الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْآيَةَ.
وَغَيَّرَ الْأُسْلُوبَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِذِ انْتَقَلَ مِنْ خِطَابِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْحَدِيثِ عَنْهُمْ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ لِقَصْدِ الِاتِّعَاظِ بِحَالِهِمْ وَتَعْرِيضًا بِأَنَّهُمْ مُتَمَادُونَ عَلَى غَيِّهِمْ وَلَيْسُوا مُسْتَفِيقِينَ مِنْ ضَلَالِهِمْ فَهُمْ بِحَيْثُ لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. وَهَذَا الظُّلْمُ الَّذِي قُدِّرَ فِي نَظْمِ الْآيَةِ هُوَ ضَجَرُهُمْ مِنْ مُدَاوَمَةِ أَكْلِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [الْبَقَرَة: 61] الْآيَةَ فَكَانَ قَوْلُهُ: وَما ظَلَمُونا تَمْهِيدًا لَهُ وَتَعْجِيلًا بِتَسْجِيلِ قِلَّةِ شُكْرِهِمْ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِمْ إِذْ كَانَتْ شَكِيمَتُهُمْ لَمْ تُلَيِّنْهَا الزَّوَاجِرُ وَلَا الْمَكَارِمُ.
وَقَوْلُهُ: وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قَدَّمَ فِيهِ الْمَفْعُولَ لِلْقَصْرِ وَقَدْ حَصَلَ الْقَصْرُ أَوَّلًا بِمُجَرَّدِ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ثُمَّ أُكِّدَ بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّ حَالَهُمْ كَحَالِ مَنْ يَنْكِي غَيْرَهُ كَمَا قِيلَ: يَفْعَلُ الْجَاهِلُ بِنَفْسِهِ مَا يَفْعَلُ الْعَدو بعدوه.
[58، 59]
[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 58 إِلَى 59]
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59)
هَذَا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرَى مُكِّنُوا مِنْهَا فَمَا أَحْسَنُوا قَبُولَهَا وَلَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَحُرِمُوا مِنْهَا إِلَى حِينٍ وَعُوقِبَ الَّذِينَ كَانُوا السَّبَبَ فِي عَدَمِ قَبُولِهَا. وَفِي التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ امْتِنَانٌ
عَلَيْهِمْ بِبَذْلِ النِّعْمَةِ لَهُمْ لِأَنَّ النِّعْمَةَ نِعْمَةٌ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ، وَإِثَارَةٌ لِحَسْرَتِهِمْ عَلَى مَا فَاتَ أَسْلَافَهُمْ وَمَا لَقُوهُ مِنْ جَرَّاءِ إِعْجَابِهِمْ بِآرَائِهِمْ، وَمَوْعِظَةٌ لَهُمْ أَنْ لَا يَقَعُوا فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الْأَوَّلُونَ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ كُلَّمَا صَدَفُوا عَنْ قَدْرِ حَقِّ النِّعَمِ نَالَتْهُمُ الْمَصَائِبُ. قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا، وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِهَا.
وَلِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَا عَنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ اخْتُصِرَ فِيهَا الْكَلَامُ اخْتِصَارًا تَرَكَ كَثِيرًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا حَيَارَى، فَسَلَكُوا طَرَائِقَ فِي انْتِزَاعِ تَفْصِيلِ الْمَعْنَى مِنْ مُجْمَلِهَا فَمَا أَتَوْا عَلَى شَيْءٍ مُقْنِعٍ، وَكُنْتَ تَجِدُ أَقْوَالَهُمْ هُنَا إِذَا الْتَأَمَ
بَعْضُهَا بِنَظْمِ الْآيَةِ (1) لَا يَلْتَئِمُ بَعْضُهُ الْآخَرُ، وَرُبَّمَا خَالَفَ جَمِيعُهَا مَا وَقع فِي أَيَّام أُخَرَ.
