الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحدها: أنّ القياس مجاوزة
، والمجاوزة اعتبار، والاعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به
(1)
.
أما المقدمة الأولى؛ فلأنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع.
وأما الثانية: فلأن الاعتبار مشتق من العبور، وهو المجاوزة والعبور.
تقول: عبرت عليه وعبرت النهر
(2)
.
= وأما المعقول: تقريره أن يقال: القياس يفيد ظن حكم الأصل في الفرع. وكلما كان كذلك يجب العمل بمقتضاه، فالقياس يجب العمل بمقتضاه. واستدلوا على صحة المقدمات أيضًا.
(1)
هذا دليل منطقي مؤلف من ثلاث مقدمات ونتيجة. فالمقدمة الأولى: القياس مجاوزة والمقدمة الثانية والمجاوزة اعتبار، والمقدمة الثالثة والاعتبار مأمور به. والنتيجة القياس مأمور به. فهذا قياس مركب اقتراني مفصول النتائج مؤلف من ثلاث مقدمات كل واحدة منهن يترتب عليها التي بعدها. وضابطه أن تجعل النتيجة مقدمة صغرى وتضم إليها كبرى ثم تجعل النتيجة أيضًا صغرى وتضم إليها كبرى وهكذا. ولذلك طريقان: الطريق الذي يسمى المتصل النتائج. وطريق يسمى مفصول النتائج وهو الذي يهمنا كأن تقول: كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس وكل حساس نام، وكل نام جسم ينتج كل إنسان جسم. وفي مثالنا: القياس مجاوز، والمجاوزة اعتبار والاعتبار مأمور به ينتج القياس مأمور به.
(2)
ينظر: الصحاح: 2/ 732 "عبر" والمصباح المنير: ص 389، ولسان العرب: مادة "عبر". "كقولهم عبرت النهر، وعبرت على فلان أي جاوزته ومنه يقال: المعبر للموضع الذي يعبر عليه والمعبر السفينة التي يعبر فيها كأنها أداة العبور، والعبرة الدمعة سميت بذلك لأنها تعبر الجفن ولا تستقر فيه، وعبّر الرؤيا أي جاوزها إلى ما يناسبها"
وأما الثالثة: قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ}
(1)
أمر بماهية الاعتبار، وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار، ومن جملة أفراده القياس، فوجب أنْ يكونَ مأمورًا به
(2)
.
واعترض الخصم أولًا: بأنَّا لا نسلم أنّ الاعتبار المجاوزة، بل المراد من المأمور به الاتعاظ، ودليل ذلك أنّ القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية وهو قوله تعالى:{يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}
(3)
فإنّه لا يقال بعد ذلك فقيسوا الذّرة على البُر؛ إذ
(4)
هو حينئذ ركيك من الكلام ولا يليق بالشرع.
وأجاب عنه: بأن المراد بالاعتبار، القدرُ المشتركُ بين الاتعاظ والقياس وهو المجاوزة إذ في كلٍّ منهما معناهما
(5)
، بخلاف ما لو جعلناه مختصًا بالاتعاظ فإنّه يلزم
(6)
إما الاشتراك أو المجاز، وهما على خلاف الأصل، وإذا حملنا الاعتبار على مطلق المجاوزة لا يلزم الركاكة
(7)
؛ لأنها إنما تلزم أن لو خصصنا الاعتبار بالقياس الشرعي وليس كذلك.
(1)
سورة الحشر من الآية 2.
(2)
هذه أدلة على صحة المقدمات الثلاث.
(3)
سورة الحشر من الآية 2.
(4)
في (غ)، (ت): وهو.
(5)
في (ص): معناها.
(6)
في (غ)، (ت): فيلزم.
(7)
في (غ): الوكالة. وهو تصحيف.
ثم اعترض الخصم ثانيا: بأنا سلمنا أنّ الاعتبار المجاوزة، لكن لا يلزم منه الأمر بالقياس؛ لأنَّ الآية دالة على وجوب أمر كليّ وهو مطلق الاعتبار، والدّال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز، وغير ملتزم له، وهو معنى قوله: الدّال على الكلي لا يدل على الجزئي. ولا يلزم الأمر بالقياس الذي هو جزئي للكليّ الذي هو مطلق الاعتبار.
وأجيب: بأنّ
(1)
ما ذكر صحيح، ولكن هنا يقتضي العموم لوجهين.
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب أنَّه يحسن أنْ يقول: اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني، وقد بينّا في العموم أنّ الاستثناء يخرج ما لولاه لدخل، فوضح أنّ كلّ اعتبار داخلٌ تحت هذا اللفظ.
