المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة البقرة (2) : آية 106] - التحرير والتنوير - جـ ١

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌بَين يَدي الْكتاب

- ‌[تَرْجَمَة ابْن عاشور، بقلم مصطفى عاشور:]

- ‌من هُوَ

- ‌سفير الدعْوَة

- ‌آراء ومناصب

- ‌التَّحْرِير والتنوير

- ‌مقاصد الشَّرِيعَة

- ‌محنة التَّجْنِيس

- ‌صدق الله وَكذب بورقيبة

- ‌وَفَاته

- ‌[تَرْجَمَة ابْن عاشور، بقلم الْمهْدي بن حميدة]

- ‌1- آل عاشور

- ‌2- مولده ونشأته

- ‌3- مسيرته الدراسية والعلمية

- ‌4- شُيُوخه

- ‌5- تأثره بمفكري عصره

- ‌6- إصلاحاته ورؤيته للإصلاح

- ‌ تطور الْعُلُوم

- ‌ المسيرة النضالية

- ‌7- كتاباته ومؤلفاته

- ‌[مَبْحَث عَن التَّحْرِير والتنوير]

- ‌التَّعْرِيف بالتفسير:

- ‌الْمنْهَج الْعَام للتفسير:

- ‌الْمنْهَج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أَولا: أَسمَاء السُّور وَعدد الْآيَات وَالْوُقُوف وَبَيَان المناسبات:

- ‌ثَانِيًا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثَالِثا: موقفه من تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ:

- ‌رَابِعا: موقفه من تَفْسِير الْقُرْآن بِالسنةِ:

- ‌خَامِسًا: موقفه من تَفْسِير الْقُرْآن بأقوال السّلف:

- ‌سادسا: موقفه من السِّيرَة والتاريخ وَذكر الْغَزَوَات:

- ‌سابعا: موقفه من الْإسْرَائِيلِيات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللُّغَة:

- ‌تاسعا: موقفه من الْقرَاءَات:

- ‌عاشرا: موقفه من الْفِقْه وَالْأُصُول:

- ‌موقفه من النّسخ:

- ‌حادي عشر: موقفه من الْعُلُوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية:

- ‌ثَانِي عشر: موقفه من المواعظ والآداب:

- ‌جملَة من الانتقادات

- ‌أَولا: ذُو ثِقَة زَائِدَة بِنَفسِهِ أوقعته فِي مزالق:

- ‌ثَانِيًا: صَاحب استطراد وتكلف خرج عَن حد التَّفْسِير جملَة وتفصيلا على الرغم من إهماله التَّفْسِير فِي مَوَاضِع لَا يسْتَغْنى عَن تَفْسِيرهَا:

- ‌ثَالِثا: ذُو ولع شَدِيد بِالنَّقْدِ وَإِن كَانَ هُنَاكَ مندوحة لترك الانتقاد

- ‌الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فِي التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ وَكَوْنِ التَّفْسِيرِ عِلْمًا

- ‌ الْأَوَّلُ

- ‌وَالثَّانِي

- ‌وَالثَّالِثُ

- ‌الرَّابِعُ

- ‌الْخَامِسُ:

- ‌السَّادِسُ

- ‌الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فِي اسْتِمْدَادِ عِلْمِ التَّفْسِيرِ

- ‌تَنْبِيهٌ:

- ‌الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ فِي صِحَّةِ التَّفْسِيرِ بِغَيْرِ الْمَأْثُورِ وَمَعْنَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ وَنَحْوِهِ

- ‌أَوَّلُهَا:

- ‌ثَانِيهَا:

- ‌ثَالِثُهَا:

- ‌رَابِعُهَا:

- ‌خَامِسُهَا:

- ‌الْمُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ فِيمَا يَحِقُّ أَنْ يَكُونَ غَرَضَ الْمُفَسِّرِ

- ‌الْأَوَّلُ:

- ‌الثَّانِي:

- ‌الثَّالِثُ:

- ‌الرَّابِعُ:

- ‌الْخَامِسُ:

- ‌السَّادِسُ:

- ‌السَّابِعُ:

- ‌الثَّامِنُ:

- ‌الْأُولَى:

- ‌الثَّانِيَةُ:

- ‌الثَّالِثَةُ:

- ‌الرَّابِعَةُ:

- ‌الْمُقَدِّمَةُ الْخَامِسَةُ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ

- ‌الْأَوَّلُ:

- ‌وَالثَّانِي:

- ‌وَالثَّالِثُ:

- ‌وَالرَّابِعُ:

- ‌وَالْخَامِسُ:

- ‌الْمُقَدِّمَةُ السَّادِسَةُ فِي الْقِرَاءَاتِ

- ‌أَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى:

- ‌وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌مَرَاتِبُ الْقِرَاءَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا

- ‌الْمُقَدِّمَةُ السَّابِعَةُ قَصَصُ الْقُرْآنِ

- ‌الْفَائِدَةُ الْأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَة:

- ‌الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ:

- ‌أَحَدُهَا:

- ‌الثَّانِي:

- ‌الثَّالِثُ:

- ‌الرَّابِعُ:

- ‌الْخَامِسُ:

- ‌الْمُقَدِّمَةُ الثَّامِنَةُ فِي اسْمِ الْقُرْآنِ وَآيَاتِهِ وَسُوَرِهِ وَتَرْتِيبِهَا وَأَسْمَائِهَا

- ‌آيَات الْقُرْآن

- ‌تَرْتِيب الْآي

- ‌وقُوف الْقُرْآن

- ‌سور الْقُرْآن

- ‌الْمُقَدِّمَةُ التَّاسِعَةُ فِي أَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي تَتَحَمَّلُهَا جُمَلُ الْقُرْآنِ تُعْتَبَرُ مُرَادَةً بِهَا

- ‌الْمُقَدِّمَةُ الْعَاشِرَةُ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ

- ‌الْجِهَةُ الْأُولَى:

- ‌الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌مبتكرات الْقُرْآن

- ‌عادات الْقُرْآن

- ‌1- سُورَةُ الْفَاتِحَةِ

- ‌[سُورَة الْفَاتِحَة (1) : الْآيَات 1 الى 7]

