الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا ما ذكره أبو الفتح وفاته جماعة، منهم: السائب بن عبيد، أسلم يوم بدر بعد أن فدى نفسه كما نقله الأئمة، عن القاضي أبي الطّيّب الطبريّ، وعديّ بن الخيار، وهو من مسلمة الفتح، والوليد بن المغيرة، افتكّه أخواه هشام وخالد، فما افتدي أسلم، وعاتبوه في ذلك فقال: كرهت أن يظنّ بي أنّي جزعت من الأسر. ولما أسلم حبسه أخواله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت، ثم أفلت ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضيّة.
تنبيهات
الأول: بدر: قرية مشهورة على نحو أربع مراحل من المدينة الشريفة، قيل: نسبت إلى بدر بن مخلّة بن النضر بن كنانة، وقيل: إلى بدر بن الحارث، وقيل: إلى بدر بن كلدة.
وقيل: بدر: اسم البئر التي بها سميت بذلك لاستدارتها أو لصفائها فكان البدر يرى فيها، وأنكر ذلك غير واحد من شيوخ بني غفار وقالوا: هي ماؤنا، ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. قال الإمام البغويّ: وهذا قول الأكثر.
الثاني: كانت الوقعة في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه، وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن بدر، والأسارى في شوال.
الثالث: ذكر في القصة أنه صلى الله عليه وسلم مر بجبلين فسأل عن اسمهما فقيل له: أحدهما يقال له: مسلح- بضم أوله وسكون ثانيه وكسر اللام بعدها حاء مهملة- والآخر مخرئ- بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الراء- فعدل صلى الله عليه وسلم عن طريقهما. قال أبو القاسم الخثعميّ رحمه الله تعالى: ليس هذا من باب الطّيرة التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، ولكنها من باب كراهية الاسم القبيح،
فقد كان صلى الله عليه وسلم يكتب إلى أمرائه: «إذا أبردتم إليّ بريدا فأبردوه وابعثوه حسن الوجه حسن الاسم» [ (1) ] قلت: رواه البزار من حديث بريدة، ورواه أيضا
وكذا العقيلي والطبراني عن أبي هريرة بلفظ: «إذا بعثتم إليّ رجلا فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم» ،
وأحدهما يقويّ الآخر. انتهى.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في لقحة: «من يحلب هذه؟» فقام رجل فقال: أنا، فقال:«ما اسمك؟» قال: مرّة، قال:«اقعد، فقام آخر قال: «ما اسمك؟» قال: جمرة، قال:«اقعد» ، ثم قام آخر فقال:
«ما اسمك؟» قال: يعيش، قال:«احلب» .
[ (1) ] ذكره الهيثمي في المجمع 8/ 50 وعزاه للبزار والطبراني في الأوسط وقال: وفي إسناد الطبراني عمر بن راشد وثقه العجلي، وضعفه جمهور الأئمة، وبقية رجاله ثقات، وطرق البزار ضعيفة وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 12/ 349.
قلت: رواه ابن سعد وابن قانع. انتهى.
وفي رواية ابن وهب: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، كنت نهيتنا عن التّطيّر،
فقال صلى الله عليه وسلم: «ما تطيّرت، ولكن آثرت الاسم الحسن» ،
أو كما قال صلى الله عليه وسلم [ (1) ] .
الرابع: وقع في صحيح مسلم عن أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة رضي الله عنهم فقال: إيّانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا، وذكر الحديث.
قال في العيون: وهذا القول إنما يعرف عن سعد بن معاذ، كذلك رواه ابن عقبة وابن إسحاق وابن سعد وابن عائذ وغيرهم، والصحيح أن سعد بن عبادة لم يشهد بدرا، فإن سعدا كان متهيّئا للخروج فنهش قبل أن يخرج فأقام.
وذكر الحافظ في الفتح نحوه، ثم قال: ويمكن الجمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بيّن في رواية مسلم، والثانية: بعد أن خرج كما في حديث ابن مسعود في الصحيح، وحينئذ قال سعد بن معاذ ما قال.
ووقع عند الطبرانيّ أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية وهذا أولى بالصواب، ولهذا مزيد بيان يأتي.
