المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الكتاب الثالثالأبناء الثلاثة لموسى الفلكي - شمس الله تشرق على الغرب = فضل العرب على أوروبا

[زيغريد هونكه]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌شمس الله

- ‌مقدمة المؤلفة

- ‌مقدمة المترجم

- ‌الكتاب الأولالبهار اليومي

- ‌أسماء عربية لمنح عربية

- ‌أوربا تقاسي الحرمان لموقفها السلبي من التجارة العالمية

- ‌البندقية تحطم الحصار

- ‌في مدرسة العرب

- ‌الكتاب الثانيالكتابة العالمية للأعداد

- ‌ميراث هندي

- ‌البابا يمارس الحساب العربي

- ‌تاجر يعلم أوربا

- ‌حرب الأعداد

- ‌الكتاب الثالثالأبناء الثلاثة لموسى الفلكي

- ‌الابن الأول صانع الآلات

- ‌الابن الثاني لموسى «الفلكي»

- ‌الابن الثالث الرياضي

- ‌وينتمي إلى نفس الأسرة أيضًا علم الفلك

- ‌الكتاب الرابعالأيادي الشافية

- ‌الشفاء العجيب عند الإفرنج

- ‌مستشفيات وأطباء لم ير العالم نظيرهم

- ‌أحد نوابغ الطب العالميين في مختلف العصور

- ‌قيود الماضي

- ‌يقظة أوربا

- ‌قال ابن سينا

- ‌أنصاب العبقرية العربية

- ‌الكتاب الخامسسيوف العقل

- ‌المعجزة العربية

- ‌أوربا تائهة في دياجير الظلام

- ‌شعار المنتصر

- ‌عملية إنقاذات قيمة تاريخية

- ‌الترجمة مجهود ثقافي

- ‌ولع بالكتب

- ‌شعب يدرس

- ‌الكتاب السادسموحد الشرق والغرب

- ‌دولة النورمان .. دولة بين عالمين

- ‌كانوا أعداء فألف بينهم

- ‌سلطان لوكيرا

- ‌على الأسس العربية

- ‌محادثات على الحدود

- ‌ميلاد نظرة جديدة للعالم

- ‌الكتاب السابعالفنون العربية الأندلسية

- ‌الصور الأولى للعبارة الألمانية «السيدة المحترمة»

