو مذهب الحنفية والمالكية واختاره أبو زيد الدبوسي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي تبعًا للإمام الذي شهّره.
الثاني: الجواز، واختاره الغزالي وإلكيا.
ينظر تفاصيل المسألة: البحر المحيط: 5/ 66، المحصول: ج 2/ ق 2/ 495، الإحكام للآمدي: 4/ 86، وبيان المختصر: 3/ 173، والمستصفى: 2/ 332، وشرح التنقيح: ص 474، وفواتح الرحموت: 2/ 319، ونشر البنود: 2/ 111، والمعتمد: 2/ 794 - 797، والآيات البينات: 4/ 8، والعضد على المختصر: 2/ 255، وشفاء الغليل: ص 604، وأصول السرخسي: 2/ 156، والبرهان: 2/ 896، والمسودة: ص 399، وشرح الكوكب المنير: 4/ 221.
(3)
قال الإمام في المحصول: "المشهور أنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب" ج 2/ ق 2/ 465.
(4)
في (غ): وزعم.
الكتاب واختاره الآمدي
(1)
وابن الحاجب
(2)
أنَّه لا يجري القياس فيها.
والثاني: وبه قال أكثر الشافعية جريانه فيها
(3)
ومثاله: قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحدّ بجامع كونه إيلاج فرج في فرج محرمٌ شرعًا، مشتهى طبعًا، فجعل
(4)
اللواط سببًا وإن كان لا يسمى زنا
(5)
.
واحتج الأولون بأن قياس الشيء على الشيء يقتضي أنْ يكون بينهما وصف مشترك وهو العلّة فلو قسنا اللواط مثلًا على الزنا فلا بد بينهما من وصف مشترك هو علّة للموجبية والسببية وحينئذ يكون السبب ذلك المشترك، لا ذلك الزنا على سبيل الخصوصية،
(1)
قال الآمدي في الإحكام: "ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى جواز إجراء القياس في الأسباب، ومنع ذلك أبو زيد الدبوسي وأصحاب أبي حنيفة وهو المختار" 4/ 86.
(2)
ينظر: بيان المختصر: 3/ 173.
(3)
(والثاني: وبه قال أكثر الشافعية جريانه فيها) ساقط في (غ).
(4)
في (غ): فيجعل.
(5)
هذه من المسائل التي رجحها السبكي وخالف فيها ما رجحه البيضاوي والإمام قبله. يقول الغزالي في الوسيط: 6/ 440 - 441 "فأما قولنا: إيلاج فرج في فرج فيتناول اللواط وفيه أربعة أقوال. . .".
ومن الأمثلة أيضًا عن القياس في الأسباب:
قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع القتل العمد العدوان، والمحدد سبب لوجوب القصاص فالمثقل يقاس عليه ويكون سببًا لوجوب القصاص.
وهناك القياس في الشروط أيضًا.
مثاله: قياس الوضوء على التيمم بجامع الطهارة، والنية شرط في التيمم فتكون شرطًا في الوضوء كذلك.
ينظر: إحكام الأحكام: 4/ 87 - 89، ونهاية السول: 3/ 36، وشفاء الغليل: ص 603.
فلا يكون كل واحد من الزنا واللواط موجبًا وسببًا؛ لأنَّ الحكم باستناده
(1)
إلى المشترك بينهما استحال أنْ يكون معه مستندًا إلى خصوصية كل واحد منهما.
ومن شرط القياس بقاء حكم الأصل وهو زائل؛ لأنَّ المقيس عليه حينئذ يخرج أنْ يكون مقيسا عليه فإذن جريان القياس في الأسباب يقتضي أنْ لا يكون السبب الذي هو أصلٌ سببًا.
هذا خلف ولا ينتقض هذا بالقياس في الأحكام؛ لأنَّ الأصل فيه غير موجب للحكم فإضافة الموجب إلى القدر المشترك بينه وبين الفرع لا ينافي كونه أصلًا بخلاف السبب فإنّه موجب للحكم، فإضافة الموجب
(2)
إلى القدر المشترك لا بجامع الإضافة إلى السبب الذي هو الأصل على سبيل الخصوصية.
