الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[84- 86]
[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 84 الى 86]
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ.
تَفَنَّنَ الْخِطَابُ هُنَا فَجَاءَ عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ، إِذْ عَبَّرَ هُنَا عَنْ جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِضَمِيرِ الْخِطَابِ عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ حِين نزُول الْقُرْآن (1) هُمُ الْمَقْصُودُونَ مِنْ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ أَوْ عَلَى طَرِيقِ تَنْزِيلِ الْخَلَفِ مَنْزِلَةَ السَّلَفِ كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الدَّاعِيَ لِلْإِظْهَارِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ مِنَ الِاسْتِطْرَادِ إِلَى بَقِيَّةِ الْمَقْصُودِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ قَدْ أَخَذَ مَا يَقْتَضِيهِ فَعَادَ أُسْلُوبُ الْخِطَابِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ فِي لَا تَسْفِكُونَ كَالْقَوْلِ فِي لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [الْبَقَرَة: 83] وَالسَّفْكُ الصَّبُّ. وَإِضَافَةُ الدِّمَاءِ إِلَى ضَمِيرِ فَاعِلِ تَسْفِكُونَ اقْتَضَتْ أَنَّ مَفْعُولَ تَسْفِكُونَ هُوَ دِمَاءُ السَّافِكِينَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَسْفِكَ الْإِنْسَانُ دَمَ نَفْسِهِ أَوْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِنْ دَارِهِ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا يَزَعُ الْمَرْءَ عَنْهُ وَازِعُهُ الطَّبِيعِيُّ فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الشَّرِيعَةِ الِاهْتِمَامُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ لَا يَسْفِكَ أَحَدٌ دَمَ غَيْرِهِ وَلَا يُخْرِجَ غَيْرَهُ مِنْ دَارِهِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النُّور: 61] أَيْ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.
فَوَجْهُ إِضَافَةِ الدِّمَاءِ إِلَى ضَمِيرِ السَّافِكِينَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأُمَّةِ أَوِ الْقَبِيلَةِ يَكُونُ مَدْلُولُ الضَّمَائِرِ فِيهَا مَجْمُوعَ النَّاسِ، فَإِذَا تَعَلَّقَتْ أَحْكَامٌ بِتِلْكَ الضَّمَائِرِ مِنْ إِسْنَادٍ أَوْ مَفْعُولِيَّةٍ أَوْ إِضَافَةٍ أُرْجِعَ كُلٌّ إِلَى مَا يُنَاسِبُهُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّوْزِيعِ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ وَنُكْتَتُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْمُغَايَرَةَ فِي حُقُوقِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ مُغَايَرَةٌ صُورِيَّةٌ وَأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ الْجَامِعَةُ أَوِ الْمَفْسَدَةُ الْجَامِعَةُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [الْبَقَرَة: 188] وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُ الْحَمَاسِيِّ الْحَارِثِ بْنِ وَعْلَةَ الذُّهْلِيِّ:
قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أَخِي
…
فَإِذَا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي
فَلَئِنْ عَفَوْتُ لَأَعْفُوَنَّ جَلَلَا
…
وَلَئِنْ سَطَوْتُ لَأُوهِنَنَّ عَظْمِي
يُرِيدُ أَنَّ سَهْمَهُ إِذَا أَصَابَ قَوْمَهُ فَقَدْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَسَمَّاهُ اللَّفَّ فِي الْقَوْلِ، أَيِ الْإِجْمَالُ الْمُرَادُ بِهِ التَّوْزِيعُ، وَذَهَبَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» إِلَى أَنَّهُ مِنْ تَشْبِيهِ الْغَيْرِ بِالنَّفْسِ لِشِدَّةِ اتِّصَالِ الْغَيْرِ بِالنَّفْسِ فِي الْأَصْلِ أَوِ الدِّينِ فَإِذَا قَتَلَ الْمُتَّصِلَ بِهِ نَسَبًا أَوْ دِينًا
(1) فِي المطبوعة (الْقرَاءَات) .