- ‌إن العالم شيد لي مسجداً

- ‌الموسيقى تساير الحياة

- ‌زخرف العالم الوضاء

- ‌شعب من الشعراء

- ‌المسالك في أوربا

- ‌الخاتمة

- ‌تعليقات المترجم

- ‌قرتمن

- ‌قرنفل

- ‌جوز الطيب

- ‌برسيفال

- ‌قهوة

- ‌مات

- ‌الشك

- ‌الصفة

- ‌مطرح

- ‌قرمزي

- ‌قناد

- ‌مستقة

- ‌قطنية

- ‌طاسه

- ‌سكر

- ‌غرافة

- ‌ليمون

- ‌الكحول

- ‌برقوق

- ‌البنان

- ‌شربات

- ‌نارنج - أورنج

- ‌الخرشوف

- ‌برد

- ‌أرز

- ‌سبانخ

- ‌القرفة

- ‌العرق

- ‌مخا

- ‌ديوان

- ‌تسفتشجين

- ‌بيج أرمودي

- ‌عثماني

- ‌قبة

- ‌شطرنج

- ‌شيكيش

- ‌قفة

- ‌صفى

- ‌جدامس

- ‌جلا

- ‌بركان

- ‌قطن

- ‌موصلي

- ‌مخير

- ‌الشف

- ‌زيتوني

- ‌تفت

- ‌أطلس

- ‌الدمشقي

- ‌زعفراني

- ‌ليلا

- ‌ترياق. درياق

- ‌جنزبيل. زنجبيل

- ‌كمون

- ‌زعفران

- ‌كافور

- ‌بنزين

- ‌قلى

- ‌نطرون

- ‌صداع

- ‌بورق

- ‌سكرين

- ‌عنبر

- ‌لك

- ‌النيلة

- ‌قز

- ‌طلق

- ‌بطن

- ‌خلنجان

- ‌مر

- ‌سمسار

- ‌جبة

- ‌داو

- ‌دنجية

- ‌قربلة

- ‌فلوكة

- ‌ميزان

- ‌الحبل

- ‌دار الصناعة

- ‌أمير البحر

- ‌قلفاط

- ‌عوارية

- ‌كبر. كبار. قبار

- ‌ياسمين

- ‌ورد

- ‌خيرى البر

- ‌أسليح

- ‌فورسيسيا

- ‌بلد شين

- ‌بلوزه

- ‌جبة

الفصل: ‌الكتاب الثالثالأبناء الثلاثة لموسى الفلكي

‌الكتاب الثالث

الأبناء الثلاثة لموسى الفلكي

ص: 95

وفي كل ليلة بعد صلاة العشاء في المسجد يمتطي فارس الأرواح حصانه الأحمر كالحناء في أواني تجميل النساء مخترقًا صحراء خراسان. أما حوافر الحصان فمغطاة بالمحارم البيضاء وحيث يخطر الفارس الذي يحاكي المومياء ويجري بحصانه دون أن يسمع له صوت بين التلال الواطئة يخيم سكون الليل وينتشر الأمان. هناك الأسلحة والكيس المملوء بفدية البدو العائدين من الأسواق إلى خيامهم وهذه غنائمه الثابتة الخاطفة.

موسى بن شاكر يتردد منذ أيام وسنين على قصر الخليفة وهو عالم وقور بين الفلكيين والمهندسين من رجالات المأمون كما أنه صديق حميم للحاكم. لكن موسى بن شاكر هذا لا يكاد يفرغ من صلاة العشاء في المسجد الكبير حتى يتحول إلى لص، بالرغم من السلاسل الذهبية التي كانت تقيده بالقصر، هذا القيد الذي كان في صالح الخليفة، كذلك لم ينس موسى بن شاكر أن والديه وأجداده الذين كانوا قديمًا، يعلم الله وحده، لصوصًا قد جاءوا به إلى هذا الوجود كأحد أبناء الصحراء الأحرار ..

لذلك كان ينتهز موسى مجيء الليل وينطلق إلى الصحراء حيث يحيا حياة البداوة بتقاليدها القديمة وعاداتها وحيث الغزو والسلب والنهب حسب تعاليم الفروسية، والفتوة عمل مشرف يقوم به الفتى الحر الأبي. وهكذا نجد موسى يمضي ساعات الليل الطويلة فوق صهوة جواده لا يسمع له أحد صوتًا ولا صديق له إلا نجوم الليل، فهي أنيسة ودليلة شأنها معه كشأنها مع شعبه وأمته منذ آلاف السنين وفي مختلف العصور والأماكن.

ولا يكاد الليل يولى حتى يعود هذا الفارس الروحي المجهول الاسم إلى حالته

ص: 97

الجسدية العادية التي يعرفها سكان العاصمة. وعندما تتبين العين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من طلوع الفجر ويؤذن المؤذن للصلاة يركع موسى بن شاكر إلى جوار جاره في المسجد ساجدًا لله شكرًا على ما أولاه من مساعدة إذ أرسل له نفرًا من الفرسان الذين هدوه سواء السبيل حيث توجد الغنائم وتكثر الأسلاب.

هل يعتقد المأمون أن الرجل الذي يحتل مكانًا مرموقًا بين علماء قصره وينزل من قلب المأمون مكانًا يحسده عليه الكثيرون هو بعينه الذي يحيا حياتين؟ ثم كثرت حوادث النهب وأعمال السلب في الطرق وكثر عدد الذين شرقوا ونهبوا؛ لذلك اتجهت أنظار الدولة إلى تحقيق هذه الجنايات فحامت الشبهات حول موسى بن شاكر الفلكي، إلا أن الجماعة الإسلامية على استعداد للشهادة على أن موسى هذا كثيرًا ما يشاهد في المسجد صباحًا ومساء ومنذ زمن بعيد يواظب على أداء فروض الله فلا يجد الخليفة مناصًا من السكوت.

لقد أثبت موسى أنه حذر ذكي ويتجلى لنا هذا الذكاء وبعد النظر في تولية الخليفة وصيًا على أولاده القصر إذا ما عاجلته منيته أو تمكن خصومه منه وثأروا لأنفسهم ولأموالهم، وقد تحقق بعد نظر موسى وتولى الخليفة الوصاية على أبنائه ونشأتهم تنشئة علمية صادقة جعلت منهم علماء فلكيين يشار إليهم بالبنان في قصر الخليفة ببغداد.