الخامس: قال السّهيليّ: معنى يضحك الرّبّ أي يرضيه غاية الرّضا، وحقيقته أنه رضا معه تبشير وإظهار كرامة، وذلك أن الضّحك مضادّ للغضب، وقد يغضب السّيّد ولكنه يعفو ويبقى العتب، فإذا رضي فذلك أكثر من العفو، فإذا ضحك فذلك غاية الرّضا، إذ قد يرضى ولا يظهر ما في نفسه من الرّضا، فيعبّر عن الرّضا وإظهاره بالضّحك في حق الرب تبارك وتعالى مجازا وبلاغة وتضمينا في هذه المعاني في لفظ وجيز، ولذلك
قال صلى الله عليه وسلم في طلحة بن البراء:
«اللهم الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه» .
فمعنى هذه: القه لقاء متحابّين مظهرين لما في أنفسهما من رضا ومحبّة، فإذا قيل: ضحك الربّ إلى فلان فهي كلمة وجيزة، تتضمنّ رضا مع محبة وإظهار بشر وكرامة لا مزيد عليها، فهي من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم.
وقال في المطالع: هذا وأمثاله من الأحاديث، طريقها الإيمان بها من غير كيف ولا تأويل
[ (1) ] ذكره الهيثمي مختصرا 8/ 50 وعزاه للطبراني بإسناد حسن.
وتسليمها إلى عالمها وقائلها.
السادس: قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى ما حاصله: لا يجوز أن يتوهّم أحد أنّ أبابكر رضي الله عنه كان أوثق بربّه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال، بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، لأنه كان أول مشهد شهده، فبالغ في التوجّه والدعاء والابتهال، لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كفّ عن ذلك، وعلم أنه استجيب له، لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، فلهذا عقّبه بقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ [القمر 45] .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: كان النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف، وصاحبه في مقام الرّجاء، وكلا المقامين سواء في الفضل. قال تلميذه السّهيليّ: لا يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم والصّديق سواء، ولكن الرجاء والخوف مقامان لا بد للإيمان منهما، فأبو بكر كان في تلك الساعة في مقام الرجاء لله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مقام الخوف من الله تعالى، لأن الله تعالى يفعل ما يشاء فخاف ألّا يعبد الله تعالى في الأرض بعدها. وقال قاسم بن ثابت في دلائله: إنما قال الصّدّيق للنبي صلى الله عليه وسلم ما قال معاونة ورقّة عليه، لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرّع حتى سقط الرّداء عن منكبيه، فقال له: بعض هذا يا رسول الله، أي لم تتعب نفسك هذا التعب والله تعالى قد وعدك بالنصر؟! وكان رقيق القلب شديد الإشفاق على النبي صلى الله عليه وسلم، وزلّ من لا علم عنده ممّن ينسب إلى التصوف في هذا الموضع زللا شديدا، فلا يلتفت إليه، ولعل الخطّابيّ أشار إليه.
السابع: قال في الروض: سبب شدة اجتهاده ونصبه في الدعاء أنه رأى الملائكة تنصب في القتال وجبريل على ثناياه الغبار، وأنصار الله تعالى يخوضون غمرات الموت.
والجهاد على ضربين: جهاد بالسيف، وجهاد بالدعاء، ومن سنّة الإمام أن يكون من وراء الجند لا يقاتل معهم، فكأن الكل في جهاد وجدّ، ولم يكن ليريح نفسه من أحد الجدّين والجهادين وأنصار الله وملائكته يجتهدون ولا يؤثر الدّعة، وحزب الله تعالى مع أعدائه يجتلدون.
الثامن: لا تعارض بين قوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [الأنفال 44] وبين قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ [آل عمران 13] فإن المعنى في ذلك أصحّ الأقوال أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثل عدد الكافرة على الصّحيح أيضا، وذلك عند التحام الحرب والمسابقة، فأوقع الله تعالى الوهن والرّغب في قلوب الذين كفروا، فاستدرجهم أولا بأن أراهم
إيّاهم عند المواجهة قليلا، ثم أيّد المؤمنين بنصره، فجعلهم في أعين الكافرين على الضّعف منهم، حتى وهنوا وضعفوا، وغلبوا، ولهذا قال: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ.
