الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دولة النورمان .. دولة بين عالمين
أضاف القيصر الأشتوفي «هينريش» السادس بعض القطع الثمينة عند عودته من إيطاليا إلى المجموعة النادرة التي هي ملك للدولة المقدسة. وهذه القطع القيمة عبارة عن المعاطف التي توج فيها كثيرون من قياصرة أوربا وملوكها، ومن بينهم ابنه الأكبر «فريدريش» الثاني حيث توجوا جميعهم في روما. وأثمن وأجمل هذه التحف النادرة الموجودة في الدولة الرومانية المقدسة كان ولا شك معطف القيصر.
فعلى القماش الأحمر الأزرق توجد نخلة تحمل ثمارًا تبرق كالذهب، وعلى كل طرف من طرفي ناحيتي المعطف رسم أسد قوي يبطش بجمل. أما ميدان القتال فهو من لونين: الأحمر والذهبي يحيط به زنار أسمر قائم وصفان من اللؤلؤ يبرزان الزخرفة، والحافة عبارة عن شريط عليه كتابة جاء فيها اسم الشخص الذي زخرفها بالذهب ووطنه وزمن إنجاز العمل «صنع في المصنع الملكي، وفيه السعادة والحظ والشرف والتمام. .» هكذا نص شعار المصنع «في مدينة صقلية عام 538 هـ» .
فهل يرجع هذا المعطف إلى أيام «تيوديريش» ؟ كلا. فالكتابة التي على حافة معطف القيصر الألماني مكتوبة بحروف عربية، وقد اعتاد الطراز العربي استخدام الشهور القمرية والسنة الهجرية، كما كانت النقود التي تضرب في صقلية تحمل التقويم العربي الهجري. فلمن صنع هذا المعطف الأزرق الثمين جدًا وعليه الأسد والجمل حيوانا الصحراء؟ .
إن العام الهجري 528 يقابل الميلادي 1133، في عاصمة صقلية: بالرمو، هذه المدينة العظيمة التي أصبحت وكأنها مدينة القصص والخيال، عاصمة لملك اشتهر بإعجابه بعظمة الشرق وأبهته، وهذا هو «روجير» الثاني، وهو ابن فاتح الجزيرة وقاهرها الأمير النورماني «روجير» الأول الذي انتزع هذه الجزيرة من العرب بعد أن حكموها زهاء ثلاثة قرون، ثم نجد أرملته الأميرة «أديلاسيا» هذه السيدة الذكية التي جعلت من بالرمو العاصمة العربية عاصمة للدولة النورمانية، وبذلك وضعت مركز ثقل الدولة الفتية بعيدًا عن المركز الشمالي الواقع حول مسينا، وهو يوناني بيزنطي، بينما بالرمو تقع في المركز العربي والبيئة العربية، وبذلك مكنتها «أديلاسيا» من التوسع والازدهار. وبعد أن تمكن ابنها من ضم جنوب إيطاليا إلى مملكته استطاع مطالبة سيد روما بالتاج.
ولهذا الملك روجير الثاني ملك الصقليتين صنع أحد أفراد رعيته وهو عبد الله الطراز العربي الرمز العظيم للقوة الملكية: الأسدان اللذان يبركان على الجمل في التراب «رنك» البيت المالك النورماني. وإذا سأله سائل: ما الدليل على هذا الطغيان؟ حار جوابًا. . .
فقيل قرنين كان أجداده من جهة القيروان في تونس العاصمة القديمة منذ أيام سيدي عقبة فاتح شمال إفريقيا قد أقلعوا إلى صقلية فأدخلوا فيها النواعير التي جعلت من أرضها الجرداء حدائق غناء، فقد جاءوا ومعهم من وطنهم الأول النخيل والسني، كما غرسوا البرتقال والفستق وشجيرات المر إلى البنان (الموز) والزعفران. لقد أغنى العرب تلك الأراضي الفقيرة بحقول القطن وقصب السكر كما توجوا البلاد بتاج من القلاع الحصينة والقصور الشامخة والمساجد التي تعتبر آية في الفن والجمال. فابن حوقل الجغرافي يحصي بها حوالي عام 970 م نحو ثلثمائة مسجد في بالرمو فقط، هذا إلى جانب القصور التي كانت موضوع شعر الشعراء والمغنين. كما كان بها الفلاسفة والأطباء والطبائعيون والرياضيون يتعاونون جميعهم في نشر العلم والثقافة ورفع مستوى الشعب. هنا ألف المؤلفون كتبهم
ودونوها على ورق أبيض ناعم، وهذا هو أول ورق جاء إلى أوربا قبل أن تعرفه من قبل عن طريق إسبانيا بزمن بعيد. هنا قال الشعراء شعرهم في عروض لم يعرفه اليونان أو الرومان أو الجرمان. وهذا العروض الشعري غزا شعر سائر الشعوب الراقية.
وهكذا نجد جزيرة صقلية تصبح للعرب وطنًا، ولما انقض عليهم الأسد النورماني اعتقد كثيرون «أن نير العبودية المسيحية» لن ترضى به العرب وأن حنينهم إلى وطنهم الأول سيقتلهم، لقد حن العرب إلى ذلك الوطن البعيد حيث تشرق الشمس وترسل أشعتها دفئًا وحيوية وقوة وعطرًا للإنسان والحيوان والنبات، وكذلك أنواع البخور التي كانت تعطر أرجاء الجو فيتنفس الإنسان الهواء العليل الذي يطارد الهموم والأحزان.
