الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في كل وجه، وتركوا ما انتهبوا، وخلّوا من أسروا، وانتقضت صفوف المسلمين، واستدارت رحاهم، وكانت الرّيح أول النهار صبا فصارت دبورا، وكرّ الناس منهزمين يحطم بعضهم بعضا، فصاروا ثلاثا: ثلثا جريحا، وثلثا منهزما، وثلثا مقتولا، وصرخ الشيطان- لعنه الله-: أي عباد الله، إخوانكم. فرجعت أولاهم، فاجتدلت هي وأخراهم، وهم يظنون أنهم من العدوّ. وكان غرض إبليس بذلك أن يقتل المسلمون بعضهم بعضا، وكان أول النهار للمسلمين على الكفار، كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران 152] .
فما كانت دولة أسرع من دولة المشركين. وصرخ الشيطان عند جبل عينين وقد تصوّر في صورة جعال بن سراقة رضي الله عنه: «إن محمدا قد قتل» ثلاث صرخات، ولم يشكّ فيه أنه حق وكان جعال إلى جنب أبي بردة يقاتل أشدّ القتال، فقال جماعة من المسلمين لما سمعوا ذلك:
إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل أفلا تقاتلون على دينكم، وعلى ما كان عليه نبيّكم، حتى تلقوا الله تعالى شهداء؟! وقال جماعة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ لنا أمانا من أبي سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم، قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، واختلط المسلمون، فصاروا يقتلون على غير شعار، ويضرب بعضهم، بعضا، من العجلة والدّهش وما يدري.
وتفرّق المسلمون في كل وجه، وانهزمت طائفة منهم حتى دخلت المدينة، فلقيتهم أمّ أيمن فجعلت تحثو في وجوههم التراب وتقول لبعضهم:«هاك المغزل فاغزل به، وهلمّ سيفك» .
ولمّا انكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا نفر يسير لم يبق للمسلمين لواء قائم ولا فئة، وإن كانت خيل المشركين لتجوسهم مقبلة مدبرة في الوادي، يلتقون ولا يفترقون، ما يرون أحدا من الناس يردّهم، حتى رجعوا إلى معسكرهم، وأصعد بعض المسلمين في الجبل، واستشهد منهم من أكرمه الله تعالى بالشّهادة، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صرخ به الشّيطان قال: هذا إزب العقبة.
ذكر ثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم
روى البيهقي عن المقداد بن عمرو رضي الله عنه فذكر حديثا في يوم أحد وقال:
فأوجعوا والله قتلا ذريعا، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نالوا، ألا والذي بعثه بالحق إن زال رسول الله صلى الله عليه وسلم شبرا واحدا، وإنه لفي وجه العدوّ ويفيء إليه طائفة من أصحابه مرّة، وتفترق
مرّة عنه، فربما رأيته قائما يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر حتى تحاجزوا، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصابة ثبتت معه.
وقال محمد بن عمر: ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه ما يزول قدما واحدا، بل وقف في وجه العدو، وما يزال يرمي عن قوسه حتى تقطّع وتره، وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرا في سية القوس، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له، فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر، فقال:
«مدّه فيبلغ» ، قال عكّاشة: فو الذي بعثه بالحقّ لمددته حتى بلغ، وطويت منه ليّتين أو ثلاثا على سية القوس، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوسه، فما زال يرمي به وأبو طلحة يستره متترّسا عنه حتى تحطّمت القوس، وصارت شظايا، وفنيت نبله، فأخذ القوس قتادة بن النعمان، فلم تزل عنده، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة، وكان أقرب الناس إلى العدوّ، وثبت معه صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا: ثمانية من المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح. وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصّمّة، وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ- وقيل: سعد بن عبادة- ومحمد بن مسلمة. ويقال: ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلّهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودّع!
وروى الطبراني عن ابن عباس: أن ابن مسعود ثبت يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا انكشف الناس عنه إلى الجبل لا يلوون يدعوهم في أخراهم يقول:«إليّ يا فلان، أنا رسول الله» ، فما يعرّج عليه أحد، وهذا النّبل يأتيه صلى الله عليه وسلم من كل ناحية، والله تعالى يصرف ذلك عنه.
وروي محمد بن عمر الأسلميّ عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلاً من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النّبل من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها، كل ذلك يصرف عنه. ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهريّ يقول يومئذ: دلّوني على محمد، لا نجوت إن نجا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه فعاتبه صفوان بن أمية في ذلك، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنّه منّا ممنوع، أما والله خرجنا أربعة فتعاهدنا، وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إليه.
قال ابن سعد: قال أبو النّمر الكنانيّ وهو جدّ شريك بن عبد الله بن أبي نمر: شهدت أحدا مع المشركين، ورميت يومئذ بخمس مرماة، فأصبت منها بأسهم، وإني لأنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أصحابه لمحدقون به، وإنّ النّبل لتمر عن يمينه وعن شماله، [وتقصر] بين يديه، وتخرج من ورائه، ثم هداني الله للإسلام.