الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَسَالِيبِهِ الْإِتْيَانُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي تَخْتَلِفُ مَعَانِيهَا بِاخْتِلَافِ حُرُوفِهَا أَوِ اخْتِلَافِ حَرَكَاتِ حُرُوفِهَا وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ اخْتِلَافِ كَثِيرٍ مِنَ الْقِرَاءَاتِ مِثْلَ: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَن إِنَاثًا [الزخرف: 19] قرىء (عِنْدَ) بِالنُّونِ دون ألف وقرىء (عِبَادُ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَأَلِفٍ بَعْدَهَا، وَمِثْلَ: إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف: 57] بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِهَا. وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ السَّادِسَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مِمَّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ جِهَةِ الْأُسْلُوبِ مَا سَمَّاهُ أَئِمَّةُ نَقْدِ الْأَدَبِ بِالْجَزَالَةِ، وَمَا سَمَّوْهُ بِالرِّقَّةِ وَبَيَّنُوا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَقَامَاتِهِ وَهُمَا رَاجِعَتَانِ إِلَى مَعَانِي الْكَلَامِ، وَلَا تَخْلُو سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ تَكَرُّرِ هَذَيْنِ الْأُسْلُوبَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بَالِغٌ غَايَتَهُ فِي مَوْقِعِهِ، فَبَيْنَمَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53] وَيَقُولُ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ
الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
[النِّسَاء: 28] إِذْ تَسْمَعُهُ يَقُولُ: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت: 13] قَالَ عِيَاض فِي «الشِّفَاء» : إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ أَمْسَكَ بِيَدِهِ عَلَى فَمِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ لَهُ: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ إِلَّا مَا كَفَفْتَ.
عادات الْقُرْآن
يَحِقُّ عَلَى الْمُفَسِّرِ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَادَاتِ الْقُرْآنِ مِنْ نَظْمِهِ وَكَلِمِهِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ بَعْضُ السَّلَفِ لِشَيْءٍ مِنْهَا، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ كَاسٍ فِي الْقُرْآنِ فَالْمُرَادُ بِهَا الْخَمْرُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ أَيْضًا. وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ:
مَا سَمَّى اللَّهُ مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا، وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا [الشورى: 28] . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ مِنْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الْبَقَرَة: 21] فَالْمَقْصُودُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ الْمُشْرِكُونَ.
وَقَالَ الْجَاحِظُ فِي «الْبَيَانِ» : «وَفِي الْقُرْآنِ مَعَانٍ لَا تَكَادُ تَفْتَرِقُ، مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالْجُوعِ وَالْخَوْفِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ» قُلْتُ: وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ مَا جَاءَ بِوَعِيدٍ إِلَّا أَعْقَبَهُ بِوَعْدٍ، وَمَا جَاءَ بِنِذَارَةٍ إِلَّا أَعْقَبَهَا بِبِشَارَةٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِأُسْلُوبِ الِاسْتِطْرَادِ وَالِاعْتِرَاضِ لِمُنَاسَبَةِ التَّضَادِّ، وَرَأَيْتُ مِنْهُ قَلِيلًا فِي شِعْرِ الْعَرَبِ كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
فَاقْطَعْ لُبَانَةَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ
…
فَلَشَرُّ وَاصِلِ خُلَّةٍ صَرَّامُهَا
وَاحْبُ الْمُجَامِلَ بِالْجَزِيلِ وَصَرْمُهُ
…
بَاقٍ إِذَا ظَلِعَتْ وَزَاغَ قِوَامُهَا
وَفِي الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ تَعَالَى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: 50، 51] الْآيَةَ: «جِيءَ بِهِ مَاضِيًا عَلَى عَادَةِ اللَّهِ فِي أَخْبَارِهِ» . وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ مِنْ سُورَةِ الْعُقُودِ [109] : «عَادَةُ هَذَا الْكِتَابِ الْكَرِيمِ أَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرَائِعِ وَالتَّكَالِيفِ أَتْبَعَهَا إِمَّا بِالْإِلَهِيَّاتِ وَإِمَّا بِشَرْحِ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكَالِيفِ وَالشَّرَائِعِ» .