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ نَفْسَهُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ وَمَبْنَاهُ عَلَى الْمَجَازِ فِي الضَّمِيرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: دِماءَكُمْ وأَنْفُسَكُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ بِالتَّسَبُّبِ فِي قَتْلِ الْغَيْرِ فَيُقْتَصُّ مِنْكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ فَتُنْفَوْا مِنْ دِيَارِكُمْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَجَازِ التَّبَعِيِّ فِي تَسْفِكُونَ وتُخْرِجُونَ بِعَلَاقَةِ التَّسَبُّبِ.
وَأَشَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَى وَصِيَّتَيْنِ مِنَ الْوَصَايَا الْإِلَهِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْعَهْدِ الْمَعْرُوفِ بِالْكَلِمَاتِ الْعَشْرِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى مُوسَى عليه السلام مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تَقْتُلْ، لَا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ» فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ شَهْوَةِ بَيْتِ الْقَرِيبِ لِقَصْدِ سَدِّ ذَرِيعَةِ السَّعْيِ فِي اغْتِصَابِهِ مِنْهُ بِفَحْوَى الْخِطَابِ. وَعَلَيْهِ فَإِضَافَةُ (مِيثَاقٍ) إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ مُرَاعًى فِيهَا أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُتَدَيِّنِينَ بِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ فَقَدِ الْتَزَمُوا بِجَمِيعِ مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ مُرَتَّبٌ تَرْتِيبًا رُتَبِيًّا أَيْ أَخَذَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدَ وَأَقْرَرْتُمُوهُ أَيْ عَمِلْتُمْ بِهِ وَشَهِدْتُمْ عَلَيْهِ فَالضَّمِيرَانِ فِي أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ رَاجِعَانِ لِمَا رَجَعَ لَهُ ضَمِيرُ مِيثاقَكُمْ وَمَا بَعْدَهُ لِتَكُونَ الضَّمَائِرُ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ فِي النَّظْمِ. وَجُمْلَةُ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ حَالِيَّةٌ أَيْ لَا تُنْكِرُونَ إِقْرَارَكُمْ بِذَلِكَ إِذْ قَدْ تَقَلَّدْتُمُوهُ وَالْتَزَمْتُمُ التَّدَيُّنَ بِهِ.
وَالْعَطْفُ بِثُمَّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ أَيْ وَقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ، وَالْخِطَابُ لِلْيَهُودِ الْحَاضِرِينَ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: هؤُلاءِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَكُونُ إِلَى غَائِبٍ وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هَا أَنَا ذَا وَهَا أَنْتُمْ أُولَاءِ، فَلَيْسَتْ زِيَادَةُ اسْمِ الْإِشَارَةِ إِلَّا لِتَعْيِينِ مَفَادِ الضَّمِيرِ وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ عَرَبِيٌّ يَخْتَصُّ غَالِبًا بِمَقَامِ التَّعَجُّبِ مِنْ حَالِ الْمُخَاطَبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَ الْإِخْبَارِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُخْبِرِ وَالْمُخْبَرِ عَنْهُ تَخَالُفٌ فِي الْمَفْهُومِ وَاتِّحَادٌ فِي الصِّدْقِ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ بِحِمْلِ الِاشْتِقَاقِ نَحْوَ أَنْتَ صَادِقٌ، وَلِذَلِكَ لَزِمَ اخْتِلَافُ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْجُمُودِ وَالِاشْتِقَاقِ غَالِبًا أَوِ الِاتِّحَادِ فِي الِاشْتِقَاقِ وَلَا تَجِدُهُمَا جَامِدَيْنِ إِلَّا بِتَأْوِيلٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَقْصِدُ مِنَ الْإِخْبَارِ مَعْنَى مُصَادَفَةِ الْمُتَكَلِّمِ الشَّيْءَ عَيْنَ شَيْءٍ يَبْحَثُ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ نَحْوَ «أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ» قَالَهُ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ وَجَدَهُ مُثْخَنًا بِالْجِرَاحِ صَرِيعًا وَمُصَادَفَةُ الْمُخَاطَبِ ذَلِكَ فِي اعْتِقَادِ الْمُتَكَلِّمِ نَحْوَ «قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي» فَإِذَا أَرَادُوا ذَلِكَ تَوَسَّعُوا فِي طَرِيقَةِ الْإِخْبَارِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: «أَنَا ذَلِكَ» إِذَا كَانَتِ الْإِشَارَةُُُُُ
