الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عاشراً: مرة ثانية تتحدث السورة الكريمة عن الأزواج الثلاثة، ولكن الحديث هنا يأتي بعد الحديث عن نهاية الإنسان وموته ، بخلاف الحديث في أول السورة. فقد جاء بعد حديث القرآن عن نهاية العالم:
لذلك يحق لنا أن نفهم أن نهاية السورة تعنى تقسيم الناس في القبر إلى الأزواج الثلاثة، كما أن صدر الصورة قسم الناس في الآخرة إلى هذه الأقسام.
وسبب هذا الفهم هو اعتقادنا بعدم التكرار في القرآن - فالقرآن الكريم إذا كرر المشهد الواحد فلابد أن يضيف جديداً إلى الموضوع ، بهذا التكرار.
إنَّ التكرار في القرآن بمثابة اللقطات المتعددة الجوانب للمشهد الواحد.
فإذا تكررت المشاهد ، فبعضها يكمل بعضاً ويتممه.
الحادى عشر: قصة الروح:
الحياة في القبر مرحلة من مراحل الروح وهى مراحل أربع:
1 -
مرحلة روحية مجردة كانت قبل خلق الأجسام
2 -
مرحلة روحية بدنية. وهى مرحلة الدنيا
3 -
مرحلة روحية مجردة. وهى البرزخ.
4 -
مرحلة الخلود. وهى روحية بدنية.
وهذا التقسيم الرباعى لمراحل الروح يمكن أن نستأنس له بالآيات الكريمات:
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
والتراخى في العطف بـ (ثُمَّ) في قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
ليس للإخبار عن مرحلة خامسة ، ولكن التراخى هنا عبارة عن تأخير الحساب والجزاء. وطول زمن الوقوف والانتظار ، كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.
كما يمكن أن نستأنس بقوله تعالى: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)
فالمراحل أربع وبشيء من التفصيل عن كل مرحلة أقول:
المرحلة الأولى:
حياة للروح فقط: هى غيب وسوف نقتصر فيها على ما أخبر صاحب الغيب سبحانه قال تعالى:
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)
وللعلماء في تفسير الآيتين ثلاثة مناهج:
المنهج الأول:
للعقلانين الذين يرجحون حكم العقل ، ويؤولون النص إذا تعارض مع العقل. ومنهم المعتزلة. واخترت من كتبهم كتابين:
1 -
تفسير الكاشف للعلامة الزمخشرى.
كتاب (متشابه القرآن) للقاضى عبد الجبار الهمداني.
جاء في الكشاف: ومعنى أخذ الذرية من ظهورهم إخراجها من أصلابهم نسلا ، وإشهادهم على أنفسهم.
وقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)
من باب التمثل والتخيل.
ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته ، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلال والهدى ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم.
وباب التمثيل واسع في كلام الله ورسوله.
وفى كلام العرب. ونظيره: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
ومنه أيضاً قوله تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)
هذا ما قاله الزمخشرى في تفسير الآية الكريمة.
أما كتاب متشابه القرآن فقد جاء فيه: لو كان كل ولد آدم في ظهره لوجب أن يكون ظهره في العِظَمِ بالحدِّ الذي قد علمنا خلافه ولأنه تعالى قد بين أنه يخلق الإنسان من نطفة ، وأقل ما يخلق منه الإنسان ما يقع اسم النطفة عليه وقد علمنا أن ظهر آدم لم يشتمل على القدر الذي يخلق منه سائر ولده وواضح أن ما ساقه القاضى عبد الجبار من اعتراض مبنى على تصورهم بأن كل إنسان لابد أن يخلق من سائل منوى يساوي ما يقزفه الرجل في المرة الوحدة فمجموع ابناء آدم يحتاجون في تصوره إلى بحيرة منوية ولهم عذرهم ولو عرفوا عن الحيوان المنوى ما نعرفه نحن الآن لعلموا أن كل شعوب الأرض خلقت من حيوانات منوية حجمها يساوي نصف حجم قرص "الاسبرو " فساعتها فقط سوف يسلمون بالنص الكريم من غير تأويل
المنهج الثانى:
وهو ما عليه علماء التفسير بالمأثور واخترت من كتبهم:
1 -
تفسير جامع البيان للإمام الطبري
2 -
تفسير غرائب القرآن للنيسابوري
3 -
التفسير الكبير للفخرالرازي
وسوف أوجز البيان حتى لا يتسع المقال.
