المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أحد نوابغ الطب العالميين في مختلف العصور - شمس الله تشرق على الغرب = فضل العرب على أوروبا

[زيغريد هونكه]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌شمس الله

- ‌مقدمة المؤلفة

- ‌مقدمة المترجم

- ‌الكتاب الأولالبهار اليومي

- ‌أسماء عربية لمنح عربية

- ‌أوربا تقاسي الحرمان لموقفها السلبي من التجارة العالمية

- ‌البندقية تحطم الحصار

- ‌في مدرسة العرب

- ‌الكتاب الثانيالكتابة العالمية للأعداد

- ‌ميراث هندي

- ‌البابا يمارس الحساب العربي

- ‌تاجر يعلم أوربا

- ‌حرب الأعداد

- ‌الكتاب الثالثالأبناء الثلاثة لموسى الفلكي

- ‌الابن الأول صانع الآلات

- ‌الابن الثاني لموسى «الفلكي»

- ‌الابن الثالث الرياضي

- ‌وينتمي إلى نفس الأسرة أيضًا علم الفلك

- ‌الكتاب الرابعالأيادي الشافية

- ‌الشفاء العجيب عند الإفرنج

- ‌مستشفيات وأطباء لم ير العالم نظيرهم

- ‌أحد نوابغ الطب العالميين في مختلف العصور

- ‌قيود الماضي

- ‌يقظة أوربا

- ‌قال ابن سينا

- ‌أنصاب العبقرية العربية

- ‌الكتاب الخامسسيوف العقل

- ‌المعجزة العربية

- ‌أوربا تائهة في دياجير الظلام

- ‌شعار المنتصر

- ‌عملية إنقاذات قيمة تاريخية

- ‌الترجمة مجهود ثقافي

- ‌ولع بالكتب

- ‌شعب يدرس

- ‌الكتاب السادسموحد الشرق والغرب

- ‌دولة النورمان .. دولة بين عالمين

- ‌كانوا أعداء فألف بينهم

- ‌سلطان لوكيرا

- ‌على الأسس العربية

- ‌محادثات على الحدود

- ‌ميلاد نظرة جديدة للعالم

- ‌الكتاب السابعالفنون العربية الأندلسية

- ‌الصور الأولى للعبارة الألمانية «السيدة المحترمة»

- ‌إن العالم شيد لي مسجداً

- ‌الموسيقى تساير الحياة

- ‌زخرف العالم الوضاء

- ‌شعب من الشعراء

- ‌المسالك في أوربا

- ‌الخاتمة

- ‌تعليقات المترجم

- ‌قرتمن

- ‌قرنفل

- ‌جوز الطيب

- ‌برسيفال

- ‌قهوة

- ‌مات

- ‌الشك

- ‌الصفة

- ‌مطرح

- ‌قرمزي

- ‌قناد

- ‌مستقة

- ‌قطنية

- ‌طاسه

- ‌سكر

- ‌غرافة

- ‌ليمون

- ‌الكحول

- ‌برقوق

- ‌البنان

- ‌شربات

- ‌نارنج - أورنج

- ‌الخرشوف

- ‌برد

- ‌أرز

- ‌سبانخ

- ‌القرفة

- ‌العرق

- ‌مخا

- ‌ديوان

- ‌تسفتشجين

- ‌بيج أرمودي

- ‌عثماني

- ‌قبة

- ‌شطرنج

- ‌شيكيش

- ‌قفة

- ‌صفى

- ‌جدامس

- ‌جلا

- ‌بركان

- ‌قطن

- ‌موصلي

- ‌مخير

- ‌الشف

- ‌زيتوني

- ‌تفت

- ‌أطلس

- ‌الدمشقي

- ‌زعفراني

- ‌ليلا

- ‌ترياق. درياق

- ‌جنزبيل. زنجبيل

- ‌كمون

- ‌زعفران

- ‌كافور

- ‌بنزين

- ‌قلى

- ‌نطرون

- ‌صداع

- ‌بورق

- ‌سكرين

- ‌عنبر

- ‌لك

- ‌النيلة

- ‌قز

- ‌طلق

- ‌بطن

- ‌خلنجان

- ‌مر

- ‌سمسار

- ‌جبة

- ‌داو

- ‌دنجية

- ‌قربلة

- ‌فلوكة

- ‌ميزان

- ‌الحبل

- ‌دار الصناعة

- ‌أمير البحر

- ‌قلفاط

- ‌عوارية

- ‌كبر. كبار. قبار

- ‌ياسمين

- ‌ورد

- ‌خيرى البر

- ‌أسليح

- ‌فورسيسيا

- ‌بلد شين

- ‌بلوزه

- ‌جبة

الفصل: ‌أحد نوابغ الطب العالميين في مختلف العصور

‌أحد نوابغ الطب العالميين في مختلف العصور

قبل ستة قرون امتلكت كلية الطب بباريس أصغر مكتبة في العالم. وكانت محتوياتها كتابًا واحدًا، وهذا الكتاب لمؤلف عربي.

لقد كان مؤلفًا قيمًا جدًا حتى إن صاحب الجلالة ملك جميع المسيحيين لويس الحادي عشر أراد مرة استعارته فدفع تأمينًا اثني عشر ماركًا فضة ومائة ريال ذهبًا، وكان غرضه من استعارته تمكين أطبائه الخصوصيين من الحصول على نسخة منه للرجوع إليها إذا ما طرأ على صحة صاحب الجلالة طارئ ما.