وقد آلم العهد الجديد الذي حل بالجزيرة كثيرين من الشعراء أمثال عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الصقلي السرقوسي، فقد هاله ما جلب العهد الجديد على الجزيرة فرحل إلى أشبيلية، ومن شعره في ذلك:
ديار تمشيت إليها الخطوب .... كما تتمشى الذئاب الضراء
وقد جاء في هذه القصيدة التي مطلعها:
نفي هم شيبى سرور الشباب
…
لقد أظلم الشيب لما أضاء
ويستطرد ابن حمديس في قصيدته ويقول:
وراءك بحر لي جنة
…
لبست النعيم بها لا الشقاء
إذا أنا حاولت منها صباحًا
…
تعرضت من دونها لي مساء
فلو أنني كنت أعطي المنى
…
إذا منع البحر منها اللقاء
ركبت الهلال به زورقًا
…
إلى أن أعانق فيها ذكاء
ولا تقف شكوى ابن حمديس ولا حنينه عند هذه الأبيات فديوانه يفيض
بالحسرة والألم والحنين، لكن بالرغم من ذلك يرغب في العودة إلى الوطن الذي يحتله الأجانب.
إن جروح ودموع أولئك الذين بقوا في الجزيرة قد نضبت وبخاصة بعد أن أصبح المنتصرون عبيدًا للمغلوبين، وتتلمذوا عليهم، وأقبلوا على تحصيل الثقافة والعلوم على أيديهم.
حقًا إن النورمانيين قد وجدوا أنفسهم في بيئة دينية جديدة ما كانت تجول بخاطرهم فكانوا أنى أداروا وجوههم لا يشاهدون إلا الجمال والأبهة وحياة أخرى أرفع وأرقى من تلك التي كانوا يحوينها، إنها حياة لا عهد لهم بها من قبل، هذا إلى جانب فن معماري أقرب إلى القصص منه إلى أي شيء آخر، هذا إلى لغة وشعر بلغا منزلة فنية عليا إلى جانب علم رفيع، لذلك لا عجب إذا وجدنا النورمانيين يؤخذون بهذه البيئة الجديدة ويقعون أسراها عن طيب خاطر.
ولماذا لا تؤثر البيئة الإسلامية في غير المسلمين، مهما اختلفت عقائدهم وأجناسهم متى سنحت فرص الاتصال بهم؟ ألم يحدث أن الفرسان المسيحيين، لما كانوا في البلاد المقدسة وبخاصة ملكهم «بلدوين» الأول، رفضوا الانصياع للعقلية الصليبية ولم تحل إنذارات البابا دون اقتباس عادات وتقاليد المسلمين أعدائهم في العقيدة، وبلغت درجة تأثر أولئك الفرسان المسيحيين وعلى رأسهم بلدوين بالمسلمين والإسلام أنهم حرموا على أنفسهم أكل لحم الخنزير كما التزموا أكل الطعام العربي ومراعاة كل ما هو عربي حتى العملة العربية والمحلاة بالآيات القرآنية الكريمة. لقد جاء الصليبيون «لمقاتلة أعداء الله» فحدث أنهم قلدوا المسلمين في كل شيء حتى إن المراسلين الذين كانوا في القدس والذين كان يسرهم أن ينشروا عنهم أنهم يحاربون في سبيل الله، قال أولئك المراسلون:«نحن الذين كنا أوربيين أصبحنا الآن شرقيين» .
أما حكام صقلية الجدد فقد كانوا أسبق من غيرهم إلى اقتباس العادات والتقاليد والثقافة الإسلامية رغمًا من الاتفاقية المبرمة بينهم وبين البابا. وقد أسرف هؤلاء الحكام وغيرهم من سكان صقلية المسيحيين في التحلل من التقاليد المسيحية حتى
الطقوس الكنيسة وشعروا بالسعادة عندما ساروا في طريق الأمراء العرب. لقد أقام أولئك الحكام المسيحيون في هذه القلاع العربية، فقصورهم تحيط بها الحدائق الغناء حيث تتدفق فيها الينابيع الصناعية، كما زخرفوا هذه القصور بالزخارف العربية والمياه المتحجرة في أعلى الكهوف والأقواس المدببة، ولم يترددوا في تسميتها بأسماء عربية وأن يدشنوها باسم الله الرحمن الرحيم:
بسم الله الرحمن الرحيم
قف ساكنًا وتأمل
عملا عظيمًا شامخًا
إنه ملك خير ملوك الأرض «فلهلم» الثاني.
إن الزاهد هو الذي ينصرف عن الثوب الحريري المهفهف إلى اللباس الصوفي الخشن الذي يؤلم الجسد بما يحدثه من حكة. وهذا الزاهد لن يقره أو يجاريه الأمراء والأميرات من بيت النورماني، فضلًا عن رغبة النورمانيين الملحة في الاندماج في هذه الحياة الناعمة الراقية التي تفيض على الحياة متعة ولذة وسعادة.
وهكذا أصبحنا ندرك أنه ليس من البدهي أن يخوض أولئك الأوربيون غمار حرب ضد أعداء عقيدتهم، ليس من البدهي أن يضحي الصليبيون بأرواحهم في القدس ودمياط، إن مثل هذه الحرب لا يمكن الاقتناع بوجوبها، وهكذا نجد وللمرة الأولى في تاريخ العالم المسيحي النورمانيين يقابلون التسامح العربي بتسامح آخر وفتوة سمحاء. وهذه الصفات رفعت من قدر النورمانيين وميزتهم على سائر الفاتحين المسيحيين، كما أن هذه الأخلاق وتلك المعاملة هي التي جعلت من دولتهم دولة ممتازة، كما أنه لم تزدهر في أوربا دولة أخرى ازدهار الدولة النورمانية.