وَقَدِ اسْتَقْرَيْتُ بِجُهْدِي عَادَاتٍ كَثِيرَةً فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوَاضِعِهَا، وَمِنْهَا أَنَّ كَلِمَةَ هَؤُلَاءِ إِذَا لَمْ يَرِدْ بَعْدَهَا عَطْفُ بَيَانٍ يُبَيِّنُ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ فَإِنَّهَا يُرَادُ بِهَا
الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ [الزخرف: 29] وَقَوْلِهِ:
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ [الْأَنْعَام: 89] وَقَدِ اسْتَوْعَبَ أَبُو الْبَقَاءِ الْكُفُوِيُّ فِي كِتَابِ «الْكُلِّيَّاتِ» فِي أَوَائِلِ أَبْوَابِهِ كُلِّيَّاتٍ مِمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَعَانِي الْكَلِمَاتِ، وَفِي «الْإِتْقَانِ» لِلسُّيُوطِيِّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدِ اسْتَقْرَيْتُ أَنَا مِنْ أَسَالِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ إِذَا حَكَى الْمُحَاوَرَاتِ وَالْمُجَاوَبَاتِ حَكَاهَا بِلَفْظِ قَالَ دُونَ حُرُوفِ عَطْفٍ، إِلَّا إِذَا انْتَقَلَ مِنْ مُحَاوَرَةٍ إِلَى أُخْرَى، انْظُرْ قَوْلَهُ تَعَالَى:
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها إِلَى قَوْلِهِ: أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ [الْبَقَرَة: 30- 33] .
وَأَمَّا الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ جِهَاتِ الْإِعْجَازِ وَهِيَ مَا أَوْدَعَهُ مِنَ الْمَعَانِي الْحِكَمِيَّةِ وَالْإِشَارَاتِ الْعِلْمِيَّةِ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ سِوَى الشِّعْرِ وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «كَانَ الشِّعْرُ عِلْمَ الْقَوْمِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ أَصَحُّ مِنْهُ» .
إِنَّ الْعِلْمَ نَوْعَانِ عِلْمٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَعِلْمٌ حَقِيقِيٌّ، فَأَمَّا الِاصْطِلَاحِيُّ فَهُوَ مَا تَوَاضَعَ النَّاسُ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهُ يُعَدُّ فِي صَفِّ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا قَدْ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْعُصُورِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ وَالْأَقْطَارِ، وَهَذَا النَّوْعُ لَا تَخْلُو عَنْهُ أُمَّةٌ.
وَأَمَّا الْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ مَعْرِفَةُ مَا بِمَعْرِفَتِهِ كَمَالُ الْإِنْسَانِ، وَمَا بِهِ يَبْلُغُ إِلَى ذُرْوَةِ الْمَعَارِفِ وَإِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ النَّافِعَةِ عَاجِلًا وَآجِلًا، وَكِلَا الْعِلْمَيْنِ كَمَالٌ إِنْسَانِيٌّ وَوَسِيلَةٌ لِسِيَادَةِ أَصْحَابِهِ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَبَيْنَ الْعِلْمَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ. وَهَذِهِ الْجِهَةُ خَلَا عَنْهَا كَلَامُ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ أَغْرَاضَ شِعْرِهِمْ كَانَتْ لَا تَعْدُو وَصْفَ الْمُشَاهَدَاتِ وَالْمُتَخَيَّلَاتِ وَالِافْتِرَاضَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلَا تَحُومُ حَوْلَ تَقْرِيرِ الْحَقَائِقِ وَفَضَائِلِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي هِيَ أَغْرَاضُ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا صِدْقًا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ.