وروى ابن سعد وإسحاق بن راهويه وابن منيع، والبيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لقد قلّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم. فقلنا: كم أنتم؟ قال: ألف.
التاسع: قال شيخ الإسلام أبو الحسن السبكي رحمه الله تعالى: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه وسلم ببدر، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناح، فأجبت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فتكون الملائكة مددا، على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسننها، التي أجزاها الله تعالى في عباده. والله تعالى فاعل الأشياء.
وقال في الكشّاف في تفسير سورة يس في قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ [يس 28] فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السّماء يوم بدر والخندق؟ فقال: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب 9] وقال: بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال 9] بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [أل عمران 124] بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [أل عمران 125] قلت: إنما كان يكفي ملك واحد فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة، ولكن الله تعالى فضّل محمدا صلى الله عليه وسلم بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل فضلا على حبيبه النجار. وأولاه من أسباب الكرامة ما لم يؤته أحدا، فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء، وكأنه أشار بقوله: وَما أَنْزَلْنا
…
وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهّل لها إلا مثلك، وما كنا نفعله لغيرك.
العاشر: اختلف المفسرون في قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران 124، 125] الآيات، هل كان هذا الوعد يوم بدر أو يوم أحد؟ فقال ابن عباس والحسن، وقتادة، وعامر الشعبيّ، والربيع بن أنس، وغيرهم، وعليه جرى الإمام البخاري في صحيحه واختاره ابن جرير. وقال الحافظ: إنه قول الأكثر. وإن قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ
هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ يتعلق بقوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ [آل عمران 123] لأن السّياق يدل على ذلك، فإنه سبحانه وتعالى قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ إلى أن قال: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي هذا الإمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ [آل عمران 126] قالوا: فلمّا استغاثوا أَمدَّهم بألف، ثم أمدّهم بتمام خمسة آلاف لمّا صبروا واتّقوا، وكان هذا التّدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعا، وأقوى لنفوسهم وأسرّ لها من أن تأتي دفعة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرةً بعد مرة، فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال 9] إلى آخر الآية؟
فالجواب: أن التّنصيص على الألف هنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها، لقوله: مردفين، يعني بردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر مثلهم، وهذا السّياق شبيه بالسيّاق في سورة آل عمران، فالظاهر أنَّ ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، وقالت شرذمة: هذا الوعد بالإمداد بالثلاثة وبالخمسة كان يوم أحد، وكان إمدادا معلّقا على شرط، وهو التّقوى ومصابرة عدوّهم فلم يصبروا، بل فرّوا، فلما فات شرطه فات الإمداد فلم يمدّوا بملك واحد، والقصة في سياق أحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضا في آيتها فإنه قال:
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران 121، 122] ثم قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فذكّر هم نعمته عليهم لمّا نصرهم ببدر وهم أذلّة، ثم عاد إلي قصة أحد وأخبر عن قول رسوله أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ثم وعدهم إن صبروا واتّقوا أن يمدّهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى هذا: بِخَمْسَةِ آلافٍ وإمداد بدر بألف، وهذا معلّق على شرط وذاك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصّة أحد مستوفاة مطوّلة، وبدر ذكرت فيها اعتراضا، والقصّة في سورة الأنفال توضّح هذا.
قال الحافظ: ويؤيّد ما ذهب إليه الجمهور ما رواه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم بسند صحيح عن الشّعبيّ أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي مدّ المشركين فشق ذلك على المسلمين، فانزل الله تعالى: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ الآية، فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمدّ كرز المشركين ولم يمدّ المسلمون. وقال في موضع آخر: هذا- أي القول الأول- هو المعتمد.
الحادي عشر: في الكلام على قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال 17] .
