الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على الأسس العربية
إلى جانب الثقافة المختلفة التي لعبت دوراً هاماً في حياة فريدريش الثاني وأعماله، هذه الحياة الغنية بكل شيء، وهذه الثقافات المتعددة الأصل والجوهر كاليونانية البيزنطية والرومانية القديمة والمسيحية الأوربية. كانت الثقافة العربية أبعد جميع الثقافات الأخرى مجتمعة أثراً في حياة القيصر الأشتوفي، فالثالوث الذي تجمع في فريدريش وهو الوراثة النورمانية وانطباعات الشباب وتجارب الشرق، هذا الثالوث كان العامل القوي الذي تتجلى لنا آثاره في حياة فريدريش وأعماله.
والأدلة على ذلك المباني التي شيدها فريدريش الثاني وما أكثرها، ففي مملكته خلف أكثر من مائتي قلعة عدا الحصون والمباني الأخرى الجديدة أو المجددة. إن هذه المباني هي خير ما يعبر عن تلك القوى وهذه الدعائم التي تقوم عليها دولة فريدريش الثاني، فهي مزيج وكأنها في مزيجها هذا إرادة قوية موحدة. في هذه المباني نجد الأبواب التي ترجع إلى العصور القديمة والجمالونات والزخارف والفسيفساء البيزنطية والقباب ذات الأضلاع القوطية، ويتسلل إليها النور عن طريق كوات على شكل ورود قوطية ونوافذ.
لكن الأسس التي قامت عليها هذه الحصون والقاعدة المعمارية التي روعيت عند بنائها كمواقع للدفاع خالدة شامخة لا شك في أنها عربية.
ففي العالم الهندي الجرماني نجد الحصون المستديرة وفي وسطها السكن، كما أنها تختلف نوعاً ما في الأبراج الإقليمية أو تلك المشيدة على الحصون حيث نجدها
متأثرة بالشيء المقدس القائم في وسطها. كذلك نجد نفس هذه الفكرة في المعسكرات في العصور الوسطى حيث سلاح الفرسان.
أما الآن فقد تحولت إلى أبراج للسكن والإقامة للفارس وأسرته، وفي أعلى التلال وقمم الجبال نجد أبراج الحراسة وحول البرج المقام نجد البرج الرئيسي الذي هو مركز الارتكاز وحوله دوائر مملوءة خشبية وخنادق وأسوار.
أما البرج العربي فشيء آخر، ففي أوائل العصر الميلادي نجد بلاد العرب الجنوبية تنهض به نهضة عظيمة متمشية مع سلاح فرسانها العظيم. فحصونها القوية المشيدة من الصخور قد جمعت إلى بعضها عن طريق معدن مصهور، وقد ظلت هذه الحصون قائمة قروناً عديدة وهي ليست مستديرة الشكل بل مربعة وذات زوايا قائمة، فقد انتزع سادة اليمن وحضرموت صخوراً من الحيطان مربعة الشكل يبلغ سمك الصخرة نحو خمسة أمتار، كما أن ارتفاع البرج لا يقل عن ارتفاع عشرين طابقاً وقد أقاموها في رمال الصحراء. أما الأركان الأربعة فكانت تحميها وتدافع عنها أبراج أربعة مصقولة ملساء. وفي جوانب الحيطان الشامخة نجد الأبواب التي تحميها أبراج صغيرة. وفي أثناء الحروب تأوي إليها القبائل بإبلها وغنمها.