وَقَدِ اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ عَلَى النَّوْعَيْنِ، فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَتَنَاوُلُهُ قَرِيبٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَدِّ فِكْرٍ وَلَا يَقْتَضِي نَظَرًا فَإِنَّ مَبْلَغَ الْعلم عِنْدهم يؤمئذ عُلُومُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَعْرِفَةُ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَقَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ وَأَخْبَارِ الْعَالَمِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ [الْأَنْعَام: 155- 157] وَقَالَ: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا
[هود: 49] وَنَحْوَ
هَذَا مِنْ مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي عَنَاهُ عِيَاضٌ بِقَوْلِهِ فِي «الشِّفَاءِ» : «مَا أَنْبَأَ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ وَالْأُمَمِ الْبَائِدَةِ وَالشَّرَائِعِ الدَّاثِرَةِ مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُ الْقِصَّةَ مِنْهُ إِلَّا الْفَذُّ مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي قَضَى عُمُرَهُ فِي تَعْلِيمِ ذَلِكَ فَيُورِدُهُ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم عَلَى وَجْهِهِ فَيَعْتَرِفُ الْعَالِمُ بِذَلِكَ بِصِحَّتِهِ وَصِدْقِهِ كَخَبَرِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ، وَيُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَذِي الْقَرْنَيْنِ، وَلُقْمَانَ» إِلَخْ كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ قَدْ سَاقَهُ فِي غَيْرِ مَسَاقِنَا بَلْ جَاءَ بِهِ دَلِيلًا عَلَى الْإِعْجَازِ مِنْ حَيْثُ عِلْمُهُ بِهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ ثُبُوتِ الْأُمِّيَّةِ، وَمِنْ حَيْثُ مُحَاجَّتِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا أَرَدْنَا عَدَّ هَذَا الْوَجْهِ فِي نَسَقِ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ فَذَلِكَ فِيمَا نَرَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَكُنْ أَدَبُهُمْ مُشْتَمِلًا عَلَى التَّارِيخِ إِلَّا بِإِشَارَاتٍ نَادِرَةٍ، كَقَوْلِهِمْ دِرْعٌ عَادِيَّةٌ، وَرُمْحٌ يَزَنِيَّةٌ،
وَقَوْلِ شَاعِرِهِمْ:
أَحْلَامُ عَادٍ وَأَجْسَامٌ مُطَهَّرَةٌ
…
وَقَوْلِ آخَرَ:
تَرَاهُ يَطُوفُ الْآفَاقَ حِرْصًا
…
لِيَأْكُلَ رَأْسَ لُقْمَانَ بْنِ عَادِ
وَلَكِنَّهُمْ لَا يَأْبَهُونَ بِذِكْرِ قِصَصِ الْأُمَمِ الَّتِي هِيَ مَوَاضِعُ الْعِبْرَةِ، فَجَاءَ الْقُرْآنُ بِالْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ تَفْصِيلًا كَقَوْلِهِ: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ [الْأَحْقَاف: 21] وَكَقَوْلِهِ:
فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت: 13] وَلِهَذَا يَقِلُّ فِي الْقُرْآنِ التَّعَرُّضُ إِلَى تَفَاصِيلِ أَخْبَارِ الْعَرَبِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ مَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ قَلِيلٌ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ عَلَى مَعْنَى الْعِبْرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ بِخَبَرِ عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ تُبَّعٍ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ السَّابِعَةِ فِي قَصَصِ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ إِعْجَازِهِ الْعِلْمِيِّ فَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكْفِي لِإِدْرَاكِهِ فَهْمُهُ وَسَمْعُهُ، وَقِسْمٌ يُحْتَاجُ إِدْرَاكُ وَجْهِ إِعْجَازِهِ إِلَى الْعِلْمِ بِقَوَاعِدِ الْعُلُومِ فَيَنْبَلِجُ لِلنَّاسِ شَيْئًا فَشَيْئًا انْبِلَاجَ أَضْوَاءِ الْفَجْرِ عَلَى حَسَبِ مَبَالِغِ الْفُهُومِ وَتَطَوُّرَاتِ الْعُلُومِ، وَكِلَا الْقِسْمَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ أُمِّيٌّ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُعَالِجْ أَهْلُهُ دَقَائِقَ الْعُلُومِ، وَالْجَائِي بِهِ ثَاوٍ بَيْنَهُمْ لَمْ يُفَارِقْهُمْ. وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ إِلَى هَذِهِ الْجِهَةِ مِنَ الْإِعْجَازِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَصَصِ:[49- 50] قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ ثُمَّ إِنَّهُ مَا كَانَ قَصَارَاهُ مُشَارَكَةَ أَهْلِ الْعُلُومِ فِي عُلُومِهِمُ الْحَاضِرَةِ، حَتَّى ارْتَقَى إِلَى مَا لَمْ يَأْلَفُوهُ وَتَجَاوَزَ مَا دَرَسُوهُ وَأَلَّفُوهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [27] :
«كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَلْفَاظٍ يَفْهَمُهَا الْعَوَامُّ وَأَلْفَاظٍ يَفْهَمُهَا الْخَوَاصُّ وَعَلَى مَا يَفْهَمُهُ الْفَرِيقَانِ وَمِنْهُ هَذِهِ الْآيَةُ فَإِنَّ الْإِيلَاجَ يَشْمَلُ الْأَيَّامَ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا الْخَوَاصُّ وَالْفُصُولَ الَّتِي يُدْرِكُهَا سَائِرُ الْعَوَامِّ» أَقُولُ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الْأَنْبِيَاء: 30] .