قال في زاد المعاد: اعتقد جماعة أن المراد بالآية سلب فغل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإضافته إلى الرب تبارك وتعالى حقيقة، وجعلوا ذلك أصلا للجبر وإبطال نسبة الأفعال ونسبتها إلى الرب تبارك وتعالى وحده، وهذا غلط منهم في فهم القرآن، فلو صحّ ذلك لوجب طرده فيقال:
ما صلّيت إذ صلّيت، ولا صمت إذ صمت، ولا فعلت كلّ ذلك إذ فعلت، ولكن الله فعل ذلك، فإن طردوا ذلك لزمهم في أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم، إذ لا فرق، وإن خصّوه برسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله جميعها أو رمية واحدة ناقضوا، فهؤلاء لم يوفّقهم الله تعالى لفهم ما أريد بالآية، ومعلوم أن تلك الرّمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه صلى الله عليه وسلم هذا الرّمي، وهو الحذف، ومن الربّ سبحانه وتعالى نهايته وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته، ونظير هذه الآية نفسها قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الأنفال 17] ثم قال: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى فأخبر أنه سبحانه وتعالى وحده هو الذي تفرّد بإيصال الحصا إلى أعينهم، ولم يكن برسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه وتعالى أقام أسبابا تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنّصرة مضافا إليه وبه، وهو خير الناصرين.
الثاني عشر: قال السّدّيّ الكبير، وعروة، وقتادة، ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وابن زيد، وغيرهم، أن هذه الآية نزلت في بدر وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين.
الثالث عشر: في حديث أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بمصارع القوم قبل الوقعة بيوم أو أكثر. وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك يوم الوقعة. قال في البداية: ولا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم أو أكثر، وفي حديث آخر أن يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة.
الرابع عشر: اتّفق عمر وأبو طلحة، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال له المسلمون: يا رسول الله كيف تخاطب أمواتا؟ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» ،
والثلاثة الأول شاهدوا القصة، وسمعوا هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الله يحتمل أن يكون سمعه من أبيه أو من النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظ ابن مسعود
قال: «يسمعون كما تسمعون ولكن لا يجيبون» ، رواه الطبراني بإسناد صحيح،
وأنكرت ذلك عائشة رضي الله عنها لمّا بلغها ذلك عن ابن عمر،
وقالت: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حقا،
واستدلّت على ذلك بقوله تعالى: وَما أَنْتَ
بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر 22] وهذا مصير منها إلى ردّ رواية ابن عمر المذكورة، وقد خالفها الجمهور في ذلك وقبلوا حديث ابن عمر لموافقة من رواه غيره عليه. وأما استدلالها عليه بالآية فقالوا: معناها لا تسمعهم سماعا ينفعهم ولا تسمعهم إلا أن يشاء الله، وقال الإسماعيليّ: كان عند عائشة رضي الله عنها من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، ولكن لا سبيل إلى رد كلام الثقة إلا بنصّ يدلّ على نسخه، أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن؟ لأن قوله تعالى:
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى لا ينافي
قوله صلى الله عليه وسلم: «أنهم الآن يسمعون»
لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت نبيه صلى الله عليه وسلم. وأما جوابه بأنه إنما قال:«إنهم ليعلمون» ، فإن كانت سمعت ذلك فلا ينافي رواية يسمعون، بل يؤيّدها. وقال البيهقيّ: العلم لا يمنع من السماع، والجواب عن الآية لا يسمعهم وهم موتى، ولكن الله تعالى أحياهم حتى سمعوا كما قال قتادة.
وقال السّهيليّ ما محصّله: إن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم لقول الصحابة له: أتخاطب أقواما قد جيّفوا فأجابهم، وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين جاز أن يكونوا سامعين، وذلك بآذان رؤوسهم على قول الأكثر، أو بآذان قلوبهم، واحتجاج عائشة رضي الله عنها بقوله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ وهذه الآية لقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ [الزخرف 40] أي أن الله تعالى هو الذي يهدي ويوفّق ويوصّل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت، وجعل الكفار أمواتا وصمّا على جهة التشبيه بالأموات وبالصّمّ، والله تعالى هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء لا نبيه ولا أحد، فإذا لا تعلّق بالآية من وجهين: أحدهما: أنها نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان، الثاني:
أنه إنما نفى عن نبيّه إن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله تعالى فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، ويفعل ما يشاء، وهو على كل شيء قدير.
الخامس عشر: من الغرائب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة، وفيه:«ما أنت بأسمع لما أقول منهم» ، ورواه الإمام أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظا فكأن عائشة رضي الله عنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة.