وفي القرن الرابع الميلادي نجد هذه الأبراج المتناسقة المشيدة على أسس وقواعد رياضية تنتقل إلى سائر أنحاء الجزيرة العربية، ومن ثم أخذت تنتشر حتى بلغت بيزنطة. وإلى القرن الخامس الميلادي يرجع تاريخ البرج الصغير المعروف باسم «قصر الخير» الموجود في سوريا وطوله نحو سبعين متراً وزواياه قائمة وعليها الأبراج وأربعة أبواب للأبراج والحيطان. وبجواره مباشرة بني حوالي عام 728 الخليفة الأموي هشام قصراً فاخراً مثله تماماً إلا أنه أعلى وأضخم. وبين أبراج الزوايا الأربع تقوم حيطان يبلغ ارتفاع الحائط منها ثمانية وعشرين متراُ وطوله مائة وسبعين مترا. وفي كل باب برج يحميه. وإبان حكم هشام باني القصر انقضت الجيوش العربية في أقصى الغرب من جبال البرنات على فرنسا، ومع الجيوش العربية زحفت الأبراج العربية إلى إسبانيا والبرتغال وغيرهما فقضت الأبراج الحجرية على الطريقة الخشبية القديمة التي كانت سائدة في الأبراج الأوربية.
وعن عرب إسبانيا تعلم الفرسان الأوربيون وبخاصة في فرنسا وإنجلترا، كما أخذت أوربا هذا الفن المعماري العربي مباشرة من فلسطين وسوريا فالأبراج المعروفة باسم أبراج الصليبيين وأشهرها هذا المعروف باسم «مارد الفرسان» أقدم من الحروب الصليبية ولم يؤخذ عن الأبراج الأوربية للفرسان، هذه الأبراج المستديرة كما يريد أن يقتنع المؤرخون الأوربيون.
وهكذا نجد أيضاً القيصر فريدريش الثاني مثله مثل الفرنسيين والإنجليز الذين عادوا من الشرق يتأثر بفن المعمار العربي في قلاعه الحكومية التي أمر بتشييدها. ففي العام العشرين حصن في صقلية جميع مراكز الدفاع التي تصدعت أو تهدمت، هذه المراكز الدفاعية التي ترجع إلى العصرين العربي والنورماني، كما استخدم التصميم العربي في مبانيه الجديدة التي أمر بتشييدها في «سراكوز» و «كتانيا» . ولم يكد يعود من القدس حتى وضع خطة جديدة للبناء تطلب إنجازها عشرات السنين كما أقام في طول البلاد وعرضها شبكة من الأبراج الضرورية للدفاع عن البلاد أو إدارتها، ومن هنا أصبحنا نجد في «باري» و «تراني» و «برنديزي» وفي مدن أخرى كثيرة جداً ما يعرف في إسبانيا باسم «كوكا» وفي فرنسا «باستيل» أي قلعة أو برج أو حصن وفي إنجلترا «بوماري» وجميعها قد أخذت عن العرب، فالتصميم والفن والأقواس المدببة والسهام كلها عربية، هذا إلى جانب الحيطان المربعة الضخمة وبعض الزخرفة التي نشاهدها في مباني فريدريش تبين بوضوح تصميمها العربي، وكذلك الأسماء المنحوتة عليها تؤيد هذه الأصالة العربية.
ومن هذه الأبراج الأشتوفية التي أقامها فريدريش الثاني في جنوب إيطاليا سرت موجة تقليدها إلى شمال إيطاليا وألمانيا حيث نجدها في أبراج الطوائف البروسية. ووجودها في بروسيا لم يكن صدفة، فمؤسس الطوائف الألمانية ورئيسها هو «هرمان فون سلزا» وفرسان جماعته وطوائفه كانوا في الواقع من حاشية القيصر الأشتوفي. ولم تتأثر هذه الطوائف الألمانية بهذا الفن المعماري العربي فقط بل بالأفكار أيضاً التي نقلوا الكثير منها من مملكة فريدريش إلى شرق ألمانيا ولو أن فريدريش نفسه جاء بها من الخارج، من الشرق، من العرب.
