الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أوربا تائهة في دياجير الظلام
لقد قضى على الثقافة اليونانية واختفت منذ عهد «حنيبعل = هنيبال» إلا أن قيام الإمبراطورية ساعد على المحافظة على بقائها شكلا وإن كانت الثقافة الهلّينية بدت في هذه الدولة التي آذنت بزوال وكأنها ثوب فضفاض لا يلائمها، فنجد التنافر والتشاحن بين هذه الثقافة وبين مختلف الأجهزة القائمة، ثم جاء الغزو الألماني فلم يقض إلا على ما يتصل بالأخلاق وكان آيلا للسقوط حقًا. ثم إن الطبقات الراقية العالية أصبحت لا تشعر بحاجة إلى العلم والثروة العلمية. كما أن الهدف الجديد الذي طمعت المسيحية في تلقينه للفكر البشري وتحقيقه قضى على القيم العلمية والثقافية ومختلف أنواع البحوث، ولو أنها جميعها لم تجد في روما موئلا حقيقيًا لها، لذلك انهارت الطبقات المثقفة وتلاشت العلوم والمعارف. كذلك أصبحت ثقافات البحر الأبيض المتوسط مهددة بضربة قاصمة ومصير لا يختلف عن مصير حضارات ألانكا والمايا، ما لم تجد الشعوب الموهوبة القدرة الكافية على الخلق والإنشاء فتبعث هذه الثقافات بعثًا جديدًا.
وقبل العرب بقرنين سنحت لأوربا الفرصة للبناء على أنقاض هذه الثقافات البائدة، وبالرغم من ذلك ذهبت عشرة قرون حتى استطاعت أوربا التخلص من قائمة الشعوب المتخلفة وبلوغ مرحلة التحرر في الخلق والإنشاء بالرغم من أنها بدأت بخطوات تبعث على الأمل.
فللمرة الأولى إبان الثلاثة والثلاثين عامًا التي حكم فيها ثيودريش الأكبر الذي اتصف بالعدل والحكمة تطورت المسائل التي كانت مهددة بالزوال إلى النجاح
والتقدم، فبغتة ارتفعت أسهم القيم الإنسانية والقيم الثقافية وعادت الكرامة إلى العلماء وشجعتهم الدولة وحنت عليهم، فمدارس القصر الإمبراطوري التي قد عفى عليها الزمن عادت إليها الحياة ثانية وكبرت واتسعت. ففي المحاضرات العامة كانت تدرس أبقراط وجالينوس، كما ظهر أطباء من الغوط المتعلمين ومارسوا دراسة الطبيعة والفلك. واستمرت هذه النهضة العلمية حتى بعد وفاة الملك. «إن إنفاق المال على العلماء أجدى من إنفاقه على الممثلين» . هذه هي العبارة التي قررها حفيد الملك المسمى «أثا لاريش» عندما أظهر استعداده لتشجيع العلم والعلماء، فقد كان هناك عصر نقاهة ونمو يبشر بمستقبل مزدهر، لكن الذي حدث أن هذه الزهرة قطفت وما زالت برعومة، ومن عجائب القدر أن الذين قطفوها كانوا رجالا يونانيين أرسلتهم بيزنطة للقيام بهذه المهمة المشينة. قطفت الزهرة ولم تخلف إلا نبتًا هزيلا استطاع أن يقاوم عوامل الفناء زمنًا، فقد تناوله رئيس الوزراء «كسيودور» ، وقد كان مستشارًا للملك، ومن ثم سلم «كسيودو» النبت إلى جماعة البنديكت للعناية به في الأديرة، فلم يجد النبت في هذه الأرض الرطبة ما يساعده على النمو والازدهار.
إن العصر الذهبي للملك «ثيوديريش» كان بصيص النور والأمل الذي خلف قرونًا عديدة من البؤس والشقاء، ولم يكن هو الوحيد. فالفندال إلى جانب الرومان اهتموا أيضًا بالدراسة في مدارس الخطابة والنحو، فالجراف الفندالي «سيجستويس» كان نصيرًا للشعر والشعراء وذلك لأنه هو نفسه كان يقرض الشعر، وكذلك ملك الإفرنج «شيليريش» الذي ألف شعرًا في اللغة اللاتينية كما قرأ فرجيل وشيشرون للملوك الكتاب ملوك الغوط الغربيين وهم «ومبا» و «سيسيبوت» و «شينديسوينث» و «شينتهيلا» . وفي كل مكان نجد الجرمان قد بدأوا يقبلون على الثقافة الأدبية. وكان بين الغوط الغربيين، كما هو الحال عند الإفرنج، نفر من المثقفين في مختلف الدوائر الحكومية والإدارية بل حتى في الأوساط التجارية، وهؤلاء المثقفون كانوا يلمون بالكتابة والقراءة والحساب وبعض المواضيع القانونية.