فهذا الكتاب الذي كان يكون مكتبة كلية طب جامعة باريس يومًا ما عبارة عن موسوعة لسائر المعارف والعلوم الطبية منذ العصور اليونانية القديمة حتى عام 925 م، ولم تضف القرون الأربعة التي مضت على كتابته شيئًا يذكر في عالم الطب، فكان هذا الكتاب الطبي العظيم جدًا والذي وضعه عالم عربي لا تدانيه جميع هذه الرسائل التافهة التي كانت تملأ مختلف المكتبات التي عرفتها الأديرة المسيحية الأوربية.

وكان الباريسيون يقدرون حقًا قيمة هذا الكتاب الذي تتكون منه مكتبتهم الطبية، حتى إنهم أقاموا لمؤلفه نصبًا تذكريًا في المدرج الأكبر لكلية الطب، واليوم ما زال طلاب مدرسة الطب يشاهدون يوميًا صورته وصورة عربي آخر عندما يجتمعون في قاعة المحاضرات الكبرى في شارع «سان جرمان ده بريه» ، وقد أطلقت أوربا على مؤلفنا العربي الرازي واسمه الكامل- أبو بكر محمد بن زكريا- لفظ «رازيس» .

ص: 167

وقد ولد الرازي في مدينة الري بخراسان الواقعة شرقًا قليلا من طهران الحالية، وكان ذلك في منتصف القرن التاسع الميلادي عندما استطاع حفيد شارلمان تقسيم دولة الكارولينجيين. أما سكان جبال خراسان فقد كانوا شقر الشعور حتى إن العرب أطلقوا عليهم لفظ «ثعالب الري الحمر» .

وكان الرازي أشقر اللون عظيم الجسم. ولما كان طفلا لم يظهر شيئًا من النبوغ، وقد غنى وعزف على العود إلا أنه لم يمتز على زملائه واهتم مثلهم بالدراسات الفلسفية واللغوية والرياضية ولم تظهر عليه معالم النبوغ التي توحي بأنه سيصبح شخصية ممتازة في المجتمع الإسلامي اللهم إلا في الموسيقى فقد أبدى نوعًا من التفوق. وكان يكتسب قوته اليومي بمختلف المهن والوسائل، وهكذا ظل على هذا المنوال حتى بلغ الثلاثين من عمره، وكان ناقمًا على حياة البطالة التي يحياها، وكان متعطشًا إلى عمل يشغله كل وقته فترك مهنة الصيرفة ومسقط رأسه وتوجه إلى بغداد شأنه في ذلك شأن كثيرين ممن سبقوه معتقدًا أن الدهر الذي كشر له حيث هو قد يبتسم له في بغداد كما ابتسم لسابقيه.

وما كاد يصل إلى عاصمة العباسيين حتى أقبل بحماس على دراسة الطب فبدأ أولا بأخذ اللغات اليونانية والفارسية والهندية ومبادئ الطلب على حنين بن إسحق الذي كان رئيس مترجمي أبناء موسى وكثيرين من الخلفاء. وبعد إتقانه هذه المواد وإلمامه بها الإلمام الكافي عاد إلى الري كمدير لمستشفاها، لكنه لم يقنع بهذا، وبعد قليل من الزمن تقدم ليشغل وظيفة كبير أطباء المستشفى الكبير بالعاصمة التي تجاوز سكانها المليون ونصف المليون نسمة. وقد تقدم لشغل هذا المنصب نحو مائة طبيب إلا أن الاختيار وقع عليه، ومن حسن طالعه أن أصبح كذلك الطبيب الخاص للخليفة ففتحت له أبواب القصر وأصبح مرموقًا من الجميع.

وهكذا أخذ نجمه يسطع وشهرته تنتشر لا كطبيب فحسب بل كأستاذ أيضًا فقصده الطلاب من مختلف أنحاء الدولة، ومنهم نفر من الأطباء الذي سمعوا عن شهرته العلمية وتجاربه الطبية آملين الاغتراف من بحر علمه الزاخر، فكانوا يرافقونه

ص: 168

عند القيام بجولته اليومية في المستشفى، فكانت محاضراته وعياداته تغص بطلاب المعرفة وعشاق العلم من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه وآخرون.

إن مثل هذا الإقبال على عالم لم يحدث من قبل، فقد كان الأستاذ الرازي أكبر مرجع في الحالات العسيرة التي يصعب الفصل فيها تشخيصًا وعلاجًا وهو الأمل الأخير لمن يقاسون أشد الآلام، حتى قصده المرضى وغيرهم من مختلف نواحي البلاد سعيًا وراء الشفاء والمعرفة. هكذا يتحدث القوم عنه حتى بعد وفاته بقرنين فابن أبي أصيبعة يذكر:

«ومما حكي عنه من بدائع وصفه استدلاله قال القاضي أبو علي المحسن بن علي بن أبي جهم التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة: حدثني محمد بن علي بن الخلال البصري أبو الحسن أحد أمناء القضاء، قال: حدثني بعض أهل الطب الثقات أن غلامًا من بغداد قدم الري وهو ينفث الدم، وكان لحقه ذلك في طريقه، فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق صاحب الكتب المصنفة فأراه ما ينفث ووصف ما يجد، فأخذ الرازي مجسته ورأى قارورته واستوصف حاله منذ بدأ ذلك به، فلم يقم له دليل على سل ولا قرحة ولم يعرف العلة فاستنظر الرجل ليتفكر في الأمر، فقامت على العليل القيامة وقال: هذا يأس لي من الحياة لحذق المتطبب وجهله بالعلة، فازداد ما به، وولد الفكر للرازي أن عاد إليه فسأله عن المياه التي شربها في طريقه فأخبره أنه قد شرب من مستنقعات وصهاريج، فقام في نفس أبي بكر محمد بن زكريا الرازي المتطبب الرأي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أن علقة كانت في الماء فحصلت في معدته، وأن ذلك النفث للدم من فعلها. فقال له: إذا كان في غد جئتك فعالجتك ولم أنصرف أو تبرأ ولكن بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك بما آمرهم به فقال: نعم، وانصرف الرازي فجمع له ملء مركنين كبيرين من طحلب أخضر فأحضرهما من غد معه وأراه إياهما وقال له ابلع جميع ما في هذين المركنين، فبلع الرجل شيئًا يسيرًا ثم وقف فقال: ابلع. فقال: لا أستطيع، فقال للغلمان: خذوه فأنيموه على قفاه ففعلوا به ذلك وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه وأقبل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبسًا شديدًا ويطالبه ببلعه شاء أم

ص: 169

أبى ويتهدده بالضرب إلى أن بلعه كارهًا أحد المركنين بأسره والرجل يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء إلى أن قال: الساعة أقذف، فزاد الرازي فيما يكبسه في حلقه فذرعه القيء فقذف، وتأمل الرازي قذفه فإذا فيه علقة، وإذا هي لما وصل إليها الطحلب قرمت إليه بالطبع وتركت موضعها والتفت على الطحلب. فلما قذف الرجل خرجت مع الطحلب ونهض الرجل معافى».

إن كفاية الرازي الطبية لا تعدلها كفاية طبيب آخر منذ عهد جالينوس، فقد كان الرازي لا يمل العمل ولا يعرف الكلل في سبيل اكتساب المعرفة والتوسع في معلوماته الطبية ليس فقط حول أسرة المرضى الذين كانوا دائمًا يحظون برعايته بل بالاطلاع وإجراء الأبحاث الكيماوية إذا ما آوى مرضاه إلى مضاجعهم، ولم يقف أمر عند هذا بل كثيرًا ما قام بالأسفار البعيدة وراء البحث والاطلاع فكان على اتصال دائم بفطاحل علماء عصره، كما اشتهر بحثِّه طلابه على التحلي بجميل الأخلاق وكريم الصفات فمهنة الطب شريفة لا يرعاها إلا الطبيب الشريف؛ لذلك كثيرًا ما حذره تلاميذه كتابيًا وشفويًا من أعمال النصب والاحتيال، وهكذا أصبح الغلام الذي كان يحاول التكسب عن طريق الموسيقى والصيرفة طبيبًا عالميًا مشهورًا موضع عطف الأمراء وتقديرهم. كان الرازي حبيب الشعب وصديقه ومعبود الفقراء والمحتاجين، فقد كان يعالجهم بدون أجر ويعاونهم على الشفاء من ماله الخاص بينما يقنع هو بالقليل اليسير.

لقد توفي عام 925 م فقيرًا معدمًا فكرمه الحاتمي أوصله إلى ما يقرب من التسول، وحسد زملائه وحقدهم عليه ودسهم له دينيًا وسياسيًا أقصاه من مختلف الأعمال والوظائف التي كان يعيش منها سواء في بغداد أو الري.

لذلك حنت عليه أخته خديجة بعد أن عضته الفاقة وأصبح من المتعذر عليه إيجاد قوته اليومي وآوته إلى بيتها. وهكذا نجد الرازي وقد غربت شمس حياته بمضي الأيام الأخيرة في بؤس وشقاء بينما خلف وراءه أيامًا كلها سعادة وهناء. الرازي الذي ساعد الآلاف فقد بصره وأصبح ضريرًا بسبب السياط الذي ألهب بها ظهره حاكم خراسان المستبد المنصور بن إسحق، لأنه قام ببعض التجارب الكيماوية ولم ينته فيها إلى نتيجة. ولا شك في أن هذا السياط هي التي أدت إلى فقدانه بصره.

ص: 170

ومما هو جدير بالذكر أن كحالا زار الرازي لفحص عينيه فسأله الرازي عن عدد جلد العين فتلعثم الكحال ولم يحر جوابًا، فقال الرازي: إن الذي يجهل هذا يجب ألا يستخدم مبضعه في عيني، وبالرغم من كل المحاولات التي بذلت لإقناعه بإجراء العملية لصالح بصره رفض الرازي وقال:«لقد رأيت كثيرًا من العالم حتى سئمته» .

وهكذا نجد الرازي وقد سبقت عقليته وروحه وأبصرت عيناه الميتتان ما قدر له ودونه على الورق:

لعمري ما أدري وقد آذن البلى .... بعاجل ترحال إلى أن ترحالي.

وأين محل الروح بعد خروجها .... من الهيكل المنحل والجسد البالي

إن الحصاد الذي جنته الإنسانية من حياة الرازي الغنية بالكفاح والجهاد في سبيل الطب وتقدمه عظيم جدًا، فأخته خديجة تذكر أنه ترك أكثر من مائتين وثلاثين مؤلفًا ورسالة، وهذه المؤلفات لا تعالج الطب أو الكيمياء فقط بل تناولت كذلك الدين والفلسفة والفلك والطبيعة والرياضيات، فهناك رسالة عنوانها: بسبب أن المغنطيس يجذب الحديد، وأخرى عن الفراغ، وكتاب هيئة العالم غرضه أن يبين أن الأرض كروية وأنها في وسط الفلك وذو قطبين يدور عليها، وأن الشمس أعظم من الأرض والقمر أصغر منهما، وما يتبع ذلك من هذا المعنى. ومن مؤلفاته كتاب في العلم الإلهي على رأي أفلاطون وقصيدة في العلم الإلهي. وكتاب الخمسين في أصول الدين.