وَالَّذِي عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ فِي تَفْسِيرِ هَاتِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا أَشَارَتْ إِلَى قِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ تَضَمَّنَتْهَا كُتُبُهُمْ وَهِيَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا طَوَّحَتْ بِهِمُ الرِّحْلَةُ إِلَى بَرِّيَّةِ فَارَانَ نَزَلُوا بِمَدِينَةِ قَادِشٍ فَأَصْبَحُوا عَلَى حُدُودِ أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي هِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي وَعَدَهَا اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مِصْرَ فَأَرْسَلَ مُوسَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا لِيَتَجَسَّسُوا أَرْضَ كَنْعَانَ مِنْ كل سبط رجل وَفِيهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَكَالَبُ بْنُ بَفْنَةَ فَصَعِدُوا وَأَتَوْا إِلَى مَدِينَةِ حَبْرُونَ فَوَجَدُوا الْأَرْضَ ذَاتَ خَيْرَاتٍ وَقَطَعُوا مِنْ عِنَبِهَا وَرُمَّانِهَا وَتِينِهَا وَرَجَعُوا لِقَوْمِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَخْبَرُوا مُوسَى وَهَارُونَ وَجَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرَوْهُمْ ثَمَرَ الْأَرْضِ وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهَا حَقًّا تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا غَيْرَ أَنَّ أَهْلَهَا ذَوُو عِزَّةٍ وَمُدُنَهَا حَصِينَةٌ جِدًّا فَأَمَرَ مُوسَى كَالِبًا فَأَنْصَتَ إِسْرَائِيلُ إِلَى مُوسَى وَقَالَ إِنَّنَا نَصْعَدُ وَنَمْتَلِكُهَا وَكَذَلِكَ يُوشَعُ أَمَّا الْعَشَرَةُ الْآخَرُونَ فَأَشَاعُوا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَذَمَّةَ الْأَرْضِ وَأَنَّهَا تَأْكُلُ سُكَّانَهَا وَأَنَّ سُكَّانَهَا جَبَابِرَةٌ فَخَافَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ وَجَبُنُوا عَنِ الْقِتَالِ فَقَامَ فِيهِمْ يُوشَعُ وَكَالِبٌ قَائِلِينَ لَا تَخَافُوا مِنَ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُمْ لُقْمَةٌ لَنَا وَاللَّهُ مَعَنَا، فَلَمْ يُصْغِ الْقَوْمُ لَهُمْ وَأَوْحَى اللَّهُ لِمُوسَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَسَاءُوا الظَّنَّ بِرَبِّهِمْ وَأَنَّهُ مُهْلِكُهُمْ فَاسْتَشْفَعَ لَهُمْ مُوسَى فَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُ حَرَمَهُمْ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فَلَا يَدْخُلُ لَهَا أَحَدٌ مِنَ
الْحَاضِرِينَ يَوْمئِذٍ إِلَّا يوشعا وكالبا وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى الْجَوَاسِيسِ الْعَشَرَةِ الْمُثَبِّطِينَ وَبَاءً أَهْلَكَهُمْ.
فَهَذِهِ الْآيَةُ تَنْطَبِقُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ تَمَامَ الِانْطِبَاقِ لَا سِيَّمَا إِذَا ضَمَّتْ لَهَا آيَةَ سُورَةِ [الْمَائِدَةِ: 21، 25] يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ الْفاسِقِينَ فَقَوْلُهُ: ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا «حَبْرُونَ» الَّتِي كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهُمْ وَالَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهَا جَوَاسِيسُهُمْ وَأَتَوْا بِثِمَارِهَا، وَقِيلَ: أَرَادَ مِنَ الْقَرْيَةِ الْجِهَةَ كُلَّهَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَبَّةَ فَإِنَّ الْقَرْيَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْمَزْرَعَةِ لَكِنَّ هَذَا يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: وَادْخُلُوا الْبابَ وَإِن كَانَ الْبَابَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَدْخَلِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَكَيْفَمَا كَانَ يَنْتَظِمُ
(1) ذَلِك أَن الْآيَة لم تعين اسْم الْقرْيَة وَلَا عَامل حطة وَلَا مَفْعُوله، وأجملت فِي الَّذين بدلُوا وَفِي القَوْل مَا هُوَ، وَفِي الَّذِي قيل لَهُم، وَالْقَصْد من ذَلِك تجنب ثقل إِعَادَة الْأَمر الْمَعْلُوم فَإِن بني إِسْرَائِيل المخاطبين كَانُوا يعلمُونَ ذَلِك وَالْمُسْلِمين بِالْمَدِينَةِ كَانُوا يتلقونه مفصلا من النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَمن مُسْلِمِي أهل الْكتاب مثل عبد الله بن سَلام.
ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ:
فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً يُشِيرُ إِلَى الثِّمَارِ الْكَثِيرَةِ هُنَاكَ. وَقَوْلُهُ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَشَاعَهُ الْجَوَاسِيسُ الْعَشَرَةُ مِنْ مَذَمَّةِ الْأَرْضِ وَصُعُوبَتِهَا وَأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالَ مُوسَى حَيْثُ اسْتَنْصَتَ الشَّعْبُ بِلِسَانِ كَالَبِ بْنِ بَفْنَةَ وَيُوشَعَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [162] فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا أَيْ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا الْقَرْيَةَ وَأَنَّ الرِّجْزَ الَّذِي أَصَابَ الَّذِينَ ظَلَمُوا هُوَ الْوَبَاءُ الَّذِي أَصَابَ الْعَشَرَةَ الْجَوَاسِيسَ، وَيَنْتَظِمُ ذَلِكَ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ [21، 22] وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ إِلَخْ وَقَوْلِهِ: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ [الْمَائِدَة: 23] فَإِنَّ الْبَابَ يُنَاسِبُ الْقَرْيَةَ. وَقَوْلُهُ: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ [الْمَائِدَة:
26] . فَهَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ الْمُنْطَبِقُ عَلَى التَّارِيخِ الصَّرِيحِ.
فَقَوْلُهُ: وَإِذْ قُلْنَا أَيْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى فَبَلَّغَهُ لِلْقَوْمِ بِوَاسِطَةِ اسْتِنْصَاتِ كَالِبِ بْنِ بَفْنَةَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوَافِقُ مَا فِي سُورَةِ الْعُقُودِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَوْلُهُ: ادْخُلُوا إِمَّا أَمْرٌ بِدُخُولِ قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْهُمْ وَهِيَ «حَبْرُونُ» لِتَكُونَ مَرْكَزًا أَوَّلًا لَهُمْ، وَالْأَمْرُ بِالدُّخُولِ أَمْرٌ بِمَا يَتَوَقَّفُ الدُّخُولُ عَلَيْهِ أَعْنِي الْقِتَالَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْمَائِدَةِ إِذْ قَالَ: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ إِلَى قَوْلِهِ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَإِنَّ الِارْتِدَادَ عَلَى الْأَدْبَارِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَعَارَفَةِ فِي الْحُرُوبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ [الْأَنْفَال: 15] . وَلَعَلَّ فِي الْإِشَارَةِ بِكَلِمَةِ هذِهِ الْمُفِيدَةِ لِلْقُرْبِ مَا يُرَجِّحُ أَنَّ الْقَرْيَةَ هِيَ حَبْرُونُ الَّتِي طَلَعَ إِلَيْهَا جَوَاسِيسُهُمْ.
وَالْقَرْيَةُ- بِفَتْحِ الْقَافِ لَا غَيْرَ عَلَى الْأَصَحِّ- الْبَلْدَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْمَسَاكِنِ الْمَبْنِيَّةِ مِنْ
حِجَارَةٍ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقَرْيِ- بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَبِالْيَاءِ- وَهُوَ الْجَمْعُ يُقَالُ: قَرَى الشَّيْءَ يَقْرِيهِ إِذَا جَمَعَهُ وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى الْبَلْدَةِ الصَّغِيرَةِ وَعَلَى الْمَدِينَةِ الْكَبِيرَةِ ذَاتِ الْأَسْوَارِ وَالْأَبْوَابِ كَمَا أُرِيدَ بِهَا هُنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً. وَجَمْعُ الْقَرْيَةِ قُرًى بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ قِيَاسَ فُعَلٍ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا لِفِعْلَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ مِثْلَ كِسْوَةٍ وَكُسَى وَقِيَاسُ جَمْعِ قَرْيَةٍ أَنْ يَكُونَ عَلَى قِرَاءٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِالْمَدِّ كَمَا قَالُوا: رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ وَشَكْوَةٌ وَشِكَاءٌ.
وَقَوْلُهُ: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً مُرَادٌ بِهِ بَابُ الْقَرْيَةِ لِأَنَّ الْ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْعِوَضِيَّةِ عَنِ
الْمُضَافِ إِلَيْهِ الدَّالِّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْمُتَقَدِّمُ. وَمَعْنَى السُّجُودِ عِنْدَ الدُّخُولِ الِانْحِنَاءُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِأَنَّ بَابَهَا قَصِيرٌ كَمَا قِيلَ، إِذْ لَا جَدْوَى لَهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ السُّجُودِ مُطْلَقُ الِانْحِنَاءِ لِإِظْهَارِ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ كَيْلَا يَفْطِنَ لَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَهَذَا مِنْ أَحْوَالِ الْجَوْسَسَةِ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهَا التَّوْرَاةُ وَيَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ الْمَأْمُورُ بِهِ سُجُودَ الشُّكْرِ لِأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ مُتَجَسِّسِينَ لَا فَاتِحِينَ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَصِيَّةَ مُوسَى فَدَخَلُوا يزحفون على أستاهم كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا إِظْهَارَ الزَّمَانَةِ فَأَفْرَطُوا فِي التَّصَنُّعِ بِحَيْثُ يَكَادُ أَنْ يَفْتَضِحَ أَمْرُهُمْ لِأَنَّ بَعْضَ التَّصَنُّعِ لَا يُسْتَطَاعُ اسْتِمْرَارُهُ.