كذلك جاءنا أنه ظهرت حركات تقدمية علمية أيام حكم اللومبارديين الذين كانوا فيما بعد أول من تخلص من ضغط رجال الدين وساهموا في الأدوار الأولى لظهور الحركة الأدبية بنصيب وافر.
ففي كل جزء من أجزاء الإمبراطورية الرومانية كان يحاول الأمراء الجرمان وفي مقدمتهم «ثيودريش» بعث الروح الوثنية القديمة وإعادتها إلى الحياة، وقد حذا حذوهم فيما بعد الخلفاء العرب حفظًا على نقاوة الجنس العربي. لكن الإمبراطورية الرومانية حولت إلى إمبراطورية مسيحية، فقد أعلن أوجسطين تعيين الرئيس المطلق للقوة الروحية، كما أرسلت روما الكهنوتية توجيهات إلى مختلف الجهات التي سبق لها أن أوفدت مبشريها. ففي بلاد الغال وبريطانيا أخذت الثقافة الهلّينية تختفي بمجرد وصول رسل روما، وتوارت مع الثقافة الهلّينية اللغة اليونانية، وذهبت روما الكهنوتية بعيدًا فعملت جاهدة على القضاء على العناصر الثقافية الهلّينية القديمة وحتى تلك التي تأصلت فيها من قبل. فالقديس «هيرونيموس» اعتبر مجرد التفكير اليوناني لعنة حلت بالإنسانية، كما ترجم الكتاب المقدس إلى اللاتينية ليقضي على الفولجاتا وأمثال هوميروس وفرجيل ويطهر العقول من آثارهما، وهكذا نجد الثقافة المسيحية تتجه اتجاهًا خطيرًا معاديًا للثقافة الهلّينية ومقوضًا لها.
فالعقل البشري ليس هو الذي يضيء السبيل أمام النفس البشرية بل الوحي الإلهي. وكانت العقيدة السائدة في العالم المسيحي أن استخدام القوى العقلية ودراسة الظواهر الطبيعية ومعجزاتها عوضًا عن الانصراف إلى دراسة تعاليم الديانات السماوية مفسدة لهذه القوى العقلية، وذلك لأنه إذا كانت الفرصة مواتية لمعرفة الحقيقة عن طريق هذه الدراسات فلا بد أن توجد، «هكذا نادى المعلم الديني لكتنيوس» لكن لما كان هذا الاستعداد غير موجود فلن يجدي ضياع الزمان والمجهود في سبيل الهداية وبلوغ الحكمة».
وكما أن الإنسان استغل أنفاض المباني القديمة لتشييد الكنائس، كذلك الحال مع بقايا الفلسفة والعلو القديمة، فقد استغلت لخدمة المسيحية وأهدافها، فإلى جانب الصراط المستقيم الذي يبلغ الروح الله وجد طريق ضلال، إذ من الممكن الوصول إلى الحقيقة من غير طريق الوحي، وذلك عن طريق أشياء موجودة في الطبيعة، هكذا أعلن «ترتليان»:«وليست رسالتنا هي البحث عن يسوع المسيح فهذا معناه حب الاستطلاع، وذلك لأن الأناجيل بشرت به» .
ولن نجد هذه الظاهرة أكثر وضوحًا وجلاء من أعمدة الدخان ولهب النيران التي غطت الإسكندرية، هذه المدينة التي ظلت قرونًا عديدة ملجأ الثقافة اليونانية وقلعتها الحصينة فقد تحولات الآن إلى روما، المركز الرئيسي للكنيسة المسيحية. إن سماء الإسكندرية لم تعد هذه السماء الزرقاء الصافية بل عكست عليها لهب النيران المندلعة في مراكزها العلمية الرئيسية التي كانت مركز الإشعاع في دليتا النيل لونًا أحمر قانيًا، وذلك لأن دواوين الشعر اليوناني التي لا تعوض والتراث الأدبي والفلسفي وتاريخ العلوم الهلّينية تحولت بين عشية وضحاها إلى أكوام من الرماد بفعل المسيحيين المتعصبين الذين شفوا غليلهم وأرضوا شهواتهم فحرقوا وأبادوا ودمروا كل ما وصلت إليه أيديهم من تراث علمي يوناني اعتقادًا منهم أنه قد يتعارض والتعاليم المسيحية.