فَمِنْ طُرُقِ إِعْجَازِهِ الْعِلْمِيَّةِ أَنَّهُ دَعَا لِلنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، قَالَ فِي «الشِّفَاءِ» : «وَمِنْهَا جَمْعُهُ لِعُلُومٍ وَمَعَارِفَ لَمْ تُعْهَدْ لِلْعَرَبِ، وَلَا يُحِيطُ بِهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَمِ، وَلَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا كِتَابٌ مِنْ كُتُبِهِمْ فَجَمَعَ فِيهِ مِنْ بَيَانِ عَلَمِ الشَّرَائِعِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى طَرْقِ الْحُجَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالرَّدِّ عَلَى فِرَقُُِ
الْأُمَمِ بِبَرَاهِينَ قَوِيَّةٍ وَأَدِلَّةٍ كَقَوْلِهِ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الْأَنْبِيَاء: 22] وَقَوْلِهِ: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: 81] .
وَلَقَدْ فَتَحَ الْأَعْيُنَ إِلَى فَضَائِلِ الْعُلُومِ بِأَنْ شَبَّهَ الْعِلْمَ بِالنُّورِ وبالحياة كَقَوْلِه: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا [يس: 70] وَقَوْلِهِ: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [الْبَقَرَة: 257] وَقَالَ: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: 43] وَقَالَ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 9] .
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْإِعْجَازِ هُوَ الَّذِي خَالَفَ بِهِ الْقُرْآنُ أَسَالِيبَ الشِّعْرِ وَأَغْرَاضَهُ مُخَالَفَةً وَاضِحَةً. هَذَا وَالشَّاطِبِيُّ قَالَ فِي «الْمُوَافَقَاتِ» : «إِنَّ الْقُرْآنَ لَا تُحْمَلُ مَعَانِيهِ وَلَا يُتَأَوَّلُ إِلَّا عَلَى مَا هُوَ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ» وَلَعَلَّ هَذَا الْكَلَامَ صَدَرَ مِنْهُ فِي التَّفَصِّي مِنْ مُشْكِلَاتٍ فِي مَطَاعِنِ الْمُلْحِدِينَ اقْتِصَادًا فِي الْبَحْثِ وَإِبْقَاءً عَلَى نَفِيسِ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَنْفِي إِعْجَازَ الْقُرْآنِ لِأَهْلِ كُلِّ الْعُصُورِ، وَكَيْفَ يُقْصَرُ إِدْرَاكُ إِعْجَازِهِ بَعْدَ عَصْرِ الْعَرَبِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِعَجْزِ أَهْلِ زَمَانِهِ إِذْ عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ، وَإِذْ نَحْنُ نُسَلِّمُ لَهُمُ التَّفَوُّقَ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ، فَهَذَا إِعْجَازٌ إِقْنَاعِيٌّ بِعَجْزِ أَهْلِ عَصْرٍ وَاحِدٍ وَلَا يُفِيدُ أَهْلَ كُلِّ عَصْرٍ إِدْرَاكُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ. وَقَدْ بَيَّنْتُ نَقْضَ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ فِي أَوَاخِرِ الْمُقَدِّمَةِ الرَّابِعَةِ.