السادس عشر: قال في الروض: فإن قيل: ما معنى إلقائهم في القليب وما فيه من الفقه؟ قلنا: كان من سنته صلى الله عليه وسلم في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه، مؤمنا كان أو كافرا، هكذا رواه الدارقطنيّ في سننه. وإلقاؤهم في القليب من هذا الباب غير أنه كره أن
يشقّ على أصحابه بكثرة جيف الكفار أن يأمر بدفنهم فكان جرّهم إلى القليب أيسر عليهم، ووافق أن القليب حفره رجل من بني النار اسمه بدر، فكان فألا مقدما لهم كما أفاد ذلك الواقديّ.
السابع عشر: قال العلامة ابن مرزوق في شرح البردة: ومن الآيات ببدر الباقية ما كنت أسمعه من غير واحد من الحجّاج أنهم إذا اجتازوا بذلك الموضع يسمعون كهيئة طبل ملوك الوقت، ويرون أن ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك، وربما تأوّلته بأن الموضع لعلّه صلب فيستجيب فيه حوافر الدواب، وكان يقال لي إنه وعس رمل غير صلب، وغالب ما يسير هناك الإبل، وأخفافها لا تصوّت في الأرض الصّلبة فكيف بالرّمال. قال: ثم لما من الله تعالى بالوصول إلى ذلك الموضع المشرف نزلت عن الرّاحلة أمشي، وبيدي عود طويل من شجر السّعدان المسمى بأمّ غيلان، وقد نسيت ذلك الخبر الذي كنت أسمعه، فما راعني وأنا أسير في الهاجرة إلا واحد من عبيد الأعراب الجمّالين يقول: أتسمعون الطّبل؟ فأخذني لمّا سمعت كلامه قشعريرة بيّنة، وتذكّرت ما كنت أخبرت به، وكان في الجوّ بعض ريح فسمعت صوت الطبل، وأنا دهش مما أصابني من الفرح أو الهيبة، أو ما الله أعلم به، فشككت وقلت:
لعل الريح سكنت في هذا الذي في يدي، وحدث مثل هذا الصوت، وأنا حريص على طلب التحقق بهذه الآية العظيمة، فألقيت العود من يدي، وجلست إلى الأرض أو وثبت قائما، أو فعلت جميع ذلك، فسمعت صوت الطبل سماعا محقّقا أو صوتا لا أشكّ أنه صوت طبل، وذلك من ناحية ونحن سائرون إلى مكة المشرّفة، ثم نزلنا ببدر فظللت أسمع ذلك الصوت يومي أجمع المرّة بعد المرة، قال: ولقد أخبرت أنّ ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس.
انتهى.
وقال الإمام المرجاني رحمه الله: وضربت طبلخانة النصر ببدر، فهي تضرب إلى يوم القيامة، ونقله السيد في تاريخه الكبير والصغير وأقرّه.
الثامن عشر: وقع في صحيح البخاري في كتاب فرض الخمس في حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أبي جهل، وكان اللذان قتلاه: معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ووقع في المغازي، هما ابنا عفراء: معاذ ومعوّذ، قال الحافظ: عفراء: والدة معاذ واسم أبيه الحارث. وأما معاذ بن عمرو بن الجموح ليس اسم أمه عفراء، وإنما أطلق عليه تغليبا، ويحتمل أن تكون أم معوّذ أيضا تسمى عفراء، وأنه كان لمعوّذ أخ يسمى معاذا باسم الذي شركه في قتل أبي جهل، ظنه الرّاوي أخاه.
التاسع عشر: اختلف في قاتل أبي جهل، ففي صحيح البخاري في كتاب الخمس،
عن عبد الرحمن بن عوف أن معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ ابن عفراء قتلا أبا جهل، وفيه أيضاً عن أنس إن ابن مسعود انطلق لينظر أبا جهل فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد- بفتح الموحدة والراء المهملة- أي مات، أو صار في حال من مات، ولم يبق فيه سوى حركة المذبوح، وابنا عفراء هما معاذ ومعوّذ، بتشديد الواو.
