الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم يقول: وقد كتب (م. أ. فاسى) مهندس عام الإرصاد الجوية في مقال (الهواطل) بدائرة معارف (أونيفر ساليس) كتب ما يلى: لا يمكن أبداً إسقاط المطر من سحاب لا يحتوي على سمات السحابة القابلة للهطول. كما لا يمكن إنزال المطر من سحابة لم تصل إلى درجة مناسبة من التطور أو النضج وبالتالى فإن الإنسان لا يستطيع أن يعجل بعملية الهطول مستعيناً في ذلك بالوسائل التقنية الملائمة.
ونزول المطر الصناعى مشروط بأن تكون الظروف الطبيعية ملائمة.
ولو كان الأمر غير هذا لما وجد الجفاف، ثم يختم (فاسى) مقاله بقوله: إن التحكم في المطر والتقس الجميل لم يزل حلماً.
ويفهم من كلام فاسى أن عملية المطر الصناعى كعملية (الطلق الصناعى) عند الوضع. إذ لا يمكن للجنين أن ينزل إلى الأرض حى سليماً إلا إذا تمت مدة حمله. وفنون الطب في عملية الولادة لا تنقض هذه القضية.
الدليل الرابع: الاستدلال بالنار
قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
بعد أن ناقش القرآن المنكرين في موضوع النطفة والنبات والسحاب.
ساق التساؤل الاخير وجعل مادته هى النار.
إنَّ نار الدنيا تذكرة ومع أنها سبب الحضارة وارتبطت بكل تقدم عمرانى إلا أنها تهلك كل شيء. فهى نعمة ونقمة.
إنَّ الذين لا تؤلف النعمة قلوبهم ولا تهذب الشدائد سلوكهم تصلح معهم النار لأن آخر الدواء الكي ، فهناك صنف من الناس لئيم الطبع ، خبيث الطوية ، إن جاع
سرق ، وإن شبع زنا ، صنف كنود يأكل خير الله فلا يشكر ويَعْثُ في الأرض فساداً ولا يتوب.
قال عنهم القرآن: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)
قال صاحب الظلال:
هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة والذين تنكبوا الطريق لا يفيدهم الابتلاء بالنعمة ولا الابتلاء بالنقمة. فإن أصابتهم النعمة حسبوا (أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ)
وإن أصابتهم النقمة لم تلن قلوبهم ولم تستيقظ ضمائرهم ولم يرجعوا إلى الله يتضرعون له ليكشف عنهم الضر. ويظلون كذلك حتى يأتيهم العذاب الشديد يوم القيامة فإذا هم حائرون يائسون.
إنَّ التضرع والاستكانة عند مس الضر دليل على الرجوع إلى الله والشعور بأنه المرجع والملاذ أما حين يسدر الإنسان في غيه ويعمه في ضلاله فهو ميؤس منه لا يرجى له صلاح متروك لعذاب الله الذي يفاجئة فيسقط في يده ويبلس ويحتار وييئس من الخلاص.
(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ)
(أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا) ؟..
إنَّ إخراج النار من شجر رطب أخضر آية على عظمة الله وقدرته.
وللعرب شجرتان أحدهما (المرخ) والآخرى (العفار) إذا أخذ منهما غصنان فحك أحدهما بالآخر تناثر شرر النار كأعواد الكبريت وقد جاء ذكر هذا الشجر في سورة يس في مقام مناقشة المنكرين للبعث.
قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)
قال الزمخشرى: (ثم ذكرمن بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضاداته للماء وانتفائها به وهى الزناد التي توارى بها الأعراب وأكثرهم من (المرخ والعفار) وفى أمثالهم في كل شجر نار. واستمجد المرخ والعفار ، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضرا وأن يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار فتنقدح النار بإذن الله)
وقال الطبري: بين سبحانه أن من قدر على أن يجعل من الشجر الذي هو في غاية الرطوبة نار حامية مع مضادت النار للرطوبة قادر على الإعادة والبعث. (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ)
جعل لنا نار الدنيا تذكرة للعقلاء بنار الآخرة.
روى الإمام مالك عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم وضربت في البحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد"
وفى رواية البخاري ومسلم أن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله: إن كانت لتكفى أي نار الدنيا فقال صلى الله عليه وسلم: "والذى نفسه بيده لقد فضلت عليها بتسع وستين جزء كلهن مثل حرها".
(وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ)
للمقوين: للمسافرين في القواء وهو المكان الخالى والمنزل
القواء هو المنزل الذي لا ساكن فيه.
والمعدة القواء هى الخالية من الطعام.
قال الشاعر:
وإنى لأختار القوى طاوي الحشى
…
محافظة من أن يقال لئيم
والنار في الدنيا متاع لمن ينزل في الصحراء حيث لا مأوى وهى متاع لأصحاب البطون الخاوية تعوضهم عن الدفء الداخلى كما تساعد على صنع الطعام.
وقد خص القرآن المقوين بالذكر مع حاجة الجميع إليها لفرض حاجتهم.
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) .
بعد أن ناقش القرآن الكريم العقل البشرى التفت إلى الفطرة وأمرها بالتسبيح على معنى: دع الجدل وسبح باسم ربك العظيم والمقصود هنا تنزيه ذاته تعالى عن كل ما لا يليق بها من أوهام الجاهليات القديمة والحديثة.
وقد فهم النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر أن المراد تسبيح ذاته ، فكان يقول: سبحان ربى العظيم سبحان ربى الأعلى ، ولم يقل الحمد لاسم الله ولا إله إلا اسم الله.
وسر نسبة التسبيح إلى اسم الله هنا أن الذكر والتسبيح في الحقيقة عملية قلبية فطلب القرآن تسبيح اسم الله وذكر اسم الله ليشترك اللسان مع القلب في هذه العبادة.
قال ابن القيم في تفسيره للآية الكريمة: فصار معنى الآيتين سبح ربك بقلبك ولسانك واذكر ربك بقلبك ولسانك فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى حتى لا يخلوا الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله لأن اللفظ لا يراد بنفسه.
وأنقل قول ابن تيمية رضى الله عنهما قال: أي سبح ناطقاً باسم ربك متكلما به ، وكذا سبح ربك ذاكرا اسمه
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
الكون كله يسبح بحمد الله، فالذى لا يسبح من البشر كالمصباح المنطفئ في وسط المصابيح المشتعلة.
(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)
فتسبيح البشر انسجام مع الكون وإرضاء لخالقه.
عن أبى هريرة رضى الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" رواه البخاري ومسلم.
عن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأحب الكلام إلى الله"؟
قلت: أخبرنى يا رسول الله.
قال: "إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده" رواه مسلم.
وقد دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد فوجد حلقة من أصحابه فقال: (ما أجلسكم؟
قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا.
قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟
قالوا: والله ما أجلسنا غير ذلك ،
قال: أما إني لا استحلفكم تهمة لكم ، ولكنه أتانى جبريل عليه السلام فأخبرني أن الله عز وجل يباهى بكم ملآئكته".
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
لأن التسبيح ينجي صاحبه في الشدائد ، إن رصيد الناس من الخير لا يضيع عند الله وقد أَكَّدَ القرآن هذه الحقيقة عندما تكلم عن سبب نجاة يونس عليه السلام من بطن الحوت.
قال تعالى: (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
فيونس عليه السلام قد نجاه الله ببركة رصيده من التسبيح والخير. وبهذا ينتهى الحديث عن الفصل الثانى من السورة الكريمة لنبدأ الفصل الثالث..