المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌يقظة أوربا كل أوربا تعرف أن شهرة «سالرنو» قد خلدتها، فهي - شمس الله تشرق على الغرب = فضل العرب على أوروبا

[زيغريد هونكه]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌شمس الله

- ‌مقدمة المؤلفة

- ‌مقدمة المترجم

- ‌الكتاب الأولالبهار اليومي

- ‌أسماء عربية لمنح عربية

- ‌أوربا تقاسي الحرمان لموقفها السلبي من التجارة العالمية

- ‌البندقية تحطم الحصار

- ‌في مدرسة العرب

- ‌الكتاب الثانيالكتابة العالمية للأعداد

- ‌ميراث هندي

- ‌البابا يمارس الحساب العربي

- ‌تاجر يعلم أوربا

- ‌حرب الأعداد

- ‌الكتاب الثالثالأبناء الثلاثة لموسى الفلكي

- ‌الابن الأول صانع الآلات

- ‌الابن الثاني لموسى «الفلكي»

- ‌الابن الثالث الرياضي

- ‌وينتمي إلى نفس الأسرة أيضًا علم الفلك

- ‌الكتاب الرابعالأيادي الشافية

- ‌الشفاء العجيب عند الإفرنج

- ‌مستشفيات وأطباء لم ير العالم نظيرهم

- ‌أحد نوابغ الطب العالميين في مختلف العصور

- ‌قيود الماضي

- ‌يقظة أوربا

- ‌قال ابن سينا

- ‌أنصاب العبقرية العربية

- ‌الكتاب الخامسسيوف العقل

- ‌المعجزة العربية

- ‌أوربا تائهة في دياجير الظلام

- ‌شعار المنتصر

- ‌عملية إنقاذات قيمة تاريخية

- ‌الترجمة مجهود ثقافي

- ‌ولع بالكتب

- ‌شعب يدرس

- ‌الكتاب السادسموحد الشرق والغرب

- ‌دولة النورمان .. دولة بين عالمين

- ‌كانوا أعداء فألف بينهم

- ‌سلطان لوكيرا

- ‌على الأسس العربية

- ‌محادثات على الحدود

- ‌ميلاد نظرة جديدة للعالم

- ‌الكتاب السابعالفنون العربية الأندلسية

- ‌الصور الأولى للعبارة الألمانية «السيدة المحترمة»