بينما كان القيصر الأشتوفى في ألمانيا كريماً كرماً يشرف الدولة ويرفع من شأنها، ويغمر هيئات أخرى كثيرة ببعض الحقوق والامتيازات، فعم كرمه الأساقفة والأمراء والمدن والأديرة، إذ به في مملكته صقلية يفعل عكس هذا. لقد تجرأ وأتى بتجربة عظيمة أراد من ورائها في بروسيا دولة الطوائف أن تكون مثلاً يحتذى في كل أوربا، فقد أزال كل الأنظمة العتيقة البالية دون تردد أو شفقة وبسط المسائل المعقدة الملتوية والإجراءات العتيقة فنبه وأيقظ الغافل وكانت النتيجة المحتومة التي رمي إليها خلق دولة من الموظفين تجمعت فيها السلطات في يد الملك الذي فرض إرادته عن طريق موظفي الدولة على سائر طبقات الشعب. وهكذا نجد دولة الإقطاع تختفي وتقوم مقامها حكومة الفرد، حكومة مركزية، حكومة موظفين.
ولم يكن فريدريش هو الأول في التاريخ العالمي، وليس الإنسان في حاجة إلى ضرب الأمثال، فروما وبيزنطة خير من يقدم الأمثلة، ولكن هل ساهم العرب هنا أيضاً في خلق مثل هذا النظام؟
كما أننا نشاهد في الأبراج التي بناها فريدريش الثاني وفي سائر أبنيته الجديدة الأعمدة الرومانية البيزنطية، كذلك الحال في كيان الدولة النورمانية، فقد اقتبست التصميمات المعمارية العربية، وكذلك طريقة تشييد الحيطان العربية دون إدخال أي تعديل فيها وبذلك استطاع فريدريش مواصلة البناء دون صعوبة.
وحكم شعب غير متجانس الأصول والعقائد والتقاليد متمرد على الأوضاع القائمة التي خلقها نظام منذ ثلاثين عامًا؛ مما اضطر الحاكم إلى إيجاد نظام قوي حكومي من الموظفين. هذا مع إيجاد نظام حكم مطلق اقتبسه فريدريش من نظام حكومة السلطان الكامل، وعلاوة على ذلك كانت الأحاديث المتبادلة ليلا في الخيمة مع صديقه فخر الدين تتناول شتى المواضيع، فهي لم تعن بالفلسفة فقط بل عالجت أيضا تنظيم الدولة وإدارتها حسب الأنظمة العربية المتبعة. وقد أدرك فريدريش أن العرب قد نبغوا في دولتهم في خلق نظام إداري قوي، فسلاطين الفاطميين في مصر كانوا أيضاً سادة صقلية واشتهروا بأنظمتهم المالية. وفي الواقع أن الجراف روجر الأول قد اقتبس في دولته القائمة في الجزيرة نفس النظام الذي
كان سائداً من قبل أيام حكم العرب، فأبقي على ديوان الخزانة والحسابات والإدارة والجمرك، وهي التي كانت تعرف قديماً باسم ديوان الأحباس وديوان النظر، وغيرها كتلك الخاصة بالتنظيم الإداري وما إليها، وقد احتفظ روجير بأسمائها العربية وموظفيها العرب كما حرص حرصاً شديداً على الحسبة لتنظيم المكوس والأتاوات والمكاييل والموازين وإدارة الأملاك. والذي حدا بروجير على الاحتفاظ بهذا النظام العربي إعجابه به أولاً وتجنباً لما عساه أن يحدث من اضطراب وفوضى. كذلك استخدم أيضاً فرقاً عربية بضباطها وقوادها كما حرص على الاستفادة من أمراء البحرية العرب.
وحرب فريدريش ضد الثوار ثم الحملات الصليبية وفيما بعد حروبه المتصلة ضد البابا والمدن اللومباردية. كل هذه المشاكل مجتمعة كلفته أموالاً طائلة، وديوان الأحباس وديوان النظر وغيرهما من الدواوين العربية فقط هي التي مكنته من جمع الأموال اللازمة للمحافظة على كيان الدولة داخلياً وخارجياً. كذلك استن فريدريش سنة العرب في مسح الأراضي سنوياً وتقدير الضرائب حسب مساحتها وذلك تجنباً لما عساه أن يقع من ظلم عند تقدير الضرائب، فأدخل هذا النظام أيضاً إلى صقلية، كما تكونت لجان لتقدير الأراضي وتقدير الدخل، وتقدير الضرائب، ومقابل الجزية في البلاد الإسلامية التي فرضت على غير المسلمين فرضها هو في مملكته على المسلمين واليهود.