إِلَى مُتَقَرِّرٍ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَيْنُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ كَقَوْلِ خُفَافِ بْنِ نُدْبَةَ:
تَأَمَّلْ خُفَافًا إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا (1) وَقَوْلُ طَرِيفٍ الْعَنْبَرِيِّ:
فَتَوَسَّمُونِي إِنَّنِي أَنَا ذَالِكُمْ (2) وَأَوْسَعُ مِنْهُ عِنْدَهُمْ نَحْوَ قَوْلِ أَبِي النَّجْمِ:
أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي ثُمَّ إِذَا أَرَادُوا الْعِنَايَةَ بِتَحْقِيقِ هَذَا الِاتِّحَاد جَاءُوا «بهَا التَّنْبِيهِ» فَقَالُوا: هَا أَنَا ذَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُ لِمَنْ قَدْ يَشُكُّ أَنَّهُ هُوَ نَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِنَّ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ هَا أَنَا ذَا (3) فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ الَّذِي صَحَّحَ الْأَخْبَارَ مَعْلُومًا اقْتَصَرَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا اتَّبَعَ مِثْلَ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ بِجُمْلَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْحَالِ الَّتِي اقْتَضَتْ ذَلِكَ الْإِخْبَارَ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مَرَاتِبُ:
الْأُولَى ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ، الثَّانِيَةُ: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ [آل عمرَان: 119] . وَمِنْهُ «هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا» قَالَهُ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ. الثَّالِثَةُ هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
[النِّسَاء: 109] وَيُسْتَفَادُ مَعْنَى التَّعَجُّبِ فِي أَكْثَرِ مَوَاقِعِهِ مِنَ الْقَرِينَةِ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ وَجَدْتَهُ حَاضِرًا وَكُنْتَ لَا تَتَرَقَّبُ حُضُورَهُ هَا أَنْتَ ذَا، أَوْ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهُ إِذَا كَانَ مَفَادُهَا عَجِيبًا كَمَا رَأَيْتَ فِي الْأَمْثِلَةِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُمَا حَالًا، وَقِيلَ:
هِيَ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيَانِ مَنْشَأِ التَّعَجُّبِ، وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ هِيَ الْخَبَرُ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُنَادَى مُعْتَرِضٌ وَمَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ، وَقِيلَ: اسْمُ الْإِشَارَةِ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَهَذَا ضَعِيفٌ.
وَعَلَى الْخِلَافِ فِي مَوْقِعِ الْجُمْلَةِ اخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ أَتَى بَعْدَهَا أَنْتَ ذَا وَنَحْوُهُ بِمُفْرَدٍ فَقِيلَ يَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ وَقِيلَ: مَرْفُوعًا عَلَى الْخَبَرِ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مِثَالٌ أَنْشَدَهُ النُّحَاةُ وَهُوَ قَوْلُهُ:
أَبَا حَكَمٍ هَا أَنْتَ نَجْمُ مُجَالِدٍ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ ابْنُ مَالِكٍ فِي خُطْبَةِ «التَّسْهِيلِ» بِقَوْلِهِ: وَهَا أَنَا سَاعٍ فِيمَا انْتُدِبْتُ إِلَيْهِ، وَجَاءَُُُُُُ
(1) قبله «أَقُول لَهُ وَالرمْح يأطر مَتنه» .
(2)
تَمَامه «شاكي سلاحي فِي الْحَوَادِث معلم» . [.....]
(3)
تَمَامه «لَيْسَ الْفَتى من يَقُول كَانَ أبي» .
ابْنُ هِشَامٍ فِي خُطْبَةِ «الْمُغْنِي» بِقَوْلِهِ: وَهَا أَنَا مُبِيحٌ بِمَا أَسْرَرْتُهُ.