والثاني: أنّ ترتيب الحكم على المسمى يقتضي أنْ يكون علّة ذلك الحكم هو ذلك المسمّي، وذلك يقتضي أنّ علّة الأمر بالاعتبار كونه اعتبارًا فيلزم أنْ يكون كلّ الاعتبار مأمورًا به.
ولقائل أنْ يقول على الأول: لا نسلم جواز الاستثناء إذا فسّر بالتفسير المذكور، وهو ما لولاه لوجب دخوله؛ إذ النكرة في سياق الإثبات لا تعمّ، ثمّ ولو فسّر الاستثناء بأنَّه ما لولاه لصحّ دخوله لم يتأت
(2)
ما ذكر أيضًا؛ لأنَّه ينتقض بالأمر بكلّ ماهية كليّة
(3)
لا يجوز فيه هذا
(1)
(بأن) ليست في (غ).
(2)
في (غ): لم يأت.
(3)
الماهية الكلية: قول القائل في الشيء ما هو؟ طلب لماهية الشيء، والماهية إنما تتحقق بمجموع الذاتيات المقومة للشيء فإذا أشار إلى خمر وقال: ما هو؟ فقولك شراب =
النوع من الاستثناء نحو صلِّ إلا الصلاة الفلانية مع أنَّ الأمر بالماهية الكلية ليس أمرا يحزئياتها، كذا قاله صفي الدين الهندي وهو صحيح
(1)
.
وعلى الثاني: أنّ هذا إثبات للقياس بالقياس، أو أنّ
(2)
كون ترتيب الحكم على الوصف مشعرًا
(3)
بالعليّة قياسٌ، فيتوقف ثبوته على ثبوت أصل القياس، فلا يثبت به أصل القياس، وإلا يلزم الدور.
فإن قلت: قد قال بحجية هذا النوع من القياس بعض من أنكر أصل القياس؛ لكون العلّة فيه معلومة بالإيماء فيصح إثباته به بالنسبة إليه.
قلت: صحيح، ولكن لا يصح إثباته به
(4)
بالنسبة إلى منكر أصل القياس. والكلام في هذا المقام ليس إلا معه.
قال صفي الدّين الهندي رحمه الله: ويمكن أنْ يجاب عن اعتراض الخصم بوجه ثالث: وهو أنّ الأمر بالماهية الكليّة وإنْ لم يقتض الأمر بجزئياتها، لكن يقتضي تخيير المكلف بالإتيان
(5)
بكل واحد من تلك الجزئيات بدلًا عن الآخر عند عدم القرينة المعينة لواحد منها أو
= ليس بجواب مطابق لأنك أخللت ببعض الذاتيات وأتيت بما هو أعمّ بل ينبغي أن تذكر المسكر. ينظر: معيار العلم: ص 72 - 73.
(1)
ينظر: نهاية الوصول: 7/ 3087.
(2)
(أنّ) ليس في (ت).
(3)
في (ت): يشعر.
(4)
(به) ليست في (ص).
(5)
في (ت): في الإتيان.
لجميعها ثمّ التخير بينهما يقتضي جواز فعل كلِّ واحد منها ويلزم من جواز فعل القياس وجوبه؛ لأنَّ القول بجوازه مع عدم وجوبه خارق للإجماع
(1)
.
ثم اعترض الخصم ثالثًا: بأنا ولو سلمنا أنّ
(2)
الآية دالة على الأمر بالقياس، لكنَّ التمسكَ بها ممتنعٌ؛ لأنَّ الاستدلال بالعموم إنما يفيد الظنّ، والتمسك بالظنّ
(3)
في المسائل العلمية التي هي الأصول لا يجوز.
وأجاب المصنف: بأن المقصود من حجية القياس العمل به لا مجرد اعتقاده، كأصول الدّين، والعمليات
(4)
يكفي فيها الظنّ، فكذلك وسائلها، والله أعلم.
ولم يجب الإمام عن هذا السؤال، بل قال: إنّه عام في كلّ
(5)
السمعيات فلا تعلق له بخاصية هذه المسألة
(6)
.
وأجاب الهندي بمنع أنْ تكون المسألة علمية وجعلها ظنيّة
(7)
، وهذا واضح على أحد الرأيين
(8)
اللذين حكيناهما في أوَّل البابِ.
(1)
ينظر نهاية الوصول: 7/ 3088.
(2)
في (ت): بأن.
(3)
(والتمسك بالظنّ) ليس في (ت).
(4)
في (ت): والعمليات.
(5)
(كل) ليس في (ت).
(6)
ينظر: المحصول: 2/ ق 2/ 51.
(7)
ينظر: نهاية الوصول: 7/ 3083.
(8)
في (ت): الروايتين.