كذلك نجد الضرائب غير المباشرة التي فرضها العرب على المواد التموينية والمواد الكمالية تفرض على سكان صقلية كما كانت فيها من قبل. كذلك نجد احتكار الدولة لبعض السلع الخاصة والمناجم عاد ملكاً خاصاً لرئيس الدولة الذي كانت تتبعه إدارة المكوس، كما احتكرت الحكومة أيضاً بعض البضائع مثل الحرير وغيره من الحاجيات المنزلية، فكما أن هذه الأشياء كانت حقاً من حقوق الدولة العربية منذ أواخر القرن العاشر الميلادي كذلك الحال هنا في صقلية، فقد درس فريدريش هذا النظام وبخاصة إبان إقامته في الشرق، وعند عودته فرض احتكار الدولة للملح والمعادن والقار والكتان، كما استولى على تجارة الحرير وصباغته وجعلها حقاً من حقوق الدولة، كما وضع تجارة الحبوب تحت رقابتها أيضاً.
كذلك من الأنظمة المالية لأوربأ نظام المكوس الفردريشي، فقد اقتبسه النورمانيون عن رعاياهم العرب إلا أن فريدريش نظمه تنظيماً دقيقاً جداً، فألغي المكوس الداخلية الإقليمية التي كانت كل جماعة تفرضها حسب أهوائها واكتفى فريدريش بالمكوس القائمة عند حدود المملكة فقط. وعقب عودته من الحملة الصليبية أقام في جميع الموانئ وعلى الحدود الشمالية فنادق كتلك الموجودة في البلاد العربية وعلى امتداد طرق القوافل وفي الموانئ حيث تأوي مئات الألوف من التجار والمسافرين. فجميع الصادرات والواردات يجب أن تخزن في مخازن خاصة تابعة لتلك الفنادق وتحت إشراف موظفين خصوصيين، وكانت هذه البضائع توزن موازين حكومية وتباع وتشترى وتفرض عليها المكوس.
وكان في الفنادق الحكومية مصرف لتبادل النقود، وهي أول الفنادق الحقيقية في القارة الأوربية. وكان من عادات العرب التي امتازوا بها الحمامات، لذلك كانوا يقدمون للمسافرين في فنادقهم الحمامات، وقد استفادت البندقية والمدن التجارية الإيطالية الأخرى من هذه التجارب العربية الشرقية، فأدخل الأوربيون نظام الحمامات التي أثارت دهشة وإعجاب سكان الجانب الآخر من جبال الألب. كما استخدم القوم هذه الإصلاحات التي أدخلها العرب في صقلية، ومن ثم انتشرت في مختلف الموانئ الشمالية الإيطالية. وعن طريق التجار أو طوائف الفرسان الألمان أدخلت الفنادق العربية الأصل إلى المدن التجارية الألمانية «هنزا» .
ومع الأشياء تأتي الأسماء فنجد الأسماء العربية تشق طريقها إلى العالم التجاري الأوربي مثل: «فندق» و «مخزن» . وكذلك «دار الصناعة» و «حوالة Aval» و «ديوان Dune» و «جبل = ملح جبلي» و «عوار» و «حبل» و «مخاطرة» و «رزق» و «شيك» و «سمسار» و «استار استرليني» و «طرح» و «تعريف» و «تفريق» و «سكة» .
ومنذ مائة وخمسين عاماً أو أكثر انتقل حكم صقلية من العرب إلى الأوربيين وبالرغم من ذلك ما زالت المسائل المالية والإدارة المالية موكولة إليهم بالرغم من
أهمية الاقتصاد في حياة البلاد، فأولئك العرب كانوا دعامة قوية للقيصرية فنشاطهم وإنتاجهم للقيصر فريدريش الثاني وبخاصة في حروبه كان على جانب عظيم من الأهمية.