درست الروايات الثلاثين التي ذكرها الإمام الطبري ويمكن عرض موجزها بدون تكرار في السطور الآتية.
* قال ابن عباس: أهبط الله آدم حين أهبط فمسح الله ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)
ورواية ثانية أضافت فيرون يومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم، وفى رواية عن ابن عباس أيضاً قال: وهى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وفى بعض الروايات أن الله أخذ على الأنبياء العهد:(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)
كما روى الطبري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب أنه قال أقرت الأرواح قبل أن تخلق أجسادها.
أما تفسير الإمام الرازي فقد ساق كعادته شبه العقلانين وحاول الرد على بعضها وترك الباقي بدون رد عليه، وللدارس أن يرجع إليه إن شاء.
لكنه في الجزء السابع صـ 18 عند تفيسره لقوله تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ)
قال واعلم أن قوله تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ) مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن ونظيره قوله تعالى: (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) .
ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم: (خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفى عام) .
ثم قال: وحجة الفلاسفة على إثبات النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة.
…
أما تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري فقد ذكر قولاً نسبه لأحد العلماء قال: الأرواح البشرية موجودة قبل
الأبدان والإقرار بوجوده سبحانه من لوازم ذواتها وحقائقها وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب، وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكرة وربما لا تتذكر.
وبعد:
بدون تأويل للنصوص ولا توسع في الخيال يدخلنا ساحة الغيب بدون إذن من صاحب الغيب، فقد جمعت ما وقع تحت يدي من أراء العلماء عن المرحلة الأولى للروح عن عهد الله على الفطرة، ودور الأنبياء بعد ذلك أن يذكروا الناس بعهد الله عليهم:(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ)
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
المرحلة الثانية: من قصة الروح (خادم الأميرة) :
لم يكن السلطان الحكيم ليرسل الأميرة العزيزة وحدها من غير أن يرسل معها خادما.
اختارَ لها الخادمَ، وأعدَّ لها الركب، وجعل الكلمة لها والرأي لها، والقيادة لها.
إنها مؤهلة لذلك فمعارفها مطلقة ونسبها شريف، فضلا عن استطاعتها القرب المطلق من السلطان الحكيم، فما رأى الجموع في الأميرة؟
هل يمكن أن يستفيدوا منها لتمنحهم طاقة لا تعرف الحدود ولتهب لهم الحياة؟
سار الركب كما يجب ولكن لم تمضى لحظات طوال حتى بدأ الخادم يشعر بنفسه ويتمرد على سيدته يتسائل من رأى الأميرة؟
ومن سمع صوتها؟
إنها أن تكلمت
…
فبصوتى.
وإن صالحت أو خاصمت فبى وحدى.
فأنا كل شيء، وتطوع بعض الجموع بالنفاق وحاول تجنيد
كل شيء لخدمته وإشباع رغبته، فأرهقت الجموع نفسها ولم تنتهِ رغباته وكان لا بد للعقلاء أن يبحثوا عن الخلاص كان لابد أن يتسائلوا ما سر الخواء الروحى والأمراض العصبية والنفسية التي تعيش فيها الجموع؟
ألسنا حينما نوجه نشاطنا نحو غاية واحدة محددة فسوف نجعل وظائفنا العقلية والعضوية كاملة التناسق، لأن توحيد الرغبات وتوجيه العقل نحو غاية واحدة ينتج ضربا من السلام الداخلى " الكسيس كاريل ".
هكذا أدرك العقلاء من الجموع أن جهودهم لخدمة هذا الحارث قد مزقتهم داخليا وجعلت أمرهم فُرُطا: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)
ويقال هذا العنب فرطا إذا تفرقت حباته، والمسبحة للفرط هى التي قطع خيطها، والإنسان يصبح فرطا إذا توزع نفسياً وتمزقت اتجاهاته.
أجمع العقلاء على ضرورة الاتصال بالأميرة فساحتها هى المخرج الوحيد من سجن المادة، والطريق الأوحد للفرار من سياط الخادم.
وقبل أن أتكلم عن الأميرة وطاقاتها، يحسن أن أقول:
إنَّ الأميرة هى الروح، وخادمها هو الجسد وطاقات الروح لا حدود لها ولكن الحديث عنها لا يقوى كل قارئ على تصوره وتصديقه، والذى لم يأكل المانجو لو قرأ كتب الدنيا عنها فلن يتذوق طعمها، إن من ذاق عرف من خاض تجربة روحية واحدة فسوف يكف عن لوم المحبين.