هذه قصة حقيقية لا غبار عليها وقد وقعت إبان عصر القيصر كارل الأكبر في أوربا وتمت عندما أغمض القيصر عينيه. إن قصة موسى وقعت حوادثها في واحة مرو البعيدة في وادي مرغاب حيث كان يقيم المأمون بعد أن ترك بغداد عقب وفاة والده هارون الرشيد وزوال دولته. والقصة حقيقية أيضًا من ناحية أخرى ولو من جهة الرمزية فهي تصور حياة البدو الجاهليين الليلية عندما تغيب الشمس بوهجها المحرق وتقبل موجات النسيم العلية وتتلألأ النجوم في القبة الزرقاء وعلى ضوئها يقرأون وهم يرعون الماشية أو يقومون بغزواتهم. أما الآن وقد هداهم الله إلى دينه الحنيف وتثقفوا بتعاليمه السامية العالية فقد أقبلوا على العلوم يتدارسونها ويتأملون السماء بنجومها وأفلاكها وحركاتها.

ص: 98

لقد اعتمد العرب أبناء الصحراء أكثر من غيرهم من أبناء الشعوب الأخرى كاليونان والرومان والجرمان على التأمل في السماء ومراقبة الأفلاك والنجوم، فالعرب وهم البدو الرحل كانوا يتجولون في لا نهائية الصحراء ولا يرون في حلهم وترحالهم إلا السماء ونجومها التي تحول ظلمة الليل إلى نهار وضاح، ولا شك في أن هذه الظواهر الفلكية تترك في نفس ساكن الصحراء وسهولتها فلا جبال تنكسر عندها أشعة الإبصار ولا تلال ولا بحار، أدركنا أثر كل ذلك في البدوي عندما يشاهد الأفق البعيد تتخلله طبقات الهواء.

وفي وسط هذه الأبعاد المتشابهة التي تكاد تكون واحدة اللهم إلا هذه التلال المتنقلة من بحار الرمال نجد النظرة البدوية حرة طليقة لا يوجد ما يعترضها ويوجهها اتجاهًا خاصًا، وهذه بدورها تؤثر في حياة البدوي زمانًا ومكانًا، فهو في عراك دائم مع الأنواء والرعود والبرق والمطر واختلاف درجات الحرارة وتعاقب الليل والنهار، والآن قد يسهل علينا إدراك الاعتقاد العربي في الكواكب وسائر الأجرام السماوية وكيف أنها مظهر من مظاهر القوى الإلهية فقبيلة نسام قدست «الدبران» بنوره المائل إلى الحمرة، وطلوعه كان مصحوبًا دائمًا بالغيث والخير العميم من طعام وشراب.

أما قيس فقدست الشعرى أكثر النجوم ضوءًا، وهو الذي يتخلل طريق التبان، وقد استولى الشعرى على أفئدة العرب بجماله الممتاز. وقد ظل تقديس الكواكب حتى صدر الإسلام وبخاصة بين القبائل الوثنية كالصابئة، وقد تخرج من بينهم نفر من خيرة العلماء العرب وبخاصة في الفلك أمثال: ثابت بن قرة والبتاني الذي عرفته العصور الوسطى تحت اسم «الباتيجنيوس» ، وقد اعترفت له أوربا كأستاذ من أكبر الأساتذة العرب الذين أخذت عنهم أوربا الشيء الكثير.

أما خيال اليونان الشاعري فقد صور لهم السماء وكأنها بكواكبها ونجومها وسائر أجرامها هي مصدر الأبطال ووحي الأساطير، كما خلع هذا الخيال على النجوم صورًا قد تغاير حقيقتها في السماء. أما الطبيعة العربية وهي أقرب إلى الواقعية من غيرها فقد تصورت السماء وكأنها أنموذج لعالمهم عالم البداوة بكل ما فيها مما يحياه

ص: 99

البدوي في صحرائه، وذهب العربي بعيدًا فجعل من كل نجم تمثيلية خاصة ففي شمال السماء يشاهد راعيًا يرعى ومعه كلبه وقطيعًا من الغنم وعجلين وعنزًا وتيسًا وناقة وفلوًا وجملا يرعى بمفرده وحول هذا القطيع ضبع وضبعتان وضغارها، وهناك ابنا آوى يقفان خلف البعير، وحيث يتلألأ في السماء نهر المجرة يوجد عش للنعام وإلى جواره خمس نعامات وبعيدًا قليلًا يجتمع ذكرا نعام وبعض صغار النعام كما يشاهد بيض نعام وقشر بيض مكسور بالقرب من العش.

تلك هي بعض مناظر الحياة لا صلى تربط بينها وبين الصور السماوية التي نجدها عند البابليين أو اليونانيين، ونحن نعلم أن اليونانيين تعلموا الفلك عن أساتذتهم البابليين. واتخذ اليونانيين من بعض مجموعات النجوم ما اتخذوه منها صورًا لآلهتهم وأبطالهم حسب مواقعها مثلا النجوم (لا) على كتف والنجم (y) على ظهر الحصان المجنح. أما العرب فلم يتصوروا النجوم في هيئة صور بل سموا بعض النجوم أسماء هامة؛ لذلك أصبح عدد أسماء النجوم عند العرب يفوق بكثير الأسماء اليونانية.