- ‌الْكَلَام على الْبَسْمَلَة

- ‌الثَّانِي:

- ‌الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ:

- ‌الثَّالِثُ:

- ‌الرَّابِعُ:

- ‌الْخَامِسُ:

- ‌السَّادِسُ

- ‌2- سُورَةُ الْبَقَرَةِ

- ‌محتويات هَذِه السُّورَة

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 18]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 23]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 24]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 26 الى 27]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 31]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 36]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 37]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 38 إِلَى 39]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 40]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 42]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 43]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 45 إِلَى 46]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 47]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 48]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 49]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 50]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 51 إِلَى 52]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 53]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 54]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 55 إِلَى 56]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 57]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 58 إِلَى 59]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 63 إِلَى 64]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 65 إِلَى 66]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 67]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 68]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 69]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 70 الى 71]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 72 إِلَى 73]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 74]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 75]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 76 إِلَى 77]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 78]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 79]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 80 إِلَى 82]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 83]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 84 الى 86]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 87]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 88]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 89]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 90]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 91]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 92 إِلَى 93]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 94 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 96]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 97 إِلَى 98]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 99 إِلَى 101]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 102]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 103]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 104]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 105]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 106]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 107]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 108]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 109 إِلَى 110]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 111 إِلَى 112]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 113]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 114]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 115]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 116]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 117]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَةٌ 118]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 119]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 120]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 121]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 122 إِلَى 123]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 124]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 125]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 126]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 127]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 128]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 129]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 130 إِلَى 131]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 132]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 133]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 134]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 135]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 136]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 137]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 138]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 139]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 140]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 141]

الفصل: ‌[سورة البقرة (2) : آية 106]

كَانَتْ مَشِيئَتُهُ أَيْ إِرَادَتُهُ جَارِيَةً عَلَى وَفْقِ حِكْمَتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ كَيْفِيَّاتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ مِنْ

تعلقات الْعلم الإلاهي بِإِبْرَازِ الْحَوَادِثِ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [الْبَقَرَة: 32] فَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَقِيقٌ بِهَا لَا سِيَّمَا الرَّحْمَةِ الْمُرَادُ مِنْهَا النُّبُوءَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يَخْتَصُّ بِهَا مِنْ خَلْقِهِ قَابِلًا لَهَا فَهُوَ يَخْلُقُهُ عَلَى صَفَاءِ سَرِيرَةٍ وَسَلَامَةِ فِطْرَةٍ صَالِحَةٍ لِتَلَقِّي الْوَحْيِ شَيْئًا فَشَيْئًا قَالَ تَعَالَى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [يُوسُف: 22] وَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الْأَنْعَام: 124] وَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ النُّبُوءَةُ حَاصِلَةً بِالِاكْتِسَابِ لِأَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ لِلنُّبُوءَةِ مَنْ أَرَادَهُ لَهَا لِخَطَرِ أَمْرِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ فَهُوَ مُمْكِنُ الِاكْتِسَابِ كَالصَّلَاحِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِمَا فَرُبَّ فَاسِقٍ صَلُحَتْ حَالُهُ وَرُبَّ جَاهِلٍ مُطْبِقٍ صَارَ عَالِمًا بِالسَّعْيِ وَالِاكْتِسَابِ وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ لِصَاحِبِهَا مِنَ اسْتِعْدَادٍ فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ وَرَاءَ ذَلِكَ التَّوْفِيقُ وَعِنَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِعَبْدِهِ. وَلَمَّا كَانَتِ الِاسْتِعْدَادَاتُ لِمَرَاتِبِ الرَّحْمَةِ مِنَ النُّبُوءَةِ فَمَا دُونَهَا غَيْرَ بَادِيَةٍ لِلنَّاسِ طَوَى بِسَاطَ تَفْصِيلِهَا لِتَعَذُّرِهِ وَوُكِلَ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَا عَلِمَهُ وَاقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحَانَهُ رِفْقًا بِأَفْهَامِ الْمُخَاطَبِينَ.

وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ تَذْيِيلٌ لِأَنَّ الْفَضْلَ يَشْمَلُ إِعْطَاءَ الْخَيْرِ وَالْمُعَامَلَةَ بِالرَّحْمَةِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ وَاجِبَ مُرِيدِ الْخَيْرِ التَّعَرُّضُ لِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّغْبَةُ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَتَجَلَّى عَلَيْهِ بِصِفَةِ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ فَيَتَخَلَّى عَنِ الْمَعَاصِي وَالْخَبَائِثِ وَيَتَحَلَّى بِالْفَضَائِلِ وَالطَّاعَاتِ عَسَى أَنْ يُحِبَّهُ رَبُّهُ

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» .

[106]

[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 106]

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها.

مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلْآيَاتِ قَبْلَهَا أَنَّ الْيَهُودَ اعْتَذَرُوا عَنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِمْ: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا [الْبَقَرَة: 91] وَأَرَادُوا بِهِ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِغَيْرِهِ، وَهُمْ فِي عُذْرِهِمْ ذَلِكَ يَدَّعُونَ أَنَّ شَرِيعَتَهُمْ لَا تُنْسَخُ وَيَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّدًا وَصَفَ التَّوْرَاةَ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّهُ جَاءَ مُصَدِّقًا لَهَا فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْعُهُ مُبْطِلًا لِلتَّوْرَاةِ وَيُمَوِّهُونَ عَلَى النَّاسِ بِمَا سَمَّوْهُ الْبَدَاءَ وَهُوَ لُزُومُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا يَحْسُنُ تَشْرِيعُهُ وَأَنَّهُ يَبْدُو لَهُ الْأَمْرُ ثُمَّ يعرض عَنهُ ويبذل شَرِيعَةً بِشَرِيعَةٍ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ عَلَيْهِمْ عُذْرَهُمْ وَفَضَحَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرْعِهِمْ حَتَّى يَتَصَلَّبُوا فِيهِ وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [الْبَقَرَة: 91] وَقَوْلُهُ:

ص: 654

قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ [الْبَقَرَة: 94] إِلَخْ وَبِأَنَّهُمْ لَا دَاعِيَ لَهُمْ غَيْرُ الْحَسَدِ بِقَوْلِهِ:

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَى قَوْلِهِ: ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الْبَقَرَة: 105] الْمُنْبِئِ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْحَسَدُ، فَلَمَّا بَيَّنَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَرَادَ نَقْضَ تِلْكَ السَّفْسَطَةِ أَوِ الشُّبْهَةِ الَّتِي رَامُوا تَرْوِيجَهَا عَلَى النَّاسِ بِمَنْعِ النَّسْخِ. وَالْمَقْصِدُ الْأَصْلِيُّ مِنْ هَذَا هُوَ تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الشَّرَائِعِ وَهُوَ أَصْلُ النَّسْخِ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَى شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ بَعْدَهَا وَيَطْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَحْكَامِ شَرِيعَةٍ بِأَحْكَامٍ تُبْطِلُهَا مِنْ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ. وَلِكَوْنِ هَذَا هُوَ الْمَقْصِدَ الْأَصْلِيَّ عَدَلَ عَنْ مُخَاطَبَةِ الْيَهُودِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ. وَوَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ وَعَطَفَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ [الْبَقَرَة:

108] وَلِقَوْلِهِ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ شَرِيعَةٍ. وَفِي هَذَا إِعْرَاضٌ عَنْ مُخَاطَبَةِ الْيَهُودِ لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْمُسْلِمِينَ أَهَمُّ وَذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ الرَّدَّ عَلَى الْيَهُودِ بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ لِأَنَّهُ إِذَا ظَهَرَتْ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لِمَصْلَحَةٍ تَظْهَرُ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الشَّرَائِعِ.

وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لَهَاتِهِ الْآيَةِ سَبَبَ نُزُولٍ، فَفِي «الْكَشَّاف» و «المعالم» : نَزَلَتْ لَمَّا قَالَ الْيَهُودُ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» أَنَّ الْيَهُودَ طَعَنُوا فِي تَغْيِيرِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَيْءٍ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ فَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَلِذَلِكَ يُخَالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (نَنْسَخْ) بِفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى وَفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ أَصْلُ مُضَارِعِ نَسَخَ، وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ النُّونِ الْأُولَى وَكَسْرِ السِّينِ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعُ أَنْسَخَ مَهْمُوزًا بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ أَيْ نَأْمُرُ بنسخ آيَة.

و (مَا) شَرْطِيَّةٌ وَأَصْلُهَا الْمَوْصُولَةُ أُشْرِبَتْ مَعْنَى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ كَانَتِ اسْمًا لِلشَّرْطِ يَسْتَحِقُّ إِعْرَابَ الْمَفَاعِيلِ وَتُبَيَّنُ بِمَا يُفَسِّرُ إِبْهَامَهَا وَهِيَ أَيْضًا تُوجِبُ إِبْهَامًا فِي أَزْمَانِ الرَّبْطِ لِأَنَّ الرَّبْطَ وَهُوَ التَّعْلِيقُ لَمَّا نِيطَ بِمُبْهَمٍ صَارَ مُبْهَمًا فَلَا تَدُلُّ عَلَى زَمَنٍ مُعَيَّنٍ مِنْ أَزْمَانِ تَعْلِيقِ الْجَوَابِ عَلَى الشَّرْطِ وَرَبْطِهِ بِهِ.

و (مِنْ آيَةٍ) بَيَانٌ لِمَا. وَالْآيَةُ فِي الْأَصْلِ الدَّلِيلُ وَالشَّاهِدُ عَلَى أَمر. قَالَ الْحَرْث بْنُ حِلِّزَةَ:

مَنْ لَنَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ آيَا

تٌ ثَلَاثٌ فِي كُلِّهِنَّ الْقَضَاءُُُ

ص: 655

وَوَزْنُهَا فِعَلَةٌ بِتَحْرِيكِ الْعَيْنِ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَعَيْنُهَا يَاءٌ أَوْ وَاوٌ قُلِبَتْ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا آيِيُّ أَوْ آوِيُّ. ثُمَّ أُطْلِقَتِ الْآيَةُ عَلَى الْمُعْجِزَةِ لِأَنَّهَا دَلِيلُ صِدْقِ الرَّسُولِ قَالَ تَعَالَى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [الْإِسْرَاء: 59] . وَتُطْلَقُ الْآيَةُ عَلَى الْقِطْعَةِ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ مَوْعِظَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَهُوَ إِطْلَاقٌ قُرْآنِيٌّ قَالَ تَعَالَى:

وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النَّحْل: 101] وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ مِنْ مَعَانِي الْآيَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأَمَارَةَ الَّتِي يُعْطِيهَا الْمُرْسَلُ لِلرَّسُولِ لِيُصَدِّقَهُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ وَكَانُوا إِذَا أَرْسَلُوا وِصَايَةً أَوْ خَبَرًا مَعَ رَسُولٍ أَرْفَقُوهُ بِأَمَارَةٍ يُسَمُّونَهَا آيَةً لَا سِيَّمَا الْأَسِيرُ إِذَا أُرْسِلَ إِلَى قَوْمِهِ بِرِسَالَةٍ كَمَا فَعَلَ نَاشِبٌ الْأَعْوَرُ حِينَ كَانَ أَسِيرًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ بِلْعَنْبَرَ رِسَالَةً وَأَرَادَ تَحْذِيرَهُمْ بِمَا يُبَيِّتُهُ لَهُمْ أَعْدَاؤُهُمُ الَّذِينَ أَسَرُوهُ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: قُلْ لَهُمْ كَذَا بِآيَةِ مَا أَكَلْتُ مَعَكُمْ حَيْسًا. وَقَالَ سُحَيْمٌ الْعَبْدُ:

أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهَ يَا فَتًى

بِآيَةِ مَا جَاءَتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا

وَلِذَا أَيْضًا سَمَّوُا الرِّسَالَةَ آيَةً تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُجَاوِرِهِ عُرْفًا.

وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ هَنَا حُكْمُ الْآيَةِ سَوَاءٌ أُزِيلَ لَفْظُهَا أَمْ أُبْقِيَ لَفْظُهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ حِكْمَةِ إِبْطَالِ الْأَحْكَامِ لَا إِزَالَةُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ.

وَالنَّسْخُ إِزَالَةُ الشَّيْءِ بِشَيْءٍ آخَرَ قَالَهُ الرَّاغِبُ، فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِزَالَةِ صُورَةٍ أَوْ ذَاتٍ وَإِثْبَاتِ غَيْرِهَا عِوَضَهَا تَقُولُ نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ لِأَنَّ شُعَاعَهَا أَزَالَ الظِّلَّ وَخَلَفَهُ فِي مَوْضِعِهِ وَنَسَخَ الظِّلُّ الشَّمْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ خَيَالَ الْجِسْمِ الَّذِي حَالَ بَيْنَ الْجِسْمِ الْمُسْتَنِيرِ وَبَيْنَ شُعَاعِ الشَّمْسِ الَّذِي أَنَارَهُ قَدْ خَلَفَ الشُّعَاعَ فِي مَوْضِعِهِ وَيُقَالُ نَسَخْتُ مَا فِي الْخَلِيَّةِ مِنَ النَّحْلِ وَالْعَسَلِ إِلَى خَلِيَّةٍ أُخْرَى، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِزَالَةِ فَقَطْ دُونَ تَعْوِيضٍ كَقَوْلِهِمْ نَسَخَتِ الرِّيحُ الْأَثَرَ وَعَلَى الْإِثْبَاتِ لَكِنْ عَلَى إِثْبَاتٍ خَاصٍّ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْمُزِيلِ، وَأَمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ فَلَا أَحْسَبُهُ صَحِيحًا فِي اللُّغَةِ وَإِنْ أَوْهَمَهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّاغِبِ وَجُعِلَ مِنْهُ قَوْلُهُمْ نَسَخْتُ الْكِتَابَ إِذَا خَطَطْتَ أَمْثَالَ حُرُوفِهِ فِي صَحِيفَتِكَ إِذْ وَجَدُوهُ إِثْبَاتًا مَحْضًا لَكِنَّ هَذَا تَوَهَّمٌ لِأَنَّ إِطْلَاقَ النَّسْخِ عَلَى مُحَاكَاةِ حُرُوفِ الْكِتَابِ إِطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ بِالصُّورَةِ أَو تمثيلية بتشبيه الْحَالَةِ بِحَالَةِ مَنْ يُزِيلُ الْحُرُوفَ مِنَ الْكِتَابِ الْأَصْلِيِّ إِلَى الْكِتَابِ الْمُنْتَسَخِ ثُمَّ جَاءَتْ مِنْ ذَلِكَ النُّسْخَةُ قَالَ تَعَالَى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] وَقَالَ: وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ [الْأَعْرَاف: 154] وَأَمَّا قَوْلُهُمُُْ

ص: 656

الْوَلَدُ نُسْخَةٌ مِنْ أَبِيهِ فَمَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ.

وَلَا يُطْلَقُ النَّسْخُ عَلَى الزَّوَالِ بِدُونِ إِزَالَةٍ فَلَا تَقُولُ نَسَخَ اللَّيْلُ النَّهَارَ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ بَلْ هُوَ الظُّلْمَةُ الْأَصْلِيَّةُ الْحَاصِلَةُ مِنِ انْعِدَامِ الْجَرْمِ الْمُنِيرِ.

وَالْمُرَادُ مِنَ النَّسْخِ هُنَا الْإِزَالَةُ وَإِثْبَاتُ الْعِوَضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد الأصولين بِأَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِخِطَابٍ فَخَرَجَ التَّشْرِيعُ الْمُسْتَأْنَفُ إِذْ لَيْسَ بِرَفْعٍ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ رَفْعُ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالشَّرْعِ الْمُسْتَأْنِفِ. إِذِ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ هِيَ الْبَقَاءُ عَلَى عَدَمِ التَّكْلِيفِ الَّذِي كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ بِحَيْثُ إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَتَعَرَّضُ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى إِبَاحَةِ الْمُبَاحَاتِ إِلَّا فِي مَظِنَّةِ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهَا أَوْ فِي مَوْضِعِ حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ أَوِ الْوَاجِبَاتِ.

فَالْأَوَّلُ نَحْوَ قَوْلِهِ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [الْبَقَرَة: 198] فِي التِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ حَيْثُ ظَنَّ الْمُسْلِمُونَ تَحْرِيمَ التِّجَارَةِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ كَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنْ ذِي الْمَجَازِ (1) كَمَا سَيَأْتِي.

وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ [النِّسَاء: 24] بَعْدَ ذِكْرِ النِّسَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ وَقَوْلُهُ: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [الْبَقَرَة: 187] لِحَصْرِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ فِي خُصُوصِ زَمَنِ النَّهَارِ.

وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي التَّعْرِيفِ رَفْعُ الْحُكْمِ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ كَانَ ثَابِتًا لَوْلَا رَفْعُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا زِيَادَةَ قَيْدٍ فِي التَّعْرِيفِ وَهُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمَعْلُومِ دَوَامُهُ بِخِطَابٍ يَرْفَعُهُ لِيَخْرُجَ عَنْ تَعْرِيفِ النَّسْخِ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُغَيَّى بِغَايَةٍ عِنْدَ انْتِهَاءِ غَايَتِهِ وَرَفْعُ الْحُكْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ أَمْرٍ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى التَّكْرَارِ.

