الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولمّا بلغ عتبة قول أبي جهل: «انتفخ والله سحره» ، قال: سيعلم مصفّر استه من انتفخ سحره: أنا أم هو؟.
ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فلما رأى ذلك اعتجر ببرد له على رأسه.
وسلّ أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال له إيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا؟.
وذكر محمد بن عمر الأسلميّ والبلاذريّ وصاحب الإمتاع: أن قريشا لما نزلت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إليهم، يقول لهم: ارجعوا فإنه أن يلي هذا الأمر منّي غيركم أحب إلي من أن تلوه منيّ، وأن أليه من غيركم أحب إلي من أن أليه منكم فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصحا فاقبلوه، فو الله لا تنتصرون عليه بعد ما عرض من النّصح، فقال أبو جهل: والله لا نرجع بعد أن مكّننا الله منهم.
قال ابن عائذ: وقال رجال من المشركين لمّا رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: غرّ هؤلاء دينهم، منهم أبو البختريّ بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وذكر غيرهم لما تقالّوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنّوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، فانزل الله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال 49] لا يغالب، ينصر من يستحق النصر وإن كان ضعيفا، فعزّته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه، أخبر تعالى أن النصر بالتوكّل عليه لا بالكثرة.
وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذا فاربطوهم في الحبال ولا تقتلوا منهم أحدا فنزل: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ [القلم 17] يقول في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.
ذكر ابتداء الحرب وتهييج القتال يوم بدر
ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صفّ أصحابه قبل أن تنزل قريش، وطلعت قريش ورسوله الله صلى الله عليه وسلم يصفّ أصحابه ويعدّلهم، كأنما يقوّم بهم القدح ومعه يومئذ قدح، يشير إلى هذا: تقدّم، وإلى هذا: تأخّر، حتى استووا، ودفع رايته إلى مصعب بن عمير، فتقدم حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضعها، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الصفوف فاستقبل المغرب، وجعل الشمس خلفه، وأقبل المشركون فاستقبلوا الشمس، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعدوة الشاميّة، ونزلوا بالعدوة اليمانية، فجاء رجل فقال: يا رسول الله: إني أرى أن نعلو الوادي، فإني أرى ريحا قد هاجت من أعلى الوادي، وإني أراها بعثت بنصرك،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد صففت صفوفي ووضعت رايتي، فلا أغيّر ذلك» ، ولما عدل
رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف تقدّم سواد بن غزيّة أمام الصف فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطنه وقال: «استو يا سواد» ، قال: يا رسول الله أوجعتني والذي بعثك بالحق، أقدني. فكشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال:«استقد فاعتنقه وقبله» فقال: ما حملك على ما صنعت، فقال: حضر من أمر الله ما قد ترى، وخشيت أن أقتل فأردت أن أكون آخر عهدي بك، وأن أعتنقك.
وتعبّت قريش للقتال، والشّيطان لا يفارقهم.
قال ابن سعد: وكان معهم ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز بن عمير، ولواء مع النضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة، وكلهم من عبد الدار، وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ، وكان رجلا شرسا سيّء الخلق فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضكم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض يريد بزعمه أن تبرّ يمينه- وفي لفظ: في جوف الحوض- فاتّبعه حمزة حتى قتله دون الحوض، حتى وقع فيه فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه.
قال ابن سعد: وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين فثبت المسلمون على حقهم، ولم يزولوا، وشدّ عليهم عامر بن الحضرميّ، ونشبت الحرب، فكان أول من خرج من المسلمين مهجع- بكسر الميم وإسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة- ابن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرميّ.
وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، ويقال: قتله حبّان بن عرقة- بفتح
العين وكسر الراء، ويقال: بفتحها، فقاف مفتوحة- ويقال: عمير بن الحمام- بضم الحاء المهملة- قتله خالد بن الأعلم العقيلي- بضمّ العين.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لا تقاتلوا حتى أوذنكم، وإن كثبوكم فارموهم بالنّبل، ولا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم واستبقوا نبلكم» .
فقال أبو بكر: يا رسول الله قد دنا القوم وقد نالوا منّا، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراه الله تعالى إيّاهم في منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، وكان ذلك تثبيتا لهم.
وروى ابن إسحاق وابن المنذر عن حبّان بن واسع عن أشياخ من قومه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، ورجع إلى العريش ثم انتبه فقال:«أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النّقع» .
وخرج عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فضل من الصفّ دعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار وهم: عوف ومعاذ ابنا الحارث- وأمهما عفراء- وعبد الله بن رواحة.
قال ابن عقبة وابن سعد وابن عائذ: ولما طلب القوم المبارزة وقام إليهم الثلاثة استحى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، لأنه أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد معهم، فأحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الشوكة لبني عمه وقومه فقالوا: من أنتم؟ قالوا:
رهط من الأنصار، فقالوا: أكفاء كرام، ما لنا بكم من حاجة، ثم نادوا، يا محمد أرج إلينا أكفاءنا من قومنا،
فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا إلى مصافّكم وليقم إليهم بنو عمّهم» .
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ- وكان عليّ معلما بصوفة بيضاء- فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيّكم إذ جاءوا ببطالهم ليطفئوا نور الله» ،
فلما قاموا ودنوا معهم قالوا: من أنتم؟ تكلّموا، فقال عبيدة: أنا عبيدة، وقال حمزة: أنا حمزة،
وقال علي: أنا عليّ.
قالوا: نعم، أكفاء كرام، فبارز عبيدة- وكان أسنّ القوم- عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة، بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه.
وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فذفّفا عليه واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه، ولما جاءوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعوه إلى جانب موقف النبي صلى الله عليه وسلم، فأفرشه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه الشريفة، وقال عبيدة: يا رسول الله لو أن أبا طالب حيّ لعلم أني أحق بقوله:
كذبتم وبيت الله نبزى
…
محمّدا ولمّا نطاعن حوله ونناضل