إن العرب كانوا يكونون في ذلك الوقت الطبقة الممتازة في البلاد، فكبير الأمناء «ريتشارد» كان في الوقت نفسه بمثابة وزير مالية الدولة والمستشار المالي للقيصر، وكانت جميع أموال الضرائب تسلم إليه لينفق منها عن طريق موظفين أمناء على رجال الدولة والجيش والتسليح وسائر ما تحتاج إليه البلاد.
وكما كان الحال في القصر الملكي هكذا كانت الوظائف المالية الكبرى في جزيرة صقلية غالباً في يد عرب، وكانت اللغة العربية هي لغة الدواوين المالية وما زالت تسمى متى اليوم «ديوان» ، كذلك اللغة العربية هي لغة موظفي الدرجتين الثانية والثالثة، وعليهم تقوم الدولة ويعتمد القيصر وإليهم الرجوع. وحدث عام 1244 م أن المستشار القانوني المسمى وقتذاك «فرنندو كارا كيولو» أخفق في جمع الضرائب المستحقة بالرغم من الضائقة المالية التي تعانيها البلاد فغضب عليه القيصر وطرده وأسند منصبه إلى عربي.
ومن بين كبار موظفي صقلية، ذلك الموظف المعروف باسم «أوبرت فلاموناكا» وهو في الواقع ابن عبدالرحمن، وقد ترقى بجده وكفايته من وظيفة المدير العام المصلحة ضرائب بالرمو إلى المدير العام المالية صقلية وامتد سلطانه حتى القصور الملكية .. وقد استخدم القيصر هذا الموظف النابه في الأعمال الدبلوماسية أيضاً. فقد سافر إلى إسبانيا ومراكش إلى قصر أمير المؤمنين كسفير للقيصر. كما ترأس مرة أخرى بعثة اقتصادية لإجراء محادثات تجارية مع سلطان تونس وقد تسلم مكافأة لهذه المهمة تقدر بنحو ثلاث وأربعين وثلاثة أرباع أوقية ذهباً، «وكان قد أنفقها على نفسه وعلى حراس وفرسان قنصل تونس وهو «هينريش عباس» وللأبل التي أحضرها من تونس في حضوره»، وفي دولة كدولة الأشتوفي كان من المستطاع أن يصر هو على ألا يوقع اتفاقية أو وثيقة إلا باللغة العربية.
ولم يكن شغل الأداة الحكومية مقصوراً على العناية بالموظفين والجيش بل أولت النباتات العربية اهتماماً صادقاً، فقد اهتمت الدولة مثل «الحنا» و «النيلة» و «قصب السكر» ، كما اعتنت بالفلاحين وعملت على رفع مستواهم الاجتماعي. وكانت عيون الدولة شأنها شأن العيون العربية يقظة في مراقبة التاجر وموازينه ومكاييله، وكذلك العناية بتخزين المواد التموينية وحالتها. وكانت الدولة تعنى بفحص مواد التموين والمذابح التي يجب أن تقوم حسب الطريقة الشرقية خارج المدن، كما درجت الدولة على اختيار الصناع وموظفي المصارف والصيارفة والطبيب والصيدلي.
وكانت الدراسة تسير حسب منهج مرسوم ومدروس من قبل «ولما كانت دراسة الطب تتطلب قبل كل شيء الإلمام بالمنطق، لذلك تقرر ألا يقبل طالب في مدرسة الطب إلا بعد أن يمضي ثلاث سنوات من قبل في دراسة المنطق» ، ثم ينتقل إلى الطب فيقضي على الأقل خمس سنوات وكذلك الحال في الجراحة والتشريح مع إجراء تجارب عملية في الجثث. كذلك على طالب الطب أن يجتاز امتحانين أمام الكلية وأمام القيصر أو مندوبه. وبعد أن يجتاز الطالب الامتحان يمضي خمسة أعوام في المستشفى نائبا، وبعد ذلك فقط يصرح له مباشرة مهنة الطب. أما الجراح فمسئوليته أكبر ورسالته أخطر، لذلك لا يصرح له مباشرة عمله إلا بعد الحصول على ترخيص خاص، وذلك بعد أن يثبت إلمامه بعلم التشريح والطب إلماماً عظيماً.