وَقَدْ بَدَتْ لِي حُجَّةٌ لِتَعَلُّقِ هَذِهِ الْجِهَةِ الثَّالِثَةِ بِالْإِعْجَازِ وَدَوَامِهِ وَعُمُومِهِ وَهِيَ
قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيءٌ إِلَّا أُوتِيَ- أَوْ أُعْطِيَ- مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
فَفِيهِ نُكْتَتَانِ غَفَلَ عَنْهُمَا شَارِحُوهُ: الْأُولَى أَنَّ
قَوْلَهُ: «مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ»
اقْتَضَى أَن كل نبيء جَاءَ بِمُعْجِزَةٍ هِيَ إِعْجَازٌ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ كَانَ قَوْمُهُ أَعْجَبَ بِهِ وَأَعْجَزَ عَنْهُ فَيُؤْمِنُونَ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الْمُعْجِزَةِ، «وَمَعْنَى آمَنَ» عَلَيْهِ أَيْ لِأَجْلِهِ وَعَلَى شَرْطِهِ، كَمَا تَقُولُ عَلَى هَذَا يَكُونُ عَمَلُنَا أَوِ اجْتِمَاعُنَا، الثَّانِيَةُ أَنَّ
قَوْلَهُ: «وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا»
اقْتَضَى أَنْ لَيْسَتْ مُعْجِزَتُهُ مِنْ قَبِيلِ الْأَفْعَالِ كَمَا كَانَتْ مُعْجِزَاتُ الرُّسُلِ الْأَوَّلِينَ أَفْعَالًا لَا أَقْوَالًا، كَقَلْبِ الْعَصَا وَانْفِجَارِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، بَلْ كَانَتْ مُعْجِزَتُهُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ دَلَالَةٍ عَلَى عَجْزِ الْبَشَرِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مِنْ جِهَتَيِ اللَّفْظِ وَالْمَعَانِي، وَبِذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ كُلُّ مَنْ يَبْتَغِي إِدْرَاكَ ذَلِكَ مِنَ الْبَشَرِ وَيَتَدَبَّرُهُ وَيُفْصِحُ عَنْ ذَلِكَ تعقيبه
بقوله: «فأرجوا أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا»
إِذْ قَدْ عَطَفَ بِالْفَاءِ الْمُؤْذِنَةِ بِالتَّرَتُّبِ، فَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ كَوْنِهِ أُوتِيَ وَحْيًا وَبَيْنَ كَوْنِهِ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ
أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا لَا تَنْجَلِي إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْمُعْجِزَةُ صَالِحَةً لِجَمِيعِ الْأَزْمَانِ حَتَّى يَكُونَ الَّذِينَ يَهْتَدُونَ لِدِينِهِ لِأَجْلِ مُعْجِزَتِهِ أُمَمًا كَثِيرِينَ عَلَى اخْتِلَافِ قَرَائِحِهِمْ فَيَكُونُ هُوَ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَابِعًا لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِالتَّابِعِ التَّابِعُ لَهُ فِي حَقَائِقِ الدِّينِ الْحَقِّ لَا اتِّبَاعُ الِادِّعَاءِ وَالِانْتِسَابِ بِالْقَوْلِ، وَلَعَلَّ الرَّجَاءَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى كَوْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِهِمْ تَابِعًا أَيْ أَكْثَرَ أَتْبَاعًا مِنْ أَتْبَاعِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، وَقَدْ أُغْفِلَ بَيَانُ وَجْهِ التَّفْرِيعِ فِي هَذَا اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ الْبَلِيغِ.
وَهَذِهِ الْجِهَةُ مِنَ الْإِعْجَازِ إِنَّمَا تَثْبُتُ لِلْقُرْآنِ بِمَجْمُوعِهِ أَيْ مَجْمُوعِ هَذَا الْكِتَابِ إِذْ لَيْسَتْ كُلُّ آيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ وَلَا كُلُّ سُورَةٍ مِنْ سُوَرِهِ بِمُشْتَمِلَةٍ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِعْجَازِ، وَلِذَلِكَ فَهُوَ إِعْجَازٌ حَاصِلٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرُ حَاصِلٍ بِهِ التَّحَدِّي إِلَّا إِشَارَةً نَحْوَ قَوْلِهِ: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النِّسَاء: 82] .
وَإِعْجَازُهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لِلْعَرَبِ ظَاهِرٌ، إِذْ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِتِلْكَ الْعُلُومِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: 49] وَإِعْجَازُهُ لِعَامَّةِ النَّاسِ أَنْ تَجِيءَ تِلْكَ الْعُلُومُ مِنْ رَجُلٍ نَشَأَ أُمِّيًّا فِي قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، وَإِعْجَازُهُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً إِذْ كَانَ يُنْبِئُهُمْ بِعُلُومِ دِينِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا، وَلَا قِبَلَ لَهُمْ بِأَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ عَلَّمُوهُ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَرْأًى مِنْ قَوْمِهِ فِي مَكَّةَ بَعِيدًا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانَ مُسْتَقَرُّهُمْ بِقُرَى النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ وَتَيْمَاءَ وَبِلَادِ فِلَسْطِينَ، وَلِأَنَّهُ جَاءَ بِنَسْخِ دِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَالْإِنْحَاءِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي تَحْرِيفِهِمْ، فَلَوْ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ لَأَعْلَنُوا ذَلِكَ وَسَجَّلُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ عَقَّهُمْ حَقَّ التَّعْلِيمِ.