وَحَيْثُ تَبَيَّنَتْ حِكْمَةُ نَسْخِ الْآيَاتِ عُلِمَ مِنْهُ حِكْمَةُ نَسْخِ الشَّرَائِعِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرُوهُ وَأَنْكَرُوا كَوْنَ الْإِسْلَامِ قَدْ نَسَخَ التَّوْرَاةَ وَزَعَمُوا أَنَّ دَوَامَ التَّوْرَاةِ مَانِعٌ مِنَ

الْإِيمَانِ بِالْإِسْلَامِ كَمَا قَالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا [الْبَقَرَة: 91] وَهُوَ أَحْوَالٌ: الْأَوَّلُ مَجِيءُ شَرِيعَةٍ لِقَوْمٍ مَجِيئًا مُؤَقَّتًا لِمُدَّةِ حَيَاةِ الرَّسُولِ الْمُرْسَلِ بِهَا

(1) ذَلِك أَن الْعَرَب كَانُوا إِذا انصرفوا من سوق ذِي الْمجَاز لَيْلَة التَّرويَة يحرمُونَ البيع إِلَى انْقِضَاء الْحَج قَالَ النَّابِغَة يذكر نَاقَته:

كَادَت تساقطني رحلي وميئرتي

بِذِي الْمجَاز وَلم تحسس بِهِ نغما

من صَوت حرمية قَالَت وَقد ظعنوا

هَل فِي مخيمكم من يَشْتَرِي أدما

قَالَت لَهَا وَهِي تسْعَى تَحت لبتها

لَا تحطمنك إِن البيع قد زرما

ص: 657

فَإِذَا تُوُفِّيَ ارْتَفَعَتِ الشَّرِيعَةُ كَشَرِيعَةِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَشَرِيعَةِ يُوسُفَ وَشَرِيعَةِ شُعَيْبٍ قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ إِلَى قَوْلِهِ:

إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا [غَافِر: 34] وَبَقِيَ النَّاسُ فِي فَتْرَةٍ وَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ يُرِيدُ الِاهْتِدَاءَ أَنْ يَتَّبِعَ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ أَوْ بَعْضَهَا كَمَا كَانُوا يَتَّبِعُونَ شَرِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا جَاءَتْ شَرِيعَةٌ بَعْدَهَا فَلَيْسَتِ الثَّانِيَةُ بِنَاسِخَةٍ لِلْأُولَى فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهَا نَسْخٌ يُخَيَّرُ النَّاسُ فِي مُتَابَعَتِهَا الَّذِي كَانَ لَهُمْ فِي زَمَنِ الفترة كَمَا إِذا كَانَتْ عَبْسٌ مَثَلًا يَجُوزُ لَهَا اتِّبَاعُ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ بِشَرِيعَتِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُهُ.

الثَّانِي أَنْ تَجِيءَ شَرِيعَةٌ لِقَوْمٍ مَأْمُورِينَ بِالدَّوَامِ عَلَيْهَا كَشَرْعِ مُوسَى ثُمَّ تَجِيءُ بَعْدَهَا شَرِيعَةٌ لَيْسَتْ رَافِعَةً لِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِأَسْرِهَا وَلَكِنَّهَا تَرْفَعُ بَعْضَ أَحْكَامِهَا وَتُثَبِّتُ بَعْضًا كَشَرِيعَةِ عِيسَى فَهَذِهِ شَرِيعَةٌ نَاسِخَةٌ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا تَنْسَخُ بَعْضًا وَتُفَسِّرُ بَعْضًا، فَالْمَسِيحُ رَسُولٌ نَسَخَ بَعْضَ التَّوْرَاةِ وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَى نَسْخِهِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَبَاقٍ عَلَى أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ فَهُوَ فِي مُعْظَمِهَا مُبَيِّنٌ وَمُذَكِّرٌ وَمُفَسِّرٌ كَمَنْ سَبَقَهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلِ أَشْعِيَاءَ وَأَرْمِيَاءَ وَزَكْرِيَاءَ الْأَوَّلِ وَدَانْيَالَ وَأَضْرَابِهِمْ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا النَّوْعُ نَسْخَ أَحْكَامِ شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا بِكَوْنِهِ بِوَاسِطَةِ رَسُولٍ ثَانٍ.

الثَّالِثُ مَجِيءُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى بِحَيْثُ تُبْطِلُ الثَّانِيَةُ الْأُولَى إِبْطَالًا عَامًّا بِحَيْثُ تُعَدُّ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ بَاطِلَةً سَوَاءً فِي ذَلِكَ الْأَحْكَامُ الَّتِي نَصَّتِ الشَّرِيعَةُ الثَّانِيَةُ فِيهَا بِشَيْءٍ يُخَالِفُ مَا فِي الْأُولَى أَمْ فِيمَا سَكَتَتِ الشَّرِيعَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ وَهَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ فَإِنَّهُ رَفَعَ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَلَقَّى شَيْئًا مِنَ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ فِيمَا لَمْ يَتَكَلَّمِ الْإِسْلَامُ فِيهِ بِشَيْءٍ بَلْ يَأْخُذُ أَحْكَامَ ذَلِكَ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالْقِيَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ نَاظِرٌ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الْأَنْعَام:

90] .

وَقَوْلُهُ: أَوْ نُنْسِها قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ (نُنْسِهَا) بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَبِسِينٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَاءٍ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو (نَنْسَأْهَا) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَبِسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ فَعَلَى قِرَاءَةِ تَرْكِ الْهَمْزِ فَهُوَ مِنَ النِّسْيَانِ وَالْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ لِلْعُمُومِ أَيْ نُنْسِ النَّاسَ إِيَّاهَا

وَذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم بِتَرْكِ قِرَاءَتِهَا حَتَّى يَنْسَاهَا الْمُسْلِمُونَ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْهَمْزِ فَالْمَعْنَى أَوْ نُؤَخِّرُهَا أَيْ نُؤَخِّرُ تِلَاوَتَهَا أَوْ نُؤَخِّرُ الْعَمَلَ بِهَا وَالْمُرَادُ إِبْطَالُ الْعَمَلِ بِقِرَاءَتِهَا أَوْ بِحُكْمِهَا