فهذه المعلومات ضرورية جداً لإجراء عملية جراحية أو إتمام العلاج ومتابعته حتى يتم الشفاء. «وزيادة في الدقة» يجب عليه استخدام إسفنجة التخدير العربية التي أدخلها «هوجو فون لوقا» .
أما عدد زوار المستشفى يومياً وقيمة أتعاب الطبيب، فقد حددتها الدولة. أما الفقراء فكانوا يعالجون دون مقابل، كذلك الصيدلي كان يخضع لنظام خاص ينظم علاقاته بالمرضى أولاً وبالدولة ثانياً، فالصيدلي كان يخضع دائماً لرقابة موظفي الصحة ورجال شرطتها.
فهناك ندرك مدى التقدم الطبي الذي فاق نظيره عند الإفرنج؛ لذلك لا يدهشنا أن نرى القيصر يتخذ من الطب العربي مثالاً يحتذى. ولم يكن فريدريش هو أول من تنبه إلى هذا في صقلية بل نجد جده روجير الثاني يسبقه إلى هذا، فقد أصدر قانوناً خاصاً بالطب والأطباء. ثم جاء فريدريش ونسج على منواله فوجه جل عنايته إلى الطب العربي واقتباسه، كما أصدر قانوناً خاصاً بالطب في أوربا.
وكما كان الحال إبان حكم العرب وسيطرتهم، وكما عرف فريدريش من الشرق أدخل هو أيضاً نظام الحسبة العربي لمراقبة سائر المهن والتجارة والاقتصاد والصحة كما حرص على وجوب السهر على مراقبة هذا النظام واحترامه، وقد ظل نظام الحسبة قائماً في مملكته قروناً طويلة، وفي عام 1231 أصدر القيصر مرسوماً بتعميمه في أوربا أيضاً، أي خارج الجزيرة. كذلك رفع من المستوى الصحي العام وشعر بضرورة وجود الحمامات، فأهميتها لا تقل عن أهمية المدارس والمكاتب، لذلك أكثر منها وجعلها عامة فأصبحت مدينة «لوكيرا» أنظف وأصح مدينة في القارة الأوربية. وبلغ من حماقة خصوم القيصر أن أطلقوا عليه لقب «سلطان الوكيرا» ، ولا أدل على اهتمام القيصر باقتباس كل ما هو عربي صالح وإدخاله إلى بلاده من أنه عمم الحمامات في كل إقليم من أقاليم بلاده، وكذلك المياه الجارية التي هاجمتها الكنيسة لأنها اعتبرتها تبذيراً، فكيف يستحم الفرد يوميا، إنها جريمة، وبخاصة الاستحمام أيام الأعياد الكنسية، إذ كيف يتجرد الإنسان من ملابسه، إنها جريمة كبرى!
إن القيصر الذي تعلم طفلاً وشاباً من الشعب يجب أن يهتم بما يفيد الشعب ويخدمه، وهل هذا عجيب؟ !
وهكذا نجد القيصر ينشط في تأدية خدمات عظيمة للشعب ترفع من شأنه وشأن دولته وبهذه الطريقة فقط استطاع بمساعدة موظفيه تنفيذ جميع هذه الإصلاحات لجعل من دولته أول وأعظم دولة مدنية مستقلة عن الكنيسة وسلطانها.
أما موظفو الدولة فكان فريدريش يتطلب منهم ثقافة خاصة، لذلك أوجد
القيصر جامعة نابولي لتخريج عدد كبير من العلماء الأذكياء النابهين، كما حرص على إشاعة العدل بين أفراد الرعية لأنه أدرك أن العدل أساس الملك، وإلى جانب دراسة القانون، كانت تدرس في أول جامعة مدنية في أوربا جميع فروع العلوم الأخرى عدا الطب الذي كان يدرس في «سالرنو» .
أما الشعلة المضيئة في مملكة صقلية ونجم أوربا اللامع، فهو القيصر فريدريش الثاني.