- ‌إن العالم شيد لي مسجداً

- ‌الموسيقى تساير الحياة

- ‌زخرف العالم الوضاء

- ‌شعب من الشعراء

- ‌المسالك في أوربا

- ‌الخاتمة

- ‌تعليقات المترجم

- ‌قرتمن

- ‌قرنفل

- ‌جوز الطيب

- ‌برسيفال

- ‌قهوة

- ‌مات

- ‌الشك

- ‌الصفة

- ‌مطرح

- ‌قرمزي

- ‌قناد

- ‌مستقة

- ‌قطنية

- ‌طاسه

- ‌سكر

- ‌غرافة

- ‌ليمون

- ‌الكحول

- ‌برقوق

- ‌البنان

- ‌شربات

- ‌نارنج - أورنج

- ‌الخرشوف

- ‌برد

- ‌أرز

- ‌سبانخ

- ‌القرفة

- ‌العرق

- ‌مخا

- ‌ديوان

- ‌تسفتشجين

- ‌بيج أرمودي

- ‌عثماني

- ‌قبة

- ‌شطرنج

- ‌شيكيش

- ‌قفة

- ‌صفى

- ‌جدامس

- ‌جلا

- ‌بركان

- ‌قطن

- ‌موصلي

- ‌مخير

- ‌الشف

- ‌زيتوني

- ‌تفت

- ‌أطلس

- ‌الدمشقي

- ‌زعفراني

- ‌ليلا

- ‌ترياق. درياق

- ‌جنزبيل. زنجبيل

- ‌كمون

- ‌زعفران

- ‌كافور

- ‌بنزين

- ‌قلى

- ‌نطرون

- ‌صداع

- ‌بورق

- ‌سكرين

- ‌عنبر

- ‌لك

- ‌النيلة

- ‌قز

- ‌طلق

- ‌بطن

- ‌خلنجان

- ‌مر

- ‌سمسار

- ‌جبة

- ‌داو

- ‌دنجية

- ‌قربلة

- ‌فلوكة

- ‌ميزان

- ‌الحبل

- ‌دار الصناعة

- ‌أمير البحر

- ‌قلفاط

- ‌عوارية

- ‌كبر. كبار. قبار

- ‌ياسمين

- ‌ورد

- ‌خيرى البر

- ‌أسليح

- ‌فورسيسيا

- ‌بلد شين

- ‌بلوزه

- ‌جبة

الفصل: ‌ ‌يقظة أوربا كل أوربا تعرف أن شهرة «سالرنو» قد خلدتها، فهي

‌يقظة أوربا

كل أوربا تعرف أن شهرة «سالرنو» قد خلدتها، فهي التي شفت المرضى في جميع أصقاع العالم، وهي تستحق أيضًا الشهرة التي نالتها:«إني أعترف بفضل العلم الذي حصلته في جامعة (سالرنو)» هكذا قرر الابن الشاعر ابن الفارس الألماني عام 1162 م في كولونيا لمستشاره الدولة «رينالد فون دسل» ، وكان عمر هذا الشاعر لم يتجاوز الثالثة والعشرين عندما كان سعيدًا بدراسته الطبية وفي مدرسة أطباء «سالرنو» الواقعة على خليج «بستوم» بالرغم من أنه اعتل جسديًا وماليًا عندما عاد إلى الأمير الذي كان يرعاه ويعطف عليه.

لقد عقد هينربش الفقير أمله الأخير على «هرنمان فون آو» وأطباء «سالرنو» في القرن الثاني عشر، وبخاصة بعد أن حاول عبثًا الشفاء في «مونبيلييه» ، وسالرنو كانت قبلة قاصدي العلاج في أوربا وغيرها، ولذلك قصدها وليم الفاتح الذي صار فيما بعد ملكًا على إنجلترا طلبًا لعلاج نفسه من جرح أصابه في حرب، كما قصد أطباء سالرنو الذين طبقت شهرتهم الآفاق ابنه الجراف «روبرت» النورماندي استشفاء من الجرح الذي أصابه عند القدس عقب عودته من الحملة الصليبية الأولى عام 1001 م، وصاحب الجراف النورماندي إلى سالرنو زملاؤه الفرسان الذين عادوا من الأرضي المقدسة.

إن المرضى من مسيحيي أوربا لم يكن أمامهم للاستشفاء إلا سالرنو، فهي الواحة المنيعة الوحيدة وسط ذلك العالم القحل، كما أن جماعة سالرنو كانت هي

ص: 212

الجامعة الوحيدة في العالم، عدا الدولة الإسلامية، التي يدرس فيها الطب دراسة عملية وكان أساتذتها يتمتعون بثقافة طبية طيبة ولو أنها لا تقارن بتلك التي نعرفها في العالم الإسلامي وبخاصة في دمشق أو قرطبة. لكن بالرغم مما في جامعة سالرنو من نقص إذا ما قورنت بالجامعات الإسلامية كانت مع ذلك أحسن جامعة مسيحية. والسبب في ذلك هو أن جامعة سالرنو الطبية جامعة علمانية خالصة وهي الوحيدة وسط هذه البيئة التي عرفت بممارستها الطب اللاهوتي. فمديرو وأساتذة سالرنو متزوجون، وإلى جانب الذكور من الأساتذة نجد الإناث أيضًا، وكانت أبوابها مفتوحة أمام الطلاب من مختلف الجنسيات والعقائد.

أما متى نشأت جامعة سالرنو وكيف وظهرت فهذا موضوع القصص والأساطير. وقصة سالرنو كغيرها من القصص والأساطير، ولا بد أن تحتوي على شيء من الحقيقة. فهنا خبر يذكر أن الذين أسسوها أربعة: يوناني ولاتيني ويهودي والعربي «أدلا» ، وهو ولا شك أن العربي «عبد الله» إلا أن هذه التسمية العربية قد أسيء فهمها، ففهمت على أنها «أدلا» واشتراك عربي في تأسيس مدرسة سالرنو الشهيرة شيء بدهي وبخاصة أن سالرنو تقع في جنوب إيطاليا والجنوب كما يحدثنا التاريخ كان طيلة القرن التاسع الميلادي منطقة احتلال عربية، وهذا ليس بعجيب وبخاصة إذا أدركنا موقع صقلية العربية وتقارب الأوضاع بين صقلية وجنوب إيطاليا. ولعل أجمل صورة تصور لنا العلاقات في ذلك الوقت بين صقلية وجنوب إيطاليا ومدي الأثر العربي الإسلامي في تلك المنطقة ما يروى عن اليهودي الصغير «دونولو» فقد تعلم العربية في مدينة بالرمو عندما كان أسيرًا، ولما أخلى سبيله درس الطب العربي في جنوب إيطاليا وعلى يد طبيب قدم إلى جنوب إيطاليا من بغداد. وهناك أدلة أخرى ملموسة لمساهمة العرب في تأسيس جامعة سالرنو.