فإن قلت: الجامع بين الموضعين لا يكون له تأثير في الحكم بل في علية الوصف، وأمّا الحكم فإنما يحصل من الوصف.
قلت: ما صلح لعلية العلّة كان صالحًا لعلّة الحكم، فلا حاجة حينئذ إلى الواسطة.
وقد أجاب النقشواني: عن هذا الاحتجاج بما تقريره
(3)
: أنْ يقال العلة الحقيقة هي الحكمة والحاجة كما هو مقرر في مكانه لكنها لما كانت
(1)
في (غ): بإسناده.
(2)
في (ص): الموجبة.
(3)
في (غ): يقرره.
غير مضبوطة وغير مقدرة في ذاتها جعل الوصف علّة بمعنى أنَّه يُعرِّف العلّة المؤثرة، فصلاحية الوصف للضبط وتعريف
(1)
العلّة المؤثرة بهذا المحض هي العلَّة في جعله علّة وبهذا لا تصلح الحكمة لعلية الحكم من غير واسطة الحكم والوصف معًا
(2)
.
ويظهر حينئذ قوةُ السؤال الذي أورده
(3)
وضعف الجواب، فيقال: نقيس اللواط على الزنا ونقول إنّ الزنا إنّما أوجب الحدّ للوصف المشترك بينهما، فنعدي
(4)
الموجبية من الزنا إلى اللواط، وذلك لأنَّ الزنا إنّما صار موجبًا وعلّة لكونه معرفًا للحكمة الموجبة للحدّ وهي الحاجة المناسبة إلى شرعيته واللواط يشارك الزنا في هذا المعنى، فيلزم من كون الزنا علّة معرفة كون اللواط كذلك.
وقوله: على هذا التقدير يكون الموجب للحد إنّما هو المشترك.
(1)
في (غ): وتعرّف.
(2)
وعبارة النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: 2/ 944 "قد سبق أنّ العلّة هي الحكمة والحاجة، لكنها لما كانت غير مضبوطة، وغير مقدرة في ذاتها، وإنما يمكن تقديرها وضبطها بالوصف، فالوصف علّة بمعنى أن يعرف العلّة المؤثرة ويدل عليها، وسبب عليتها بهذا المعنى هو كونها صالحة للضبط وتعريف العلّة المؤثرة، وهذه الصلاحية علّة لعلية الوصف، لكن لا تصلح أن تكون علّة للحكم من غير واسطة الحكمة والوصف جميعًا".
(3)
في (غ): أورد.
(4)
في (غ): فعندي.
قلنا: ممنوع، فإنّ هذا المشترك الذي ذكرنا يصلح أنْ يكون علّة لعلية الوصف لكن لا يصلح أنْ يكون علّة للحكم على ما وضّح، ولأنا سلمنا أنّ ذلك المشترك
(1)
يكون علّة للحكم، لكنْ لِمَ
(2)
لا يجوز أنْ يكون علّة لعلية الوصف أيضًا؟ فإنّها تكون علّة مؤثرة للحكم وعلَّة مؤثرة لصيرورة الوصف علّة مُعَرّفة
(3)
ويكون الحكم مستندًا إلى ذلك المشترك استناد الأثر إلى المؤثر وإلى الوصف استناد الشيء إلى المعرف له ولا يمتنع ذلك بل هو الواقع في سائر الأحكام، فإنّ الحكم مستند إلى الحاجة استناد الأثر إلى المؤثر وإلى الوصف استناد الشيء إلى المعرّف
(4)
.
واعلم أنّ الحِجَاج في هذه المسألة طويل لا يحتمله هذا الشرح، لا سيما وصاحب الكتاب أومأ إلى الاختصار حيث اقتصر فيها على مجرد الدعوى.