فهل الأسباب التي دفعت النورمانيين إلى عدم تخريب وتدمير وتقتيل هؤلاء الوثنيين (! ! ) الذي خضعوا هي أسباب سياسية؟ أو هل اضطرت الظروف النورمانيين إلى معاملة العرب الذين كانوا يفوقونهم عددًا هذه المعاملة المعتدلة، والنورمان لم يعرفوا ولم يشاهدوا الفتوحات العربية والرعب الذي أدخلوه في
قلوب الأوربيين؟ أو أن أسباب هذه المعاملة الحسنة للعرب سببها الفروسية التي اكتسبوها عن طريق الفتوة العربية التي اتخذها النورمانيون شعارًا لهم ومثالا يحتذى، هذه الفتوة التي قابلوها بكل احترام وتقدير؟
وكذلك الجرمان سرت فيهم الرغبة الملحة في معاملة الآخرين معاملة حسنة، ولتحقيق هذه الرغبة يجب أن يتحلوا بالشرف وكرم الأخلاق فأقبلوا على العرب وعاملوهم معاملة الند ونظروا إليهم على أنهم خصوم شرفاء، وقد ظلت هذه المعاملة الحسنة مجهولة لدى سائر الشعوب المسيحية الأوربية أو الصليبيين أو متطرفي الأسبان الذين استردوا بلادهم ثانية واعتبروا فيما بعد مثل هذه المعاملة على أنها من الغرائب. وإن الإنسان ليذكر عبارات عمرو بن العاص قبل الاستيلاء على الإسكندرية ومسلكه عندما يقرأ ما قاله وصنعه الأمير «روبرت جويسكارد» عند أبواب بالرمو حيث أباح للمسلمين والمحاصرين حرية العبادة وتأمين حياتهم وممتلكاتهم، وقد وفَّى بوعده حتى بعد الاستسلام. ويعجب الإنسان أيضًا من الجرأة التي اتصف بها أخو «روبرت جويسكارد» ألا وهو الأمير «روجير» الذي بلغت ثقته بالعرب حدًا جعله يكل إليهم حكم البلاد وإدارتها، وقد أعاد التاريخ نفسه بعد قرن من الزمان فحيث كنا نجد العرب المنتصرين يؤمنون خصومهم المهزومين، والذين لا يدينون بدينهم على أموالهم وأرواحهم وممتلكاتهم وعقائدهم، كذلك صنع روجر الأول فقد أمن المسلمين من رعاياه على أراضيهم وأرواحهم وممتلكاتهم وعقائدهم، ولو أن فارقًا وقع بين العصرين، أعني عصر انتصارات العرب وعصر انتصارات النورمان، وهذا الفارق هو أن المهزومين الآن لا يحاولون تقليد المنتصرين في حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، بل العكس هو الصحيح، فالآن نجد المنتصرين المسيحيين الذين يقلدون المسلمون ويحاولون الاندماج فيهم وائتلافهم، إن المسيحيين هنا يقلدون المسلمين فالمسلمون انتصروا أو انهزموا هم المثل الأعلى الذي يتحذى.
وإنه لمن أثر التعاليم الإسلامية هذا الذي يتفق وعقلية الملك الجرماني الملحد «ثيودوريش» ، فقد كان يؤمن بالمذهب الإسلامي القائل:«لا إكراه في الدين» فحرم
الجراف الألماني استخدام القوة لإجبار المسلمين من رعاياه على تغيير عقائدهم، لذلك نجد الأسقف الإنجليزي «أنسلم» يذكر أنه لما دخل الخيام العربية المقامة أمام أسوار «كبوا» غضب الأمير النورماني غضبًا شديدًا، لما شعر أن هذا الأسقف الإنجليزي أخذ يبشر بالمسيحية بين جنوده المسلمين. وقد كتب مؤرخ الأسقف الإنجليزي يقول:«لماذا لم يرغب ورفض الجراف روجير أمير صقلية أن مسلمًا واحدًا من مسلمي صقلية يعتنق المسيحية، هذا ما لا أريد الاهتمام به وسيعاقبه الله» .
ولكن «عبد الله» مزخرف ملابس وأقمشة الملك روجير الثاني علم منذ زمن بعيد أن ضغط الأسد النورماني ليس ثقيلا على مواطنيه وأبناء ملته فقد كانوا يتلقون علومهم في مدارسهم العربية، ومساجدهم وحماماتهم وأسواقهم كانت قائمة يقصدها المسلمون لإقامة شعائرهم وقضاء مصالحهم، كما منحهم الملك ثقته فاختار من بينهم أحسنهم دربة على الأعمال الإدارية لإدارة بلاده، كما شكل من بينهم فرقة عسكرية دائمة عاملة للضرب على أيدي المتمردين من أمراء «أبوليا» ، كما أن الملك كان في حاجة ماسة إلى المسلمين لتنظيم وتدعيم وتثبيت دولته الفتية، وما كان في استطاعته النهوض بهذا العبء دون مساعدة العربي الذي كان الباب مفتوحًا أمامه بلوغ أعلى مراتب الدولة سواء في الوظائف المدنية أو العسكرية أو في الحاشية، كما ذكر مؤرخ عربي أن ملك النورمانيين قد تخلق بعادات وخلق ملوك المسلمين، فأوجد في حاشيته وظائف جديدة، وبذلك أخذ يتخلص تدريجيًا من عادات الإفرنج وتقاليدهم وبخاصة أنه لم تكن لديهم مثل هذه الوظائف التي خلقها كوظيفة أمير البحر مثلا.
وتعيين أمير للبحر كان أمرًا ضروريًا إذ بعد الاستيلاء على الجزيرة أصبحت الحاجة ماسة إلى إنشاء أسطول دائم للدفاع عنها، كما كان حالها عندما كانت تحت سيطرة العرب، ولما كانت بالرمو هي عاصمة هذه الجزيرة، فقد أخذت تحتل مكانًا رفيعًا هامًا، كما أصبحت هي مركز القوة البحرية الرئيسية، وأصبح أمير بالرمو هو أمير الأسطول «أمير الرحل» ، أعني أمير البحر (أدميرال).