ومن المؤكد أنه قبل انصرام القرن التاسع الميلادي أثار أطباء سالرنو إعجاب الأوربيين الذين لم يعتادوا مثل هذا التقدم العلمي الطبي من قبل، ومن الثابت أن العلم والمعرفة والتجربة التي تدفقت في السبعين، بل الثمانين، سنة التي انصرمت من القرن الحادي عشر وفي سالرنو هي التي أكسبت هذه الجامعة هذه الشهرة الخالدة التي عمّ فضلها فشمل جميع أنحاء المعمورة؛ وبديهي أن هذا العلم وما إليه

ص: 213

وتلك المعرفة لم تكن معرفة رومانية أو أخرى قديمة بل حكمة عربية إسلامية.

وقبل أن يُدخِل «ليوناردو فون بيزا» الحساب العربي إلى أوربا بنحو قرن ونصف قرن، كان «قنسطنطيين» القرطاجني الإفريقي يتزعم نشر الثقافة والعلوم الطبية العربية في سالرنو، وبذلك وعن هذا الطريق أخذت العلوم الطبية العربية تتسرب إلى مختلف الأنحاء الأوربية. وقد نجح قنسطنطين فسجل لنفسه في صفحات الثقافة الأوربية اسمًا خالدًا وشهرة عظيمة فاقت تلك التي نالها «ليوناردو فون بيزا» ، والسر في هذا لا يرجع إلى عبقريته ونبوغه فإن استعداده العلمي أقل كثيرًا من استعداد «ليوناردو» ، لكن قنسطنين كان أمهر منه في التأثير على عصره.

وهذا هو تاريخه كما نستخلصه من الأساطير والقصص التي وضعها مؤرخوه:

في العام الذي ولد فيه الراهب «هيلدابرند» الذي أصبح فيما بعد البابا جريجور السابع، أعني عام 1020 م ولد قنسطنطين في قرطاجنة، ولا نعلم شيئًا عما إذا كان مسلمًا أو مسيحيًا، حرًا أو عبدًا أو عتيقًا اعتنق المسيحية فيما بعد، كما لا نعرف شيئًا عن اسمه الأصلي وهو مثل «ليوناردو» نما وترعرع في البحر الأبيض المتوسط وفي محيط التجارة الشرقية وتجارة البحر الأبيض المتوسط، وقنسطنطين مثل ليوناردو قام برحلات كثيرة في الشرق طالبًا العلم والمعرفة والمغامرات، وقد قضى نحو نصف سني حياته في التحصيل والتجوال حيث كان يبيع العقاقير والأدوية، ولذلك كان على اتصال بالأطباء العرب، وكان هذا الاتصال وثيقًا، وحدث في تلك الفترة أن توفي ابن سينا وابن الهيثم. وفي بغداد ثم في حلب وأنطاكية وشيزر التقى بابن بطلان الذي كان في ذلك الوقت قد التحق بخدمة أمير شيرز وهو جد أسامة بن منقذ. وفي القاهرة كان ابن رضوان يقوم بالتدريس واتسعت شهرته.

ولما بلغ قنسطنطين الأربعين زار كتاجر للعقاقير والأدوية صقلية العربية وسالرنو المجاورة لها وبذلك دخل وللمرة الأولى أرض الإفرنج، وفي حديث بينه وبين أخي أمير سالرنو وكان طبيبًا قام بدور الترجمة بينهما بعض موظفي القصر من العرب تبين منه الضيف الشرقيي البون الشاسع جدًا بين الطب العربي والطب الأوربي، كما أدرك الفرق الكبير. لذلك وعد أطباء سالرنو بأنه سيمدهم بكثير من الأدوية

ص: 214

والعقاقير الطبية العربية بل ببعض ثمرات العقل العربي.

ثم عاد قنسطنطين إلى القاهرة، وكان في إبان شبابه يلتقط هنا وهناك بعض المعلومات الطبية، ثم درس عندما بلغ سن الرجولة الطب في المدارس الشرقية دراسة منتظمة. وزار سالرنو مرة أخرى متأبطًا عددًا كبيرًا من الكتب، وكانت سالرنو في ذلك الوقت وكل جنوب إيطاليا تحت حكم الهرزوج النورماني «روبرت جويسكارد» ، وبعد أن تعرف قنسطنطين على البلاد ولغتها أخذ يعمل جاهدًا فألف الكتاب تلو الكتاب، وكل كتاب يثير إعجاب القراء. إن مثل هذا الرجل يجب أن يكون عظيمًا جدًا فمثله لم تعرفه سالرنو من قبل، لكن قنسطنطين قرر لكي يؤلف وينتج أن يعتزل الناس، وأنه أحوج ما يكون إلى الهدوء؛ لذلك انتقل إلى جبل كسينو، الذي ألّف فيه أشهر كتبه الطبية وساعده الراهبان «أتو» و «يوحنا» في تقويم لغته اللاتينية الركيكة.