وَأَمَّا الْجِهَةُ الرَّابِعَةُ وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالْمُغَيَّبَاتِ فَقَدِ اقْتَفَيْنَا أَثَرَ مَنْ سَلَفَنَا مِمَّنْ عَدَّ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ اعْتِدَادًا مِنَّا بِأَنَّهُ مِنْ دَلَائِلِ كَوْنِ الْقُرْآنِ مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ
لَيْسَ لَهُ مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ وَدَلَالَةِ فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ عَلَى الْمَعَانِي الْعُلْيَا، وَلَا هُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى جُزْئِيَّاتِ هَذَا النَّوْعِ فِي تَضَاعِيفِ هَذَا التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَدْ جَاءَ كَثِيرٌ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ مِنْهَا قَوْلُهُ: الم غُلِبَتِ الرُّومُ [الرُّومُ: 1، 2] الْآيَةَ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ أَهْلُ فَارِسَ عَلَى الرُّومِ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ الرُّومُ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ [الرّوم: 1- 4] فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يَصِيحُ بِهَا فِي نَوَاحِي مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَفَلَا نُرَاهِنُكَ عَلَى
ذَلِكَ؟ قَالَ بَلَى وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَوْلُهُ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النُّور: 55] وَقَوْلُهُ: لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النَّحْل: 8] فَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْمَرَاكِبِ مُنَبَّأٌ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الْفَتْح: 1] نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِعَامَيْنِ. وَقَوْلُهُ: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخافُونَ [الْفَتْح: 27] . وَأَعْلَنَ ذَلِكَ الْإِعْجَازَ بِالتَّحَدِّي بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْقُرْآنِ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَنْ تَفْعَلُوا [الْبَقَرَة: 23، 24] فَسَجَّلَ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ أَبَدًا وَكَذَلِكَ كَانَ، كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا فِي الْجِهَةِ الثَّالِثَةِ.
وَكَأَنَّكَ بَعْدَ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ قَدْ صِرْتَ قَدِيرًا على الحكم فِي اخْتَلَفَ فِيهِ أَئِمَّةُ عِلْمِ الْكَلَامِ مِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ لِلْعَرَبِ هَلْ كَانَ بِمَا بَلَغَهُ مِنْ مُنْتَهَى الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَحُسْنِ النَّظْمِ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنَ النُّكَتِ وَالْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي لَا تَقْفُ بِهَا عِدَّةً، وَيَزِيدُهَا النَّظَرُ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ جِدَّةً، فَلَا تَخْطُرُ بِبَالِ نَاظِرٍ مِنَ الْعُصُورِ الْآتِيَةِ نُكْتَةٌ أَوْ خُصُوصِيَّةٌ إِلَّا وَجَدَ آيَاتِ الْقُرْآنِ تَتَحَمَّلُهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إِيدَاعُ ذَلِكَ فِي كَلَامٍ إِلَّا لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ، أَوْ كَانَ الْإِعْجَازُ بِصَرْفِ اللَّهِ تَعَالَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ سَلَبَهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ لَأَمْكَنَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدُورِ الْبَشَرِ، وَنُسِبَ هَذَا إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ مَنْقُولٌ فِي «شرح التفتازانيّ عَلَى الْمِفْتَاحِ» عَنِ النَّظَّامِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَيُسَمَّى مَذْهَبَ أَهْلِ الصَّرْفَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ فِي «الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ» . وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ
«إِعْجَازِ الْقُرْآنِ» ، وَأَبْطَلَ مَا عَدَاهُ بِمَا لَا حَاجَةَ إِلَى التَّطْوِيلِ بِهِ، وَعَلَى اعْتِبَارِهِ دوّن أَئِمَّة الْعَرَبيَّة عَلِمَ الْبَلَاغَةِ، وَقَصَدُوا مِنْ ذَلِكَ تَقْرِيبَ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ عَلَى التَّفْصِيلِ دون الْإِجْمَال، فجاؤوا بِمَا يُنَاسِبُ الْكَامِلَ مِنْ دَلَائِلَ الْكَمَالِ.