وفي أيام حكيم روجير الثاني كانت وظيفة أمير البحر هي أعلى وظيفة في الدولة كما أن شاغلها كان موضع ثقة الملك، وأول من تقلد وظيفة الأميرالية، هذه الوظيفة التي هي أصلا وظيفة عربية، لم يكن أحد رجال البحر الأقدمين الذين خدموا في الأسطول النورماني بل إن أول أمير بحر للأسطول المسيحي كان عربيًا، وهو عبد الرحمن النصراني، واسمه اليوناني «الكاثوليكي» هو «كريسودولوس» . وكان حتى أيام روجير قائد القوات البحرية والبرية. لكن روجير الثاني رفع من شأن هذا الرجل الثقة وعينه أيضًا قاضي القضاة، ومن ثم وصل إلى درجة «كبير الأشراف» ، وخلف هذا الأميرال أمير بحر آخر للدولة الملكية النورمانية، والأميرال الثاني هو العربي العبقري إداريًا واقتصاديًا واسمه «جرورج» الأنطاكي.
وبالرغم من عقيدته المسيحية تقلد رئاسة وزارة الزيريين وكان في سن مبكرة جدًا، وذلك في مدينة المهدية بالقرب من تونس. ثم نجد هذا المغامر يتقدم بعد وفاة سيده إلى القصر الملكي النورماني عارضًا خدماته هربًا من النية السيئة لسيده الجديد، وقد وجد روجير فيه الرجل الصالح المطلوب. وبينما كان القصر وسكان المهدية مشغولين بتأدية صلاة الجمعة في المسجد الكبير صعد وزير المالية متنكرًا في ثياب بحار ومعه رفقاؤه سرًا إلى سفينة البريد النورمانية، هذه السفينة التي تظاهرت كما لو أنها جاءت ومعها رسالة خاصة من بالرمو إلى أمير المهدية. فهذا التوفيق الذي أحرزه «جورج» الأنطاكي المغامر لازمه وما زال شابًا، والذي حدث أن أمير البحر «كريستودولوس» وهو أقوى شخصية في الدولة عين هذا الاقتصادي العبقري الشاب موظفًا في مصلحة الضرائب، إلا أن استعداده السياسي التجاري مكنه من القيام بمهمة إلى سلطان مصر كان قد كلفه بها «روجير» فعينه قبطانًا في البحرية وتخطى كعادته الكثيرين الذين كانوا يشغلون مناصب أعلى منه فأصبح رئيسًا حتى على أميري البحر «أويجين» و «يوحنا» أي الوالد والابن وهما أيضًا من العرب ومن بين الأمراء العرب الذين كانوا يعملون سواء في الأسطول أو الجيش. وقد استطاع جورج الأنطاكي بعد أن صار أميرًا للبحر أن يرقى إلى أمير أمراء البحر، وبفضل عبقريته الإدارية التخطيطية رفع من شأن أسطول صقلية ونشأه تنشئة جديدة على
النظام المتبع في الأسطول العربي، فأصبح هذا السلاح البحري سلاحًا قويًا استطاع بعد زمن قصير السيطرة على شمال إفريقيا.
فهذا العربي العظيم الذي قدم لدولة النورمانيين أهم وأعظم خدمة كان مقربًا جدًا إلى الملك لا لخدمته فقط بل لأخلاقه ونبله فقد قضى جورج الأنطاكي هذا العربي العظيم نحو أربعين عامًا في خدمة الملك «روجير» ، وكانت حياته الوظيفية تتسم بالوفاء والإخلاص والتفاني في العمل، هذا إلى جانب حسن المعاملة ونبل الأخلاق مما جعل الملك روجير يحترمه ويقدره تقديرًا عظيمًا لم يحظ به موظف آخر من قبل. فهناك وثيقة ترجع إلى عام 1132 م يتحدث فيها الملك عن أمير أمراء البحر جورج الأنطاكي، وقد جاء فيها ما معناه:«أنه الرجل الأول في دولته» ، فهذا الرجل الذي أدى للملك أجل الخدمات، كانت الشخصية التي لا يستغني الملك عنها والرجل الذي يدين له الملك بالشيء الكثير، حتى إن أحد أعدائه اعترف له بالعظمة والفضل، عندما توفي جورج الأنطاكي بعد هذه الوثيقة بنحو عشرين عامًا، فذكر «لن يستطيع ملك صقلية تعويضه» .
ثم إن صداقة مثل هؤلاء الأفذاذ تدفع الحاكم ولا شك لا إلى تقدير صديقه فقط بل إجلال أبناء جنسه أيضًا، ولذلك نجد الملك يتصل بالعرب ويتبادل معهم الرأي ويشاورهم في مختلف أموره وأمور دولته، ويذهب الملك بعيدًا فيرجو العرب أن يعلموه ما يجهل، فاحتفظ بعدد كبير من شعرائهم وعلمائهم في قصره وكلف عددًا منهم بترجمة المراجع العربية واليونانية إلى لغته، وقد شارك في هذه الترجمة أمير البحر «أويجنيوس» ، كما ساهم مع النورمان في المجادلات التي كانت كثيرًا ما تقع بين المسيحيين والمسلمين، وتعصب الملك للإسلام والمسلمين. والذي حمل الملك على هذا الموقف اعتقاده، كما يروي ابن الأثير، أن المسلمين جديرون بالاحترام والتقدير، لذلك صادقهم وحماهم من الإفرنج، فأحبوه. وقد أشاد به العرب في أشعارهم كما شاركوه أحزانه عند وفاة ابنه البكر الذي امتاز بالحسن والنشط والذكاء، فرثاه الشعراء العرب، كما نجد سيدات عربيات من كرائم الأسر يندبنه ويبكينه، كما ارتدين ثياب الحزن وتركن شعورهن ووقفن أما القصر يولولون
ويندبون ويلطمن الخدود. ولم يقف الأمر عند الحرائر بل حتى الخادمات كن يجرين في الشوارع نائحات مولولات نادبات قارعات الرق. وعرب أيضًا هم الذين خلدوه بمؤلفاتهم، وقد ذكروه على أنه الحاكم المثالي الذي عرفته العصور الوسطى، وهو مؤسس الدولة والمشرع والسياسي، كما اهتم بالرياضيات والفلك والجغرافية وعلم الطبيعة والفنون.