وحدث أن أقبلت يومًا ما فرقة من الفرسان الشقر الفيكنج ومعهم أبناء الصحراء الذين لوحتهم الشمس فبددت هذه الفرقة الهدوء الذي كان يعيش فيه قنسطنطين، وقد جاء ملك النورمان نفسه وهو «روبرت جويسكارد» يحيط به نفر من النورمان الممشوقي القوام والمسلمين المخلصين له، وإلى جانبه سار شيخ في مسوح الرهبان والملك يرشد الشيخ. ويلوح أن السن والأمراض قد تجمعت وبقسوة شديدة على هذا الكهل، وبدت معالمها واضحة على وجهه المحروم من الحنان والعطف، وهذه القسوة وتلك الشيخوخة لم تقوسا ظهر هذا الشيخ، فقد سار في رفقة الملك متزن الخطا لا يلتفت يمنة أو يسرة ويدب على الأرض المرصوفة كما لو أنه من حديد لا يعبأ بالتقاليد التي لم يضعها هو نفسه.

ثم تختفي الضوضاء التي أحدثها الفرسان، كما اختفى معها الفرسان والهرزوج، وظل الشيخ وحيدًا، وعاد الهدوء إلى جبل كاسينو، وهو هدوء لا يختلف كثيرًا عن هدوء القبور. لقد استقبل قنسطنطين المؤلف والكاتب مريضًا قد حطمته السنون والعلل، ولذلك حمل إلى سفح الجبل حيث الدفء والطقس المعتدل وكبار الأطباء في جامعة سالرنو. وفي مايو عام 1085 لفظ هذا الكهل نفسه الأخير

ص: 215

وقد حرمه البابا من الكنيسة وطارده حساده وأعداؤه الرومانيون، ومن القيصر لم يلق إلا الشقاء والاضطهاد لأنه كان عدوه اللدود. وهكذا انهار الرجل حزينًا وحيدًا. إنه ابن الفلاح التوسكاني الذي سمي لوقت قصير جريجور السابع ولقبه أحد أتباعه بلقب:«الشيطان المقدس» .

وقد عاش قنسطنطين بعد جريجور عامين فقط، وبينما كان يهوى نجم هذا ظهر نجم آخر سطع وتلألأ، وذلك نجم هذا المؤلف الذي وضع كثيرًا من الكتب إبان إقامته في جبل كاسينو، وكانت هذه الكتب تنحدر إلى الوادي فترسل ضوءها ساطعًا إلى سكان مدينة سالرنو.

نعم إن هذه الكتب دونت في لغة لاتينية ركيكة إلا أن محتوياتها كانت قيمة جدًا، فهي تعالم أمراض العيون والجراحة والكيمياء والغذاء وأمراض البول والحمى. وما أعظم المهارة التي أبداها عندما دون الكتاب الأصلي زاد المسافر «فياتيكوم» ، وكتابه الهام الرئيسي الذي يحوي جميع فنون الطب والمسمى «ليبر بنتيجني» . فما أعظم العبقرية!

إن هذه الشهرة دامت أربعين عامًا كاملا.

ومن ثم قد فضح أمر هذا الرجل الذي ولد في قرطاجنة وثبت أنه لم يكن عالمًا بل تاجرًا خبيرًا، فقد استطاع أن يستغل خبرته التجارية هذه استغلالا عظيمًا فأقبل على البضاعة القديمة ولفها في رق جديد مضللا المشترين، فالذي حدث أن الحروب الصليبية عرفت بعض الأوربيين بالشرق ثقافة ولغة وتجارة. كما أن المواد التي تخصص فيها قنسطنطين لم تعد غير قابلة للمنافسة فقد ظهر في السوق منافسون له. ففي اللحظة التي قرر فيها الطبيب اللومباردي إسطفان أحد أبناء مدينة بيزا إنقاذ ما يمكن إنقاذه في أنطاكية من كتب العلوم الطبية وتقديم هذه الكتب إلى أوربا المسيحية أخذت شهرة قنسطنين في أوربا تتوارى وتخبو.

وبينما نجد في عام 1127 إسطفان يترجم إلى اللاتينية الكتاب الكامل في الطب والمعروف باسم الكتاب الملكي الذي ألفه علي بن عباس تبين إسطفان حقيقة هذه

ص: 216

المادة التي سطا عليها قنسطنطين ونسبها إلى نفسه. لقد درس إسطفان الطب في سالرنو الواقعة على خليج «بستوم» ، وظل يدرس العلوم الطبية نحو ثلاث سنوات أعجب فيها إعجابًا منقطع النظير بمؤلفات قنسطنطين. أما الآن وقد بين في الشرق ما تبين فقد استطاع في سهولة ويسر كشف القناع وإماطة اللثام عن هذا الشخص الدعي الذي نسب إلى نفسه الكتاب الملكي. وكان هذا هو البدء فقط.