ص: 658

فَكُنِّيَ عَنْهُ بالنسء وَهُوَ قِسْمٌ آخَرُ مُقَابِلٌ لِلنَّسْخِ وَهُوَ أَنْ لَا يُذَكِّرَ الرَّسُولُ النَّاسَ بِالْعَمَلِ بِحُكْمٍ مَشْرُوعٍ وَلَا يَأْمُرُ مَنْ يَتْرُكُهُ بِقَضَائِهِ حَتَّى يَنْسَى النَّاسُ الْعَمَلَ بِهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ إِبْطَالًا لِلْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَائِمًا لَمَا سَكَتَ الرَّسُولُ عَنْ إِعَادَةِ الْأَمْرِ بِهِ وَلَمَا أُقِرَّ تَارِكُهُ عِنْدَ مُوجِبِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَمْ أَجِدْ لِهَذَا مِثَالًا فِي الْقُرْآنِ وَنَظِيرُهُ

فِي السُّنَّةِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ»

عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلِذَلِكَ كَانَ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ. وَمَعْنَى النَّسْءِ مُشْعِرٌ بِتَأْخِيرٍ يَعْقُبُهُ إِبْرَامٌ وَحِينَئِذٍ فَالْمَعْنَى بَقَاءُ الْحُكْمِ مُدَّةً غَيْرَ مَنْسُوخٍ أَوْ بَقَاءُ الْآيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ مُدَّةً غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ. أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ إِنْسَاءَ الْآيَةِ بِمَعْنَى تَأْخِيرِ مَجِيئِهَا مَعَ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ وَالِاحْتِمَالَاتُ الْمَفْرُوضَةُ فِي نَسْخِ حُكْمٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ تَتَأَتَّى فِي نَسْخِ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ وَإِنْسَائِهَا أَوْ نَسْئِهَا.

وَقَوْلُهُ: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها جَوَابُ الشَّرْطِ وَجَعْلُهُ جَوَابًا مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ وَهُمَا النَّسْخُ وَالْإِنْسَاءُ أَوِ النَّسْءُ لَا يُفَارِقَانِ حَالَيْنِ وَهُمَا الْإِتْيَانُ فِي وَقْتِ النَّسْخِ وَوَقْتِ الْإِنْسَاءِ بِشَيْءٍ هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ خَيْرٌ مِنَ الْمَنْسِيِّ أَوِ الْمَنْسُوءِ أَوْ مِثْلِهِ فَالْمَأْتِيُّ بِهِ مَعَ النَّسْخِ هُوَ النَّاسِخُ مِنْ شَرِيعَةٍ أَوْ حُكْمٍ وَالْمَأْتِيُّ بِهِ مَعَ الْإِنْسَاءِ مِنَ النِّسْيَانِ هُوَ النَّاسِخُ أَيْضًا مِنْ شَرِيعَةٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ هُوَ مَا يَجِيءُ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرُ نَاسِخٍ وَلَكِنَّهُ حُكْمٌ مُخَالِفٌ يَنْزِلُ بَعْدَ الْآخَرِ وَالْمَأْتِيُّ بِهِ مَعَ النَّسْءِ أَيِ التَّأْخِيرِ هُوَ مَا يُقَارِنُ الْحُكْمَ الْبَاقِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ النَّازِلَةِ فِي مُدَّةِ عَدَمِ النَّسْخِ.

وَقَدْ أَجْمَلْتُ جِهَةَ الْخَيْرِيَّةِ وَالْمِثْلِيَّةِ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السَّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ فَتَجِدُهُ مُرَادًا إِذِ الْخَيْرِيَّةُ تَكُونُ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِمَالُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَصْلَحَةَ النَّاسِ، أَوْ مَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ مَضَرَّةً، أَوْ مَا فِيهِ جَلْبُ عَوَاقِبَ حَمِيدَةٍ، أَوْ مَا فِيهِ ثَوَابٌ جَزِيلٌ، أَوْ مَا فِيهِ رِفْقٌ بِالْمُكَلَّفِينَ وَرَحْمَةٌ بِهِمْ فِي مَوَاضِعِ الشِّدَّةِ وَإِنْ كَانَ حَمْلُهُمْ عَلَى الشِّدَّةِ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مَصْلَحَةً. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الْمَفْرُوضَةِ فِي حَالَاتِ النَّسْخِ وَالْإِنْسَاءِ أَوِ النَّسْءِ هِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْخَيْرِ وَالْمِثْلِ مَعًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مِنْهُمَا لَا تَخْلُو مِنَ الِاشْتِمَالِ عَلَى الْخَيْرِ مِنْهَا أَوِ الْمِثْلِ لَهَا فَلِذَلِكَ جِيءَ بَأَوْ فِي قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها فَهِيَ مُفِيدَةٌ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مَعَ جَوَازِ الْجَمْعِ.

ص: 659

وَتَحْقِيقُ هَاتِهِ الصُّوَرِ بِأَيْدِيكُمْ، وَلْنَضْرِبْ لِذَلِكَ أَمْثَالًا تُرْشِدُ إِلَى الْمَقْصُودِ وَتُغْنِي عَنِ الْبَقِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الْتِزَامِ الدَّرَجِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ فَنَقُولُ:

(1)

نَسْخُ شَرِيعَةٍ مَعَ الْإِتْيَانِ بِخَيْرٍ مِنْهَا كَنَسْخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِالْإِسْلَامِ.

(2)

نَسْخُ شَرِيعَةٍ مَعَ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا كَنَسْخِ شَرِيعَةِ هُودٍ بِشَرِيعَةِ صَالِحٍ فَإِنَّ لِكُلٍّ فَائِدَةً مُمَاثِلَةً لِلْأُخْرَى فِي تَحْدِيدِ أَحْوَالِ أُمَّتَيْنِ مَتَقَارِبَتَيِ الْعَوَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ فَهُودٌ نَهَاهُمْ أَنْ يَبْنُوا بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً يَعْبَثُونَ وَصَالِحٌ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ وَنَهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لِلنَّاقَةِ بِسُوءٍ.