ويدين روجير الثاني للعرب الذين مكنوا له في الأرض وهو أصغر ملوك أوربا وصيّروه أغنى الجميع. فالعرب هم المهرة في زراعة الأرض وفي النشاط الصناعي، ونظامهم مثالي في الاقتصاد والضرائب، وقد أخذه عنهم كما أخذ عنهم الإدارة والتشريع. وهناك مصدر آخر من مصادر ثرائه الخيالي هو الضرائب التي كان يدفعها العرب المقيمون على شواطئ شمال إفريقيا، وهم خالقو أسطوله. وأمير أمراء البحر جورج الأنطاكي هو الذي استطاع بمهارته إخضاع شمال إفريقيا لسيادة صقلية، ثم تركه روجير تسامحًا منه للحكام العرب. والواقع أن روجير يدين كثيرًا لهذا العربي الإفريقي الذي جعله ملك «صقلية وإيطاليا وإفريقيا» .
أليس من الواجب عليه أن يلم بالبلاد التي يحكمها؟ هذه فكرة تقوم في الشرق فقط، إذ لا يوجد عالم غير عربي هو الذي يستطيع وضع خريطة تبين هذه البلاد ومواقعها، وهذه الخريطة يجب أن تكون من النوع الذي قام سبعون جغرافيًا بإعداده بأمر من الخليفة المأمون في بغداد. لذلك نجد ملك صقلية وإيطاليا وإفريقيا يقوم بدعوة أشهر جغرافي العرب في عصره ألا وهو الإدريسي، من «كويتا» ، الذي يكتب:
«فمن بعض معارفه السنية ونزعاته الشريفة العلوية أنه لما اتسعت أعمال مملكته وتزايدت همم أهل دولته وأطاعته البلاد الرومية ودخل أهلها تحت طاعته وسلطانه أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة ويقتلها يقينًا وخبرة ويعلم حدودها ومسالكها برًا وبحرًا، ففي أي إقليم هي وما يخصها من البحار والخلجان الكائنة بها ومعرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة التي اتفق عليها المتكلمون وأثبتها في
الدفاتر الناقلون والمؤلفون، وما لكل إقليم منها من قسم بلاد يحتوي عليه ويرجع إليه. . . فأحضر لديه العارفين بهذا الشأن فباحثهم عليه وأخذ معهم فيه فلم يجد عندهم علما أكثر مما في الكتب المذكورة، فلما رآهم على مثل هذه الحال بعث إلى سائر بلاده فأحضر العارفين بها المتجولين فيها فسألهم عنها بواسطته جمعًا وأفرادًا فما اتفق فيه قولهم ووضح في جمعه نقلهم أثبته وأبقاه، وما اختلفوا فيه ألغاه وأرجاه. . . وأن يؤلفوا كتابًا. . بوصف أحوال البلاد والأرضين في خلقها وبقاعها وأماكنها وصورها وبحارها وجبالها وأنهارها ومواتاتها ومزروعاتها وغلاتها وأجناس أبنائها وخواصها والاستعمالات التي تستعمل بها والصناعات التي تروج بها، والتجارات التي تجلب إليها وتحمل منها والعجائب التي تذكر عنها وتنسب إليها. . . من ذكر أحوال أهلها وهيئاتهم وخلقهم ومذاهبهم وزيهم وملابسهم ولغاتهم».
لقد درس الإدريسي في قرطبة وقام برحلات طويلة بين آسيا والشواطئ الغربية لإنجلترا ثم تحول جنوبًا حتى بلغ جنوب إفريقيا وقضى خمسة عشر عامًا في بالرمو يعد أرقامه وخرائطه وملاحظاته العديدة، وقد شارك الملك المتعطش إلى العلوم والمعرفة والجغرافيا الإدريسي في ولعه بالعلوم والمعارف وبخاصة أن الملك لم يترك أجنبيًا سواء أكان ضيقًا أم دبلوماسيًا أم تاجرًا يفد إلى مملكته إلا استجوابه عن وطنه وخصائصه وعقائده ورحلاته وتجاربه. كما أصدر الملك أمرًا إلى موظفيه العرب ذوي الخبرة الواسعة في قياس مختلف المدن والأنهار والمرتفعات بإنجاز كل ما يتصل بأعمال المساحة.
وفي أوائل عام 1145 م كمل هذا المؤلف العلمي العظيم، وقد خلف لنا بطليموس العرب سبعين خريطة، وقد سلمها قبيل وفاته إلى الذي كلفه بوضعها وإنجازها. وهذه الخرائط تمتاز على الخريطة الشهيرة التي وضعها الجغرافي المصري العظيم دقة وحجمًا، هذا فضلا عن بعض المآخذ الواردة فيها. لكن أحسن وأشهر خريطة وصلتنا هي تلك التي تركها لنا الإدريسي، أعني الخريطة الكبرى للعالم وهي محفورة على كرة من الفضة قطرها متران وتزن ثقل رجلين مكتملين، أما
شرحها فعبارة عن هذا الكتاب القيم الموسوم باسم «كتاب الرجني» نسبة إلى الملك «رجار» = «روجير» .
والإدريسي بالرغم من نبوغه وعبقريته كان واحدًا من كثيرين.