والحق عندي جريان القياس فيها إنْ قلنَا برجوع السببية
(5)
إلى الأحكام الشرعية على ما تقدم ذلك في أوائل الكتاب
(6)
، فإنّه حينئذ
(1)
قلنا ممنوع فإن هذا المشترك الذي ذكرنا. . . . . . ولأنا سلمنا أنَّ ذلك المشترك) ساقط من (غ).
(2)
في (غ): لكن ما لا يجوز.
(3)
في (غ): مؤثرة.
(4)
في (غ): العرف.
(5)
في (ص): التشبيه.
(6)
ينظر ص: 175 وما بعدها.
يشملها دلائل العمل بالقياس في الأحكام ثمّ إنْ اعترف الخصوم بإمكان معرفة العلّة وتعديتها ثم توقفوا عن التعدية كانوا متحكمين بالفرق بين حكم وحكم كمن يقول: نجري القياس في حكم الضمان لا في حكم القصاص وفي البيع لا في النكاح، وإن ادعوا الإحالة فمن أين عرفوا ذلك؟
(1)
فإن قلت: الإمكان مسلم في العقل لكنه غير واقع؛ لأنَّه لا يتيقن للأسباب علّة مستقيمة تتعدى
(2)
.
قلت: الآن قد ارتفع النزاع الأصولي إذ لا ذاهب إلى تجويز القياس حيث لا تعقل العلّة أو لا تتعدى وهم قد ساعدونا على تجويز القياس
(3)
حيث أمكن معرفة العلّة وتعديتها فارتفع الخلاف وهذا ذكره الغزالي فذكرناه هنا
(4)
، وأمّا إن لم نقل برجوع السببية إلى الأحكام فعندي توقف.
البحث السادس: القياس في الأمور العادية والخِلْقِية كأقلّ الحيض وأكثره وكذا الحمل والنفاس
(5)
.
(1)
ينظر: المستصفى: 2/ 332.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
حيث لا تعقل العلّة أو لا تتعدى وهم قد ساعدونا على تجويز القياس) ساقط من (ت).
(4)
ينظر: المستصفى: 2/ 333.
(5)
وهذه الأمور لا يجري فيها القياس كما نصَّ على ذلك، لأنها لا تدرك عللها وتختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمزجة، فلا يقاس أقل الحيض على أقل النفاس، وإنما يرجع فيها إلى النص أو الاستقراء أو العرف، والعادة.
فقال المصنف لا يجري فيه القياس، ونقله الإمام عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والذي قاله الشيخ في شرح اللمع إنّما طريقة العادة إن كانت عليه أمارة جاز إثباته بالقياس
(1)
.
قال: وذلك كالشَّعْرِ هل يحلّ فيه الروح؟ والحامل هل تحيض؟ فإنّا نستدل في مسألة الشّعر والعظمِ بالنّماء والاتصال، ونقيس على سائر الأعضاء. والخصم يقيس على أغصان الشجرة من حيث إنّه لا يحسّ ولا يألم، وفي مسألة الحامل بأن الحمل لو منع دم الحيض لمنع دم الاستحاضة، ألا ترى أنّ الصِّغَر لما منع أحدهما منع الآخر فكذا الكبر، والخصم يقول: لو كان دم الحيض، لانقضت به العدّة، وحرم الطلاق، وإنْ لم يكن عليه أمارة كأقلّ الحيض وأكثره فلا يجوز إثباته بالقياس كما نقله الإمام؛ لأنَّ أشباهها غير معلومة لا قطعًا ولا ظاهرًا فوجب الرجوع فيها إلى قول الصادق. قال الشيخ أبو إسحاق: ومن استدل في هذا بالقياس عالمًا به فقد كذب على دين الله وفسق بذلك
(2)
.
(1)
ينظر: شرح اللمع: 2/ 797.
(2)
ينظر: المصدر السابق: 2/ 797 - 798. وبهذا تم الكلام عن الباب الأول والذي جعله المصنف لحجية القياس، وسيشرع بعده في الباب الثاني والذي خصصه لأركان القياس.
الباب الثاني: أركان القياس