ففي صقلية اهتدى المترجم «ديمتريوس» إلى أن كتاب قنسطنطين الموسوم باسم «ده أوكوليس» ما هو إلا كتاب حنين في شفاء العيون، والكتاب المعروف باسم «فياتيكم» ما هو إلا كتاب ابن الجزار المعروف باسم زاد المسافر. أما كتاب الغذاء وكتابا البول والحمى فما هي إلا ترجمة من كتاب «إسحق يوداكوس» . وكذلك كتاب قنسطنطين في التشريح فهو من تأليف علي ابن عباس، وتبين العالم اليوم أن كتابه في الكيمياء مأخوذ عن الرازي.

أما بعض مؤلفات أبقراط وجالينوس فقد عرف عليها قنسطنطين عن طريق الترجمة العربية التي قام بها حنين ابن إسحق وحفيده حبيش، فقد أحضرها قنسطنطين معه إلى إيطاليا، لذلك لم يستطع سرقتها ونسبتها إلى نفسه لوجود النسخ اليوناينة الأصلية. أما أسماء العلماء العرب فلم تكن معروفة في إيطاليا، وقد تجاهلها قنسطنطين متعمدًا ولم يقف عند ذلك بل محا من عليها أسماء مؤلفيها ووضع اسمه هو معللا هذا بقوله حتى لا يأتي آخر ويسرق مجهوداته. إنه لص مجرم ينادي ويصيح اقبضوا على السارق بينما يسرق هو الأشياء ويضعها في حقيبته، وإذا استثنينا بعض الحالات الفردية فإن القوم لم يستنكروا عليه سرقات، وظلت كتبه تحمل اسمه، وذلك لأن الناس لم يحترموا حق التأليف والملكية كثيرًا أو لم يرعوا حرمة هذا الحق. ولا غرابة في هذا فحامي قنسطنطين وهو كبير أساقفة سالرنو واسمه «الفانوس» قد سبقه إلى هذه السرقات، فترجم كتابًا عن اليونانية إلى اللاتينية ونسبه إلى نفسه!

والمؤرخ الفرنسي العظيم للطب وهو «دارمبرج» قد هاج قنسطنطين الإفريقي مستخدمًا أقسى ألفاظ السب والقذف، ولو أنه أوجد له بعض العذر لسرقاته

ص: 217

العقلية، إذ نجد «دارمبرج» نفسه يتحمس ويقترح رسميًا وجوب إقامة نصب تذكاري على مرتفعات سالرنو ليشاهده الجميع، وذلك تقديرًا لترجمته الكثير من الكتب العربية الطبية وتعريف أوربا بها فساهم في بعث الأوربيين من الموت إلى الحياة.

رجلان ساعدا قنسطنطين في ترجمته من العربية إلى اللاتينية تلميذه المحبوب الشاب العربي يحيى بن أفلح الذي انتشله قنسطنطين من الفقر والفاقة واعتنى به وأدخله في الديانة المسيحية وأسماه «يوحنا أفلاتيوس» أو أيضًا «يوحنا سراكينوس الشرقي» . وقد عظم شأنه بعد وفاة معلمه وأصبح طبيبًا مشهورًا في سالرنو كما أشرف على مخلفات قنسطنطين.

أما تلميذه الآخر فقد سمي «أتو» وأصبح ماهرًا في الطب كذلك حتى اختارته القيصرة «أجنيس» طبيبًا خاصًا لها كما كان قسيسها أيضًا. وقد نقل إلى سيدته الأشياء التي ترجمها أستاذه في شعر روماني.

وتلميذ ثالث لقنسطنطين هو «بارتولميوس» وقد نسخ على منوال أستاذة فاهتم بالعلوم العربية، وقد نقل كتابه «بركتيكا» إلى الألمانية سواء تلك الخاصة بالمرتفعات والجبال أو لغة سكان الوديان والسهول كما ترجم أيضًا إلى الدنيماركية، وعن طريق هذه التراجم انتقلت العلوم الطبية العربية إلى أوربا في القرن الثالث عشر.

وفي عام 1250 نجد «برتولد فون رجينز برج» يستخدم بعض الألفاظ العربية في عظاته، وهذه الأسماء كان قد ذكرها قنسطنطين وتلميذه «بارتولميوس» . فجميع هذه الظواهر كانت قطرًا مبشرًا بقرب الغيث، ولو أن هذا القطر قد تساقط على أرض صخرية.