وعند ابن إسحاق عن ابن عباس عن عمرو بن الجموح أنه ضرب أبا جهل ضربة أطنّت قدمه، ثم مرّ به معوّذ ابن عفراء فضربه حتى أثبته وبه رمق، ثم مرّ بأبي جهل عبد الله بن مسعود وبه رمق فذكر ما سبق في القصة، واحتزّ رأسه.
قال في الفتح بعد ذكر حديث ابن عوف: عفراء: والدة معوّذ واسم أبيه الحارث وأما معاذ بن عمرو بن الجموح فليس اسم أمه عفراء، وإنما أطلق عليه تغليبا، ويحتمل أن تكون أمّ معاذ أيضا تسمى عفراء، أو أنه كان لمعوّذ أخ يسمى معاذا باسم الذي شركه في قتل أبي جهل ظنّه الراوي أخاه، وما رواه ابن إسحاق يجمع بين الأحاديث، لكنه يخالف حديث ابن عوف أنه رأى معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو شدّا عليه جميعا حتى طرحاه، وابن إسحاق يقول: إنّ ابن عفراء هو معوّذ، والذي في الصحيح معاذ وهما أخوان، فيحتمل أن يكون معاذ ابن عفراء شدّ عليه فتجتمع الأقوال كلّها، وإطلاق كونهما قتلاه يخالف في الظاهر حديث ابن مسعود أنه وجده وبه رمق، وهو محمول على أنهما بلغا به بضربهما إيّاه بسيفيهما منزلة المقتول، حتى لم يبق إلا مثل حركة المذبوح، وفي تلك الحالة لقيه ابن مسعود فضرب عنقه.
وأما ما ذكره ابن عتبة وأبو الأسود عن عروة: إن ابن مسعود أنه وجد أبا جهل مصروعا بينه وبين المعركة غير كثير، متقنّعا في الحديد واضعا سيفه على فخذه، إلى آخر ما ذكر في القصة، فيحمل على أن ذلك وقع بعد أن خاطبه كما تقدم.
العشرون: أول رأس حمل في الإسلام رأس عدوّ الله أبي جهل، وحمل إليه رأس سفيان بن خالد الهذليّ، حمله عبد الله بن أنس كما سيأتي، وحمل إليه أيضا رأس كعب بن الأشرف كما سيأتي، ورأس أبي عزّة، ومرحب اليهوديّ كما رواه الإمام أحمد، ورأس العنسي الكذّاب كما ذكره بعضهم، وعصماء بنت مروان، ورفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة، وأول مسلم حمل رأسه عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه. وأما ما رواه أبو داود في مراسيله عن الزهري قال: لم يحمل.
الحادي والعشرون:
قوله صلى الله عليه وسلم لما سمع شعر قتيلة بنت النضر: لو بلغني شعرها قبل أن أقتله ما قتلته.
قال أبو عمر: ليس معنى هذا الندم، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقول ولا يفعل إلا حقّا، ولكن معناه لو شفعت عندي بهذا القول لقبلت شفاعتها.
الثاني والعشرون: قول أبي الفتح: المشهور
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل قتيلا فله سلبه» [ (1) ] ،
إنما كان يوم حنين
…
إلخ فيه نظر من وجوه: الأول: في صحيح مسلم حديث عوف بن مالك، وفيه: فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسّلب للقاتل
…
الحديث، وفيه أن ذلك كان في غزوة مؤتة، وهي قبل حنين.
الثالث والعشرون: وقع في تفسير البغويّ أن سعد بن أبي وقّاص قتل يوم بدر سعيد بن العاص بن أميّة، والصواب العاص بن سعيد بن العاص، وليس في قتلى بدر من المشركين من يقال له سعيد بن العاص، وسعيد بن العاص صحابيّ أدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين، وولد عام الهجرة، وقتل عليّ أباه يوم بدر، وكان سعيد من أشراف بني أمية وفصائحهم وأجوادهم، وأحد من كتب المصاحف لعثمان، وولّاه على الكوفة، وغزا جرجان [ (2) ] ، وطبرستان [ (3) ] ، وافتتحهما ولزم بيته في الفتنة.
الرابع والعشرون: في فضل من شهد بدرا من المسلمين.
روى البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه، وكان من أهل بدر، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها» ، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة.