وعندما ترجم العرب أيام الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون كتاب الفلك للمؤلف «هيبارش» الأكبر، وكذلك فهرس النجوم الذي وضعه نفس المؤلف ونقحه بطليموس وقدمه لنا في الماجسط، اختلطت الأسماء العربية القديمة للنجوم والكواكب مع الألفاظ اليونانية، وبخاصة أن الأسماء العربية كانت لا تزال حية مستخدمة متواترة في أشعارهم وأغانيهم وقصصهم. لذلك لا عجب إذا رأينا أن معظم أسماء النجوم والكواكب المستعملة حتى يومنا هذا عربية أو ترجع إلى أصل عربي، وأوربا التي درست الفلك على أساتذة مسلمين تستخدم حتى اليوم الأسماء العربية مثل:«الدبران» و «الجنوب» و «الغول» و «الكرب» و «الطائر» و «الواقع» و «بيت الجوزاء» و «ذئب» و «فم الحوت» و «رجل» وغيرها.

ولا يقتصر الأمر على أسماء الكواكب والنجوم بل هناك كثير من الاصطلاحات الفلكية المتداولة على ألسنة العامة قد أخذتها أوربا عن العرب مثل: «السمت» و «النظير» و «القنطرة» و «الحضيض» و «تيودوليت» .

ص: 100

ثم نجد العرب وقد تأثروا بالعلوم الهندية واليوناينة مثل دراستهم لكتاب «سيدهنتا» للمؤلف الهندي «براهما جوبتا» الماجسط لبطليموس ينشطون في قصور الخلفاء المنصور وهارون الرشيد والمأمون ويهتمون اهتماما خاصا بالدراسات الفلكية مستعينين بخبرتهم القديمة التي توارثوها منذ زمن بعيد، فأخذوا بيد هذا العلم حتى جعلوا من الفلك علما عالميا، وأصبح العرب بفضل نشاطهم واجتهادهم أساتذة العالم وقادته.

لقد توفي موسى وترك ثلاثة أولاد في سن الطفولة، وقد وصل المأمون، عندما كان يقود حملة عسكرية في آسيا الصغرى، خبر وفاة موسى فسارع وطلب إلى حاكم بغداد الاهتمام بهؤلاء الأطفال والعناية بهم، وبلغ اهتمام الخليفة حدا أنه ما أرسل رسالة إلى بغداد إلا وسأل عنهم.

وكان الخليفة المأمون يتحدث ساخرًا دائمًا من أنه مربي أولاد موسى ثم أسلمهم إلى يحيى بن أبي منصور لتربيتهم، وكان يحيى هذا فلكي الخليفة ومدير بيت الحكمة الذي أسسه المأمون للعناية بالعلوم المختلفة، كما زوده بمكتبة غنية بسائر المؤلفات ومنها كتاب الخوارزمي المختار من «سيدهنتا» وجداول بطليموس الفلكية التي نقحها الخوارزمي، وكذلك كتبه في الحساب التي ظلت المرجع الأول والأهم في أوربا حتى عصر إحياء العلوم، وكذلك كتبه في الجبر. وهنا في دار الحكمة نبع العلوم والمعارف وحيث مختلف المراجع التي تربو على الآلاف وكذلك الأجهزة النادرة ومختلف الندوات العلمية في شتى العلوم والفنون، نشأ وترعرع أولئك الأطفال الموهوبون أنجال الفلكي ولص الصحراء موسى بن شاكر، ومن حسن حظهم أن بعد وفاة والدهم انتقلوا إلى رعاية خليفة المسلمين وأمير المؤمنين نور الحكمة ومصدر الإشعاع.

ومن حسن طالع أولئك الإخوة أن أكبرهم وهو محمد بن موسى أصبح أشهر الجميع علمًا وسياسة، فنال ثقة الخليفة فورث المكانة التي تولاها أبوه من قبل وأكرم المأمون علماء الفلك فشيد لهم مرصدًا عظيمًا فوق أعلى مكان في بغداد عند

ص: 101

شماسية حيث كانت ترصد الكواكب وتراقب حركاتها مراقبة علمية دقيقة، ووضع المأمون هذا المرصد تحت رئاسة وإشراف يحيى، وكانت تستخدم فيه مقاييس في غاية الدقة تقابلها أخرى مثلها في مرصد جنديسابور. وإمعانًا في الدقة كانت تراجع العمليات الحسابية كل ثلاثة أعوام في مرصد جبل قسيوم بالقرب من دمشق حيث كان يعمل فلكيوه معًا في وضع الجداول المسماة جداول المراجعة أو الجداول الميمونة، وهذه في الواقع عبارة عن مراجعة جديدة دقيقة لجداول بطليموس الفلكية.