إن هذه الصفحات من الكتاب يمكن أن أقول عنها للكبار فقط، فليس كل الناس يقوى على تصديقها والتكذيب بها لا يضر من كذَّب - بتشديد الذال - كنت في زيارة للأستاذ الدكتور أحمد عبد الستار الجواري وزير التربية والتعليم السابق بالعراق، فتجاذبنا أطراف الحديث عن الروح فقال لى: ذرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد رسمى وكان قائد الطائرة يرافقنا وكان شابًّا ملحدا، وعضوا في الحزب الشيوعى العراقى وفجأة رأيناه يسقط على الأرض أمام
قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويشد ملابسه وينادى بعبارات يخنقها البكاء سلام عليك يا رسول الله، سلام عليك يا رسول الله.
ثم قال الدكتور الجواري إن المنطقة التي أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم منطقة منزوعة الجاذبية وسألت نفسى هل كل من وقف أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم شعر بهذه الإشراقة النورانية؟
ثبت في كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعلن عفوه عن الطلقاء يوم فتح مكة جاء رجل اسمه فضالة بن عمير الملوح الليثى وحدثته نفسه أن يطوف في الزحام ثم يطعن الرسول صلى الله عليه وسلم بخنجره فسأله النبي صلى الله عليه وسلم ما كنت تحدث به نفسك؟
قال لا شيء كنت أذكرُ الله تعالى فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أستغفر الله لك، ثم وضع النبي يده على صدر فضالة، فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما وجدت على ظهر الأرض أحب إلى منه وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدر فضالة كما يضع أحدنا أسلاك الكهرباء على الباتري فتشحن وتضيء بعد ذلك المصابيح وللنبي، المثل الأعلى فهل كل إنسان عنده هذه القابلية هل كل إنسان يضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عليه يمكن أن يذيب أحقاده ويضيء قلبه إذاً لكان أمر الهداية ميسوراً ولكنها قابلية واستعداد روحانى.
إن الذين وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عليهم كثيرون ولكن الذين شعروا بما أحدثته هذه اليد الشريفة في قلوبهم نفر قليل.
الذين يدخلون مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كثير ولكن الذين تحول هذه الزيارة حياتهم نفر قليل، وأقل منهم من يصدق هذه الحقائق، لأنها تتحدث بلغة الروح ومعارفنا عن الروح محدودة هذا وللروح طاقات عطائية كبيرة يحسن أن نوجز الحديث عن بعضها
الإمام الغزالي والكشف الروحي في مطلع الجزء الثالث من كتاب إحياء علوم الدين يرى القارئ دراسة متكاملة عن منهج الغزالي في المعرفة وإيمانه بالإلهام كمصدر أساسي لها عند المتصوفين، ويحاول الإمام الغزالي وضع تفسير لهذه الظاهرة، فيقول إن صفاء القلب وطهارته تجعل صورة من اللوح المحفوظ تنعكس على مرآة القلب فتنكشف للإنسان معارف لا حدود لها، ثم يقول فلكل معلوم حقيقة، وتلك الحقيقة صورة تنطبع في مرآة القلب وتتضح فيها. فيستغنى الصوفي بالمعارف الدينية عن الاشتغال بطلب العلم التلقيني.
الإمام المحقق ابن تيمية:
لم ينكر الإمام ابن تيمية هذا النوع من المعارف الروحية، فقد ذكر في كتابه مجموع الرسائل "فما كان من الخوارق من باب العلم فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيرة، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره، وتارة بأن يعلم ما لا يعلمه غيره، وحياً أو إلهاما أو إنزال علم ضرورى أو فراسة صادقة، ويسمى ذلك كشفاً ومشاهدات ومكاشفات ومخاطبات".
ثم ذكر أمثلة لذلك:
منها الحادث الشهير الذي دار بين عمر بن الخطاب وسارية.
فقد نادى عمر وهو في بالمدينة يا سارية الجبل، فسمعه ساريه وهو على بعد آلاف الأميال، وكان ذلك سببا في نجاة المسلمين ونصرهم.
وقد تعدى الإيمان بالكشف علماء المسلمين إلى غيرهم، فهو ظاهرة إنسانية شغلت علماء الغرب كما شغلت علماء الإسلام، لأن الروح كالعقل قاسم مشترك بين البشر جميعا.
يقول (الدوس هكسلى) إنه لم يعد لنا مناص من الاعتراف بأن