أما أثر هذا القطر في إخصاب الأرض وإيناعها فقد كان عظيمًا جدًا، فلا طبيب في سالرنو إلا استفاد من المراجع العربية استفادة عظمى، كما لا يوجد كتاب خاص بالطب إلا اعتمد على المراجع العربية اعتمادًا قويًا، وإن امتزجت بالتقاليد القديمة

ص: 218

التي كانت سائدة في سالرنو.

ويجب ألا نعتقد أن هذا الأثر العربي الطبي قد أثر في الدراسات الأوربية عن طريق الكتب فقط بل جاء أوربا عن طريق الطبيب نفسه الذي لم تكن على عينه غشاوة ورأى أن يرى ما هو كائن.

أما مسرح كل هذا فقد كان الشرق: كانت مصر، التي كانت ميدانًا للحملة الصليبية الخامسة.

ففي عام 1218 التقى في الأراضي المقدسة من الصليبيين الإيطاليين طبيب عظيم من مدينة بولونيا، وقد فرضت وظيفة الطبيب «هوجو» عليه، بالرغم من أنه كان في سن السبعين ومن نسل أشراف اللونجوبرديين البورجونونيين والذين كانوا يقيمون في «لوكا» والذي كان يتقاضى مرتبًا قدره ستمائة ليرة لمدى الحياة، أن يمضي فقط ثمانية شهور سنويًا فقط في بولونيا مزاولا مهنته كطبيب شرعي. أما بقية العام فيجب أن يرافق فيه المحاربون البولونيون في حروبهم.

وحصل أن الحصار الطويل الذي ضرب على دمياط الواقعة في نهاية دلتا النيل سبَّب كثيرًا من الأهوال من مجاعة وبرد وأمراض مما فرض على الطبيب كثيرًا من الأعمال والخدمات، هذا إلى جانب الخسائر الفادحة والمعارك الخاسرة التي بذلت في سبيل الاستيلاء على الحصن، وقد انتهت جميعها بإلحاق الهزيمة بالمسيحيين وانتصر جيش السلطان الذي كان في موضع بين اليأس والأمل، لذلك انصرف الطبيب هوجو إلى علاج أولئك البولونيين من أمراضهم وجروحهم وكسر عظامهم.

وحدث عند ذاك أن هوجو أدرك أن كثيرين من الأعيان أخذوا يفضلون عليه زملاءه الآخرين بالرغم من أن رجال الدين المسيحي والمجالس المسيحية كانوا يقررون دائمًا خروج الأطباء الآخرين على الكنيسة، لكن ماذا يجدي موقف رجال الدين هذا؟ هم يحرمون، ينهون ويحذرون ويهددون ويتوعدون بالعاقبة السيئة التي تنتظرهم.

ص: 219

وغالى رجال الكنيسة في تنفير القوم من الاستعانة بالأطباء والتشهير بهم فاتهموهم بأنهم تحت ستار طبهم ومعالجة المرضى كانوا يتربصون بالمسيحيين الذين يقصدونهم ويوقعون بهم أشد الأضرار، كما قد يقتلونهم خنقًا بالحبال. لكن بالرغم من كل هذه الشائعات الكاذبة والتهديدات بالطرد من الكنيسة لم يتردد الماضي في زيارة الأطباء سعيًا وراء الشفاء على يد أولئك الأطباء الأعداد. ولم يكن هذا الوضع مشرفًا للطبيب الشيخ الذي كان يداوي الجروح ويتقلد منصبًا رسميًا. ففي هذه السنوات الثلاث وجد «هوجو» الفرص السانحة لمشاهدة ومعاشرة الجراحين المسلمين الذين كانوا موضع المدح والتقدير من الجميع ولو أنهم كانوا أيضًا موضع اللعنة. وكان «هوجو» إذا ما اضطر إلى الذهاب إلى مستشفياتهم الحربية وجدها معدة أحسن إعداد ومزودة بأحدث الآلات وكانت حمولة ثلاثين أو أربعين جملا.

وقد شاهد «هوجو» هنا، في المستشفيات الإسلامية علاج الجروح فأدرك أن ما تعلمه هو كان خطأ شنيعًا. لقد تبين (هوجو) أن المهنة التي كان يمارسها زهاء خمسين عامًا والتي أخذها عن كتب الطب منذ عهد أبقراط حتى عالم سالرنو المسمى «روجر» والتي كان يعتقد فيها من قبل إنها الحكمة كل الحكمة باطلة وما حصَّله كان لغوًا وقبض ريح. لقد علمت تلك المراجع: أن الصديد هو البلسم الشافي، وظهوره ضرورة لا بد منها لشفاء الجرح، ولتكوين هذا الصديد كان لا بد من دهن الجرح ببياض البيض وزيت الورد، وكثيرًا ما أدت هذه الطريقة إلى أوخم العواقب.