وَاخْتَلَفَ النُّحَاةُ أَيْضًا فِي أَنَّ وُقُوعَ الضَّمِيرِ بَعْدَ (هَا) التَّنْبِيهِ هَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَعْقُبَهُ اسْمُ الْإِشَارَةِ فَقَالَ فِي «التَّسْهِيلِ» هُوَ غَالِبٌ لَا لَازِمٌ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ هُوَ لَازِمٌ صَرَّحَ بِهِ فِي «حَوَاشِي التَّسْهِيلِ» بِنَقْلِ الدَّمَامِينِيِّ فِي «الْحَوَاشِي الْمِصْرِيَّةِ» فِي الْخُطْبَةِ وَفِي الْهَاءِ الْمُفْرَدَةِ.
وَقَالَ الرَّضِيُّ إِنَّ دُخُولَ (هَا) التَّنْبِيهِ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا وَإِنَّمَا يُفْصَلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اسْمِ الْإِشَارَةِ بِفَاصِلٍ فَمِنْهُ الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ الْمُنْفَصِلُ كَمَا رَأَيْتَ وَمِنْهُ الْقَسَمُ نَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ مِنْ «شَوَاهِدِ الرَّضِيِّ» :
تَعَلَّمَنْ هَا لَعَمْرُ اللَّهِ ذَا قَسَمَا
…
فَاقْدِرْ بِذَرْعِكَ فَانْظُرْ أَيْنَ تَنْسَلِكُ
وَشَذَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ النَّابِغَةِ:
هَا إِنَّ تَا عَذِرَةَ إِنْ لَا تَكُنْ نَفَعَتْ
…
فَإِنَّ صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ فِي الْبَلَدِ
وَقَوْلُهُ: تَقْتُلُونَ حَالٌ أَوْ خَبَرٌ. وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ لِقَصْدِ الدِّلَالَةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِكُمْ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ.
وَجَعَلَ فِي «الْكَشَّافِ» الْمَقْصُودَ بِالْخِطَابَاتِ كُلِّهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُرَادًا بِهِ أَسْلَافُ الْحَاضِرِينَ وَجَعَلَ قَوْلَهُ: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ مَعَ إِشْعَارِهِ بِمُغَايَرَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ لِلَّذِينَ وُجِّهَ إِلَيْهِمُ الْخِطَابُ مُرَادًا مِنْهُ مُغَايَرَةٌ تَنْزِيلِيَّةٌ لِتَغَيُّرِ صِفَاتِ الْمُخَاطَبِ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ تَكَلُّفٌ سَاقَهُ إِلَيْهِ مَحَبَّةُ جَعْلِ الْخِطَابَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُوَافِقَةً لِلْخِطَابَاتِ الَّتِي فِي الْآيِ قَبْلَهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَأَنَّ الْمُغَايَرَةَ مَقْصُودَةٌ هُنَا وَقَدِ اسْتَقَامَتْ فَلَا دَاعِي إِلَى التَّكَلُّفِ.