ويؤثر عن الرازي أنه كان يعتقد أن مجلسًا من خمسة عناصر إلهية يدير العالم، وهذا يعارض تعاليم الإسلام، كما وضع كتابًا يدعو إلى شيء من الحرية الدينية ويفصل بين الأخلاق والدين ويدعو إلى حياة جريئة لا يهددها الوعد أو الوعيد في العالم الآخر، وذلك لأن العقل والمعرفة يثبتان عدم وجود الحياة الأخرى بعد الموت. كذلك خلف لنا الرازي كتبًا في الطبيخ وبعض القصائد الغزلية. وإلى جانب هذه الأكداس المكدسة من المخطوطات يوجد صندوق مزدحم بلفائف

ص: 171

التعليقات، وأخرجت السيدة بطاقة قرأها عبد الله بن سوادة فإذا هي تعرض للحمى المتقطعة التي تعود المريض ربما كل ستة أيام وأحيانًا كل يومين أو أربعة أو كل يوم، وهذه الحالات الثلاث تصحبها قشعريرة ببرودة ويعتاد المريض كثرة التبول فأبدى رأيه وقال:«إن هذه هي عوارض الحمى المتقطعة أو تكون خراجًا في الكلى. وبعد مدة يظهر قيح في بول المريض، لذلك أخبرته أن الحمى لا تعود ثانية، وهكذا كان، والذي عاقني في أول الأمر هو صعوبة تشخيص المرض والتأكد من أن سبب المرض هو وجود خراج في الكلى؛ لذلك رأيت بادئ ذي بدء أن هذه الحمى المتقطعة نشأت عن طريق الالتهاب، وهذا عليل معقول ومقبول، وعلاوة على ذلك فالمريض لم يشك أمامي من الصعوبة التي يلقاها في الحقوين عند القيام، كما لو أن ثقلًا معلقًا فيهما، وقد فاتني أن أسأله عن هذه الحالة. وكثرة التبول عللتها حسبما أعتقد بسبب وجود الخراج في الكلى، فلو كنت أعلم أن والد المريض كان عنده ضعف في المثانة وكان يقاسي من هذا المرض كثيرًا وأن ابنه يعاني من نفس المرض في أيامه العادية عندما كان معافى، فواجبنا أن نعني به عناية خاصة إن شاء الله. وعندما بال المريض القيح مع البول أمرت له باستخدام مدر للبول حتى تخلص البول من القيح، وبعد ذلك وضفت له خلات الألومنيوم وبخورًا و. . .» .

وهنا تنتهي الورقة، ومن ثم أمسكت خديجة بورقة أخرى:«أبو بكر بن هلال يشكو آلامًا في المعدة» و «محمد بن عيسى مصاب بالتهاب في مفاصل الحقوين» فلا فائدة من الكشف عليه أو علاجه. وظل الصندوق مقفلا زمنًا طويلًا ثم حضر ابن العميد وزير السلطان إلى الري، ومن ثم توجه إلى المنزل الذي توفي فيه هذا الطبيب الشهير، فسلم خديجة مبلغًا كبيرًا من المال وأخذ الصندوق بما فيه وجمع أطباء المدينة وتلاميذ الرازي وكلفهم بالاطلاع على هذه الأوراق ومراجعتها وتنظيمها بحيث يتكون منها كتاب يصلح للنشر.

وقد تحققت هذه الرغبة، وكان هذا السفر هو الموسوعة التي عرفت فيما بعد باسم كتاب الحاوي أو الجامع الكبير أو الجامع الخاص بصناعة الطب، وهو يعرف في أوربا باسم «كونتيننس» وهو موسوعة تقع في نحو ثلاثين مجلدًا

ص: 172

تعالج الموضوعات الطبية المختلفة من عهد أبقراط حتى عصر جمعه، فما أعظم هذه المعلومات وأقيمها التي كان يعرفها الرازي! لقد اطلع على جميع ما وقع في يده من كتب الطب واستشهد في الحاوي بمختارات من المراجع اليونانية والهليّنية والهندية والفارسية والسريانية والعربية، مع الدقة في ذكر المراجع عند الحديث عن كل مرض من الأمراض التي عالجها أو اهتم بها، وإلى جانب ذلك كان يذكر رأيه الخاص وتجاربه ليجعل من موسوعته كتابًا أقرب إلى الكمال ليتوج به حياته، إلا أن العمى الذي أصابه والموت الذي اختطفه حالا دون تحقيق هذه الأمنية.

أما تلاميذه فقد تناولوا هذا السفر العظيم وتقاسموه بينهم لإعداده للنشر، لذلك ظهرت فيه بعض الخلافات نظرًا لتعدد المؤلفين، فنحن نجد فيه اختلافًا في العرض والتأليف واختلافًا في المنطق عن سائر مؤلفات الرازي الأخرى.

وهناك كتابان آخران للرازي وجدا شهرة أكبر وأعظم من الحاوي، كما ترجما إلى مختلف اللغات، وهما يعالجان الطب بطريقة منتظمة، كما يتحدثان عن مختلف الأمراض التي تنتاب الإنسان من رأسه حتى أخمص قدمه وأعراض هذه الأمراض وتطورها وعلاجها في المستشفى وطبها.