أما الأطباء المصريون المختصون في علاج الجروح، فكانوا يستخدمون الأربطة المغموسة في النبيذ المعتق الساخن وحول الجرح الرباط العادي، ومن ثم يتركون هذا الرباط على الجرح خمسة أو ستة أيام، وتكون النتيجة سرعة الشفاء دون أن يتسبب هذا العلاج في ظهور حالة خطرة، هذا إلى جانب أن هذه الوسيلة تقفل الجرح بواسطة طبقة جلدية رقيقة ناعمة دون تجعد، وهذه الوسيلة كانت تستخدم أيضًا في علاج الجروح التي تطرأ على الأعصاب أو الأوعية. ولعلاج الكسور كان المصريون

ص: 220

لا يستخدمون هذه الآلات القاتلة كما هو متبع في وطن «هوجو» ، كما أن ما علمه هو في أوربا سماعًا يشاهده الآن بعيني رأسه. وشاهد «هوجو» كذلك الأطباء المصريين وكيف كانوا يعالجون مشوهي الأجسام، فإذا أصيب شخص بجرح بليغ يستدعي بتر ذراعه أناموه أولا، ومن ثم خدروه عن طريق الحشيش والسكران ونبات اللفاح، وذلك بغمس قطعة من الإسفنج في خليط من سائل هذه المواد وبذلك لا يشعر المريض البتة بهذه الآلام المبرحة.

ولما عاد «هوجو» إلى وطنه عام 1221 استغل تجاربه ومعلوماته التي حصَّلها إبان حياته في غمار الحروب الصليبية معالجًا المرضى البولونيين مدة ثلاثين عامًا قضاها في وظيفته، وكان توفيقه في عمله عظيمًا جدًا، وما تعلمه عن العرب أخذ يلقنه لأبنائه وأحفاده قائلًا: في حالة الجروح يجب تجنب الالتهاب أو القيح. كما أخذ يدرس أبسط الطرق لعلاج الكسور والتخدير عند إجراء العمليات، وذلك عن طريق عقاقير مخدرة. ولما توفي وقد بلغ مائة عام ترك في بولونيا مدرسة للجراحة ظلت تعمل بتعاليمه زمنًا طويلًا، وقد خلفه عليها ابنه «تيودريش فون بورجومي» ، ولما كان ابنه هذا من رجال الدين كان لا بد له من الحصول على إذن خاص لممارسة مهنة الطب والجراحة، وذلك لأن الطب كان في ذلك العصر مهنة مشينة في نظر الكنيسة، كما أراد تجنب عبارات اللوم والتقريع التي قد توجه إليه إذا ما أخفق في عملية أو أكثر من العمليات الجراحية التي قد يجريها. لكن من حسن حظ «تيودريش» أنه لم يعرف إخفاقًا في مهنته وذلك بفضل الطرق والتعاليم الجديدة التي لقنه إياها والده، لذلك أحب مهنته، كطبيب حبًا شديدًا كما ازداد إقبال الزوار على عيادته في بولونيا حتى إنه ينصرف عن إجراء عملياته الجراحية بالرغم من تعيينه أسقفًا بالقرب من «رافينا» .

لكن هذه الفترة الجديدة التي بدأت بداية تبعث على الأمل قضي عليها بالإخفاق. فالكتاب الخاص بالجراحة الذي وضعه «فلهلم فوق ساليكيتو» الذي عاش مدة في بولونيا درس بها الطب، فكانت حياته امتدادًا لنشاط الشيخ «هوجو» ثم نشاط ابنه هذا الكتاب الجديد لم يذكر شيئًا عنهما، بل تجاهل حتى اسميهما.

ص: 221

فما سبب هذا الموقف الغامض من مؤلف هذا الكتاب؟ ! هل هو الحسد والحقد على الزملاء؟ ! إن مؤلف هذا الكتاب لم يسجل كلمة واحدة حول علاج الجروح عن طريق النبيذ أو التخدير عن طريق الإسفنجة المبللة، وتبعه في هذا التجاهل تلميذه «لانفرنكو» . أما «هينريش فون موندفيل» الذي أخذ الجراحة عن «تيودريش» فهو الوحيد الذي ذكر -وبإعجاب- طرق علاجه العظيمة والنتائج المهمة الناجحة التي انتهت به أن وصفه لأستاذه عبارة عن قصيدة مدح وثناء على الجرح الذي يبرأ بسرعة دون حدوث صديد، وهكذا مضت ستة قرون دون تقدم في علاج الجروح بالرغم من كل المجهودات القيمة التي بذلت، لذلك كانت الضحايا تذهب الواحدة بعد الأخرى.