(3)

نَسْخُ حُكْمٍ فِي شَرِيعَةٍ بِخَيْرٍ مِنْهُ مِثْلُ نَسْخِ كَرَاهَةِ الْخَمْرِ الثَّابِتَةِ بِقَوْلِهِ: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ [الْبَقَرَة: 219] بِتَحْرِيمِهَا بَتَاتًا فَهَذِهِ النَّاسِخَةُ خَيْرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَصْلَحَةِ دُونَ الرِّفْقِ وَقَدْ يَكُونُ النَّاسِخُ خَيْرًا فِي الرِّفْقِ كَنَسْخِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقُرْبَانِ النِّسَاءِ فِي لَيْلِ رَمَضَانَ بَعْدَ وَقْتِ الْإِفْطَارِ عِنْدَ الْغُرُوبِ إِذَا نَامَ الصَّائِمُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: مِنَ الْفَجْرِ [الْبَقَرَة: 187] قَالَ فِي الْحَدِيثِ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِنُزُولِهَا.

(4)

نَسْخُ حُكْمٍ فِي الشَّرِيعَةِ بِحُكْمٍ مِثْلِهِ كَنَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِتَعْيِينِ الْفَرَائِضِ وَالْكُلُّ نَافِعٌ لِلْكُلِّ فِي إِعْطَائِهِ مَالًا، وَكَنَسْخِ فَرْضِ خَمْسِينَ صَلَاةً بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ مَعَ جَعْلِ ثَوَابِ الْخَمْسِينَ لِلْخَمْسِ فَقَدْ تَمَاثَلَتَا مِنْ جِهَةِ الثَّوَابِ، وَكَنَسْخِ آيَةِ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [الْبَقَرَة: 184] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [الْبَقَرَة: 185] إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [الْبَقَرَة: 184] فَأثْبت كَوْنِ الصَّوْمِ خَيْرًا مِنَ الْفِدْيَةِ.

(5)

إِنْسَاءٌ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ لِشَرِيعَةٍ مَعَ مَجِيءِ خَيْرٍ مِنْهَا، تَأْخِيرُ ظُهُورِ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي حِينِ الْإِتْيَانِ بِشَرَائِعَ سَبَقَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا هِيَ خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا وَالْعَصْرِ الَّذِي شُرِعَتْ فِيهِ فَإِنَّ الشَّرَائِعَ تَأْتِي لِلنَّاسِ بِمَا يُنَاسِبُ أَحْوَالَهُمْ حَتَّى يَتَهَيَّأَ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ لِقَبُولِ الشَّرِيعَةِ الْخَاتِمَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ فَالْخَيْرِيَّةُ هُنَا بِبَعْضِ مَعَانِيهَا وَهِيَ نِسْبِيَّةٌ.

(6)

إِنْسَاءُ شَرِيعَةٍ بِمَعْنَى تَأْخِيرِ مَجِيئِهَا مَعَ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وُقُوعَهُ بَعْدَ حِينٍ وَمَعَ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا كَتَأْخِيرِ شَرِيعَةِ عِيسَى فِي وَقْتِ الْإِتْيَانِ بِشَرِيعَةِ مُوسَى وَهِيَ خَيْرٌ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِمَالِ عَلَى مُعْظَمِ الْمَصَالِحِ وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ.

(7)

إِنْسَاءٌ بِمَعْنَى تَأْخِيرِ الْحُكْمِ الْمُرَادِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِخَيْرٍ مِنْهُ كَتَأْخِيرِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَهُوَ

مُرَادٌ مَعَ الْإِتْيَانِ بِكَرَاهَتِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ فَإِنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ خَيْرٌ مِنَ التَّحْرِيمِ مِنْ حَيْثُ الرِّفْقِ بِالنَّاسِ فِي حَمْلِهِمْ عَلَى مُفَارَقَةِ شَيْءٍ افْتَتَنُوا بِمَحَبَّتِهِ.

(8)

إِنْسَاءُ شَرِيعَةٍ بِمَعْنَى بَقَائِهَا غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ إِلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ مَعَ الْإِتْيَانِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَيْ أَوْسَعُ وَأَعَمُّ مَصْلَحَةً وَأَكْثَرُ

ص: 660

ثَوَابًا لَكِنْ فِي أُمَّةٍ أُخْرَى أَوْ بِمِثْلِهَا كَذَلِكَ.

(9)

إِنْسَاءُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَعْنَى بَقَائِهَا غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ إِلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ مَعَ الْإِتْيَانِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي بَابٍ آخَرَ أَعَمُّ مَصْلَحَةً أَوْ بِمِثْلِهَا فِي بَابٍ آخَرَ أَيْ مِثْلِهَا مَصْلَحَةً أَوْ ثَوَابًا مِثْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فِي وَقْتِ الصَّلَوَاتِ وَيَنْزِلُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.

(10)

نِسْيَانُ شَرِيعَةٍ بِمَعْنَى اضْمِحْلَالُهَا كَشَرِيعَةِ آدَمَ وَنُوحٍ مَعَ مَجِيءِ شَرِيعَةِ مُوسَى وَهِيَ أَفْضَلُ وَأَوْسَعُ وَشَرِيعَةِ إِدْرِيسَ مَثَلًا وَهِيَ مِثْلُ شَرِيعَةِ نُوحٍ.

(11)

نِسْيَانُ حُكْمِ شَرِيعَةٍ مَعَ مَجِيءِ خَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ، كَانَ فِيمَا نَزَلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ثُمَّ نُسِيَا مَعًا وَجَاءَتْ آيَةُ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ [النِّسَاء: 23] عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْكُلُّ مُتَمَاثِلٌ فِي إِثْبَاتِ الرَّضَاعَةِ وَلَا مَشَقَّةَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فِي رَضْعَةٍ أَوْ عَشْرٍ لِقُرْبِ الْمِقْدَارِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ النِّسْيَانِ التَّرْكُ وَهُوَ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ مَعْنَاهُ وَصُوَرُهُ إِلَى مَعْنَى وَصُوَرِ الْإِنْسَاءِ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ.

وَالْمَقْصِدُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها إِظْهَارُ مُنْتَهَى الْحِكْمَةِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَهُمُّهُمْ أَنْ تُنْسَخَ شَرِيعَةٌ بِشَرِيعَةٍ أَوْ حُكْمٌ فِي شَرِيعَةٍ بِحُكْمٍ آخَرَ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي حِكْمَتِهِ وَلَا رُبُوبِيَّتِهِ لِأَنَّهُ مَا نَسَخَ شَرْعًا أَوْ حُكْمًا وَلَا تَرَكَهُ إِلَّا وَهُوَ قَدْ عَوَّضَ النَّاسَ مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُمْ مِنْهُ حِينَئِذٍ أَوْ مَا هُوَ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ وَالْحَالِ، وَمَا أَخَّرَ حُكْمًا فِي زَمَنٍ ثُمَّ أَظْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ عَوَّضَ النَّاسَ فِي إِبَّانِ تَأْخِيرِهِ مَا يَسُدُّ مَسَدَّهُ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ، وَذَلِكَ مَظْهَرُ الرُّبُوبِيَّةِ فَإِنَّهُ يَرُبُّ الْخَلْقَ وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ مَعَ الرِّفْقِ بِهِمْ وَالرَّحْمَةِ، وَمُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَاحِدٌ وَهُوَ حِفْظُ نِظَامِ الْعَالَمِ وَضَبْطُ تَصَرُّفِ النَّاسِ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يَعْصِمُ أَحْوَالَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَالِ بِحَسَبِ الْعُصُورِ وَالْأُمَمِ وَالْأَحْوَالِ إِلَى أَنْ جَاءَ بِالشَّرِيعَةِ الْخَاتِمَةِ وَهِيَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ النَّاسِ وَلِذَلِكَ قَالَ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمرَان: 19] وَقَالَ أَيْضًا: شَرَعَ لَكُمْ

مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً

[الشورى: 13] الْآيَةَ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِخَيْرٍ أَوْ بِمِثْلٍ رَاجِعٌ إِلَى كُلٍّ مِنَ النَّسْخِ وَالْإِنْسَاءِ فَيَكُونُ الْإِتْيَانُ بِخَيْرٍ مِنَ الْمَنْسُوخَةِ أَوِ الْمُنْسَاةِ أَوْ بِمِثْلِهَا وَلَيْسَ الْكَلَامُ مِنَ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى:

نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها هُوَ إِمَّا إِتْيَانُ تَعْوِيضٍ أَوْ إِتْيَانُ تَعْزِيزٍ. وَتَوْزِيعُ هَذَا

ص: 661

الضَّابِطِ عَلَى الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ غَيْرُ عَزِيزٍ. وَالْمَعْنَى إِنَّا لَمْ نَتْرُكِ الْخَلْقَ فِي وَقْتٍ سُدًى، وَأَنْ لَيْسَ فِي النَّسْخِ مَا يتَوَهَّم مِنْهُ البداء.

وَفِي الْآيَةِ إِيجَازٌ بَدِيعٌ فِي التَّقْسِيمِ قَدْ جَمَعَ هَاتِهِ الصُّوَرَ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا وَصُوَرًا تَنْشَقُّ مِنْهَا لَا أَسْأَلُكُمُوهَا لِأَنَّهُ مَا فُرِضَتْ مِنْهَا صُورَةٌ بَعْدَ هَذَا إِلَّا عَرَفْتُمُوهَا.

وَمِمَّا يَقِفُ مِنْهُ الشَّعْرُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ النَّظَرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: نُنْسِها أَنَّهُ إِنْسَاءُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ لِلْآيَةِ أَوْ لِلسُّورَةِ، أَيْ إِذْهَابُهَا عَنْ قُلُوبِهِمْ أَوْ إِنْسَاؤُهُ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهَا فَيَكُونُ نِسْيَانُ النَّاسِ كُلِّهِمْ لَهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ دَلِيلًا عَلَى النَّسْخِ وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثٍ

أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ «قَرَأَ رَجُلَانِ سُورَةً أَقْرَأَهُمَا إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَامَا ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّيَانِ فَلَمْ يَقْدِرَا مِنْهَا عَلَى حَرْفٍ فَغَدَيَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهُمَا: «إِنَّهَا مِمَّا نُسِخَ وَأُنْسِيَ فَالْهُوَا عَنْهَا» .

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذَا الْحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ أَغْرَبَ بِهِ الطَّبَرَانِيُّ وَكَيْفَ خَفَى مِثْلُهُ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ نِسْيَانَ النَّبِيءِ مَا أَرَادَ اللَّهُ نَسْخَهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُثْبِتَهُ قُرْآنًا جَائِزٌ، أَيْ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فَأَمَّا النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ آفَةٌ فِي الْبَشَرِ فَالنَّبِيءُ مَعْصُومٌ عَنْهُ قَبْلَ التَّبْلِيغِ، وَأَمَّا بَعْدَ التَّبْلِيغِ وَحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ فَجَائِزٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَسْقَطَ آيَةً مِنْ سُورَةٍ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِأُبَيٍّ لِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهَا رُفِعَتْ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي نُسِّيتُهَا اهـ.

وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ النِّسْيَانَ الْعَارِضَ الَّذِي يُتَذَكَّرُ بَعْدَهُ جَائِزٌ وَلَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ لِمُنَافَاتِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها وَأَمَّا النِّسْيَانُ الْمُسْتَمِرُّ لِلْقُرْآنِ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الْأَعْلَى: 6] دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ [الْأَعْلَى: 7] هُوَ مِنْ بَابِ التَّوْسِعَةِ فِي الْوَعْدِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَعْلَى.

وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ بِبَرَاءَةٌ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا وَمَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ اهـ. فَهُوَ غَرِيبٌ وَتَأْوِيلُهُ أَنْ هُنَالِكَ سُورَةً

نُسِخَتْ قِرَاءَتُهَا وَأَحْكَامُهَا، وَنِسْيَانُ الْمُسْلِمِينَ لِمَا نُسِخَ لَفْظُهُ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرُ عَجِيبٍ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ اهـ.

وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ وَاقِعٌ، وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ وَوُقُوعِهِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ فَقِيلَ: إِنَّ خِلَافَهُ لَفْظِيٌّ وَتَفْصِيلُ

ص: 662