وقد أهدى المؤلف الكتاب الذي عرف باسم المنصوري إلى حاك خراسان وهو يعرف في اللاتينية باسم أي «كتاب الطب المنصوري» أو «الكتاب المنصوري» ، وللرازي أيضًا كتاب الأقطاب وكتاب الشفاء في ساعة، وقد وضع الأخير استجابة لرغبة الوزير ابن القاسم بن عبد الله، وذلك عقب مناقشة دارت حول المدة التي يجب أن يعالج فيها المرض فقال بعض الأطباء الحاضرين: إن علاج المرض يحتاج إلى الزمن الذي احتاجه للظهور. فقال الرازي عن هذا الاجتماع: لقد قالوا هذا حتى يسمحوا لأنفسهم بزيارة المريض مرات عديدة ليحصلوا على أكبر مبلغ ممكن، فاندهش الوزير عندما سمع مني أن بعض الأمراض قد يشفى في ساعة، ورجاني أن أكتب له في هذا كتابًا، وها هو الكتاب.

ومن كتب الرازي الكثيرة الانتشار كتابه الخاص بأولئك الذين لا يتيسر لهم

ص: 173

استدعاء الطبيب، وهو أول معجم طبي للاستعمال في البيت، وهو يصف الأمراض المختلفة بدقة فائقة كما يصف علاجها بواسطة مواد متوفرة في كل مكان وبأدوية موجودة في كل مطبخ وكل بيت.

أما مؤلفه الخاص بعلاج مرض بعينه فله شهرة عظيمة، وهذا هو الكتاب المعروف باسم «كتاب الجدري والحصبة» ، فقد فقح الرازي بهذا الكتاب حقلا جديدًا لم يطرقه أحد من قبل، والرازي في كتابه هذا يفحص الحالة في طبيعتها، كما يستطيع إصدار حجه غير مقيد بآراء الآخرين التي أصبحت وكأنها قوانين يجب احترامها والأخذ بها. أما الرازي فهو يصدر رأيه اعتمادًا على تجاربه الخاصة والنتائج التي انتهى إليها.

إن مثل هذا المنهج في البحث وهو الاعتماد على تشخيص المرض كما هو حسب وضعه وأثره في المريض مستخدمًا وسائله الطبية الخاصة جديد في عالم الطب. ويجب أن نذكر هنا كتابًا صغيرًا وضعه الرازي وهو يعتبر حجة في مادته، وقد طبع في أوربا في الفترة الممتدة بين عامي 1498 - 1866 م أربعين مرة، وإلى هذا المؤلف ترجع هذه البحوث الخاصة بالنقرس والحصوة وأمراض المثانة والكلى وأمراض الأطفال.

كذلك يهتم الرازي بحالة الطقس ومختلف مواقع الأقاليم من حيث الحرارة والرطوبة والريح والحالة الصحية للمساكن وتزويدها بالحمامات كما كان يهتم بتنقية هواء المساكن عن طريق البخور لطرد الروائح الكريهة وتهوية غرف المرضى، كما يحرص على وجود الحرارة المعتدلة والمياه الصالحة للشرب والغسل والاستحمام.

إن جميع الأشياء التي كان يعنى بها هذا الطبيب العربي والتي تبين مدى المستوى الذي بلغته العناية الصحية في العالم الإسلامي كانت جميع هذه الوسائل وتلك الاتجاهات قذى في عيون رجال الكنيسة وخطيئة كبرى، ولذلك كانت الكنيسة قبل الحروب الصليبية لا تحار هذه الاتجاهات فقط بل كانت تعدّ الألعاب الرياضية ومختلف أنواع النشاط الجسماني من كبرى الخطايا وتتعارض مع البكارة.

ص: 174

ويذكر عن الرازي أنه كثيرًا ما استخدم الممرضين وغيرهم لنقل المرضى إلى أصح الأماكن؛ لأنه يعتبر الهواء العليل من أحسن الأدوية وهو لديه لا يقل عن أهمية عن العقاقير النباتية التي كان يفضلها الرازي على سواها، وكان المريض يتناولها كما هي في حالتها الطبيعية. وإن لم تفد هذه العقاقير المريض استعانة عنها بالكيماويات، لذلك وضع كتابًا وأكثر في إعداد الطعام والأغذية الحمية. كما كان كثيرًا ما ينصح باستخدام طرق خاصة لإعداد الطعام الصحي المفيد فمثلا قبل طهي البقول الجافة يجب سكب الماء الذي استخدم لتطريتها حتى لا يتسبب هذا الماء في إحداث الغازات عند تناولها. وهو يقدم كذلك إرشادات أخرى للطهي وحفظ الهليون والباذنجان والبصل والخيار والفلفل الأسباني في الخل، كما يقدم الرازي أحسن النصائح لعمل المربات وبخاصة تلك المصنوعة من البرتقال والقراصيا والورد والمشمش وغيرها. وفي الحالات التي يمكن فيها شفاء المرض عن طريق الأطعمة ينصح الرازي الطبيب المعالج ألا يستخدم العقاقير، وإذا كان من الممكن استخدام الأدوية البسيطة فليتجنب المركبة.