وَقَدْ أَشَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَى مَا حَدَثَ بَيْنَ الْيَهُودِ مِنَ التَّخَاذُلِ وَإِهْمَالِ مَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ شَرِيعَتُهُمْ (1) وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَقَيْنُقَاعَ. وَأَرَادَ مِنْ ذَلِكَ بِخَاصَّةٍ مَا
حَدَثَ بَيْنَهُمْ فِي حُرُوبِ بُعَاثَ الْقَائِمَةِ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّاُُ
(1) ابْتَدَأَ التخاذل بَين الْيَهُود بعد وَفَاة سُلَيْمَان وبيعة ابْنه رحبعام ملكا على إِسْرَائِيل إِذْ شقّ عَلَيْهِ عَصا الطَّاعَة غُلَام أَبِيه الْمُسَمّى يربعام وتحزب الأسباط عدا سبطي يهوذا وبنيامين مَعَ يربعام وَقد هم رحبعام أَن يُقَاتل من خرج عَنهُ فَنَهَاهُ النبيء شمعيا وَبِذَلِك كف رحبعام عَن الْقِتَال وَرَضي بِمن بَقِي مَعَه (إصحاح 12 مُلُوك أول) وَلما مَاتَ رحبعام وَولى ابْنه «أَبَيَا» جمع جَيْشًا لقِتَال يربعام عبد جده
تَقَاتَلَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ اعْتَزَلَ الْيَهُودُ الْفَرِيقَيْنِ زَمَنًا طَوِيلًا وَالْأَوْسُ مَغْلُوبُونَ فِي سَائِرِ أَيَّامِ الْقِتَالِ فَدَبَّرَ الْأَوْسُ أَنْ يَخْرُجُوا يَسْعَوْنَ لِمُحَالَفَةِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فَلَمَّا عَلِمَ الْخَزْرَجُ تَوَعَّدُوا الْيَهُودَ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّا لَا نُحَالِفُ الْأَوْسَ وَلَا نُحَالِفُكُمْ فَطَلَبَ الْخَزْرَجُ عَلَى الْيَهُودِ رَهَائِنَ أَرْبَعِينَ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فَسَلَّمُوهُمْ لَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيَّ الْخَزْرَجِيَّ أَطْمَعَ قَوْمَهُ أَنْ يَتَحَوَّلُوا لِقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لِحُسْنِ أَرْضِهِمْ وَنَخْلِهِمْ وَأَرْسَلَ إِلَى قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ يَقُولُ لَهُمْ: إِمَّا أَنْ تُخَلُّوا لَنَا دِيَارَكُمْ وَإِمَّا أَنْ نَقْتُلَ الرَّهَائِنَ فَخَشِيَ الْقَوْمُ عَلَى رَهَائِنِهِمْ وَاسْتَشَارُوا كَعْبَ بْنَ أُسَيْدٍ الْقُرَظِيَّ فَقَالَ لَهُمْ: «يَا قَوْمُ امْنَعُوا دِيَارَكُمْ وَخَلُّوهُ يَقْتُلِ الْغِلْمَانَ فَمَا هِيَ إِلَّا لَيْلَةٌ يُصِيبُ أَحَدُكُمْ فِيهَا امْرَأَتَهُ حَتَّى يُولَدَ لَهُ مثل أحدهم» فَلَمَّا أَجَابَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ عَمْرًا بِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ دِيَارَهُمْ عَدَا عَمْرٌو عَلَى الْغِلْمَانِ فَقَتَلَهُمْ فَلِذَلِكَ تَحَالَفَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ مَعَ الْأَوْسِ فَسَعَى الْخَزْرَجُ فِي مُحَالَفَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ مِنَ الْيَهُودِ وَبِذَلِكَ نَشَأَ قِتَالٌ بَيْنَ فِرَقِ الْيَهُودِ وَكَانَ بَيْنَهُمْ يَوْمَ بُعَاثٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَكَانَتِ الْيَهُودُ تَتَقَاتَلُ وَتُجْلِي الْمَغْلُوبِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ وَتَأْسِرُهُمْ، ثُمَّ لَمَّا ارْتَفَعَتِ الْحَرْبُ جَمَعُوا مَالًا وَفَدَوْا بِهِ أَسْرَى الْيَهُودِ الْوَاقِعِينَ فِي أَسْرِ أَحْلَافِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْأَوْسِ أَوِ الْخَزْرَجِ فَعَيَّرَتِ الْعَرَبُ الْيَهُودَ بِذَلِكَ وَقَالَتْ: كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ ثُمَّ تَفْدُونَهُمْ بِأَمْوَالِكُمْ فَقَالُوا: قَدْ حُرِّمَ عَلَيْنَا قِتَالُهُمْ وَلَكِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نَخْذُلَ حُلَفَاءَنَا وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَ الْأَسْرَى فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ.
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) .
الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ:
تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا وَقَعَ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ مِمَّا نُكِثَ فِيهِ الْعَهْدُ وَهُوَ
وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي ذِكْرِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى إِخْرَاجِ النَّاسِ
مِنْ دِيَارِهِمْ كَانَ فِي جُمْلَةِ الْمَنْهِيَّاتِ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْوَاوَ لِلْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً أَيْ تُخْرِجُونَهُمْ وَالْحَالُ إِنْ أَسَرْتُمُوهُمْ تَفْدُونَهُمْ. وَكَيْفَمَا قَدَّرْتَ فَقَوْلُهُ: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِ: يَأْتُوكُمْ إِمَّا حَالٌ مِنْ مَعْطُوفٍ وَإِمَّا حَالٌ مَنْ حَالٍ إِذْ لَيْسَ فِدَاءُ الْأَسِيرِ بِمَذْمُومٍ لِذَاتِهِ وَلَكِنَّ ذَمَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا قَارَنَهُ مَنْ سَبَب الْفِدَاء فَحمل التَّوْبِيخِ هُوَ مَجْمُوعُ الْمُفَادَاةِ مَعَ كَوْنِ الْإِخْرَاجِ مُحَرَّمًا وَبَعْدَ أَنْ قَتَلُوهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ، فَجُمْلَةُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ حَالِيَّةٌ مِنْ ضَمِيرِ تُفادُوهُمْ. وَصُدِّرَتْ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا وَإِظْهَارِ أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ لَدَيْهِمْ وَلَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى قَوْلِهِ:
وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ لِقِلَّةِ جَدْوَاهُ إِذْ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ تَشْنِيعٌ وتبليد لَهُم إِذْ تَوَهَّمُوا الْقُرْبَةَ فِيمَا هُوَ مِنْ آثَارِ الْمَعْصِيَةِ أَيْ كَيْفَ تَرْتَكِبُونَ الْجِنَايَةَ وَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَتَقَرَّبُونَ بِالْفِدَاءِ وَإِنَّمَا الْفِدَاءُ الْمَشْرُوعُ هُوَ فِدَاءُ الْأَسْرَى مِنْ أَيْدِي الْأَعْدَاءِ لَا مِنْ أَيْدِيكُمْ فَهَلَّا تَرَكْتُمْ مُوجِبَ الْفِدَاءِ؟.
وَعِنْدِي أَنَّ فِي الْآيَةِ دِلَالَةً عَلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي أَنَّ الْخَارِجَ مِنَ الْمَغْصُوبِ لَيْسَ آتِيًا بِوَاجِبٍ وَلَا بِحَرَامٍ وَلَكِنَّهُ انْقَطَعَ عَنْهُ تَكْلِيفُ النَّهْيِ وَأَنَّ الْقُرْبَةَ لَا تَكُونُ قُرْبَةً إِلَّا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ نَاشِئَةٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ.
وَالْأُسَارَى- بِضَمِّ الْهَمْزَةِ- جَمْعُ أَسِيرٍ حَمْلًا لَهُ عَلَى كَسْلَانَ كَمَا حَمَلُوا كَسْلَانَ عَلَى أَسِيرٍ فَقَالُوا: كَسْلَى هَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ لِأَنَّ قِيَاسَ جَمْعِهِ أَسْرَى كَقَتْلَى. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعٌ نَادِرٌ وَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى حَمْلٍ، كَمَا قَالُوا قُدَامَى جَمْعُ قَدِيمٍ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ جَمْعٍ فَالْأَسِيرُ يُجْمَعُ عَلَى أَسْرَى ثُمَّ يُجْمَعُ أَسْرَى عَلَى أُسَارَى وَهُوَ أَظْهَرُ. وَالْأَسِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ أَسَرَهُ إِذَا أَوْثَقَهُ وَهُوَ فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الْجَامِدِ فَإِنَّ الْإِسَارَ هُوَ السَّيْرُ مِنَ الْجِلْدِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ الْمَسْجُونُ وَالْمَوْثُوقُ وَكَانُوا يُوثِقُونَ الْمَغْلُوبِينَ فِي الْحَرْبِ بِسُيُورٍ مِنِ الْجِلْدِ، قَالَ النَّابِغَةُ:
لَمْ يَبْقَ غَيْرُ طَرِيدٍ غَيْرِ مُنْفَلِتٍ
…
أَوْ موثق فِي حباله الْقَدِّ مَسْلُوبِ
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (أُسَارَى) ، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ (أَسْرَى) .
