الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِضَمِيرِ الْخِطَابِ إِمَّا لِنُكْتَةِ اسْتِحْضَارِ حَالِهِ وَإِمَّا لِكَوْنِ الْمُخَاطَبِينَ مِثَالَهُمْ وَصُورَتَهُمْ فَإِنَّ مَا يَثْبُتُ مِنَ الْفَضَائِلِ لِآبَاءِ الْقَبِيلَةِ يَثْبُتُ لِأَعْقَابِهِمْ فَالْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ عَلَى حَدِّ مَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [الحاقة: 11] فَالْخِطَابُ لَيْسَ بِالْتِفَاتٍ لِأَنَّ اعْتِبَارَ أَحْوَالِ الْقَبَائِلِ يُعْتَبَرُ لِلْخَلَفِ مَا ثَبَتَ مِنْهُ للسلف.
[50]
[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 50]
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)
هَذَا زِيَادَةٌ فِي التَّفْصِيلِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرَى عَظِيمَةٍ خَارِقَةٍ لِلْعَادَةِ، بِهَا كَانَ تَمَامُ الْإِنْجَاءِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَفِيهَا بَيَانُ مِقْدَارِ إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَمُعْجِزَةٌ لِمُوسَى عليه السلام وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ فَرَقْنا إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ بِوَاسِطَةِ الْحَرْفِ جَارٍ عَلَى نَحْوِ تَعْدِيَةِ فعل نَجَّيْناكُمْ [الْبَقَرَة: 49] إِلَى ضَمِيرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفَرَقَ وَفَرَّقَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ إِذِ التَّشْدِيدُ يُفِيدُهُ تَعْدِيَةً وَمَعْنَاهُ الْفَصْلُ بَيْنَ أَجْزَاءِ شَيْءٍ مُتَّصِلِ الْأَجْزَاءِ، غَيْرَ أَنَّ فَرَّقَ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ التَّفْرِقَةِ وَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْأَجْزَاءُ الْمُفَرَّقَةُ أَشَدَّ اتِّصَالًا، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ فَرَّقَ لِلْأَجْسَامِ وَفَرَقَ لِلْمَعَانِي نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ (1) وَهُوَ غَيْرُ تَامٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ بِدَلِيلِ
هَذِهِ الْآيَةِ، فَالْوَجْهُ أَنَّ فَرَّقَ بِالتَّشْدِيدِ لِمَا فِيهِ عِلَاجٌ وَمُحَاوَلَةٌ وَأَنَّ الْمُخَفَّفَ وَالْمُشَدَّدَ كِلَيْهِمَا حَقِيقَةٌ فِي فَصْلِ الْأَجْسَامِ وَأَمَّا فِي فَصْلِ الْمَعَانِي الْمُلْتَبِسَةِ فَمَجَازٌ.
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْقِرَاءَاتُ الْمُتَوَاتِرَةُ الْعَشْرُ عَلَى قِرَاءَةِ (فَرَقْنَا) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّخْفِيفُ مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ ذَلِكَ الْفَرْقُ الشَّدِيدُ خَفِيفًا.
وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيمِ الْعَظَائِمُ وأل فِي (الْبَحْر) للْعهد وَهُوَ الْبَحْرُ الَّذِي عَهِدُوهُ أَعْنِي بَحْرَ الْقُلْزُمِ الْمُسَمَّى الْيَوْمَ بِالْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَسَمَّتْهُ التَّوْرَاةُ بَحْرَ سُوفٍ.
وَالْبَاءُ فِي (بِكُمْ) إِمَّا لِلْمُلَابَسَةِ كَمَا فِي طَارَتْ بِهِ الْعَنْقَاءُ وَعَدَا بِهِ الْفَرَسُ، أَيْ كَانَ فَرْقُ الْبَحْرِ مُلَابِسًا لَكُمْ وَالْمُرَادُ مِنَ الْمُلَابَسَةِ أَنَّهُ يُفْرَقُ وَهُمْ يُدْخُلُونَهُ فَكَانَ الْفَرْقُ حَاصِلًا بِجَانِبِهِمْ. وَجَوَّزَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» كَوْنَ الْبَاءِ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ بِسَبَبِكُمْ يَعْنِي لِأَجْلِكُمْ.
وَالْخِطَابُ هُنَا كَالْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الْبَقَرَة: 49] .
وَقَوْلُهُ: فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ هُوَ مَحَلُّ الْمِنَّةِ وَذِكْرِ النِّعْمَةَ وَهُوَ نَجَاتُهُمْ مِنَ الْهَلَاكِ وَهَلَاكُ عَدُوِّهِمْ، قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
(1)«الفروق» للقرافي 1/ 4- عَالم الْكتب.