ولا شك في أن الجغرافيا العربية -منذ أسفار التاجر سليمان إلى الصين، وأسفار رحالة آخرين في جنوب وجنوب شرق آسيا، والتي تمت قبل أن يقوم ماركو بولو برحلاته بنحو أربعة قرون- كانت قد بلغت أوجها في تلك الفترة، كما أثبتت أن العرب شعب مغرم بالرحلات والأسفار، فاتساع الدولة وترامي أطرافها، إلى كثرة اللغات وتنوع الثقافات، بالإضافة إلى الكرم العربي المشهور اضطر العلماء ألا يثوبوا من سفر إلا وقد أزعجهم سفر إلى مكان آخر حيث يجمعون مختلف العلوم والسير والأخبار، هذا إلى جانب زيارتهم مشاهير العلماء، فالعرب رحالة في مختلف الأقاليم وبذلك أصبحوا ذوي شهرة عالمية.
كذلك قد ترك لنا الرحالة العرب وصفًا دقيقًا لمختلف أنحاء وأطراف العالم الإسلامي، وشاركهم هذا الفضل الحجاج سواء وفدوا عن طريق البر أو البحر. فضلا عن الأسفار التي قصد من ورائها إشباع رغبة خاصة أو إرضاء هواية التنقل والرحيل، إذكاء للخيال أو المعرفة من الجولان في مختلف بلاد العالم. أما الجغرافية التي كانت تدرس بين جدران الأديرة في أوربا والتي كانت تعتمد على المراجع القديمة، وعلى الأحكام النظرية فلا تستحق الوقوف عندها والأخذ منها.
أما عند العرب، وفي العالم الإسلامي، فإننا نجد بحاثة مثل المقدسي يقرر أنه خاض معترك الحياة وعاش مع الأحداث اليومية، فقد كتب في القرن العاشر الميلادي ما نصه:
«وما تم لي جمعه إلا بعد جولاتي في البلدان ودخولي أقاليم الإسلام ولقائي العلماء وخدمتي الملوك ومجالستي القضاة ودرسي على الفقهاء، واختلافي إلى الأدباء والقراء وكتبة الحديث ومخالطة الزهاد والمتصوفين، وحضوري مجالس القصاص والمذكورين مع لزوم التجارة في كل بلد، والمعاشرة مع كل أحد والتفطن
في هذه الأسباب بفهم قوي حتى عرفتها، ومساحة الأقاليم فالفراسخ حتى أتقنتها، ودوراني على التخوم حتى حررتها، وتنقلي إلى الأجناد حتى عرفتها، وتفتيشي عن المذاهب حتى علمتها، وتفطني في الألسن والألوان حتى رتبتها، وتدبري في الكور حتى فصلتها، وبحثي عن الأخرجة حتى أحصيتها. . فقد تفقهت وتأدبت وتزهدت وتعبدت وفقهت وأدبت وخطبت على المنابر وأذنت على المنائر وأممت المساجد وذكرت في الجوامع واختلفت إلى المدارس ودعوت في المحافل وتكلمت في المجالس وأكلت مع الصوفية الهرائس ومع الخانقائيين الثرائد ومع النواتي العصائد وطردت في الليالي من المساجد وسحت في البراري وتهت في الصحاري وصدقت في الورع زمنًا وأكلت الحرام عيانًا وصحبت عباد جبل لبنان وخالطت حينًا السلطان وملكت العبيد وحملت على رأسي بالزنبيل وأشرفت مرارًا على الغرق وقطع على قوافلنا الطرق وخدمت القضاء والكبراء وخاطبت السلاطين والوزراء وصاحبت في الطرق الفساق وبعت البضائع في الأسواق وسجنت في الحبوس وأخذت على أني جاسوس وعاينت حرب الروم في الشواني وضرب النواقيس في الليالي. . .».
ومن مشاهير الرحالة العرب الذين اكتسبوا شهرة عالمية ابن بطوطة الذي ترك بلده طنجة وأخذ يتجول في العالم مدة لا تقل عن أربعة وعشرين عامًا قام بها بمختلف المغامرات، كذلك العالم البحاثة المسعودي أحد أبناء بغداد، فقد كان كثيرًا ما يهتم بالمواضيع الجغرافية العويصة كاتصال بحر الخزر بالبحر أو ما يتعلق بالكرة الأرضية من بحر آرال حتى زنزيبار، ومن الصين إلى إسبانيا واهتمام أيضًا بدراسة كل هذه الممالك يشير إلى أهمية المعلومات التي حصلنا عليها حول الكرة الأرضية والتي صححت الأخطاء القديمة التي كانت سائدة من قبل.
وإلى جانب الجغرافية الوصفية نجد الأخرى الفلكية حيث ظهر الفلكي الشهير البتاني وكذلك ابن يونس والبيروني وابن سعيد والإدريسي وياقوت، وقد خطوا جميعهم بنا خطوات واسعة جدًا في علم الجغرافية تفوق تلك التي عرفها العالم القديم، كما نجحوا في قياس أطوال وأعراض كثير من المدن قياسًا غاية في الدقة،
وقد أقبل العرب المغرمون بالحساب على هذه المقاييس وأتموا هذه الجداول الجغرافية. وإن أخطأت مقاييس بطليموس في تقدير الدرجات فإن العرب لم يختلفوا إلا في دقيقة أو اثنتين. أما الإدريسي فقد جمع بين القياسين الوصفي والفلكي الرياضي.
وهناك نوع آخر من الجغرافية أعني الجغرافية الطبيعية أو جغرافية علم طبقات الأرض، وقد نبغ في هذا النوع ابن سينا والبيروني وتوصلا إلى نتائج علمية هامة، وخاصة ما يتصل بنشأة الجبال وطبقات الصخور. فابن سينا يعرف حوالي عام 1000 م الجبال فيقول:
وعلم طبقات الأرض عند ابن سينا مثل لخاصيتين من خصائص المعرفة العربية سواء في القرن العاشر أو الرابع عشر، وسواء في شرق العالم العربي أو غربه وسواء في أصفهان أو في الأندلس، أعني خاصيتي عدم الاتساق والديناميكية، فالمعرفة العربية تنظر إلى العالم وأحداث الحياة على أنها في خلق دائم وأنها نهر خالد يتجلى فيه خلق الله، لذلك تدعو المعرفة العربية إلى الطموح في إجراء التجارب الشخصية والبحث وشرح الحقيقة والرجوع بالأشياء إلى أصولها، كما أنها تعتمد على أدلة لا تقبل شكًا فهي ثابتة تهتم علاوة على ذلك بالشهود العيان.