أما إذا كان الدواء المطلوب جديدًا فتجب تجربته في الحيوانات قبل استعماله لمعرفة أثره ومفعوله الكيماوي في أعضاء جسم الإنسان. وفيما يتصل بالزئبق فالرازي يعتقد أنه غاز ضار كثيرًا، ولو أنه استخدم خطأ بسبب آلامًا مبرحة في أسفل البطن والأمعاء إلا أنه بعد ذلك لا يترك أثرًا في الجسم الذي يعود إلى حالته الطبيعية كما كان من قبل، وبخاصة إذا باشر المريض شيئًا من الحركات الرياضية، ويذكر الرازي أنه استخدمه مع شخص كان في منزله وانتهى إلى النتائج التي ذكرها، وقد تبين الرازي أن هذا الشخص كان يتلوى ويتقلب هنا وهناك كما تصطك أسنانه ويضغط بيديه على جسمه. أما الزئبق الحلو وبخاصة الزئبق المصعد ففي غاية الخطورة وهما من السموم الحادة كما يسببان آلامًا قوية في أسفل البطن وكذلك كثيرًا من المغص والبراز المختلط بالدم. أما بخار الزئبق أو الزئبق المصعد فقد يسبب أيضًا شلل الأطفال.

إن الرازي لم يكن في طليعة الأطباء فقط بل كان من أوائل الكيميائيين أيضًا،

ص: 175

لقد كان العالم المتواضع الذي عالج الكيمياء علاجًا علميًا حقيقيًا، وقضى على هذه الخرافات التي كان يتصور الأقدمون أنها جوهر الكيمياء السحري، أعني أن وظيفة الكيمياء هي استخراج الذهب لا أكثر ولا أقل، ومن ثم أخذ الرازي ينظر إليها على أنها علم يعني قبل كل شيء بالتجارب والتحاليل لا الشعوذة، وكان الرازي أول كيميائي استخدم هذا العلم في خدمة الطب.

وقد شاع بين الشعب أن هذا العالم الفاضل توصل إلى حجر الحكماء، وذلك لأن الرازي قد غمر شعبه بهباته وعطاياه وكرمه الحاتمي، واعتقد القوم أن هذا الثراء لا بد أن يكون مصدره حجر الحكماء الذي اهتدى إليه الرازي والذي بواسطته يستطيع أن يحول سائر المعادن إلى ذهب.

واتسع الخيال أمام الشعب حتى تصور أن الرازي يطهي طعامه في آنية ذهبية، وأن أواني المطبخ من الذهب الخالص.

والرازي الطبيب المخلص الوفي لطبه، والذي اعتقد أن الطب خلق لدعم الفضيلة والأخلاق الفاضلة، وحرص الحرص كله على الدعاية للخلق الكريم والفضيلة وبخاصة بين الأطباء، لذلك لم تمض على وفاته ستة أعوام حتى أدخل نظام الامتحان في مهنة الطب، وكان هذا الامتحان نظريًا وعمليًا. وإلى الرازي يرجع الفضل في محاربة الدخلاء والمشعوذين بين الأطباء وبذلك فرض العناية على تدريس الطب وتخريج الأطباء.

ألم يهتم الرازي -منذ أول عهده بالطب- بتثقيف طلابه وحثهم على وجوب العناية بتشخيص الأمراض، وهذا التشخيص الذي دفع اليونان منذ القدم إلى الاهتمام بتحليل البول؟

لقد هاجم الرازي الدخلاء على مهنة الطب وكان عنيفًا في هجومه فجاء بالحجج العلمية والنفسية التي تدحض بطلان دعوى أولئك المشعوذين، فقد كانوا يدعون أنهم عن طريق فحص بول المريض يستطيعون معرفة ماضي المريض وحاضره ومستقبله. وقد بلغ من خبث هؤلاء المشعوذين أنهم يرسلون من يتلصصون على المرضى وعلى أخبارهم وأحوالهم ويحيطون أولئك الأدعياء بجميع تلك

ص: 176

الأخبار فيستغلونها لابتزاز أموال أولئك المرضى، فكان المشعوذ مثلا يزور المريض ولا يوجه إليه أسئلة ما فيثق فيه المريض ويدرك أن تشخيص هذا الشخص الدعي لمرضه أغناه عن توجيه الأسئلة إليه.

ويذكر الرازي متندرًا أنه عندما أخذ يمارس مهنة الطب قرر ألا يوجه أسئلة لمريض إلا بعد أن يتسلم بوله ويدرسه، وكان هذا المسلك مدعاة إلى التقدير والإعجاب. ولما أدرك القوم أنني أخذت أكثر من الأسئلة تضاءلت ثقتهم في معرفتي وقالوا لي علانية اعتقدنا أنك عندما تشاهد البول تخبرنا عن كل شيء حدث لنا أو يحدث. أما الآن فقد انقلبت الآية؛ وعبثًا حاول الرازي إقناع القوم أن ما يتطلبونه منه لا يمت إلى مهنة الطب بصلة، وواضح أن المشعوذين هم الذين أدخلوا في روعهم أن الطبيب يجب أن يتبين كل شيء من البول ولا حاجة إلى جميع هذه الاستجوابات. وإذا كان الطبيب يتعرف إلى كثير من خصائص المرض من عوارضه، ويعرف خصائص لا يذكرها له المريض، فإن ما يصرح به المريض أهم وأدق وبخاصة إذا ما علم القوم أن هذا المريض صاحب البول قضى ليلة البارحة مع امرأة عجوز أو نام على جانبه الأيمن وكذا ساعة بالليل وهلّم جرًا من هذه السخافات

ويعتقد القوم خطأ أن مثل الطبيب مثل الساحر يجب أن يتم الشفاء على يده في اللحظة والثانية؛ لأن الأثر الملحوظ المفاجئ هو الذي يترك أثرًا في نفس القوم، وقليلون هم الذين يقدرون مجهود الطبيب؛ إن الناس كثيرًا ما يتحدثون عن شفاء كشفاء المعجزات إلا أنهم ينسون أو يخفون الإخفاق الذي قد يقع بسبب عدم تحقيق هذا الإعجاز.