لم يكد محمد بن موسى ينتهي من دراسته على يحيى حتى أمر الخليفة أن يساهم هذا العالم الشاب في قياس حجم الكرة الأرضية فسافر مع جماعة من الفلكيين إلى «سنجار» الواقعة غرب الموصل، ومما هو جدير بالكر هنا أن «أوتو ستينيس» كان قد قام بأول قياس للأرض بمساعدة الزوايا الضوئية للشمس. أما فلكيو المأمون فقد حاولوا قياس الأرض بوسيلة أخرى فمن نقطة خاصة انتقل جماعة من الفلكيين نحو الشمال وانتقلت جماعة أخرى نحو الجنوب وظلت متجهة حتى بلغت مكان الجدي الصغير، النجم القطبي، فالجماعة التي اتجهت شمالا تشاهد الصعود بينما الجماعة الأخرى التي اتجهت جنوبًا تشاهد الهبوط. فالمسافة بين الجماعتين عبارة عن درجة من دائرة نصف النهار، وقد تمت هذه العملية بدقة تستدعي الإعجاب حقًا.

لكن لا يمضي زمن طويل حتى نجد محمدًا وأخويه يقومون بعملية حسابية عجيبة تخلد أسماءهم؛ فحسابهم لا يبين فقط النتيجة التي توصل إليها بطليموس بل تتفق أيضًا والنتيجة التي قام بها في الظل فلكي القصر المعروف باسم «موروزي» «وجدت» ، هكذا صرح بعد مائة وخمسين عامًا مواطن لا يقل مكانة عن البيروني: إن الإنسان يجب عليه أن يعتمد على حساب وملاحظات بني موسى، وعلى الإنسان كذلك أن يرعاها فقد حشد بنو موسى كل قواهم العقلية في سبيل الوصول إلى الحقيقة. لقد كان أبناء موسى وحيدي عصرهم في إتقان الوسائل الفلكية والكياسة في استخدامها وتطبيقها. وقد شهد لأبناء موسى علماء آخرون شاهدوا

ص: 102

بعيونهم دقة هؤلاء في كل ما قاموا به. وحدث أن افترق أبناء موسى عن الشيخ يحيى وتركوا مرصده؛ لأن محمدًا كان رجلًا يؤثر الاستقلال وحرية العمل وبخاصة فقد أصبح في شيء من اليسر والثراء، وذلك بفضل تعاون الإخوة ورغبتهم الصادقة في الكسب والعمل، ونجحوا في إقامة مرصد خاص لهم على قنطرة نهر عند دجلة عند «باب التاج» . وهنا نجد محمدًا يكرس حياته للرصد والحساب وقد اتصف في عمله هذا بالصبر والجلد. هكذا شهد له معاصروه فقد ألف كتبًا فلكية تعالج الاتجاهات العمودية على البعد القطبي. وكانت هي الأولى من نوعها في الفلك كما اشترك مع أخويه في وضع كتاب في المساحات الكروية، وقد ترجمه إلى اللاتينية «جرهرد فون كريمونا» ، وقد عرف هذا الكتاب في العصور الوسطى في أوربا باسم كتاب الإخوة الثلاثة في الهندسة.

لكن محمدًا لم يكن فلكيًا بارعًا ورياضيًا عظيمًا فحسب بل أبدى مقدرة فائقة في الفلسفة وبخاصة المنطق أيضًا، فوضع كتابًا حول أصول العالم وعناصره كما عنى بعلم الأرصاد ودوَّن ملاحظات حول الأجواء واهتم بالتركيبات الخاصة بالأجهزة والآلات، وهذه هي الناحية التي كان يهواها ويولع بها أخوه أحمد الذي أضاف الشيء الكثير على ما جاءنا الكثير على ما جاءنا عن العالم القديم خاصًا بالميزان السريع.

