الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أدلة وجود الروح:
(فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ)
أولا: لم يكن العقل البشرى بحاجة إلى التدليل على وجود الروح لأن حياة العاقل دليل على وجود الروح فيه ومن مات فقد صعدت روحه إلى خالقها هكذا بلا تفلسف ولا تدليل، لذلك لم يحاول الإمام الغزالي وهو يتكلم عن خلود الروح أن يتكلم عن أدلة وجودها.
أما الشيخ الرئيس ابن سينا فقد حاول أن يدلل على وجود الروح وأورد أدلة طويلة لإثباتها ولكن شأنها شأن أدلة اليونان الأخرى مجرد لعب بالكلمات يمكن لأي منكر لحقيقة الروح أن يقول عنها إنه أعاد الدعوة نفسها بكلمات أخرى.
وقد كتب ابن سينا قصيدته الشهيرة على الروح ومطلعها:
هبطت إليك من المحل الأرفع
…
ورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف
…
وهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما
…
كرهت فراقك وهي ذات تفجع
حتى إذا قرب المسير عن الحمي
…
ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت مفارقة لكل مخلف
…
عنها حليف الدرب غير مشيع
سمعت وقد كشف الغطاء فأبصرت
…
ما ليس يدرك بالعيون الهجع
وتعود عالمة بكل حقيقة
…
في العالمين فخرقها لم يرقع.
ولكن القصيدة بل وفلسفته كلها لم تثبت وجود الروح ، ولما يأس أبو بكر بن عبد الرحمن الكيسانى الأصم من إثبات وجود الروح أنكر وجودها وقال: لا أعرف إلا ما تشاهده حواسي.
وسبب عجزهم عن إثبات وجود الروح أن شدة الوضوح تسبب الخفاء وقد يعجز الإنسان عن رؤية أقرب شيء منه.
وفى أوروبا لم تنجح فلسفة أفلاطون وأرسطو في إثبات وجود الروح أمام الزحف المادى ، حتى فلسفة ديكارت والتى قالت بالتوازن بين الروح والجسد لم تملأ حياة الرجل الأوروبى ، وقد فسر (هارتلى) العمليات العقلية بأنها لا تتعدى أن تكون ذبذبة في الجهاز العصبى وبنى علماء النفس تفسيراتهم على هذا الأساس وقد مهدت نظريات علماء النفس لخطر كبير على الفكر الديني في أوروبا وتسرب دخانها القاتم إلى بلاد الإسلام في غيبة حراس الحق ولكن الإسلام وحده يستطيع أن يحفظ التوازن الإيمانى في العالم إذا أحسنا الدعوة إليه وسوف أحاول أن أقيم بعض الأدلة على وجود الروح.
الدليل الأول على وجود الروح:
كل إنسان يشعر بالماضى ويثق بأنه عاشه بآماله وآلامه، وأن الماضي يحكم كثيرا من تصرفاتنا في الحاضر وتطلعاتنا للمستقبل وأسأل نفسي:
هل أنا الذي عشت هذا الماضي فعلا؟
وهل أنا الذي كنت صانعا في مدينة الزقازيق وقضيت خمسة عشر عاماً
أعمل بيدى طوال النهار وأقضي الليل كله في القراءة حتى أتممت دراستى الجامعية؟
إن علماء الخلايا يقولون لي إن هذا الجسد لم يحمل هذه المصاعب ، لأن الجسد الذي تحملها قد ماتت جميع خلاياه وتكون من الطعام جسدا آخر يعيش حاضره فقط ولا علاقة له بالماضى هذا ما يقوله الطب الحديث مؤكداً أن الجسد يتبدل كل عدة سنوات.