وروى الإمام أحمد بسند على شرط مسلم، عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل النار رجل شهد بدرا والحديبية»
[ (4) ] .
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن رافع بن خديج رضي الله عنه أن جبريل أو ملكا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدّون من شهد بدرا فيكم؟ قال: خيارنا. قال: كذلك هم عندنا من الملائكة.
قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في جامع المسانيد: هكذا وقع في مسند أحمد، والظاهر أنه غلط من بعض الرواة، وإنما هو حديث رافع بن رفاعة الزرقي وليس برافع بن خديج، ويحتمل أن يكون ابن خديج سمعه أيضا من رسول الله صلى الله عليه وسلم [ (5) ] .
[ (1) ] أخرجه البخاري 8/ 34 (4321) ومسلم 3/ 1370 (41- 1751) .
[ (2) ](جرجان) بالضم، وآخره نون: مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان وهي قطعتان: إحداهما المدينة والأخرى بكرآباد، وبينهما نهر كبير يحتمل جري السفن فيه، وبها الزيتون والنخل والجوز والرمّان وقصب السكر والأترج مراصد الاطلاع 1/ 323.
[ (3) ](طبرستان) بفتح أوله، وثانية، وكسر الراء: بلاد واسعة ومدن كثيرة، يشملها هذا الاسم يغلب عليها الجبال، وهي تسمى بمازندران، وهي مجاورة لجيلان وديلمان، وهي من الرّيّ وقومس. [مراصد الاطلاع 2/ 878] .
[ (4) ] أخرجه أحمد في المسند 6/ 396 وذكره المتقي الهندي في الكنز (33894) وابن كثير في البداية والنهاية 3/ 329.
[ (5) ] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 14/ 385.
وروى أبو داود وابن ماجة والطبراني بسند جيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطلع الله تعالى علي أهل بدر فقال: «اعملوا ما شتم فقد غفرت لكم» [ (1) ] .
وروى الإمام أحمد عن حفصة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأرجو ألاّ يدخل النار- إن شاء الله- أحد شهد بدرا والحديبية» قالت: قلت: أليس الله تعالى يقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها؟ [مريم 71] قالت: فسمعته يقول: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [ (2) ][مريم 72]
وروى مسلم والترمذي، عن جابر رضي الله عنه أن عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا إليه، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال:«كذبت، لا يدخلها، فإنه قد شهد بدرا والحديبية»
[ (3) ]
وفي الصحيح عن علي رضي الله عنه في قصة كتاب حاطب: وأن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وسلم:«أليس من أهل بدر؟ ولعل الله أطلعه على أهل بدر» فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» أو قال: «فقد وجبت لكم الجنّة» ،
وسيأتي الحديث في غزوة الفتح [ (4) ] .
روى الطبراني عن رافع بن خديج رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر:
رجاله ثقات إلا جعفر بن مقلاص فإنه غير معروف [ (5) ] .
وروى البخاري [ (6) ] عن أنس رضي الله عنه قال: أصيب حارثة بن زيد ببدر، فجاءت أمّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة منّي، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب. وإن تكن الأخرى فترى ما أصنع؟ فقال:«ويحك، أو هبلت أو جنّة واحدة هي؟! إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس» ،
وجاء في رواية البخاري عن أنس أن حارثة كان في النّظّارة، وفيه: أنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى. وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر، فإن هذا لم يكن في بحبحة القتال ولا في حومة الوغى، بل كان من النّظّارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف جنة الفردوس التي هي
[ (1) ] أخرجه أبو داود (4655) .
[ (2) ] أخرجه ابن ماجة 2/ 1431 (4281) وأحمد في المسند 6/ 285 وذكره الهيثمي في المجمع 6/ 107 وابن كثير في البداية والنهاية 3/ 329.
[ (3) ] أخرجه مسلم 4/ 1942 (162- 2195) والترمذي (3864) .
[ (4) ] أخرجه البخاري 5/ 99 (دار الفكر) والبيهقي في الدلائل 3/ 152.
[ (5) ] أخرجه الطبراني في الكبير 4/ 339.
[ (6) ] أخرجه البخاري في كتاب المغازي (3982) .