وكان أحمد هو الفنان البارع والصانع الماهر وقد اشتهر بعبقريته في هذا المضمار فكان من بين أفراد العائلة الوحيد المشهود له بحسن تركيب الآلات وفكها، لقد توافرت له، كما يذكر مرجع عربي في هذه الصناعة، أشياء لم تتوافر لأخيه محمد أو لأحد من السابقين مثل هارون وغيره من الذين كانوا يهتمون بتركيب الآلات وتنظيمها وبخاصة الآلية منها، وقد وضع في ذلك كتابًا شاملًا حير الموهوبين فنيًا من العرب. وامتاز أحمد أيضًا بملكته الخالقة فقد اخترع أشياء كثيرة تدعو إلى الدهشة فقد ثابر في بناء الآلات الدقيقة المعقدة التركيب والتي هي ذات فائدة قصوى للمجتمع ولو قدر لفرد أن يحصل عليها اليوم لأعجب بها وحرص على امتلاكها، فقد عاون ربة البيت في القيام بعملها كما ساعد الفلاح على فلاحة أرضه

ص: 103

وريها وصنع حوضًا تشرب منه الحيوانات الصغيرة فقط ولم يهمل الأطفال والكبار في صنع أدوات اللعب والتسلية التي لو ظهرت اليوم لحرص الكل على اقتنائها.

وأحمد هذا هو صاحب غرافات الحمامات والخمور وتفنن في صنع الأخيرة حتى إن منها ما يصب من النبيذ بقدر ما يحتاج إليه الإنسان، وإذا ما حاول صب كمية أخرى عليه أن ينتظر فترة من الزمن، وإليه يرجع الفضل في اختراع الأجهزة التي تعين أثقال السوائل المختلفة وأخرى تمتلئ آليًا عندما تفرغ كما صنع قوارير يشرب منها الإنسان حسب رغبته إما نبيذًا صافيًا أو ممزوجًا أو ماء، وركب مصابيح يخرج فتيلها آليًا كما يتدفق فيها الزيت تلقائيًا ولا يستطيع الهواء أن يطفئها، وقد نجح في صنع جهاز لري الأرض وهو يصفر كما يصدر أصواتًا خاصة تشير إلى أن المياه قد بلغت الارتفاع المطلوب كما صنع مختلف أنواع النافورات وتفنن في الحيل المائية حيث يندفع الماء مكونًا مختلف الأشكال والشخوص، وقد بلغ أحمد من المهارة بحيث استطاع صنع جهاز فلكي يخطئ بواسطته الرأي اليوناني القائل:«إن كرة تاسعة تحيط بالفضاء» .

وهل بمستغرب أن يضع ابن موسى بن شاكر خبرته وإمكانياته في خدمة العلم الذي كرس له والده حياته أعني الفلك؟ !

لقد اشترك أحمد مع محمد وركبا ساعة نحاسية ذات حجم كبير وقام محمد بعمل حساب شروق وغروب أهم الكواكب والنجوم حسب اليوم والسنة. أما أحمد فقد قام بتنفيذ العملية الحسابية المعقدة التي وضعها أخوه، وكانت هذه الساعة قطعة فنية عجيبة ووحيدة من نوعها من حيث صناعة الآلات وتركيبها، وقد أثارت إعجاب كل من شاهدها فقد رآها الطبيب ابن ربان الطبري في القصر الجديد للخليفة فقال: أما مرصد سامراء رأيت آلة ركبها الأخوان محمد وأحمد ابن موسى، والأخوان خبيران بعلم الفلك وتركيب الآلات. والآلة التي صنعاها عبارة عن كرة وعليها صور الأفلاك وأجرام السماء وتتحرك هذه الآلة بفعل الماء، فإذا اختفى نجم من نجوم السماء اختفى في نفس الوقت النجم الذي يقابله في الكرة عن طريق خط يمثل دوران الأفلاك وله نظيره في السماء، وعندما يعود النجم في السماء إلى الظهور مرة أخرى يظهر هذا النجم على الكرة فوق خط الأفق.

ص: 104

«الأخ الثالث الحسن» كان كما تحدثنا المصادر العربية نابغة عصره في الهندسة كما كان عبقريًا وحيدًا اشتهر بالذاكرة القوية وسعة الخيال والتصور ولم يلقنه أحد ما بلغه من إعجاز في الهندسة، وما عرضت عليه مسألة من المسائل إلا وبادر إلى حلها، وكان هو أول من توصل إلى هذا، ويروى عنه أنه كان يجلس غارقًا في تفكيره وجلس مرة في مجلس من مجالس الخاصة فلم يسمع شيئًا مما دار من حديث في ذلك المجلس، ويروى عنه عن نفسه أنه إذا عرضت له مشكلة من المشاكل كان يرى العالم وكأنه جسم من الظلام ويشعر هو وكأنه قد خارت قواه أو في حالة حلم!