وحدث مرة أن هوى نيزك وكان شاهده محاميًا، وقد كان هذا في عصر كان فيه الغرب بعيدًا كل البعد عن هذا التقدم وذلك الرقي، وكان عاجزًا عن إدراك كنه الظواهر الطبيعية كما كان عاجزًا عن تعليلها، ثم يذكر ابن سينا:
لكن مترجمي العصور الوسطى لا يهتمون كثيرًا بهذه الملاحظات التي أبداها ابن سينا، كما لا يهتمون بسعة اطلاعه وهذه ملاحظات مع أخرى كثيرة جدًا نتبين منها مدى دقة الباحث وتعقبه. وبينما نجد هذه العبارات وتلك الأمثال في النسخة العربية لابن سينا، إذا بنا نجد اللاتيني يعالج الفصل بشيء من عدم الاكتراث، ويذكر أنه يتحدث، وهو يعني ابن سينا، عن ذكريات الطفولة وغسل الرأس.
ففي أوربا ظل القوم زمنًا طويلًا لا علم لهم بالجغرافيا وبخاصة كعلم يقوم على
مثل هذه الأسس وتلك القواعد وخرائط الإدريسي التي رسم عليها الأرض على هيئة كرة بالرغم من أنه لم يكن من المستطاع حسب التجارب الشخصية أو غير الشخصية أو الحسابات الرياضية تدعيم هذا الرأي القائل بكروية الأرض، فالذي كان معروفًا في كثير من الأديرة حسب رواية الكتاب المقدس أن خريطة العالم عبارة عن قطعة من الأرض تحيط بها المياه وفي وسطها تقع الجنة. وليس بطليموس بل جغرافيو العرب في القصر الملكي في صقلية، هم أولئك العرب الذين علموا أوربا. وخريطة الإدريسي تختم ثلاثة قرون كانت خالية مظلمة، وخريطته هي أول مجهود علمي شخصي، كما أن كتاب ابن سينا عن المعادن هو المرجع الأول لأوربا ودراستها لعلم طبقات الأرض، وقد زلت معتمدة على ابن سينا حتى القرن الثامن عشر.
ويذكر الإدريسي عن البلد الذي وضع فيه مؤلفه:
«إن جزيرة صقلية فريدة الزمان فضلا ومحاسن ووحيدة البلدان طيبًا ومساكن وقديمًا دخلها المتجولون من سائر الأقطار والمترددون بين المدن والأمصار وكلهم أجمعوا على تفضيلها وشرف مقدارها أعجبوا بزاهر حسنها ونطقوا بفضائل ما بها وما جمعته من مفترق المحاسن وضمته من خيرات سائر المواطن. فأما صقلية المقدم ذكرها فأقدارها خطيرة وأعمالها كبيرة وبلادها كثيرة ومحاسنها جمة ومناقبها ضخمة، فإن نحن حاولنا إحصاء فضائلها عددًا وذكرنا أحوالها بلدًا بلدًا عز في ذلك المطلب وضاق فيه المسلك لكنا نورد منها جملا يستدل بها ويحصل على الغرض المقصود منها إن شاء الله تعالى. . .
«مدينة بلرم وهي المدينة السنية العظمى والمحلة البهية الكبرى والمنبر الأعظم الأعلى على بلاد الدنيا، وإليها في المفاخرة النهاية القصوى ذات المحاسن الشرائف ودار الملك في الزمان والمؤتنف والسالف ومنها كانت الأساطيل والجيوش تغدو للغزو وتروح كما هي الآن عليه من ذلك، وهي على ساحل البحر في الجانب الغربي والجبال الشواهق العظام محدقة بها وساحلها بهج شرقي فرج ولها حسن المباني التي سارت الركبان بنشر محاسنها في بناءاتها ودقائق صناعاتها وبدائع
مخترعاتها. وهي على قسمين قصر وربض. فالقصر هو القصر القديم المشهور فخره في كل بلد وإقليم وهو في ذاته على ثلاثة أسمطة، فالسماط الأوسط يشتمل على قصور منيفة ومنازل شامخة شريفة وكثير من المساجد والفنادق والحمامات وحوانيت التجار الكبار، والسماطان الباقيان فيهما أيضًا قصور سامية ومبان فاخرة عالية وبهما من الفنادق والحمامات كثير وبه الجامع الأعظم الذي كان بيعة في الزمن القديم وأعيد في هذه المدة على حالته في سالف الزمان، ووصفته الآن تغرب عن الأذهان لبديع ما فيه من الصنعة والغرائب المفتعلة والمنتخبة والمخترعة من أصناف التصاوير وأجناس التزاويق والكتابات. فأما الربض فمدينة أخرى تحدق بالمدينة من جميع جهاتها وبه المدينة القديمة المسماة بالخالصة التي بها كان سكنى السلطان والخاصة في أيام المسلمين وباب البحر ودار الصناعة التي هي للإنشاء والمياه بجميع جهات مدينة صقلية مخترقة وعيونها جارية متدفقة وفواكهها كثيرة ومبانيها ومنتزهاتها جنة تعجز الواصفين وتبهر عقول العارفين وهي بالجملة فتنة للناظرين .. ».