فشعور الإنسان بالماضي ويقينه أنه عاشه يؤكد وجود شيء في الإنسان يغاير الجسد فهل هذا الشعور سببه أن خلايا الأعصاب تولد مع الإنسان وتموت معه؟
كما قال علماء الخلايا ، أم أن هناك سبباً آخر؟
مناقشة الاحتمال الأول:
يدرك الأطباء جيداً دور المخ في السيطرة على الأعصاب وخضوعها لأوامره ولكن الطب الحديث يقف خاشعاً أمام سر التفكير والإدراك والتخيل وتركيب الكلمات والجمل وربط هذه المعانى ببعضها بحيث يخرج الكلام منسجماً إن هذه القضايا يقف الطب أمامها من دون أي إجابة عليها يقول الدكتور خالص جلبى:
إنَّ الطب يقف حائراً حتى الآن عن الإجابة على هذه التساؤلات كيف يستخدم الإنسان الأسماء حتى يتفاهم مع غيره على الشيء الذي يريد؟ وكيف ينتقل هذا الأمر من عالم الماديات المحسوسة إلى عالم الروح والفكر حيث يتم التعبير بالأشياء المجردة ، الحق يقال: إننا درسنا عموميات الطب من أوله حتى آخره ومع ذلك لم نستطع حتى الآن أن نفقه هذا السر كما أن الأطباء الذين يبحثون هذه القضايا يقفون مدهوشين أمام هذه الظاهرة الفذة العجيبة المحيرة ، إن الفكر ظاهرة غير مفهومة وواضح من كلام الدكتور خالص جلبى أن الفكر من مسائل الروح وليس من مسائل المادة
وهذا هو رأى المحققين من العلماء الذين لم تُفقدهم النظرية المادية توازنهم العلمي.
وقد أعلن هذا الرأي من قبل الفيلسوف الفرنسى (برجسون) الذي كان من أوائل الذين تصدوا لدحض مادة الفكر عن طريق العمل والتجربة لا عن طريق الفلسفة التجريبية فقد راح خلال عشرين عام يلاحظ المصابين (بالأفزيا) أي مرض فقد الذاكرة والكلام فخرج من ملاحظاته بالحقائق القاطعة بأن العقل لا يمكن أن يكون عملية مادية على أي وجه من الوجوه وفى ذلك يقول يتفق حيث يكون الفساد الدماغي خطير وحيث تكون الذاكرة اللفظية مصابة إصابة بليغة أحيانا، أن ترجع الذاكرة فجأة وذلك على أثر تنبيه قوى بعض الشيء كالانفعال مثلا فهل يمكن أن يحدث ذلك لو كانت الذاكرة موضوعة في المادة الدماغية التي فسدت أو تلفت (الواقع أن الأمور تجري كما لو كان الدماغ يفيد من التذكير لا للاحتفاظ بها) .
على أن القول بأن التفكير لون من ألوان تفاعل المادة على صورة من الصور فهذا ما أثبت العلم التجريبي فساده وبطلانه حتى أصبح القول بمادية الفكر أو بأن العقل هو المخ من مظاهر الجهل والسوقية العلمية ذلك لأن كل تفاعل في المادة معناه حدوث تغير في طاقتها بالنقص أو الزيادة وقد أصبح للعلماء أجهزة دقيقة وحساسة إلى الحد الذي يجعلها قادرة على تسجيل حركه إلكترون واحد وقد أمكن أن يسجلوا بهذه الآلات التغيرات التي تطرأ على المخ عندما يقوم الإنسان بأى حركة مادية كتحريك أصبع أو ثنى ورقة كما سجلت هذه الآلات التغير الذي يطرأ على المخ عند حصول أي انفعال يطرأ على الإنسان الأمر الذي أثبت بطريقة جازمة أن جميع حركات الإنسان وانفعالاته هى تفاعلات مادية فعلا ولكنهم عندما حاولوا أن يقيسوا النشاط الفكري بنفس الأسلوب لم تسجل الآيات أي شيء الأمر الذي جعل الكثير من العلماء ينبذون الرأي القائل بأن المخ هو العقل