الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)
فأهل الإيمان مع تفاوت أعمالهم، وسعتهم الجنة، والجنة درجات بل هى جنات دونها جنات، كما وضحت ذلك سورة الرحمن، قال تعالى:(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)
ثم قال القرآن بعد بيان نعيم الجنتين: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ)
وسيأتي تفصيل المقارنة بين الجنتين إن شاء الله..
همم الناس
من الناس من تقوى هممهم لإدرك الكمالات الإنسانية وليس لهم مكان سوى الصدارة.
وهؤلاء يقبلون على الله بثقلهم.
وتستريح أنفسهم بإرهاق أجسامهم.
وإذا كانت النفوس كبارا
…
تعبت في مرادها الأجسام
هذا الطراز سجل القرآن عنهم أن جنوبهم تتجافى عن دفء الفراش: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ)
فيقضون أول الليل في العبادة: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)
ومع قضاء الليل في العبادة يستغفرون الله في آخر الليل: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فكأنهم يستغفرون الله عما حدث من تقصير في عباداتهم.
لذلك قال العلماء (حسنات الأبرار سيئات المقربين) .
تراهم يسارعون إلى الخيرات، فهم يؤتون ما آتوا من صدقات وبرٍّ وقلوبهم وجلة، تخاف أن يرد الله عليهم صدقاتهم:(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)
وهؤلاء لا يكتفون بما فرض الله عليهم من عبادات، بل يسارعون إلى النوافل والسنن، يتقربون بها إلى الله زلفى، كما يحرمون على أنفسهم بعض الحلال، مخافة الوقوع فيما فيه شبهة، عملا بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ " رواه الجماعة.
وقد ذكر ابن الجوزية في كتابه القيم (صيد الخاطر. 36) كلمات عن شقاء أصحاب الهمم الكبيرة بما يسعد به العامة من الناس صور همته في طلب العلم، ومحاولة استقصائه، فقال: إني رجل حبب إلى العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إليَّ فن واحد منه، بل فنونه كلها.
ثم لا تقتصر همتى في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه.. والزمن لا يسع، والعمر أضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فتبقى بعض المطلوب حسرات..
ثم إن العلم دلنى على معرفة المعبود وحثنى على خدمته
ثم يصور الصراع النفسي الذي يعيشه بين طلب العلم وبين الرغبة في التفرغ للعبادة فيقول:
وصار يملكني أمر كالوجد كلما ذكرته، فعادت خلوتى في خدمتى له أحلى عندى من كل حلاوة..
فكلما ملت إلى الانقطاع عن الشواغل إلى الخلوة أي الخلوة للعبادة صاح بى العلم: أين تمضى؟.. أتعرض عنى وأنا سبب معرفتك به سبحانه؟
فقلت للعلم: إنما كنت دليلا. وبعد الوصول استغنيت عن الدليل.
قال.. هيهات كلما زدت من العلم زادت معرفتك بمحبوبك، وفهمت كيف يكون القرب منه
ودليل على ذلك. أنك تعلم غدا أنك اليوم في نقصان.
أو ما سمعت الله تعالى يقول لنبيه: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)
وإن أردت القرب منه فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهى حالات الأنبياء عليهم السلام فقد آثروا تعليم الخلق على خلوة التعبد.
هكذا يعيش أصحاب الهمم العالية، والنفوس الكبيرة. بينما تنشغل الجموع من حولهم بالخوض في الحياة خوض الأطفال في الماء الراكد، لا يعرف أحدهم على أي شيء سينزل قدمه، لأن الماء تغطى الأرض، ولا يعرف أحدهم أين الطريق.
هؤلاء جماعة.
ولكن.. ليس كل الناس يقوون على الانتظام في هذا السباق فهمم الناس تختلف، واستعدادهم يتفاوت ولو تساوى الناس كلهم في الأولوية لفقدت الأولوية الصدارة.
لذلك جعل الله سبحانه عبادات الإسلام، ومحرماته على رتبتين..
الرتبة الأولى: تمثل الجانب الإلزامى، الذي يستطيعه كل إنسان، ولا يسع أي مسلم أن يقصر فيه.
أعنى بذلك إقامة الفرائض، واجتناب الكبائر.
الرتبة الثانية: من العبادات ما سبق أن بينته في سلوك المقربين، من إتيان النوافل، واجتناب ما فيه شبهة.
قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)
أما سورة النجم فقد ذكرت سبب مغفرة الله لهذه الجماعة. أنه علم الله سبحانه بتأثير المادة على سلوكنا، فنسبنا السماوى
يتسامى بنا نحو الفضائل والكمالات والأرض تجذبنا إليها، وتربطنا بها.
وتحد من كمالاتنا، فنحن في سراع دائم.
قال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)
هذه همم الناس وطاقتهم والشريعة الإسلامية وسعت كل الناس، لأنها شريعة الله الذي خلق كل الناس، بعد هذه المقدمة يمكن أن نعرف المقربين، وأصحاب اليمين، أما أصحاب الشمال، فقد كفروا بالآخرة، وأنكروا البعث، فلم يجدوا في الآخرة بارداً ولا كريماً.
والآن.. مع هذه الآيات الكريمات ومع الفصل الأول من السورة الكريمة..
** ** **