وحدث يومًا ما أن التقى في حضرة المأمون بفلكيه الخاص الموروزي الذي اشترك في مراقبة الشمس في دمشق، وكان الموروزي قد قرأ كتاب «أويقليد» كما درس الماجسطي دراسة دقيقة إلا أنه كثيرا ما عجز عن فهم كثير من المسائل الرياضية فتحداه الحسن أن يوجه إليه مسألة هندسية شريطة أن يعرض عليه الحسن سؤالا هندسيا فأحرج هذا الاقتراح الموروزي فشكاه إلى المأمون:«يا أمير المؤمنين لقد قرأ لأويقليد ستة كتب فقط» .

والمأمون الذي يعتبر عالمًا في الهندسة فقط، وقد درس كتاب أويقليد لا يستطيع أن يتقبل مثل هذا الاتهام الموجه إلى حبيبه الحسن ولا يصدقه، فالتفت مسرورًا إلى المهم شاكًا في التهمة فأجابه الحسن:

«والله يا أمير المؤمنين لو أردت الكذب لأثبت كذب دعواه ولاستدعيته للاختبار فهو لم يسألني سؤالا خاصا بمحتويات هذه الكتب التي لم أطلع عليها ولو فعل هذا لأجبته على الفور وذكرت له حلها ولا ضير في ذلك عليّ إذا كنت لم أطلع على هذه الكتب» ، والمؤلم أن دراسته لجميع هذه الكتب ومسائلها حتى ما صغر منها لم تفده كثيرًا أو قليلًا حتى يتمكن من حلها. وقد اقتنع المأمون بهذه العبارة إلا أنه لم يغفر للحسن تقصيره بعدم تنفيذ طلباته.

ومن بين أعماله التي قام بها مستقلًا عن أخويه كتابه الذي وضعه حول القطوع المخروطية، كما أنه هو مخترع ما يعرف باسم القطع الأهليلجي.

ص: 105

ولم يبلغ أبناء موسى ما بلغوا من شهرة علمية عن طريق بحوثهم فقط بل عن طريق الخدمات الجليلة أيضًا التي أدوها لعلم الفلك، بفضل ما أوتوا من نبوغ في هذه الناحية، وفضلا عن هذا فقد كانوا بالرغم من أنهم كانوا في سن الشباب من أكبر مشجعي ومناصري العلم والعلماء، فكانوا يوفدون البعوث على نفقاتهم الخاصة إلى الدولة البيزنطية للبحث عن المؤلفات الفلسفية والفلكية والرياضية والطبية، وكان أبناء موسى لا يترددون في دفع الأثمان الباهظة لهذه المؤلفات اليونانية التي كانوا يزودون بها مكتبتهم الخاصة بدارهم بباب التاج في بغداد. فهناك وعلى قطعة الأرض التي وهبها لهم المتوكل بالقرب من قصره في سامراء وظف أبناء موسى العدد الكبير من المترجمين الذين استقدموهم من مختلف البلاد، وكانوا بصنيعهم هذا يقتدون بأمير المؤمنين الخليفة المأمون الذي اقتنى المخطوطات وشيد المدارس لتخريج المترجمين.

والآن نتساءل: كيف تيسرت الأمور وأصبح أبناء موسى الوحيدين الذين جاروا الخليفة في الأخذ بيد هذه النهضة العلمية العظيمة الأثر؟ ألم يمضوا أيام طفولتهم في حياة إن وصفت بشيء فالبساطة والتواضع؟ ألم يمض موسى بن شاكر وأسرته حياة أقرب إلى الفقر من أي شيء آخر؟ !

والآن نجد أبناءه يدفعون شهريًا لكل مترجم راتبًا لا يقل عن خمسمائة دينار ولا شك في أن إنفاق مثل هذه الأموال في اقتناء الكتب وإيفاد البعوث وترجمتها ونسخها قد كلفهم في شبابهم الكثير من الأموال؛ فمرتب المترجم أعني مبلغ الخمسمائة دينار كان يساوي بعملتنا الحالية حوالي ثمانمائة جنيه ذهبي، ولا شك في أنها مرتبات عالية كانت تكفل لأصحابها سعة في الرزق وسعة في الوقت وتفانيًا في خدمة رسالتهم العلمية الرفيعة. فمن أين لأبناء موسى جميع هذه الموارد المالية التي مكنتهم من النهوض بمثل هذا العبء العظيم؟ !

أين الذهب الذي جمعه موسى إبان غزواته الليلية التي كثيرًا ما شنها؟ إن أحدًا لم ير غزواته ولم يشاهد أسلابه، وهل كان هدف موسى من كل مغامراته تمويل مثل هذا المشروع العلمي الجبار؟ !