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ تُفادُوهُمْ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْمُبَالَغَةِ
فِي الْفِدَاءِ أَيْ تَفْدُوهُمْ فِدَاءً حَرِيصًا، فَاسْتِعْمَالُ فَادَى هُنَا مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ مَثْلَ
عَافَاهُ اللَّهُ وَقَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَعَادَى عَدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ وَنَعْجَةٍ
…
دِرَاكًا فَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيَغْسِلِ
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَأَبُو جَعْفَر وَخلف تُفادُوهُمْ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ دُونَ أَلِفٍ بَعْدَ الْفَاءِ.
وَالْمُحَرَّمُ الْمَمْنُوعُ وَمَادَّةُ حَرَمَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلْمَنْعِ، وَالْحَرَامُ الْمَمْنُوعِ مَنْعًا شَدِيدًا أَوِ الْمَمْنُوعُ مَنْعًا مِنْ قِبَلِ الدِّينِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَشَهْرُ الْمُحَرَّمِ.
وَقَوْلُهُ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ أَيْ كَيْفَ تَعَمَّدْتُمْ مُخَالَفَةَ التَّوْرَاةِ فِي قِتَالِ إِخْوَانِكُمْ وَاتَّبَعْتُمُوهَا فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ، وَسُمِّيَ الْإِتْبَاعُ وَالْإِعْرَاضُ إِيمَانًا وَكُفْرًا عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعَارَةِ لِتَشْوِيهِ الْمُشَبَّهِ وَلِلْإِنْذَارِ بِأَنَّ تَعَمُّدَ الْمُخَالَفَةِ لِلْكِتَابِ قَدْ تُفْضِي بِصَاحِبِهَا إِلَى الْكُفْرِ بِهِ، وَإِنَّمَا وَقع فَتُؤْمِنُونَ فِي حَيِّزِ الْإِنْكَارِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَجِيبٌ وَهُوَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُمْ كَادُوا أَنْ يَجْحَدُوا تَحْرِيمَ إِخْرَاجِهِمْ أَوْ لَعَلَّهُمْ جَحَدُوا ذَلِكَ وَجَحْدُ مَا هُوَ قَطْعِيٌّ مِنَ الدِّينِ مُرُوقٌ مِنَ الدِّينِ.
وَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، عَطَفَتِ الِاسْتِفْهَامَ أَوْ عَطَفَتْ مُقَدَّرًا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ [الْبَقَرَة: 87] .
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ فَصِيحَةٌ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِيُّ أَوْ عَاطِفَةٌ عَلَى نَفْسِ الِاسْتِفْهَامِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ: إِنَّ الْجُمْلَةَ مُعْتَرِضَةٌ وَالِاعْتِرَاضُ بِالْفَاءِ وَهَذَا بَعِيدٌ مَعْنًى وَلَفْظًا، وَأما الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الِاعْتِرَاضَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالتَّذْيِيلِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُفِيدًا لِحَاصِلِ مَا تَقَدَّمَ وَغَيْرَ مُفِيدٍ حُكْمًا جَدِيدًا وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ اقْتِرَانَ الْجُمْلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ بِحَرْفٍ غَيْرِ الْوَاوِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِهِمْ.
وَالْخِزْيُ بِالْكَسْرِ ذُلٌّ فِي النَّفْسِ طَارِئٌ عَلَيْهَا فَجْأَةً لِإِهَانَةٍ لَحِقَتْهَا أَوْ مَعَرَّةٍ صَدَرَتْ مِنْهَا أَوْ حِيلَةٍ وَغَلَبَةٍ تَمَشَّتْ عَلَيْهَا وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ وَفِعْلُهُ مِنْ بَاب سمع فمصدره بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْخِزْيِ مَا لحق باليهود بَعْدَ تِلْكَ الْحُرُوبِ مِنَ الْمَذَلَّةِ بِإِجْلَاءِ النَّضِيرِ عَنْ دِيَارِهِمْ وَقَتْلِ قُرَيْظَةَ وَفَتْحِ خَيْبَرَ وَمَا قُدِّرَ لَهُمْ مِنَ الذُّلِّ بَيْنَ الْأُمَمِ.