ومن بين الرحالة الذين سحرتهم بالرمو الرحالة العربي الغرناطي ابن جبير الذي زارها عام 1185 م فبهرته، وقد ترك لنا في رحلته وصفًا دقيقًا في صقلية وبالرمو والقصر الملكي، وقد أطنب في وصف عاصمة النورمانيين والملك النورماني. وقد سبقه إلى هذا الوصف في ذلك المديح الإدريسي بنحو ثلاثين عامًا. وحدث أن توفي في تلك الفترة الملك رجار الثاني وفي نفس العام الذي أتم فيه الإدريسي كتابه وأغدق عليه الملك الكثير من الهدايا وبعد أن خلفه ابنه فلهلم الأول الذي لم يحكم طويلا إذ توفي وخلفه ابنه وحفيد روجير الثاني وهو فلهلم الثاني.
وقد ظل الأسد النورماني يحكم صقلية زهاء قرن من الزمان، والشيء الجدير بالانتباه هذه الصلة القوية بين الحاكم ورعاياه العرب، وهذه الصلة هي التي لفتت نظر رحالة غرناطة وكان يعتقد أنه سيزور بلدًا يحكمه الإفرنج إلا أنه سرعان ما تبين مقدار الثقة العظيمة التي أولاها الملك للمسلمين «وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المناجيب وكلهم أو أكثرهم كاتم
لهمساته متمسك بشريعة الإسلام، وهو كثير الثقة بالمسلمين وسكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله حتى إن الناظر في مطبخته رجل من المسلمين وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائد منهم ووزراؤه وحجابه الفتيان، وله منهم جملة كبيرة هم أهل دولته والمرتسمون عاصمته وعليهم يلوح رونق ملكه لأنهم متسعون في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة، وما منهم إلا من له الحاشية والخول والأتباع، ولهذا الملك القصور المشيدة والبساتين الأنيقة ولا سيما بحاضرة ملكه المدينة المذكورة. . .».
ويستطرد ابن جبير في وصف رحلته فيصف العاصمة قاعدة ملك الجزيرة:
«والمسلمون يعرفونها بالمدينة والنصارى يعرفونها ببلارمة. . . الجامعة بن الحسنين غضارة ونضارة فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر ومراد عيش يانع أخضر عنيقة أنيقة مشرفة مؤنقة تتطلع بمرأى فتان وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان فسيحة السكك والشوارع تروق الأبصار بحسن منظرها البارع عجيبة الشأن قرطبة البنيان مبانيها كلها بمنحوت الحجر المعروف بالكدان يشقها نهر معين ويطرد في جنباتها أربع عيون قد زخرفت فيها لملكها دنياه واتخذها حضرة ملكه الإفرنجي أباده الله تنتظم بلبنها قصور انتظام العقود في نحو الكواعب ويتقلب من بساتينها وميادينها بين نزهة وملاعب فكم له فيها، لا عمرت به، من مقاصير ومصانع، ومناظر ومطالع. . . وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها. . .
وللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الإيمان يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموع، ولهم أرباض قد انفردوا فيها بسكانهم عن النصارى والأسواق معمورة بهم وهم التجار فيها ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم ويصلون الأعياد بخطبة، ودعائهم فيها للعباسي، ولهم بها قاض يرتفعون إليه في أحكامهم وجامع يجتمعون للصلاة فيه. . وأما المساجد فكثيرة لا تحصى وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن. وبالجملة فهم غرباء عن إخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم ولا أبنائهم. .».
ويذكر ابن جبير في وصف الملك: «. . وليس في ملوك النصارى أشرف في
الملك ولا أنعم ولا أرق منه وهو يتشبه في الانغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخم أبهة الملك وإظهار زينته بملوك المسلمين، وملكه عظيم جدًا وله الأطباء والمنجمون، وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم حتى إنه متى ذكر له طبيبًا أو منجمًا اجتاز ببلده أمر بإمساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسليه عن وطنه .. ومن عجيب شأن المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية وعلامته على أما أعلمنا به أحد خدمته المتخصصين به الحمد لله حق حمده وكانت علامة أبيه الحمد لله شكرًا لأنعمه. وأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن ومن أعجب ما حدثنا به خديمه المذكور وهو «يحيى بن فنيان» الطراز وهو يطرز بالذهب في طراز الملك أن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة تعيدها الجواري المذكورات مسلمة وهن على تكتم من ملكهن في ذلك كله، ولهن في فعل الخير أمور عجيبة، وأعلمنا أنه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك فمان يتطلع في قصره فلا يسمع إلا ذكرًا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه، وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته فكان يقول لهم:«ليذكر كل أحد منكم معبوده ومن يدين به تسكينًا لهم» ، وأما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عماله في ملكه فهم مسلمون ما منهم إلا من يصوم الأشهر تطوعًا وتأجرًا ويتصدق تقربًا إلى الله وتزلفًا ويفك الأسرى ويربي الأصاغر منهم ويزوجهم ويحسن إليهم ويفعل الخير ما استطاع، وهذا كله صنع من الله عز وجل لمسلمي هذه الجزيرة».
ويعرض ابن جبير للمسيحيين وكنائسهم وتشه نسائهم بالمسلمات فيذكر. . .
وفي صقلية هذه بقصورها العامرة وحدائقها الغناء وفي شوارع بالرمو الواسعة
الغنية بحوانيتها وحواريها المنسابة في الأحياء العربية نشأ وترعرع حفيد الملك روجير الثاني يتيما مهملا. وهذا الحفيد هو في نفس الوقت حفيد القيصر فريدريش برباروسا، وهو «فريدريش روجير» . وقد جلس على عرش مملكة صقلية بعد ابن عمه النورماني الملك «فلهلم» الثاني والقيصر «هينريش» السادس، والده الألماني، ومن ثم اشتهر باسم فريدريش الثاني قيصر الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت المسئولية الملقاة على عاتقه شاقة جدًا، إذ كان العالم الذي يعيش فيه مضطربًا متخاصمًا متحاربًا، إلا أن فريدريش أخذ يشق طريقه إلى المجد زعيمًا لعصر جديد.