ص: 106

لقد استخدم أبناء موسى كثيرين من العلماء من بينهم حنين بن إسحق وإسحق ابن حنين ابنه وحفيده حبيش بن الحسن، وقد كان هؤلاء من أكثر وأجود العلماء إنتاجًا، ولا يفوتنا أن نذكر من أشهر المترجمين أيضًا الذين عملوا لأبناء موسى ثابت ابن قرة وكان صابئيًا من الذين يقدسون النجوم والأجرام السماوية. فهذا الشاب العربي الذي أصبح فيما بعد عالمًا فذًا كان قد اهتدى إليه محمد بن موسى، فقد حدث أن محمدًا في رحلة من رحلاته الاستطلاعية بحثًا عن المخطوطات توجه إلى اليونان وآسيا الصغرى وعند عودته مارًا بحران التقى في «كفر توتة» بهذا الشاب الذي كان يعمل صرافًا في محل له صغير، وكان إلى جانب إلمامه بالنقود عالمًا بعدة لغات، فكان هذا الشاب هو الذي يبحث عنه محمد بن موسى بهو خبير بالحساب ومترجم قدير أحضره معه إلى بغداد واتخذه تلميذًا له في منزله وقدمه إلى الخليفة المعتضد، فأعجب الخليفة بهذا الصابئي وقدمه على سائر علمائه فترجم ثابت بن قرة عددًا من الكتب الفلكية والرياضية والطبية إلى بني موسى وهذه الكتب لمشاهير العلماء أمثال:«أرشميدس» و «أبولونيوس» و «تيودوسيوس» و «أويقليد» و «أرسطو» و «أفلاطون» و «جالينوس» و «بوقراط» ، كما ترجم حنين وابنه وصححها، ثم انصرف بعد ذلك إلى تأليف الكتب فوضع ما يقرب من مائة وخمسين كتابًا عربيًا وعشرة في السريانية حول الفلك والرياضة والطب، فوضعته هذه المؤلفات وذلك الإنتاج لا في مقدمة علماء عصره فقط بل زعيمًا للعلوم الإسلامية قاطبة.

لقد تحدثنا عن سيرة بني موسى لا رغبة في الإفاضة فيها فهم أشهر مما نتصور، فمن بين خمسمائة وأربعة وثلاثين فلكيًا عربيًا حفظ لنا التاريخ أسماءهم، وهذا عدد يندر أن نجده بين أبناء أمة راقية أخرى في العالم، ونقرر أن بني موسى وغيرهم من أبناء جلدتهم قد ساهموا مساهمة كبرى في بعث النهضة العلمية الأوربية.

لكن حياة الإخوة الثلاثة تشع علينا إشعاعات خاصة فدراسة حياة هؤلاء الإخوة العلمية تلقي ضوءًا قويًا على كل مقومات الدراسات التي اعتمد عليها العلماء المسلمون في سبيل النهوض بعلم الفلك منذ أن خرس اليونان إلى غير رجعة. لقد

ص: 107

نهض العلماء المسلمون بهذا العلم نهضة كانت له بعثًا جديدًا ترك في أوربا أبعد الأثر فأيقظها وسد الفراغ العلمي فيها.

إن نشاط بني موسى في جمع المخطوطات وترجمتها أحيا من الموت تراث العالم القديم الذي طمره النسيان، والعرب هم الذين بعثوه فعادت إليه الحياة ثانية والعرب هم الذين عرفوا أوربا به.

اشتهر العرب بعبقريتهم الفنية في صناعة الآلات واختراعها، فقد أدركوا معنى ووظيفة الآلات التي جاءهم وصفها وطوروها وزادوا عليها فاخترعوا الجديد منها، وبذلك وضع العرب الأسس لقيام هذه النهضة العلمية الصناعية.

إن نظرتهم الفنية الدقيقة للظواهر الطبيعية التي تجلت في مراصدهم تفوقت بكثير على تلك النتائج التي توصل إليها العالم القديم وسبق العرب غيرهم فنجحوا في القيام بالبحوث العلمية الدقيقة وتجلت عبقريتهم التي لا تحد في الرياضيات والعلوم الأخرى، وكان يستولي على العربي الفرح والسرور عند توفيقه في حل مسألة رياضية أو حسابية، وهذا الاستعداد مكن العرب من خلق فروع جديدة في الرياضيات، كما سبقوا أوربا وأوجدوا الوسائل المختلفة للدراسات الفلكية.

ص: 108