أما فيما يتصل بالتخدير فقد خطا خطوات تقدمية. ففي مجموعة الوصفات الطبية كمجموعة ترياقات نيقولا نقرأ ما يستفاد منه أن التخدير قد استخدم فأنقذ حالات كثيرة من خطر الموت المحقق، كما أن المبالغة في إعطائه للمريض كانت سببًا في القضاء عليه، كما أن الكنيسة حاربت التخدير اعتقادًا منها أن المادة المستخدمة في إعداده هي مادة شيطانية، وهكذا نجد التخدير يؤدي خدمة جليلة في خدمة المريض فلا يشعر بالآلام المبرحة التي يتعرض لها.

والشيء الذي تعلمه «هوجو» اللوكي كان ضئيلا جدًا، لكن من كتاب الجراحة المنسوب لابنه تعلم كيف أن السيد «هوجو» كان يستخدم مادة التخدير، كما كان يخدر تخديرًا موضعيًا؛ وذلك بربط الجرح بمادة مكونة من النبيذ وبقايا الكتان، ثم يلفه بقطعة قماش ناعمة. كما أنه انتقد طريقة جالينوس عند علاج الجروح الحديثة، لكن توفيقه كان عظيمًا جدًا عندما استخدم طريقة ابن سينا.

ثم نجد تيارًا عربيًا ثقافيًا ثانيًا يغمر أوربا، فظهر ابن سيناء، كما نجد «فريدريش الأول برباروسا» يهتم بالفلك، وقد حاول الاستفادة من كل ما هو جديد عند الآخرين فأرسل «جريرد» اللونجباردي من بلده الحبيب «كريمونا» إلى إسبانيا. وفي ذلك الوقت ظهر في كولونيا على الرين طالب الطب الشاب الألماني الملقب «أركيبويتا» ، وأخذ يشيد بمجد مدرسة سالرنو التي ازدهرت وأينعت

ص: 222

بفضل الثقافة العربية والحضارة العربية الإسلامية.

وقد كلف القيصر رسوله «جربرد فون كريمونا» بالتوجه إلى طليطلة لإحضار الماجسطي ليطليموس، فحدث أن استولت عليه الدهشة من عظمة العلوم العقلية العربية والثقافة الإسلامية فآثر البقاء على العودة فأقام هناك عشرين عامًا، ولم يقتصر على ترجمة الماجسطي من العربية إلى لغة علماء أوربا بل ترجم أكثر من ثمانين كتابًا أحضرها معه إلى بلده، قبل أن يتوفى في كريمونا عام 1187 م، أعني بعد مائة عام من انتقال قنسطنطين إلى الدار الآخرة.

إن ما ترجمه «جريرد» وأحضره إلى وطنه كان من خير الكتب وأحسنها، ومن بينها الكتاب الملكي وبعض المصادر العربية الطبية التي تأتي في المرتبة الثانية، وكان قد أحضرها سابقًا. أما كتب الطب العربي التي ترجمها «جريرد» وجاء بها إلى بلده فكانت خليطًا من شتى الكتب ولكثيرين من المؤلفين أمثال: أبقراط وجالينوس والتي نقلها حنين بن إسحق إلى العربية، إلى جانب الشروح العربية التي كتبت عليها كتلك التي وضعها ابن رضوان. أما المؤلفات الأخرى فكانت أمهات الكتب العربية في شتى العلوم والآداب العربية، ومن بينها كتاب المنصوري للرازي وكتاب الجراحة لأبي القاسم والقانون لابن سينا.

ومن ثم أخذ سيل التراجم والترجمة يتدفق من إسبانيا وصقلية وشمال إيطاليا. ومن مدينة «بادوا» جاء كتاب الكليات لابن رشد وهو يعرف اليوم في اللاتينية باسم (colliget)، كذلك كتاب التيسير لابن زهر وقد ترجم مرتين. وفي عام 1279 جاء من صقلية كتاب الحاوي وهو الكتاب العظيم للرازي ويسمى (Continens Rha-sis) وقد قام بترجمته اليهودي الذي تربى في سالرنو واسمه فرج بن سليم، وقد صرف فيه نصف حياته مترجمًا، أعني حتى القرن السادس عشر. ثم جاء شيء جديد لم يكن معروفًا من قبل، وهو قديم قدم قانون ابن سينا ومشهور شهرته، أعني كتاب زاد المسافر، كما أن مؤلفات الرازي وابن رشد ترجمت أكثر من مرة.

وهكذا بعثت في أوربا نهضة عقلية، ومن ثم أخذت تتطور وأصبحت ضرورة لا بد منها لجميع المشتغلين بالعلوم.

ص: 223