فهذا النطاسي البارع كان كذلك إنسانًا عظيمًا وكان كذلك طبيبًا إنسانيًا، وبالرغم من حرص العالم القديم على أن يكون الطبيب لا طبيبًا فحسب بل على جانب عظيم من الخلق الكريم، فإن الطبيب الشاب كان لا بد من أن يقسم قسم أبقراط وكان يؤدي هذا القسم أمام الإله «بولون» الإله الطبيب، وأمام «إسكلبيوس» و «هيجيايا» و «باناكيا» وجميع الآلهة والآلهات. ويقسم الطبيب كذلك بأن يكون نافعًا مفيدًا وحفيظًا على الأيمان والأخلاق في كل بيت يدخله به

ص: 177

مريض كما، لا يقسم بمساعدة المريض الميئوس منه. وعلى النقيض كان من واجب الطبيب عدم مساعدة المريض الذي لا يرجى شفاؤه، فالطب كما جاء في رسالة أبقراط هو الفن الذي يشفي المريض تمامًا من مرضه وتخفيف وطأة آلام الأوجاع القاسية والابتعاد عن أولئك الذين لا يرجى شفاؤهم، وذلك بسبب استفحال المرض فيهم وإزمانه. ففن الطب لا يجدي معهم.

ثم جاء الإسلام بتعاليمه الإنسانية الرفيعة فاستنكر المسلمون هذا النوع من المعاملة الذي ظل قرونًا طويلة دستورًا للطب والأطباء في كثير من بلاد أوربا والشرق الأدنى، ونادى مسلم بوجوب تغيير تلك الأوضاع وبأن أول واجب على الطبيب هو العناية بالمريض حتى الذي لا يرجى شفاؤه، وهذا المسلم هو الرازي، فقد تبين أن رسالة الطبيب الحقيقية تكمن في أن على الطبيب أن يقنع مرضاه بأن حالتهم في تحسن، وأن يمنحهم الأمل في الشفاء، ولو كان غير واثق من نتيجة علاجه، فكما أن الجسد يخضع لتأثير الروح كذلك الطبيب يجب عليه أن يدخل أمل الشفاء إلى ذلك الجسد المريض مطاردًا الموت وباعثًا الحياة.

ومن الجدير بالذكر أن أحد أبناء «كيزر برج» ألا وهو «جيلر» نادى مرة قائلًا: إن الطبيب الذي يعلم أن المريض قريب من الموت، ولا يخبر المريض بهذا ثم يحاول شفاءه ويدخل إلى نفسه أمل الشفاء إن مثل هذا الطبيب يحول دون شرعة انتقال المريض إلى خالقه.

أما المسلم فعلى نقيض المسيحي يقول على الطبيب أن يفهم المريض أن مرضه قابل للشفاء وأن شفاء المريض غير ميئوس منه. هكذا يقول مواطن الرازي ألا وهو ابن سينا، إن المريض الذي يعالجه الطبيب نفسيًا وإن المريض الذي لا يرجى شفاؤه لأنه مريض مرضًا عقليًا مثله في رأي الرازي يجب أن يعامل معاملة كلها إنسانية، ولم يكن هذا مذهب الرازي فقط أو ابن سينا فقط بل الأوربيين، وإن ظلت أوربا قرونًا طويلة غير مدركة لقيمة المبادئ الإسلامية السامية. ففي أوربا نجد الشعب يجني ثمار البذور التي غرسها اليونان وغذّتها المسيحية ولا شك في أنها كانت من أبشع الغلات. فالمريض المصاب بمرض مزمن غير قابل للشفاء وبخاصة المريض

ص: 178

بعقله كان المجتمع الأوربي المسيحي ينظر إليه طيلة العصور الوسطى وحتى أواخر القرن الثامن عشر على أن هذه المصيبة إنما هي عقوبة إلهية ابتلاه الله بها تكفيرًا عن خطيئة ارتكبها المريض قبل أن يمرض، أو أن هذا المريض أصبح جسدًا للشيطان.

لكن أوربا لم تهمل هذا النوع من المرض بل قررت طرد الأرواح الشريرة التي تستولي على المرضى، والمريض بعقله إن كان ذكرًا يجب عليه أن يرتدي ثوبًا مرقعًا ملونًا وبيده جرس ومطرقة، يعلن بهما المريض عن نفسه ويخبر كل طفل بذلك في جميع الحارات التي يجتازها، وهنا يتحول المريض إلى شخص للسخرية. لكن من الذي يقرر أكان المريض مؤذيًا أم مسالمًا؟ حتى عام 1498 نقرأ أن مجلس فرنكفورت لجأ إلى دير القديس «أنشتات» راجيًا إرسال راهب لفحص مريض مصاب في قواه العقلية، وبه مس من الجن، وهذا المريض يدعى «يعقوب جويش» ورجا المجلس أيضًا الدير أن ينقل هذا المريض إلى الدير والعمل على طرد هذه الروح النجسة.