كَيْفَ تَرَانِي قَالِيًا مِجَنِّي
…
قَدْ قَتَلَ اللَّهُ زيادا عني
فكون قَوْلُهُ: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ تَمْهِيدًا لِلْمِنَّةِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْأَمْرَيْنِ النَّجَاةِ وَالْهَلَاكِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ لِمُوسَى عليه السلام.
وَقَدْ أَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى مَا حَدَثَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مِصْرَ مِنْ لِحَاقِ جُنْدِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ لِمَنْعِهِمْ مِنْ مُغَادَرَةِ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا خَرَجُوا لَيْلًا إِمَّا بِإِذْنٍ مِنْ فِرْعَوْنَ كَمَا تَقُولُ التَّوْرَاةُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَإِمَّا خُفْيَةً كَمَا عَبَّرَتْ عَنْهُ التَّوْرَاةُ بِالْهُرُوبِ، حَصَلَ لِفِرْعَوْنَ نَدَمٌ عَلَى إِطْلَاقِهِمْ أَوْ أَغْرَاهُ بَعْضُ أَعْوَانِهِ بِصَدِّهِمْ عَنِ الْخُرُوجِ لِمَا فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ إِضَاعَةِ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَانُوا يُسَخَّرُونَ فِيهَا أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا رَآهُمْ سَلَكُوا غَيْرَ الطَّرِيقِ الْمَأْلُوفِ لِاجْتِيَازِ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ ظَنَّهُمْ يَرُومُونَ الِانْتِشَارَ فِي بَعْضِ جِهَاتِ مَمْلَكَتِهِ الْمِصْرِيَّةِ فَخَشِيَ شَرَّهُمْ إِنْ هُمْ بَعُدُوا عَنْ مَرْكَزِ مُلْكِهِ وَمُجْتَمَعِ قُوَّتِهِ وَجُنْدِهِ.
إِنَّ بني إِسْرَائِيل مَا خَرَجُوا مِنْ جِهَاتِ حَاضِرَةِ مِصْرَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَدِينَةُ مَنْفِيسَ (1) لَمْ
يَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الْمَأْلُوفَ لِبِلَادِ الشَّامِ إِذْ تُرِكُوا أَنْ يسلكوا طَرِيق شاطىء بَحْرِ الرُّومِ (الْمُتَوَسِّطِ) فَيَدْخُلُوا بَرِّيَّةَ سِينَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَرِقُوا الْبَحْرَ وَلَا يَقْطَعُوا أَكْثَرَ من اثْنَتَيْ عرة مَرْحَلَةً أَعْنِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مِيلًا وَسَلَكُوا طَرِيقًا جَنُوبِيَّةً شَرْقِيَّةً حَوْلَ أَعْلَى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ لِئَلَّا يَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الْمَأْلُوفَةَ الْآهِلَةَ بِقَوَافِلِ الْمِصْرِيِّينَ وَجُيُوشِ الْفَرَاعِنَةِ فَيَصُدُّوهُمْ عَنِ الِاسْتِرْسَالِ فِي سَيْرِهِمْ أَوْ يُلْحِقُ بِهِمْ فِرْعَوْنُ مَنْ يَرُدُّهُمْ لِأَنَّ مُوسَى عَلِمَ بِوَحْيٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشُّعَرَاء: 52] إِنَّ فِرْعَوْنَ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَصُدَّهُمْ عَنِ الْمُضِيِّ فِي سَيْرِهِمْ فَلِذَلِكَ سَلَكَ بِهِمْ- بِالْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ- طَرِيقًا غَيْرَ مَطْرُوقَةٍ فَكَانُوا مُضْطَرِّينَ لِلْوُقُوفِ أَمَامَ الْبَحْرِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ «فَمُ الْحَيْرُوثِ» فَهُنَالِكَ ظَهَرَتِ الْمُعْجِزَةُ إِذْ فَلَقَ اللَّهُ لَهُمُ الْبَحْرَ بِبَاهِرِ قُدْرَتِهِ فَأَمَرَ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ وَصَارَ فِيهِ طَرِيقٌ يَبَسٌ مَرَّتْ عَلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَكَانَ جُنْدُ فِرْعَوْنَ قَدْ لَحِقَ بِهِمْ وَرَامَ اقْتِحَامَ الْبَحْرِ وَرَاءَهُمْ فَانْطَبَقَ الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا.
(1) لِأَن مقرّ الإسرائيليين كَانَ بِمصْر السُّفْلى كَمَا تقدم وَكَانَت قاعدتها منفيس وَهِي يَوْم دُخُول بني