وَقَوْلُهُ: وَقُولُوا حِطَّةٌ الْحِطَّةُ فِعْلَةٌ مِنَ الْحَطِّ وَهُوَ الْخَفْضُ وَأَصْلُ الصِّيغَةِ أَنَّ تَدُلَّ عَلَى الْهَيْئَةِ وَلَكِنَّهَا هَنَا مُرَادٌ بِهَا مُطْلَقُ الْمَصْدَرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ مَعْرُوفًا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لِلدِّلَالَةِ عَلَى الْعَجْزِ أَوْ هُوَ مِنْ أَقْوَالِ السُّؤَّالِ وَالشَّحَّاذِينَ كَيْلَا يَحْسِبَ لَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ حِسَابًا وَلَا يَأْخُذُوا حَذَرًا مِنْهُمْ فَيَكُونُ الْقَوْلُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ قَوْلًا يُخَاطِبُونَ بِهِ أَهْلَ الْقَرْيَةِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْحِطَّةِ سُؤَالُ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ أَيْ حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا أَيِ اسْأَلُوا اللَّهَ غُفْرَانَ ذُنُوبِكُمْ إِنْ دَخَلْتُمُ الْقَرْيَةَ. وَقِيلَ: مِنَ الْحَطِّ بِمَعْنَى حَطِّ الرِّحَالِ أَيْ إِقَامَةٍ أَيِ ادْخُلُوا قَائِلِينَ إِنَّكُمْ نَاوُونَ الْإِقَامَةَ بِهَا إِذِ الْحَرْبُ وَدُخُولُ دِيَارِ الْعَدُوِّ يَكُونُ فَتْحًا وَيَكُونُ صُلْحًا وَيَكُونُ لِلْغَنِيمَةِ ثُمَّ الْإِيَابِ. وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ بَعِيدَانِ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالرَّفْعِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ تُنَافِي الْقَوْلَ بِأَنَّهَا طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ لَا يَرْتَفِعُ عَلَى مَعْنَى الْإِخْبَارِ نَحْوَ سَقْيًا وَرَعْيًا وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ إِذَا قُصِدَ بِهِ الْمَدْحُ أَوِ التَّعَجُّبُ لِقُرْبِهِمَا مِنَ الْخَبَرِ دُونَ الدُّعَاءِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ الْخَبَرُ فِي الدُّعَاءِ إِلَّا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ نَحْوَ رحمه الله وَيَرْحَمُهُ الله.
و (حطة) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ نَحْوَ سَمْعٌ وَطَاعَةٌ وصبر جَمِيلٌ.
وَالْخَطَايَا جَمْعُ خَطِيئَةٍ وَلَامُهَا مَهْمُوزَةٌ فَقِيَاس جمعهَا خطائيء بِهَمْزَتَيْنِ بِوَزْنِ فَعَائِلَ
فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْهَمْزَتَانِ قُلِبَتِ الثَّانِيَةُ يَاءً لِأَنَّ قَبْلَهَا كَسْرَةً أَوْ لِأَنَّ فِي الْهَمْزَتَيْنِ ثِقَلًا فَخَفَّفُوا الْأَخِيرَةَ مِنْهُمَا يَاءً ثُمَّ قَلَبُوهَا أَلِفًا إِمَّا لِاجْتِمَاعِ ثِقَلِ الْيَاءِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الْجَمْعِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمَّا أَشْبَهَ جَائِيَ اسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُعَامِلُوهُ مُعَامَلَةَ جَائِي لِأَنَّ هَمْزَةَ جَائِي زَائِدَة وهمزة خطائيء أَصْلِيَّةٌ فَفَرُّوا بِتَخْفِيفِهِ إِلَى قَلْبِ الْيَاءِ أَلِفًا كَمَا فَعَلُوا فِي يَتَامَى وَوَجَدُوا لَهُ فِي الْأَسْمَاءِ الصَّحِيحَةِ نَظِيرًا وَهُوَ طَهَارَى جَمْعُ طَاهِرَة. والخطيئة فعيلة بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ لِأَنَّهَا مَخْطُوءٌ بِهَا أَيْ مَسْلُوكٌ بِهَا
مَسْلَكَ الْخَطَأِ أَشَارُوا إِلَى أَنَّهَا فِعْلٌ يَحِقُّ أَنْ لَا يَقَعَ فِيهِ فَاعِلُهُ إِلَّا خَطَأً فَهِيَ الذَّنْبُ وَالْمَعْصِيَةُ.