ففي عام 48 ق. م. عندما حاصر يوليوس قيصر الإسكندرية التهمت ألسنة النيران جزءًا كبيرًا من المكتبة الشهيرة الكائنة في «موسيون» ، فما كان كليوباترة إلا أنها عوضت هذه الخسارة ببعض الكتب التي كانت موجودة في «برجامون» . لكن في القرن الثالث الميلادي نجد عمليات التخريب والإتلاف تواصل عملها دون انقطاع، فنجد بطريركًا مسيحيًا يغلق الموسيون ويطرد علماءه، وفي عهد القيصر «فالين» تحولت عام 316 م جامعة «كيزاريوم» إلى كنيسة، كما خربت مكتبتها وأحرقت محتوياتها واضطهد فلاسفتها بتهمة السحر والشعوذة. وفي عام 391 م حصل البطريرك «ثيوفيلوس» من القيصر «ثيودوسيوس» على إذن بتخريب أكبر مزار في العالم القديم وهو آخر وأكبر أكاديمية علمية، أعني «سرابيون» ، كما حرق مكتبته القديمة، ولعمري إنها أكبر كارثة أصابت الإنسانية إذ كانت أكبر ضربة وجهت إلى العلوم العقلية الإنسانية، وإن مصيبة العالم فيها لا تعوض فهي ولا شك مأساة المآسي.
ولم تقف أعمال التخريب والحرق والتدمير التي قام بها متعصبو المسيحية عند هذا، بل نجد حتى أشباه الأقوياء يهيمون باقتراف أعمال الاضطهاد والتعذيب ويتخذون من ذلك لا هواية فحسب بل وسيلة للتفاني في المسيحية، فنحن نعلم أن
صديق البطريرك الأنطاكي وهو «سيفيروس» يعترف دون خجل كيف أنه وصديقه كثيرًا ما اقترفا، أيام شبابهما في القرن الخامس الميلادي وفي الإسكندرية حيث كانا منضمين إلى هيئة مسيحية، كثيرًا من الآثام والجرائم الخلقية ضد العلماء الوثنيين وضد دور عبادتهم، فقد كسرا أنصاب آلهتهم وخربا معابدهم، وهكذا مجد مراكز الثقافة الهلّينية يختفي الواحد بعد الآخر. ففي عام 529 م أقفلت آخر مدرسة للفلسفة في أثينا، وفي عام 600 م احترقت في روما المكتبة التي أسسها «أغسطس» ، كما حرم تدريس أدبيات الأقدمين وعلومهم وبخاصة الرياضيات، وهدمت حتى بقايا المباني القديمة. ولما تقدم العرب نحو الإسكندرية ودخلوها عام 642 م لم تكن بها منذ زمن بعيد دور للكتب سواء كانت هذه الدور كبيرة أو صغيرة. والتهمة التي ألحقت بعد خمسة قرون بالقائد العربي عمرو بن العاص بأنه هو الذي أحرق مكتبة الإسكندرية الكبرى محض كذب وافتراء، وقد اخترعت هذه الفرية لتساق كمثل من أمثلة الأعمال البربرية والوحشية العربية، وقد ثبت اليوم بالأدلة التي لا تقبل شكًا أنها أكذوبة الأكاذيب.
فهذا الفاتح العربي، الذي فتحت له الإسكندرية أبوابها، قد جاء في طريقه بكثير من الأعمال التي تدل على التسامح العربي الأصيل، فقد منع تخريب البلاد وتدميرها، كما سلك مسلكًا غريبًا حثًا على الشرقيين الأقدمين والمسيحيين. «لقد منح سكان البلاد الحرية الدينية في هذا العهد الذي هو مثال عربي حي للعهود والمواثيق العربية التي تعني بالسلام، فقد شملت تلك العهود جميع الرعايا المسيحيين والقسيسين والرهبان والراهبات. لقد منح الإسلام الشعوب المغلوبة الأمان والحماية حيثما دعت الحالة إلى ذلك، كما انصرف عهد الأمان هذا إلى كنائسهم ومساكنهم ومزاراتهم والذين يقصدونها مثل: الجيورجيين والأحباش واليعقوبيين والنساطرة وجميع الذين يؤمنون بالنبي عيسى فجميع هؤلاء يستحقون العناية، وذلك لأنه سبق للنبي محمد أن آمنهم بعهد عليه خاتمه، كما حذرنا من ألا نكون رحماء معهم ونؤمنهم على حياتهم وممتلكاتهم. إن هذه ليست وعودًا جوفاء» .