أما الحالات المستعصية من الأمراض العقلية، والتي يتعذر فيها طرد الشياطين، فإن مثل هؤلاء المرضى يغلون بالسلاسل ويلقى بهم في السجون أو يحجزون في بيوت المجانين أو برج المعتوهين. أما في ميناء همبورج فكانوا يوضعون في صندوق المجانين، وهناك يسلم هؤلاء المرضى إلى أناس غلاظ القلوب ينهالون عليهم ضربًا ولكزًا ولكمًا، ويعرف هؤلاء الجلادون باسم «عبيد المجانين» وهم يسومون أولئك المرضى سوء العذاب حتى تفارق الروح الجسد، وهدف هذا التعذيب هو طرد الشيطان من الجسد!

ويحدثنا التاريخ أن شخصًا من سكان فرنكفروت اتهم عام 1451 بالجنون؛ لأنه لعن القربان المقدس وعوقب كما لو أنه مالك لقواه العقلية. وفي عام 1490 اتهم شخص بالجنون وهو يدعى «كونتس فوجل» ، كما أصيب أيضًا بالبرص؛ لأنه عاب في الذات الإلهية.

أما المريض بالأمراض العصبية عند اليونان فكان يسلم لأهله وهم يحولون دون ما قد يرتكبه من أضرار، كما أن أسرته هي التي توفر له أسباب الراحة.

ص: 179

لكن إذا انتقلنا إلى البلاد العربية وجدنا الحال غير الحال فالمريض يوضع في مستشفى خاص بالأمراض العصبية وتحت إشراف السلطان، الذي كان يزورهم أسبوعيًا ويتولى الأطباء العناية بهم ورعايتهم بخلاف الحال في أوربا فقد ظلت حتى القرن التاسع عشر تعاملهم معاملة المجرمين، وأسبانيا فقط هي التي احتفظت بالتراث العربي فكان تضع مثل هؤلاء المرضى في مستشفيات تعرف باسم «الأبرياء» . أما إنجلترا فلم تقبل على الأخذ بمذهب العرب في معاملة هؤلاء المرضى إلا عام 1751. وفي أواخر القرن الثامن عشر نجح الطبيب الفرنسي «بينيل» في فرنسا في إخراج هؤلاء المرضى المكبلين في الأغلال من الدير ووضعهم تحت الرعاية الطبية. وليس فقط مرضى الأمراض العصبية هم الذين ابتلوا بهذه المعاملة الوحشية القاسية بل شاركهم فيها مرضى آخرون وهم أولئك الذين لا يستطيع الإنسان معرفة أسباب أمراضهم، حيث نسبت جميعها إلى الشياطين؛ لذلك كانت وسائل التخلص من هذه الأرواح النجسة الضرب والتعذيب؛ وظل الحال كذلك حتى القرن التاسع عشر إذ نجد الطبيب الشاعر «يوسنينوس كرنر» ، أحد أبناء قرية «فينزبرج» وهو الصديق الحميم لشاعر ألمانيا الخالد «جوتة» ، ومع هذا الطبيب الشاعر بعض أساتذة جامعة ميونخ أمثال:«شوبرت» و «بادر» و «فون رينجسيس» ، وكذلك أستاذ جامعة توبنجن وهو «إشيماير» وأستاذ جامعة «ليبزج» المسمى «هينروت» يجددون الكتابة في موضوع حلول الأرواح الشريرة في الناس، ويعتقدون كذلك أن الإصابة بها تأتي بسبب الخطايا التي يرتكبها بعض الناس. أما الشفاء منها فلا يتم إلا بطرد الشياطين؛ وذلك عن طريق الصلاة والابتهال والتوجه إلى القديسين. فهذا التزاوج الجديد بين الطب والديانة المسيحية نادى به عام 1824 م أستاذ جامعة «ليبزج» المسمى «فينديشمان» فقد قال كلماته المشهورة:«إن المرض يحل بالنفس التي ينصرف صاحبها إلى الملذات والشهوات فتتهيج الروح وتثور. أما الطبيب الذي يجهل طرد الأرواح الشريرة فهو لا يدرك العلاج الصحيح لمثل هذه الحالات، لذلك فالقوم في حاجة إلى علاج مسيحي» .

وهناك مثل عربي معناه أن الذي يشغل نفسه بجمع اللآلئ يجب أن يحرص على

ص: 180

عدم إتلافها، كذلك الإنسان الذي يتصدى لعلاج الأجسام البشرية وهي أكرم وأشرف ما خلق على هذه الأرض، فهذا المعالج يجب أن يكون على جانب عظيم من الحذر كما عليه أن يبذل كل ما في وسعه من عناية.

وفي شخصية الرازي تتجلى جميع هذه الصفات وتلك المثل التي يتصف بها الطبيب العربي. إنه الطبيب الذي لا يجاري. كان يدرك رسالة الطبيب ويدرك مسئوليته تجاه الإنسانية كطبيب. إنه نصير المحتاجين، وعون الضعفاء والمعوزين، والأستاذ الأمين الذي يجب أن يوكل إليه تخريج أجيال الأطباء لأنه قادر على تحمل الأمانة. والرازي أيضًا مؤلف الموسوعات والطبيب الخبير بمختلف أنواع الأمراض التي درسها السابقون وتوسع هو فيها بحثًا ودرسًا ونقدًا، كما كان الطبيب العلمي الماهر، والباحث الكيميائي المستقل، وصاحب التجارب العملية، كما كان العالم المرتب الأفكار المنتظم في أعماله، وبذلك أدخل على الطب النظام والوضوح والتنسيق.

ص: 181