وَقَوْلُهُ: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وَعْدٌ بِالزِّيَادَةِ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ (نَزِيدُ) . وَالْوَاوُ عَاطِفَةُ جُمْلَةِ سَنَزِيدُ عَلَى جُمْلَةِ قُلْنَا ادْخُلُوا أَيْ وَقُلْنَا سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ لِأَنَّ جُمْلَةَ سَنَزِيدُ حُكِيَتْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [161] مُسْتَأْنَفَةً فَعُلِمَ أَنَّهَا تُعَبِّرُ عَنْ نَظِيرٍ لَهَا فِي الْكَلَامِ الَّذِي خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ مُوسَى عَلَى مَعْنَى التَّرَقِّي فِي التَّفَضُّلِ فَلَمَّا حُكِيَتْ هُنَا عُطِفَتْ عَطْفَ الْقَوْلِ عَلَى الْقَوْلِ.
وَقَوْلُهُ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أَيْ بَدَّلَ الْعَشَرَةُ الْقَوْلَ الَّذِي أُمِرَ مُوسَى بِإِعْلَانِهِ فِي الْقَوْمِ وَهُوَ التَّرْغِيبُ فِي دُخُولِ الْقَرْيَةِ وَتَهْوِينُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُمْ: لَا تَسْتَطِيعُونَ قِتَالَهُمْ وَثَبَّطُوهُمْ وَلِذَلِكَ عُوقِبُوا فَأُنْزِلَ عَلَيْهِمْ رِجْزٌ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ الطَّاعُونُ. وَإِنَّمَا جُعِلَ مِنَ السَّمَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ أَرْضَى مِنْ عَدْوَى أَوْ نَحْوِهَا فَعُلِمَ أَنَّهُ رَمَتْهُمْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ بِأَنْ أُلْقِيَتْ عَنَاصِرُهُ وَجَرَاثِيمُهُ عَلَيْهِمْ فَأُصِيبُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَلِأَجْلِ هَذَا خُصَّ التَّبْدِيلُ بِفَرِيقٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ فَعُبِّرَ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ وَبِتِلْكَ الصِّلَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّبْدِيلَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ جَمِيعِ الْقَوْمِ أَوْ مُعْظَمِهِمْ لِأَنَّ الْآيَةَ تَذْكِيرٌ لِلْيَهُودِ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ لَهُمْ مِنْ حَوَادِثِهِمْ.
وَإِنَّمَا جَاءَ بِالظَّاهِرِ فِي مَوْضِعِ الْمُضْمَرِ فِي قَوْلِهِ: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الرِّجْزَ عَمَّ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبِذَلِكَ تَنْطَبِقُ الْآيَةُ عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ التَّوْرَاةُ تَمَامَ الِانْطِبَاقِ.
وَتَبْدِيلُ الْقَوْلِ تَبْدِيلُ جَمِيعِ مَا قَالَهُ اللَّهُ لَهُمْ وَمَا حَدَّثَهُمُ النَّاسُ عَنْ حَالِ الْقَرْيَةِ، وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى جَمِيعِ هَذَا بَنَى فِعْلَ قِيلَ إِلَى الْمَجْهُول إيجازا. فقولا مفعول أَو لِبَدَّلَ، وغَيْرَ الَّذِي قِيلَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَنَّ (بَدَّلَ) يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ مِنْ بَابِ كَسَى أَيْ مِمَّا دَلَّ عَلَى عَكْسِ مَعْنَى كَسَى مِثْلَ سَلَبَهُ ثَوْبَهُ. قَالَ أَبُو الشِّيصِ:
بُدِّلْتُ مِنْ بُرْدِ الشَّبَابِ مُلَاءَةً
…
خَلَقًا وَبِئْسَ مَثُوبَةُ الْمُقْتَاضِ
وَفَائِدَةُ إِظْهَارِ لَفْظِ الْقَوْلِ دُونَ أَنْ يُقَالَ فَبَدَّلُوهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا لَفْظَ حِطَّةٍ خَاصَّةً وَامْتَثَلُوا مَا عَدَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْأَمْرُ هَيِّنًا.